---
title: "تفسير سورة المدّثر - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/74/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/74/book/350"
surah_id: "74"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المدّثر - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/74/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المدّثر - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/74/book/350*.

Tafsir of Surah المدّثر from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 74:1

> يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [74:1]

اختلف القراء في  المدثر  على نحو ما ذكرناه في  المزمل  \[ المزمل : ١ \]، وفي حرف أبيّ بن كعب  المدثر  ومعناه المتدثر بثيابه، و **«الدثار »**، ما يتغطى الإنسان به من الثياب، واختلف الناس لم ناداه ب  المدثر ، فقال جمهور المفسرين بما ورد في البخاري من أنه لما فرغ من رؤية جبريل على كرسي بين السماء والأرض فرعب منه ورجع إلى خديجة فقال : زملوني زملوني نزلت  يا أيها المدثر [(١)](#foonote-١)، وقال النخعي وقتادة وعائشة نودي وهو في حال تدثر فدعي بحال من أحواله. وروي أنه كان يدثر في قطيفة. وقال آخرون : معناه أيها النائم. وقال عكرمة معناه  يا أيها المدثر  للنبوة وأثقالها، واختلف الناس في أول ما نزل من كتاب الله تعالى فقال جابر بن عبد الله وأبو سلمة والنخعي ومجاهد هو  يا أيها المدثر  الآيات. وقال الزهري والجمهور هو  اقرأ باسم ربك الذي خلق  \[ العلق : ١ \] وهذا هو الأصح. وحديث صدر كتاب البخاري نص في ذلك[(٢)](#foonote-٢).

١ أخرجه البخاري عن وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: (يا أيها المدثر)، قلت: يقولون: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي شيئا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماء باردا، قال: فدثروني وصبو علي ماء باردان فنزلت (يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر)، هكذا ساقه البخاري من هذا الوجه، ورواه مسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: (فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فُجِئْثُت منه – أي خفت وفزعت- حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني زملوني، فأنزل (يا أيها المدثر قم فأنذر... إلى.... فاهجر).
 وهذا السياق هو المحفوظ، ويقتضي أن الوحي قد نزل أولا بقوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، لقوله في الحديث (فإذا الملك الذي جاءني بحراء)، ثم حدثت فترة، ثم نزل الوحي وتتابع. وذكر الإمام السيوطي في "الدر المنثور" أن هذا الحديث قد أخرجه الطيالسي وعبد الرزاق، وأحمد، والبخاري، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، ورواية أحمد في مسنده (٣/٣٢٥) تشبه في لفظها رواية مسلم، وقد أخرج البخاري أيضا الحديث من طريق عقيل بلفظ مسلم..
٢ هذا الحديث طويل أخرجه البخاري في كتاب (بدء الوحي) عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا فقارىء، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال : ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء؟ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم)، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق...) إلى آخر الحديث، وقد أورد الإمام السيوطي هذا الحديث في "الدر المنثور" وذكر أن ممن أخرجه عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه، والبيهقي من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذا الحديث واضح الدلالة على أن قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) هو أول ما نزل من القرآن كما ذكر ابن عطية رحمه الله..

### الآية 74:2

> ﻿قُمْ فَأَنْذِرْ [74:2]

وقوله تعالى : قم فأنذر  بعثة عامة إلى جميع الخلق. قال قتادة، المعنى أنذر عذاب الله ووقائعه بالأمم.

### الآية 74:3

> ﻿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [74:3]

وقوله تعالى : وربك فكبر  معناه عظمه بالعبادة وبث شرعه. وروي عن أبي هريرة أن بعض المؤمنين قال : بم نفتتح صلاتنا ؟ فنزلت  وربك فكبر .

### الآية 74:4

> ﻿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [74:4]

واختلف المتأولون في معنى قوله  وثيابك فطهر ، فقال ابن سيرين وابن زيد بن أسلم والشافعي وجماعة : هو أمر بتطهير الثياب حقيقة، وذهب الشافعي وغيره من هذه الآية إلى وجوب غسل النجاسات من الثياب، وقال الجمهور : هذه الألفاظ استعارة في تنقية الأفعال والنفس والعرض، وهذا كما تقول فلان طاهر الثوب، ويقال للفاجر دنس الثوب، ومنه قول الشاعر \[ غيلان بن سلمة الثقفي \] :\[ الطويل \]
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر\*\*\* لبست ولا من خزية أتقنع[(١)](#foonote-١)
وقال الآخر :\[ الرجز \]
لاهم إن عامر ابن جهم\*\*\* أوذم حجّاً في ثياب دسم[(٢)](#foonote-٢)
أي دنسه. وقال ابن عباس والضحاك وغيره، المعنى لا تلبسها على غدرة ولا فجور، وقال ابن عباس : المعنى لا تلبسها من مكسب خبيث، وقال النخعي : المعنى طهرها من الذنوب، وهذا كله معنى قريب بعضه من بعض، وقال طاوس : المعنى قصرها وشمرها، فذلك طهرة للثياب.

١ هذا البيت قاله غيلان بن سلمة الثقفي، وهو في اللسان –ثوب- وفي الطبري، والقرطبي، وابن كثير، والبحر المحيط، والدر المنثور، وفتح القدير، وقد نقل في اللسان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "معنى الآية: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على فجور كفر"، واحتج بقول الشاعر: إني بحمد الله... البيت. ويروى البيت "ولا من خزية" بدلا من "ولا من غدرة"، والخزية: البلية والخصلة يستحي منها الإنسان، والغدرة: نقض العهد وترك الوفاء به، والتقنع: التغطي بثوب أو نحوه، والمراد هنا أنه لم يفعل شيئا يستحي منه ويتوارى خجلا من الناس..
٢ هذان بيتان من الرجز أوردهما صاحب اللسان –وذم- شاهدا على أن (أوذم) بمعنى أوجب، يقال: أوذم على نفسه حجا أو سفرا، أوجبه، والثياب الدسم هي المتلطخة بالذنوب، يقول الشاعر: إن عامر بن جهم قد أحرم بالحج وهو مدنس بالذنوب. والبيتان أيضا في القرطبي وفي البحر المحيط، ولم ينسبهما أحد ممن ذكرهما، والشاهد أن الراجز هنا كنى عن دنس النفس بالثياب الدنسة..

### الآية 74:5

> ﻿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [74:5]

وقرأ جمهور الناس **«والرِّجز »** بكسر الراء، وقرأ حفص عن عاصم والحسن ومجاهد وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن والنخعي وابن وثاب وقتادة وابن أبي إسحاق والأعرج : و **«الرُّجز »** بضم الراء. فقيل هما بمعنى يراد بهما الأصنام والأوثان، وقيل هما لمعنيين الكسر للنتن والتقابض وفجور الكفار والضم لصنمين :**«إساف ونائلة »**، قاله قتادة. وقيل للأصنام عموماً، قاله مجاهد وعكرمة والزهري. وقال ابن عباس  الرجز  السخط، فالمعنى اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه، وقال الحسن : كل معصية رجز، وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية بالأوثان[(١)](#foonote-١).

١ جاء هذا في حديث جابر الذي رواه الإمام أحمد من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، يقول: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء الآن قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه فرقا – أي فزعت ورعبت- حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله عز وجل :(يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر)، قال أبو سلمة : الرجز: الأوثان، ثم حمى الوحي وتتابع، ١ هـ. وهذه الرواية تفيد أن هذا التفسير من أبي سلمة..

### الآية 74:6

> ﻿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [74:6]

واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى : ولا تمنن تستكثر . فقال ابن عباس وجماعة معه : لا تعط عطاء لتعطى أكثر منه، فكأنه من قولهم، من إذا أعطى، قال الضحاك، وهذا خاص بالنبي عليه السلام، ومباح لأمته لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي : وهذا معنى قوله تعالى : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله [(١)](#foonote-١) \[ الروم : ٣٩ \]، وهذا معنى أجنبي من معنى هذه السورة. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال : ولا تمنن تستكثر  لا تقل دعوت فلم أجب وروى قتادة أن المعنى لا تدل بعملك[(٢)](#foonote-٢)، ففي هذا التأويل تحريض على الجد وتخويف، وقال ابن زيد : معناه  ولا تمنن  على الناس بنبوءتك  تستكثر  بأجر أو بكسب تطلبه منهم. وقال الحسن بن أبي الحسن : معناه  ولا تمنن  على الله بجدك  تستكثر  أعمالك ويقع لك بها إعجاب، فهذه كلها من المن الذي هو تعديد اليد وذكرها. وقال مجاهد : معناه ولا تضعف  تستكثر  ما حملناك من أعباء الرسالة وتستكثر من الخير، فهذه من قولهم حبل منين أي ضعيف[(٣)](#foonote-٣)، وفي قراءة ابن مسعود :**«ولا تمنن أن تستكثر »**، وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«تستكثرْ »** بجزم الراء، وذلك كأنه قال لا تستكثر، وقرأ الأعمش :**«تستكثرَ »** بنصب الراء، وذلك على تقدير أن مضمرة وضعف أبو حاتم الجزم، وقرأ ابن أبي عبلة :**«ولا تمنن فتستكثرْ »** بالفاء العاطفة والجزم، وقرأ أبو السمال :**«ولا تمنّ »** بنون واحدة مشددة.

١ من الآية ٣٩ من سورة الروم..
٢ من قولهم: "أدل عليه" بمعنى: وثق بمحبته فأفرط عليه، وهي بمعنى تدلل عليه..
٣ ذكر ابن عطية ستة أقوال في الآية، وذكر القرطبي فيها أحد عشر تأويلا..

### الآية 74:7

> ﻿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [74:7]

ولربك فاصبر ، أي لوجه ربك وطلب رضاه كما تقول فعلت لله تعالى، والمعنى على الأدنى من الكفار وعلى العبادة وعن السهوات وعلى تكاليف النبوة، قال ابن زيد وعلى حرب الأحمر والأسود لقد حمل أمراً عظيماً.

### الآية 74:8

> ﻿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [74:8]

و  الناقور  الذي ينفخ فيه وهو الصور، قاله ابن عباس وعكرمة. وقال خفاف بن ندبة :\[ الوافر \]
إذا ناقورهم يوماً تبدى\*\*\* أجاب الناس من غرب وشرق[(١)](#foonote-١)
وهو فاعول من النقر، وقال أبو حبان[(٢)](#foonote-٢) :
أمنا زرارة بن أوفى[(٣)](#foonote-٣) فلما بلغ في الناقور خر ميتاً. 
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه :**«كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ »** ففزع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : كيف نقول يا رسول الله ؟ قال :**«قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا »**[(٤)](#foonote-٤).

١ الناقور هو الصور الذي ينفخ فيه، والنقر في كلام العرب: الصوت، يقول خفاف: إن هؤلاء القوم لهم مكانتهم بين الناس، فإذا تنادوا يوما لأمر أجابهم كل من في الشرق والغرب، والشاعر اسمه خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد السلمي، واسم أمه ندبة – بفتح النون وبضمها، وإليها ينسب، وهو أحد أغربة العرب، أي من سودانهم، وهم ثلاثة: عنترة، والسليك السعدي، وخفاف هذا. .
٢ اختلفت الأصول في كتابة هذا الاسم فهو في بعضها (أبو جناب)، وفي بعضها (أبو خفاف)، وفي بعضها (أبو حبان)- وهذا يتفق مع ما في القرطبي- وجاء في الدر المنثور عن ابن سعد، والحاكم أن الذي قال ذلك هو (بهز بن حكيم) قال: فكنت فيمن حمله..
٣ هو زرارة –بضم أوله- ابن أوفى العامري، الحرشي، أبو حاجب البصري، قاضي البصرة، قال عنه الحافظ بن حجر العسقلاني: "ثقة، عابد، من الطبقة الثالثة، مات فجأة في الصلاة سنة ثلاث وتسعين"..
٤ رواه ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وزاد الإمام السيوطي في "الدر المنثور" نسبته إلى ابن أبي شيبة، والطبراني، وابن مردويه..

### الآية 74:9

> ﻿فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [74:9]

و  يوم عسير  معناه في عسر في الأمور الجارية على الكفار فوصف اليوم بالعسر لكونه ظرف زمان له. وكذلك تجيء صفته باليسر. وقرأ الحسن **«عسر »** بغير ياء.

### الآية 74:10

> ﻿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [74:10]

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 سورة المدّثر
 وهي مكية بإجماع من أهل التأويل.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١ الى ١٠\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)
 وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)
 عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)
 اختلف القراء في الْمُدَّثِّرُ على نحو ما ذكرناه في الْمُزَّمِّلُ \[المزمل: ١\]، وفي حرف أبيّ بن كعب الْمُدَّثِّرُ ومعناه المتدثر بثيابه، و **«الدثار»**، ما يتغطى الإنسان به من الثياب، واختلف الناس لم ناداه ب الْمُدَّثِّرُ، فقال جمهور المفسرين بما ورد في البخاري من أنه لما فرغ من رؤية جبريل على كرسي بين السماء والأرض فرعب منه ورجع إلى خديجة فقال: زملوني زملوني نزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وقال النخعي وقتادة وعائشة نودي وهو في حال تدثر فدعي بحال من أحواله. وروي أنه كان يدثر في قطيفة. وقال آخرون: معناه أيها النائم. وقال عكرمة معناه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ للنبوة وأثقالها، واختلف الناس في أول ما نزل من كتاب الله تعالى فقال جابر بن عبد الله وأبو سلمة والنخعي ومجاهد هو يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ الآيات. وقال الزهري والجمهور هو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ \[العلق: ١\] وهذا هو الأصح. وحديث صدر كتاب البخاري نص في ذلك. وقوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ بعثة عامة إلى جميع الخلق. قال قتادة، المعنى أنذر عذاب الله ووقائعه بالأمم، وقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ معناه عظمه بالعبادة وبث شرعه.
 وروي عن أبي هريرة أن بعض المؤمنين قال: بم نفتتح صلاتنا؟ فنزلت وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. واختلف المتأولون في معنى قوله وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، فقال ابن سيرين وابن زيد بن أسلم والشافعي وجماعة: هو أمر بتطهير الثياب حقيقة، وذهب الشافعي وغيره من هذه الآية إلى وجوب غسل النجاسات من الثياب، وقال الجمهور:
 هذه الألفاظ استعارة في تنقية الأفعال والنفس والعرض، وهذا كما تقول فلان طاهر الثوب، ويقال للفاجر دنس الثوب، ومنه قول الشاعر \[غيلان بن سلمة الثقفي\] :\[الطويل\]وإني بحمد الله لا ثوب فاجر  لبست ولا من خزية أتقنع وقال الآخر: \[الرجز\]لاهم إن عامر ابن جهم  أو ذم حجّا في ثياب دهم

أي دنسه. وقال ابن عباس والضحاك وغيره، المعنى لا تلبسها على غدرة ولا فجور، وقال ابن عباس: المعنى لا تلبسها من مكسب خبيث، وقال النخعي: المعنى طهرها من الذنوب، وهذا كله معنى قريب بعضه من بعض، وقال طاوس: المعنى قصرها وشمرها، فذلك طهرة للثياب. وقرأ جمهور الناس **«والرّجز»** بكسر الراء، وقرأ حفص عن عاصم والحسن ومجاهد وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن والنخعي وابن وثاب وقتادة وابن أبي إسحاق والأعرج: و **«الرّجز»** بضم الراء. فقيل هما بمعنى يراد بهما الأصنام والأوثان، وقيل هما لمعنيين الكسر للنتن والتقابض وفجور الكفار والضم لصنمين: **«إساف ونائلة»**، قاله قتادة. وقيل للأصنام عموما، قاله مجاهد وعكرمة والزهري. وقال ابن عباس **«الرجز»** السخط، فالمعنى اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه، وقال الحسن: كل معصية رجز، وروى جابر أن النبي ﷺ فسر هذه الآية بالأوثان. واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. فقال ابن عباس وجماعة معه: لا تعط عطاء لتعطى أكثر منه، فكأنه من قولهم، من إذا أعطى، قال الضحاك، وهذا خاص بالنبي عليه السلام، ومباح لأمته لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ \[الروم: ٣٩\]، وهذا معنى أجنبي من معنى هذه السورة. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ لا تقل دعوت فلم أجب وروى قتادة أن المعنى لا تدل بعملك، ففي هذا التأويل تحريض على الجد وتخويف، وقال ابن زيد:
 معناه وَلا تَمْنُنْ على الناس بنبوءتك تَسْتَكْثِرُ بأجر أو بكسب تطلبه منهم. وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه وَلا تَمْنُنْ على الله بجدك تَسْتَكْثِرُ أعمالك ويقع لك بها إعجاب، فهذه كلها من المن الذي هو تعديد اليد وذكرها. وقال مجاهد: معناه ولا تضعف تَسْتَكْثِرُ ما حملناك من أعباء الرسالة وتستكثر من الخير، فهذه من قولهم حبل منين أي ضعيف، وفي قراءة ابن مسعود: **«ولا تمنن أن تستكثر»**، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ****«تستكثر»**** بجزم الراء، وذلك كأنه قال لا تستكثر، وقرأ الأعمش: ****«تستكثر»**** بنصب الراء، وذلك على تقدير أن مضمرة وضعف أبو حاتم الجزم، وقرأ ابن أبي عبلة: **«ولا تمنن فتستكثر»** بالفاء العاطفة والجزم، وقرأ أبو السمال: **«ولا تمنّ»** بنون واحدة مشددة. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ، أي لوجه ربك وطلب رضاه كما تقول فعلت لله تعالى، والمعنى على الأدنى من الكفار وعلى العبادة وعن السهوات وعلى تكاليف النبوة، قال ابن زيد وعلى حرب الأحمر والأسود لقد حمل أمرا عظيما.
 والنَّاقُورِ الذي ينفخ فيه وهو الصور، قاله ابن عباس وعكرمة. وقال خفاف بن ندبة: \[الوافر\]

إذا ناقورهم يوما تبدى  أجاب الناس من غرب وشرق **وهو فاعول من النقر، وقال أبو حباب:**
 أمنا زرارة بن أوفى فلما بلغ في الناقور خر ميتا.
 وروي أن النبي ﷺ قال لأصحابه: **«كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ»** ففزع أصحاب النبي ﷺ فقالوا: كيف نقول يا رسول الله؟
 قال: **«قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا»**. ويَوْمٌ عَسِيرٌ معناه في عسر في الأمور الجارية على

### الآية 74:11

> ﻿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [74:11]

قوله تعالى : ذرني ومن خلقت وحيداً  وعيد محض، المعنى أنا أكفي عقابه وشأنه كله. ولا خلاف بين المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، فروي أنه كان يلقب الوحيد، أي لأنه لا نظير له في ماله وشرفه في بيته، فذكر الوحيد في الآية في جملة النعمة التي أعطي وإن لم يثبت هذا، فقوله تعالى : خلقت وحيداً  معناه منفرداً قليلاً ذليلاً، فجعلت له المال والبنين[(١)](#foonote-١)، فجار ذكر الوحدة مقدمة حسن معها وقوع المال والبنين، وقيل المعنى خلقته وحدي لم يشركني فيه أحد، ف  وحيداً  حال من التاء في  خلقت [(٢)](#foonote-٢).

١ فتكون (وحيدا) حالا من الضمير المحذوف العائد على (من) في قوله تعالى: (ومن خلقت)..
٢ وقيل: يجوز ان يكون حالا من ضمير النصب في (ذرني)، ويكون المعنى: ذرني وحدي معه فأنا أجزيك في الانتقام منه..

### الآية 74:12

> ﻿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا [74:12]

والمال الممدود : قال مجاهد وابن جبير هو ألف دينار، وقال سفيان : بلغني أنه أربعة آلاف دينار وقاله قتادة، وقيل : عشرة آلاف دينار، فهذا مد في العدد، وقال النعمان بن بشير هي الأرض لأنها مدت، وقال عمر بن الخطاب : المال الممدود الربع المستغل مشاهرة، فهو مد في الزمان لا ينقطع.

### الآية 74:13

> ﻿وَبَنِينَ شُهُودًا [74:13]

و  شهوداً  معناه حضوراً متلاحقين، قال مجاهد وقتادة : كان له عشرة من الولد، وقال ابن جبير : ثلاثة عشر.

### الآية 74:14

> ﻿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا [74:14]

والتمهيد : التوطئة والتهيئة، قال سفيان : المعنى بسطت له العيش بسطاً.

### الآية 74:15

> ﻿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ [74:15]

وقوله تعالى : ثم يطمع أن أزيد  وصفه بجشع الوليد وعتبة في الازدياد من الدنيا.

### الآية 74:16

> ﻿كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا [74:16]

وقوله تعالى : كلا  زجر ورد على أمنية هذا المذكور، ثم أخبر عنه أنه كان معانداً مخالفاً لآيات الله و عبره[(١)](#foonote-١)، يقال بعير عنود للذي يمشي مخالفاً للإبل. ويحتمل أن يريد بالآيات آيات القرآن وهو الأصح في التأويل سبب كلام الوليد في القرآن بأنه سحر.

١ في بعض النسخ: "وغيره" وكأنه من تغير الحال، إذ يقال: لا أراني الله بك غيرا، أي أحوالا متغيرة..

### الآية 74:17

> ﻿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا [74:17]

و **«أرهقه »** معناه أكلفه بمشقة وعسر، و  صعوداً  : عقبة في جهنم، روى ذلك أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) كلما وضع عليها شيء من الإنسان ذاب، والصعود في اللغة : العقبة الشاقة.

١ أخرجه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي. "الدر المنثور"..

### الآية 74:18

> ﻿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ [74:18]

وقوله تعالى مخبراً عن الوليد  إنه فكر وقدر  الآية، روى جمهور المفسرين أن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ومدحه، ثم سمع كذلك مراراً حتى كاد أن يقارب الإسلام، ودخل إلى أبي بكر الصديق مراراً، فجاءه أبو جهل فقال : يا وليد، أشعرت أن قريشاً قد ذمتك بدخولك إلى ابن أبي قحافة وزعمت أنك إنما تقصد أن تأكل طعامه، فقد أبغضتك لمقاربتك أمر محمد، وما يخلصك عندهم إلا أن تقول في هذا الكلام قولاً يرضيهم، ففتنه أبو جهل فافتتن، وقال : افعل ذلك ثم فكر فيما عسى أن يقول في القرآن، فقال : أقول شعر ما هو بشعر، أقول هو كاهن ؟ ما هو بكاهن، أقول هو  سحر يؤثر  هو قول البشر[(١)](#foonote-١)، أي لبس منزل من عند الله قال أكثر المفسرين. 
فقوله تعالى : فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر  هو دعاء عليه وتقبيح لحاله أي أنه ممن يستحق ذلك. 
وروي عن الزهري وجماعة غيره أو الوليد حاج أبا جهل وجماعة من قريش في أمر القرآن وقال : والله إن له لحلاوة وإن أصله لعذق[(١)](#foonote-١) وإن فرعه لجناة[(٢)](#foonote-٢) وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو ولا يعلى ونحو هذا من الكلام فخالفوه فقالوا له : هو شعر، فقال والله ما هو بشعر، ولقد عرفنا الشعر هزجه وبسيطه[(٣)](#foonote-٣)، قالوا : فهو كاهن، قال والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان وزمزمتهم[(٤)](#foonote-٤)، قالوا : هو مجنون، قال : والله ما هو بمجنون، ولقد رأينا المجنون وخنقه[(٥)](#foonote-٥)، قالوا : هو سحر، قال أما هذا فيشبه أنه سحر ويقول أقوال نفسه[(٦)](#foonote-٦). 
قال القاضي أبو محمد : فيحتمل قوله تعالى : فقتل كيف قدر  أن يكون دعاء عليه على معنى تقبيح حاله، ويحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه[(٧)](#foonote-٧) الأول ومدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه فيجري هذا مجرى قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل بن سهيل :**«ويل أمه مسعر حرب »**[(٨)](#foonote-٨)، ومجرى قول عبد الملك بن مروان : قاتل الله كثيراً كأنه رآنا حين قال كذا[(٩)](#foonote-٩)، وهذا معنى مشهور في كلام العرب.

١ ذكره الواحدي بسنده في "أسباب النزول" عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل..

### الآية 74:19

> ﻿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ [74:19]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٨:وقوله تعالى مخبراً عن الوليد  إنه فكر وقدر  الآية، روى جمهور المفسرين أن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ومدحه، ثم سمع كذلك مراراً حتى كاد أن يقارب الإسلام، ودخل إلى أبي بكر الصديق مراراً، فجاءه أبو جهل فقال : يا وليد، أشعرت أن قريشاً قد ذمتك بدخولك إلى ابن أبي قحافة وزعمت أنك إنما تقصد أن تأكل طعامه، فقد أبغضتك لمقاربتك أمر محمد، وما يخلصك عندهم إلا أن تقول في هذا الكلام قولاً يرضيهم، ففتنه أبو جهل فافتتن، وقال : افعل ذلك ثم فكر فيما عسى أن يقول في القرآن، فقال : أقول شعر ما هو بشعر، أقول هو كاهن ؟ ما هو بكاهن، أقول هو  سحر يؤثر  هو قول البشر[(١)](#foonote-١)، أي لبس منزل من عند الله قال أكثر المفسرين. 
فقوله تعالى : فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر  هو دعاء عليه وتقبيح لحاله أي أنه ممن يستحق ذلك. 
وروي عن الزهري وجماعة غيره أو الوليد حاج أبا جهل وجماعة من قريش في أمر القرآن وقال : والله إن له لحلاوة وإن أصله لعذق[(١)](#foonote-١) وإن فرعه لجناة[(٢)](#foonote-٢) وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو ولا يعلى ونحو هذا من الكلام فخالفوه فقالوا له : هو شعر، فقال والله ما هو بشعر، ولقد عرفنا الشعر هزجه وبسيطه[(٣)](#foonote-٣)، قالوا : فهو كاهن، قال والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان وزمزمتهم[(٤)](#foonote-٤)، قالوا : هو مجنون، قال : والله ما هو بمجنون، ولقد رأينا المجنون وخنقه[(٥)](#foonote-٥)، قالوا : هو سحر، قال أما هذا فيشبه أنه سحر ويقول أقوال نفسه[(٦)](#foonote-٦). 
قال القاضي أبو محمد : فيحتمل قوله تعالى : فقتل كيف قدر  أن يكون دعاء عليه على معنى تقبيح حاله، ويحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه[(٧)](#foonote-٧) الأول ومدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه فيجري هذا مجرى قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل بن سهيل :****«ويل أمه مسعر حرب »****[(٨)](#foonote-٨)، ومجرى قول عبد الملك بن مروان : قاتل الله كثيراً كأنه رآنا حين قال كذا[(٩)](#foonote-٩)، وهذا معنى مشهور في كلام العرب. 
١ ذكره الواحدي بسنده في "أسباب النزول" عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل..


---

### الآية 74:20

> ﻿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ [74:20]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٨:وقوله تعالى مخبراً عن الوليد  إنه فكر وقدر  الآية، روى جمهور المفسرين أن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ومدحه، ثم سمع كذلك مراراً حتى كاد أن يقارب الإسلام، ودخل إلى أبي بكر الصديق مراراً، فجاءه أبو جهل فقال : يا وليد، أشعرت أن قريشاً قد ذمتك بدخولك إلى ابن أبي قحافة وزعمت أنك إنما تقصد أن تأكل طعامه، فقد أبغضتك لمقاربتك أمر محمد، وما يخلصك عندهم إلا أن تقول في هذا الكلام قولاً يرضيهم، ففتنه أبو جهل فافتتن، وقال : افعل ذلك ثم فكر فيما عسى أن يقول في القرآن، فقال : أقول شعر ما هو بشعر، أقول هو كاهن ؟ ما هو بكاهن، أقول هو  سحر يؤثر  هو قول البشر[(١)](#foonote-١)، أي لبس منزل من عند الله قال أكثر المفسرين. 
فقوله تعالى : فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر  هو دعاء عليه وتقبيح لحاله أي أنه ممن يستحق ذلك. 
وروي عن الزهري وجماعة غيره أو الوليد حاج أبا جهل وجماعة من قريش في أمر القرآن وقال : والله إن له لحلاوة وإن أصله لعذق[(١)](#foonote-١) وإن فرعه لجناة[(٢)](#foonote-٢) وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو ولا يعلى ونحو هذا من الكلام فخالفوه فقالوا له : هو شعر، فقال والله ما هو بشعر، ولقد عرفنا الشعر هزجه وبسيطه[(٣)](#foonote-٣)، قالوا : فهو كاهن، قال والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان وزمزمتهم[(٤)](#foonote-٤)، قالوا : هو مجنون، قال : والله ما هو بمجنون، ولقد رأينا المجنون وخنقه[(٥)](#foonote-٥)، قالوا : هو سحر، قال أما هذا فيشبه أنه سحر ويقول أقوال نفسه[(٦)](#foonote-٦). 
قال القاضي أبو محمد : فيحتمل قوله تعالى : فقتل كيف قدر  أن يكون دعاء عليه على معنى تقبيح حاله، ويحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه[(٧)](#foonote-٧) الأول ومدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه فيجري هذا مجرى قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل بن سهيل :****«ويل أمه مسعر حرب »****[(٨)](#foonote-٨)، ومجرى قول عبد الملك بن مروان : قاتل الله كثيراً كأنه رآنا حين قال كذا[(٩)](#foonote-٩)، وهذا معنى مشهور في كلام العرب. 
١ ذكره الواحدي بسنده في "أسباب النزول" عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل..


---

### الآية 74:21

> ﻿ثُمَّ نَظَرَ [74:21]

ثم وصف تعالى إدباره واستكباره وأنه ضل عند ذلك وكفر، وإذا قلنا إن ذلك دعاء على مستحسن فعله فيجيء قوله تعالى : ثم نظر ، معناه نظر فيما احتج به القرآن فرأى ما فيه من علو مرتبة محمد عليه السلام ف  عبس  لذلك  وبسر .

### الآية 74:22

> ﻿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ [74:22]

أي قطب وقبض ما بين عينيه وأربد وجهه حسداً له.

### الآية 74:23

> ﻿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ [74:23]

فأدبر واستكبر، أي ارتكس في ضلاله وزال إقباله أولاً ليهتدي ولحقته الكبرياء.

### الآية 74:24

> ﻿فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [74:24]

وقال هذا سحر، و  يؤثر  معناه يروى ويحمل[(١)](#foonote-١)، أي يحمله محمد عن غيره، وعلى التأويل أن الدعاء عليه دعاء على مستقبح فعله يجيء قوله  ثم نظر  معناه معاداً بعينه لأن  فكر وقدر  يقتضيه[(٢)](#foonote-٢) لكنه إخبار بترديده النظر في الأمر، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الوليد فقال له :**«انظر وفكر فلما فكر قال ما تقدم »**.

١ في بعض النسخ: "ويحتمل"..
٢ هكذا في الأصول، ولعله يريد: لأن (فكر وقدر) كلام يقتضيه..

### الآية 74:25

> ﻿إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [74:25]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٤:وقال هذا سحر، و  يؤثر  معناه يروى ويحمل[(١)](#foonote-١)، أي يحمله محمد عن غيره، وعلى التأويل أن الدعاء عليه دعاء على مستقبح فعله يجيء قوله  ثم نظر  معناه معاداً بعينه لأن  فكر وقدر  يقتضيه[(٢)](#foonote-٢) لكنه إخبار بترديده النظر في الأمر، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الوليد فقال له :****«انظر وفكر فلما فكر قال ما تقدم »****. 
١ في بعض النسخ: "ويحتمل"..
٢ هكذا في الأصول، ولعله يريد: لأن (فكر وقدر) كلام يقتضيه..


---

### الآية 74:26

> ﻿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [74:26]

سقر  هو الدرك السادس من جهنم على ما روي، و  أصليه  معناه أجعله فيها مباشراً لنارها.

### الآية 74:27

> ﻿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ [74:27]

وقوله تعالى : وما أدراك ما سقر  هو على معنى التعجب من عظم أمرها وعذابها.

### الآية 74:28

> ﻿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ [74:28]

ثم بين ذلك بقوله  لا تبقي ولا تذر  المعنى : لا تبقي  على من ألقي فيها،  ولا تذر  غاية من العذاب إلا وصلته إليها.

### الآية 74:29

> ﻿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ [74:29]

وقوله تعالى : لواحة للبشر ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو رزين وجمهور الناس : معناه، مغيرة للبشرات، محرقة للجلود مسودة لها، و **«البشر »** جمع بشرة، وتقول العرب : لاحت النار الشيء إذا أحرقته وسودته، وقال الشاعر \[ الأعشى \] :\[ الخفيف \]
لاحة الصيف والغيار وإشفا\*\*\* ق على سقبة كقوس الضال[(١)](#foonote-١)
وأنشد أبو عبيدة :\[ الرجز \]
يا بنت عمي لاحني الهواجر[(٢)](#foonote-٢)\*\*\* وقال الحسن وابن كيسان : لواحة  بناء مبالغة من لاح يلوح إذا ظهر، والمعنى أنها تظهر للناس وهم البشر من مسيرة خمسمائة عام، وذلك لعظمها وهولها وزفيرها. وقرأ عطية العوفي **«لواحةً »** بالنصب.

١ البيت للأعشى وهو من قصيدته المعروفة "ما بكاء الكبير بالأطلال"، واستشهد صاحب اللسان في "سقب" و "ضيل" والضمير في "لاحه" يعود على حمار الوحش الذي ذكره في البيت السابق، ومعنى لاحه: غير لونه إلى سواد، يقال: لاحه السفر والبرد والسقم والحزن والعطش بمعنى غيره، والغيار: الغنيمة يأتي بها الإنسان لأهله، والمراد هنا أن الحمار الوحشي قد غيره الصيف والتعب في الغنيمة التي يأتي بها لرفيقه من الأتن وهي "السقبة" وفي الديوان بدلا من الغيار "الصيال"، والمراد: المواثبة والعراك مع غيره من الحمر دفاعا عن هذه الأتان، والسقبة: الجحشة التي لا تلد إلا ذكورا، أو تضع أكثر ما تضع من الذكور، وفي الديوان "صعدة" وهي الأتان أيضا، والضال: شجر السدر من شجر الشوك، وينبت في السهول والوعور، وقوس الضال إذا بريت جزلة ليكون أقوى لها، وإنما يحتمل ذلك منها لخفة عودها، ذكر ذلك في اللسان، ثم استشهد بالبيت على ذلك، يشبه الشاعر الأتان بهذا القوس بعد أن وصف حمار الوحش بالسواد والتغير من أجل دفاعه عنها. .
٢ هذا عجز بيت استشهد به القرطبي أيضا، والبيت بتمامه:
 تقول ما لاحك يا مسافر يابنة عمي لا حني الهواجر
 والهواجر: جمع هاجرة وهي شدة الحر في وقت الظهيرة، تسأله ماذا غيرك أيها المسافر؟ فيقول لها: غيرني يا بنت عمي شدة الحر في وقت الظهيرة، والبيت أيضا في "مجاز القرآن" وفي "الألوسي"..

### الآية 74:30

> ﻿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [74:30]

وقوله تعالى : عليها تسعة عشر  ابتداء وخبره مقدم في المجرور، ولا خلاف بين العلماء أنهم خزنة جهنم المحيطون بأمرها الذين إليهم جماع أمر زبانيتها، وقد قال بعض الناس : إنهم على عدد حروف بسم الله الرحمن الرحيم لأن بها تقووا، وروي أن قريشاً لما سمعت هذا كثر إلغاطهم[(١)](#foonote-١) فيه وقالوا : لو كان هذا حقاً، فإن هذا العدد قليل، فقال أبو جهل : هؤلاء تسعة عشر، وأنتم الدهم[(٢)](#foonote-٢)، أفيعجز عشرة منا عن رجل منهم، وقال ابو الأشدي الجمحي[(٣)](#foonote-٣) : أنا أجهضهم[(٤)](#foonote-٤) على النار، إلى غير هذا من أقوالهم السخيفة، فنزلت في أبي جهل : أولى لك فأولى [(٥)](#foonote-٥) \[ القيامة : ٣٤-٣٥ \] الآية، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وطلحة بن شبل **«تسعْة عشر »** بسكون العين، وذلك لتوالي الحركات، وقرأ أنس بن مالك وأبو حيوة **«تسعةُ عشر »** برفع التاء، وروي عن أنس بن مالك أنه قرأ **«تسعة أعشر »**، وضعفها أبو حاتم[(٦)](#foonote-٦).

١ ألغط القوم: صوتوا أصواتا مختلفة مبهمة لا تفهم..
٢ الدهم – بفتح الدال- العدد الكثير: يقال: جاء دهم من الناس، وجيش دهم أي كثير..
٣ في بعض النسخ: "أبو الأسود" وما أثبتناه، هنا يوافق ما في حاشية الجمل، واسمه أسيد بن كلدة الجمحي، كان شديد البأس، وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم..
٤ أي أعجلهم عنها، وفي الحديث الشريف: "فأجهضوهم عن أثقالهم يوم أحد"..
٥ الآية ٢٤ من سورة القيامة..
٦ قال أبو الفتح في المحتسب: "تسعة عشر" بفتح هاء تسعة وسكون عين عشر- فلأجل كثرة الحركات، وأن الاسمين جعلا كاسم واحد، فلم يوقف على الأول منهما فيحتاج إلى الابتداء بالثاني، فلما أمن ذلك أسكن تخفيفا أوله، وجعل ذلك أمارة لقوة اتصال أحد الاسمين بصاحبه، وقال أبو حاتم في "تسعة أعشر": لا وجه له تعرفه، إلا أن يعني تسعة أعشر جمع العشر أو شيئا غير الذي وقع في قلوبنا. .

### الآية 74:31

> ﻿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ [74:31]

وقوله تعالى : وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة  تبيين لفساد أقوال قريش، أي إن جعلناهم خلقاً لا قبل لأحد من الناس بهم وجعلنا عدتهم هذا القدر فتنة للكفار ليقع منهم من التعاطي والطمع في المبالغة ما وقع و  ليستيقن  أهل الكتاب : التوراة والإنجيل أن هذا القرآن من عند الله، إذ هم يجدوه هذه العدة في كتبهم المنزلة التي لم يقرأها محمد صلى الله عليه وسلم ولا هو من أهلها، ولكن كتابه يصدق ما بين يديه من كتب الأنبياء إذ جميع ذلك حق يتعاضد منزل من عند الله، قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد وغيرهم، وبورود الحقائق من عند الله عز وجل يزداد كل ذي إيمان إيماناً ويزول الريب عن المصدقين من أهل الكتاب ومن المؤمنين، وقوله تعالى : وليقول الذين في قلوبهم مرض  الآية، نوع من الفتنة لهذا الصنف المنافق أو الكافر، أي جاروا وضلوا ولم يهتدوا لقصد الحق فجعلوا يستفهم بعضهم بعضاً عن مراد الله تعالى بهذا المثل استبعاداً أن يكون هذا من عند الله، قال الحسين بن الفضل : السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق فإنما المرض في هذه الآية الاضطراب وضعف الإيمان. 
قوله تعالى : كذلك يضل الله من يشاء  أي بهذه الصفة وهذا الرّين[(١)](#foonote-١) على القلوب يضل، ثم أخبر تعالى أنه  يهدي من يشاء  من المؤمنين لما ورد بذلك لعلمهم بالقدرة ووقوف عقولهم على كنه[(٢)](#foonote-٢) سلطان الله تعالى، فهم موقنون متصورون صحة ما أخبرت به الأنبياء وكتب الله تعالى، ثم قال : وما يعلم جنود ربك إلا هو  إعلاماً بأن الأمر فوق ما يتوهم وأن الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها، والسماء[(٣)](#foonote-٣) كلها عامرة بأنواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم وطاعة لا فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة. وقوله تعالى : وما هي إلا ذكرى للبشر  قال مجاهد الضمير في قوله  وما هي  للنار المذكورة، أي يذكرها البشر فيخافونها فيطيعون الله تعالى. وقال بعض الحذاق : قوله تعالى : ما هي ، يراد بها الحال والمخاطبة والنذارة، قال الثعلبي : وقيل  وما هي ، يراد نار الدنيا، أي إن هذه تذكرة للبشر بنار الآخرة.

١ الرين : الغطاء والحجاب الكثيف..
٢ الكنه: جوهر الشيء وحقيقته..
٣ في بعض النسخ: "والمملكة عامرة" وفي بعضها: "والسماء كلها عامرة"..

### الآية 74:32

> ﻿كَلَّا وَالْقَمَرِ [74:32]

وقوله عز وجل : كلا  رد على الكافرين وأنواع الطاغين على الحق، ثم أقسم ب  القمر ، تخصيص تشريف وتنبيه على النظر في عجائبه وقدرة الله تعالى في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يختل.

### الآية 74:33

> ﻿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [74:33]

وكذلك هو القسم ب  الليل  وب  الصبح ، فيعود التعظيم في آخر الفكرة وتحصيل المعرفة إلى الله تعالى مالك الكل وقوام الوجود ونور السماء والأرض، لا إله إلا هو العزيز القهار. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر عن عاصم :**«إذ أدَبَر »** بفتح الدال والباء[(١)](#foonote-١)، وهي قراءة ابن عباس وابن المسيب وابن الزبير ومجاهد وعطاء ويحيى بن يعمر وأبي جعفر وشيبة وأبي الزناد وقتادة وعمر بن عبد العزيز والحسن وطلحة. وقرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم، **«إذا أدْبر »** بسكون الدال وبفعل رباعي، وهي قراءة سعيد بن جبير وأبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنهم والأعرج وأبي شيخ وابن محيصن وابن سيرين، قال يونس بن حبيب :**«دبر »** معناه انقضى و **«أدبر »** معناه تولى. وفي مصحف ابن مسعود وأبيّ بن كعب **«إذ أدَبر »** بفتح الدال وألف في \[ إذا \][(٢)](#foonote-٢) وبفعل رباعي وهي قراءة الحسن وأبي رزين وأبي رجاء ويحيى بن يعمر. وسأل مجاهد ابن عباس عن دبر الليل فتركه حتى إذا سمع المنادي الأول للصبح قال له : يا مجاهد، هذا حين دبر الليل، وقال قتادة : دبر الليل ولى. قال الشاعر \[ الأصمعي \] :\[ الكامل \]
وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم\*\*\* بهضاب هامدة كأمس الدابر[(٣)](#foonote-٣)
والعرب تقول في كلامها كأمس المدبر، قال أبو علي الفارسي : فالقراءتان جميعاً حسنتان.

١ الذي في الأصول "دبر" بفتح الدال والباء، ولم تذكر (إذا) وذكرناها لأنها بالألف، وهي تختلف عن قراءة عاصم برواية حفص (إذ) الثابتة في المصحف. واعتمدنا في ذلك على ما ذكره القرطبي وأبو حيان في البحر المحيط..
٢ زاد في بعض النسخ "وفتح الدال"، وهذا خطأ من النساخ لأن الفعل الرباعي لا تفتح معه الدال..
٣ هذا البيت في اللسان غير منسوب، ذكره شاهدا على أن الدابر بمعنى الذاهب، قال: "وأمس الدابر: الذاهب، وقالوا: مضى أمس الدابر وأمس المدبر، وهذا من التطوع المشام للتأكيد لأن اليوم إذا قيل فيه أمس فمعلوم أنه دبر، لكنه أكده بقوله: الدابر، قال الشاعر: وأبي الذي... البيت"، والرواية فيه: "بصهاب" فموضع جعلوه اسما للبقعة، وأنشد الأصمعي هذا البيت شاهدا على ذلك. راجع اللسان – دبر وصهب..

### الآية 74:34

> ﻿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ [74:34]

و **«أسفر الصبح »** أضاء وانتشر ضوءه قبل طلوع الشمس بكثير والإسفار رتب أول ووسط وآخر، ومن هذه اللفظة السَّفر، والسفر بفتح السين، والسفير[(١)](#foonote-١) وسفرت المرأة عن وجهها كلها ترجع إلى معنى الظهور والانجلاء، وقرأ عيسى بن الفضيل وابن السميفع :**«إذا اسفر »**، فكأن المعنى طرح الظلمة عن وجهه وضعفها أبو حاتم.

١ السفر: الصبح والفجر، قال الأخطل:
 إني أبيت وهم الليل يبعثه من أول الليل حتى يفرج السفر
 أي: أبيت أسري إلى انفجار الصبح.
 والسفر –بالكسر- الكتاب، وقيل: هو الكتاب الكبير، وقيل: هو جزء من التوراة، والجمع أسفار.
 والسفير: الرسول والمصلح بين القوم، والجمع سفراء، يقال: سفرت بين القوم إذا سعيت بينهم في الإصلاح. "راجع اللسان"..

### الآية 74:35

> ﻿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ [74:35]

وقوله تعالى : إنها لإحدى الكبر  قال قتادة وأبو رزين وغيره : الضمير لجهنم، ويحتمل أن يكون الضمير للنذارة، وأمر الآخرة فهو للحال والقصة، وتكون هذه الآية مثل قوله عز وجل
 قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون [(١)](#foonote-١) \[ ص : ٦٨ \]، و  الكبر ، جمع كبيرة، وقرأ جمهور القراء **«لإحدى »** بهمزة في ألف إحدى، وروي عن ابن كثير أنه قرأ **«لاحدى »** دون همزة، وهي قراءة نصر بن عاصم، قال أبو علي : التخفيف في  لإحدى الكبر ، أن تجعل الهمزة فيها بين بين، فأما حذف الهمزة فليس بقياس وقد جاء حذفها. قال أبو الأسود الدؤلي :\[ الكامل \]
يا أبا المغيرة رب أمر معضل\*\*\* فرجته بالنكر مني والدّها[(٢)](#foonote-٢)
وأنشد ثعلب :\[ الكامل \]
إن لم أقاتل فالبسوني برقعا\*\*\* وفتخات في اليدين أربعا[(٣)](#foonote-٣)

١ الآيتان (٦٧، ٦٨) من سورة ص..
٢ أبو الأسود هو عمرو بن سفيان بن جندل، من التابعين، وكانت له أخبار مع زياد بن أبيه قال فيها شعرا، والأمر المعضل هو الشديد المعجز، والنكر: الدهاء والفطنة، والدها: العقل وجودة الرأي والبصر بالأمور، يقول: إنه بعقله وفطنته يتغلب على الصعاب والمشكلات، والشاهد حذف الألف في "أبا"..
٣ البرقع: بضم القاف وبفتحها: غطاء تغطي به البدوية وجهها، ولا يظهر منه سوى العينين، والفتخات: جمع فتخة وفتخة، وهي حلقة تلبس في الإصبع كالخاتم ولا فص فيها، وكانت نساء الجاهلية يلبسنها في أصابعهن العشر، وقد تكون في أصابع الرجلين، وفي حديث عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: القلب والفتخة. والشاهد في البيت هنا حذف الهمزة في "فالبسوني".

### الآية 74:36

> ﻿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ [74:36]

وقوله تعالى : نذيراً للبشر  قال الحسن بن أبي الحسن : لا نذير إذ هي من النار. وهذا القول يقتضي أن  نذيراً  حال من الضمير في  إنها . أو من قوله  لإحدى ، وكذلك أيضاً على الاحتمال في أن تكون  إنها  يراد بها قصة الآخرة وحال العالم، وقال أبو رزين : الله جل ذكره هو النذير، فهذا القول يقتضي أن  نذيراً  معمول الفعل تقديره : ليس نذيراً للبشر أو ادعوا نذيراً للبشر، وقال ابن زيد محمد عليه السلام هو النذير : فهذا القول يقتضي أن  نذيراً  معمول لفعل. وهذا اختيار الخليل في هذه الآية ذكره الثعلبي قال : ولذلك يوصف به المؤنث، وقرأ ابن أبي عبلة **«نذيرٌ »** بالرفع على إضمار هو.

### الآية 74:37

> ﻿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [74:37]

وقوله تعالى : لمن يشاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ، قال الحسن هو وعيد نحو قوله تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر [(١)](#foonote-١) \[ الكهف : ٢٩ \]، وقوله تعالى : ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين [(٢)](#foonote-٢) \[ الحجر : ٢٤ \]. 
قال القاضي أبو محمد : هو بيان في النذارة وإعلام أن كل أحد يسلك طريق الهدى والحق إذا حقق النظر، أي : هو بعينه يتأخر عن هذه الرتبة بغفلته وسوء نظره

١ من الآية ٢٩ من سورة الكهف..
٢ من الآية ٢٤ من سورة الحجر..

### الآية 74:38

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [74:38]

ثم قوي هذا المعنى بقوله : كل نفس بما كسبت رهينة  إذ ألزم بهذا القول أن المقصر مرتهن بسوء عمله. وقال الضحاك : المعنى كل نفس حقت عليها كلمة العذاب، ولا يرتهن تعالى أحداً من أهل الجنة إن شاء الله، والهاء في  رهينة  للمبالغة، أو على تأنيث اللفظ لا على معنى الإنسان

### الآية 74:39

> ﻿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ [74:39]

وقوله تعالى : إلا أصحاب اليمين  استثناء ظاهر الانفصال، وتقديره لكن أصحاب اليمين، وذلك لأنهم لم يكتسبوا ما هم به مرتهنون، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أصحاب اليمين  في هذه الآية، أطفال المسلمين، وقال ابن عباس : هم الملائكة، وقال الضحاك : هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وقال الحسن وابن كيسان : هم المسلمون المخلصون وليسوا بمرتهنين.

### الآية 74:40

> ﻿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ [74:40]

ثم ذكر تعالى حال  أصحاب اليمين  وأنهم في جنات يسأل بعضهم بعضاً عمن غاب من معارفه، فإذا علموا أنهم مجرمون في النار، قالوا لهم أو قالت الملائكة : ما سلككم في سقر  ؟

### الآية 74:41

> ﻿عَنِ الْمُجْرِمِينَ [74:41]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٠:ثم ذكر تعالى حال  أصحاب اليمين  وأنهم في جنات يسأل بعضهم بعضاً عمن غاب من معارفه، فإذا علموا أنهم مجرمون في النار، قالوا لهم أو قالت الملائكة : ما سلككم في سقر  ؟---

### الآية 74:42

> ﻿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [74:42]

وسلك معناه : أدخل، ومنه قول أبي وجزة السعدي :
حتى سلكن الشوى منهن في مسك\*\*\* من نسل جوابة الآفاق مهداج[(١)](#foonote-١)

١ قال أبو وجزة هذا البيت في وصف حمر الوحش، ومعنى سلكن: أدخلن، وهو الشاهد هنا، والشوى: اليدان والرجلان، والمسك: الأسورة من العاج وغيره، وقد استعاره أبو وجزة فجعل ما تدخل فيه الأتن أرجلها من الماء مسكا، أي سوارا حول أطرافها. وجوابه الآفاق هي السحابة التي تطوف بالافاق، جعل الماء نسلا لها لأن الريح تستدر السحاب وتلقحه فيمطر، فالماء من نسلها، والمهداج من الهدجة، وهو حنين الناقة على ولدها، يقول: إن الأتن أتت في طلب الماء ليلا، وإنها أدخلت أرجلها في ماء فالتفت حولها كالأساور، وهو ماء تنزله الريح من السحابة التي لها صوت كصوت الناقة حين تحن على ولدها..

### الآية 74:43

> ﻿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [74:43]

هذا هو اعتراف الكفار على أنفسهم وفي نفي[(١)](#foonote-١) الصلاة يدخل الإيمان بالله والمعرفة به والخشوع والعبادة. والصلاة تنتظم على عظم الدين وأوامر الله تعالى وواجبات العقائد.

١ في إحدى النسخ: "وفي معنى الصلاة"..

### الآية 74:44

> ﻿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [74:44]

وإطعام المساكين ينتظم الصدقة فرضاً وطواعية، وكل إجمال ندبت إليه الشريعة بقول أو فعل.

### الآية 74:45

> ﻿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [74:45]

والخوض  مع الخائضين  عرفه في الباطل، قال قتادة : المعنى كلما غوى غاو غووا معه.

### الآية 74:46

> ﻿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [74:46]

والتكذيب  بيوم الدين  كفر صراح وجهل بالله تعالى.

### الآية 74:47

> ﻿حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ [74:47]

و  اليقين  معناه عندي صحة ما كانوا يكذبون به من الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخرة، وقال المفسرون : اليقين  الموت، وذلك عندي هنا متعقب لأن نفس الموت يقين عند الكافر وهو حي، فإنما  اليقين  الذي عنوا في هذه الآية الشيء الذي كانوا يكذبون به وهم أحياء في الدنيا فتيقنوه بعد الموت. وإنما يتفسر اليقين بالموت في قوله تعالى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [(١)](#foonote-١) \[ الحجر : ٩٩ \].

١ الآية ٩٩ من سورة الحجر..

### الآية 74:48

> ﻿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [74:48]

ثم أخبر تعالى أن  شفاعة الشافعين  لا تنفعهم فتقرر من ذلك أن ثم شافعين، وفي صحة هذا المعنى أحاديث : قال صلى الله عليه وسلم :**«يشفع الملائكة ثم النبيون ثم العلماء ثم الشهداء ثم الصالحون، ثم يقول الله تعالى : شفع عبادي وبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فلا يبقى في النار من كان له إيمان »**[(١)](#foonote-١)، وروى الحسن أن الله تعالى يدخل الجنة بشفاعة رجل من هذه الأمة مثل ربيعة ومضر وفي رواية أبي قلابة أكثر من بني تميم[(٢)](#foonote-٢)، وقال الحسن كنا نتحدث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته[(٣)](#foonote-٣).

١ حديث الشفاعة حديث طويل، وقد أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، وفي لفظ البخاري في كتاب التوحيد: (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة... الحديث)، وفي لفظ أحمد (٣/٩٤): (ثم يقول الله: شفعت الملائكة وشفع الأنبياء وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين، قال: فيقبض قبضة من النار، أو قال قبضتين، ناس لم يعملوا خيرا قط قد احترقوا حتى صاروا حميما، قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له ماء الحياة... الخ). ومعنى (امتحشوا) أنهم تناولهم اللهب فأحرق جلودهم فكشف العظم وشيط أعاليه..
٢ أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير، عن قتادة في قوله: (وكنا نخوض مع الخائضين) قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه، وفي قوله: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) قال: تعلموا أن الله يشفع المؤمنين يوم القيامة بعضهم في بعض، قال: وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في أمتي رجلا ليدخلن الله الجنة بشفاعته أكثر من بني تميم)، وقال الحسن: (أكثر من ربيعة ومضر)..
٣ في آخر الحديث في الهامش السابق: (قال: وكنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته)، وأخرجه أبو داود في الجهاد..

### الآية 74:49

> ﻿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [74:49]

ثم قال عز وجل : فما لهم عن التذكرة معرضين  أي والحال المنتظرة هي هذه الموصوفة.

### الآية 74:50

> ﻿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [74:50]

وقوله تعالى في صفة الكفار المعرضين بتول واجتهاد في نفور  كأنهم حمر مستنفرة  إثبات لجهالتهم لأن الحمر من جاهل الحيوان جداً، وقرأ الأعمش :**«حمْر »** بإسكان الميم، وفي حرف ابن مسعود **«حمر نافرة »**، وقرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم :**«مستنفَرة »** بفتح الفاء، وقرأ الباقون بكسرها، واختلف عن نافع وعن الحسن والأعرج ومجاهد، فأما فتح الفاء فمعناها استنفرها فزعها من القسورة، وأما كسر الفاء فعلى أن نفر واستنفر بمعنى واحد مثل عجب واستعجب وسخر واستسخر فكأنها نفرت هي، ويقوي ذلك قوله تعالى  فرت

### الآية 74:51

> ﻿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [74:51]

قوله تعالى  فرت  وبذلك رجح أبو علي قراءة كسر [(١)](#foonote-١)الفاء، واختلف المفسرون في معنى القسورة فقال ابن عباس وأبو موسى الأشعري وقتادة وعكرمة :************«القسورة »************ الرماة، وقال ابن عباس أيضاً وأبو هريرة وجمهور من اللغويين :************«القسورة »************ الأسد، ومنه قول الشاعر :\[ الرجز \]
مضمر تحذره الأبطال\*\*\* كأنه القسورة الرئبال[(٢)](#foonote-٢)
وقال ابن جبير :************«القسورة »************ : رجال القنص، وقاله ابن عباس أيضاً، وقيل :************«القسورة »************ ركز الناس، وقيل :************«القسورة »************ الرجال الشداد، قال لبيد :
إذا ما هتفنا هتفة في ندينا\*\*\* أتانا الرجال العاندون القساور[(٣)](#foonote-٣)
وقال ثعلب :************«القسورة »************ سواد أول الليل خاصة لآخره أو اللفظة مأخوذة من القسر الذي هو الغلبة والقهر.

١ قال الفراء في "معاني القرآن": وهما جميعا كثيرتان في كلام العرب – يعني اللغتين- ثم أنشد دليلا على الكسر:
 أمسك حمارك إنه مستنفر في إثر أحمرة عمدن لغرب
 و (غرب) جبل دون الشام في بلاد بني كلب، وعنده عين ماء يقال لها: الغربة، والبيت في القرطبي وفي المحيط وفي اللسان..
٢ الضمور: الهزال والتصاق البطن بالظهر، وهو دليل على سلامة الجسم، والقسورة: الأسد، وهذا هو المعروف فيه، وإن كان اللغويون قد ذكروا فيه أقوالا كثيرة، فهو الرامي والصائد، والكلب، والعزيز يقتسر غيره ويقهره، والرئبال: واحد من أسماء الأسد، يهمز ولا يهمز، ولم أقف على قائل البيت..
٣ هذا بيت من "متفرقات" نسبت إلى لبيد، وذكرت في آخر الديوان، والرواية فيه "الصائدون" بدلا من "العاندون" وهو في القرطبي "العائدون" وفي البحر المحيط، "الصائدون" وفي فتح القدير "العابدون". ويحاول بعض الشراح توضيح معنى "الصائد" بأنه من الصيد وهو ميل العنق من الكبر أو من المرض، أما "العائدون" و"العابدون" فلا نجد لهمها هنا معنى، وأما "العاندون" فهي جمع عاند وهو الباغي الذي يرد الحق مع العلم به، ومنه قوله تعالى: (وخاب كل جبار عنيد)، قالوا في تفسيره: هو الطاغي المجاوز للقدر، الذي يعرف الشيء فيميل عنه ويأباه. والندي: المجلس ما دام القوم مجتمعين فيه، فإذا تفرقوا عنه فليس بندى، ومثله النادي، والقساور: جمع قسورة وهو الأسد في الأصل، والمراد به هنا الرجال الأشداء، يقول : إذا ما صحنا صيحة القوة في مجتمعنا خضع لنا الرجال الأشداء المتكبرون الذين لا يخضعون لأحد كبرا وعنادا. .

### الآية 74:52

> ﻿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُنَشَّرَةً [74:52]

وقوله تعالى : بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة  معناه من هؤلاء المعارضين، أي يريد كل إنسان منهم أن ينزل عليه كتاب من الله، وكان هذا من قول عبد الله بن أبي أمية وغيره. وروي أن بعضهم قال إن كان يكتب في صحف ما يعمل كل إنسان فلتعرض ذلك الصحف علينا فنزلت الآية، و  منشرة  : معناه منشورة غير مطوية، وقرأ سعيد بن جبير **«صحْفاً »** بسكون الحاء وهي لغة يمانية، وقرأ :**«منْشرة »** بسكون النون وتخفيف الشين، وهذا على أن يشبه نشرت الثوب بأنشر الله الميت إذا لطى كالموت، وقد عكس التيمي التشبيه في قوله :\[ الكامل \]
ردت صنائعه عليه حياته\*\*\* فكأنه من نشرها منشور[(١)](#foonote-١)
ولا يقال في الميت يحيى منشور إلا على تشبيه بالثوب وأما محفوظ اللغة فنشرت الصحيفة وأنشر الله الميت، وقد جاء عنهم نشر الله الميت.

١ الصنائع: جمع صنيعة، وهي ما أعطيته وأسديته من معروف أو يد إلى إنسان. ونشر الصنائع: إذاعتها وشهرتها بين الناس، ومنشور هنا بمعنى أنه حي، يقول: إن ما صنعه من معروف وخير ذاع في الناس وانتشر حتى رد على الممدوح حياته فكأنه هو نفسه حي بين الناس، والشاهد هنا أن الشاعر شبه إحياء الممدوح بنشر المعروف والخير، وهذا عكس المألوف وهو تشبيه الثوب المطوي بالميت كأنه ميت بطيه، فإذا نشر صار حيا..

### الآية 74:53

> ﻿كَلَّا ۖ بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ [74:53]

وقوله تعالى : كلا  رد على إرادتهم أي ليس الأمر كذلك، ثم قال : بل لا يخافون الآخرة  المعنى هذه العلة والسبب في إعراضهم فكان جهلهم بالآخرة سبب امتناعهم للهدى حتى هلكوا، وقرأ أبو حيوة :**«تخافون »** بالتاء من فوق رويت عن ابن عامر.

### الآية 74:54

> ﻿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ [74:54]

ثم أعاد الرد والزجر بقوله تعالى : كلا  وأخبر أن هذا القول والبيان وهذه المحاورة بجملتها  تذكرة .

### الآية 74:55

> ﻿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [74:55]

فمن شاء  وفقه الله تعالى لذلك ذكر معاده فعمل له.

### الآية 74:56

> ﻿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [74:56]

ثم أخبر تعالى أن ذكر الإنسان معاده وجريه إلى فلاحه إنما هو كله بمشيئة الله تعالى وليس يكون شيء إلاّ بها، وقرأ نافع وأهل المدينة وسلام ويعقوب :**«تذكرون »** بالتاء من فوق، وقرأ أبو جعفر وعاصم وأبو عمرو والأعمش وطلحة وابن كثير وعيسى والأعرج :**«يذكرون »** بالياء من تحت، وروي عن أبي جعفر بالتاء من فوق وشد الذال كأنه تتذكرون فأدغم، وقوله تعالى : هو أهل التقوى وأهل المغفرة  خبر جزم معناه : أن الله تعالى أهل بصفاته العلى ونعمه التي لا تحصى ونقمه التي لا تدفع لأن يتقى ويطاع ويحذر عصيانه وخلاف أمره، وأنه بفضله وكرمه أهل أن يغفر لعباده إذا اتقوه، وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية فقال :**«يقول ربكم جلت قدرته وعظمته : أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله غيري ومن اتقى أن يجعل معي إلهاً غيري فأنا أغفر له، »**[(١)](#foonote-١) وقال قتادة : معنى الآية هو أهل أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر الذنوب. 
نجز تفسير سورة المدثر والحمد لله كثيراً.

١ أخرجه الإمام أحمد، والدارمي، والترمذي، وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي وصححه، وابن مردويه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وذكر ابن كثير في تفسيره أن البغوي وغيره رواه من حديث سهيل بن عبد الله القطعي به، وذكر أيضا عن الترمذي أنه قال:"حسن غريب وسهيل ليس بالقوي"، وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن دينار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم يقولون: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) قال: (يقول الله: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي شريك، فإذا اتقيت ولم يجعل معي شريك فأنا أهل أن أغفر ما سوى ذلك)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/74.md)
- [كل تفاسير سورة المدّثر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/74.md)
- [ترجمات سورة المدّثر
](https://quranpedia.net/translations/74.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/74/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
