---
title: "تفسير سورة القيامة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/75/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/75/book/1469"
surah_id: "75"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة القيامة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/75/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة القيامة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/75/book/1469*.

Tafsir of Surah القيامة from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 75:1

> لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [75:1]

لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ
 قِيلَ : إِنَّ " لَا " صِلَة، وَجَازَ وُقُوعهَا فِي أَوَّل السُّورَة ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ مُتَّصِل بَعْضه بِبَعْضٍ، فَهُوَ فِي حُكْم كَلَام وَاحِد ; وَلِهَذَا قَدْ يُذْكَر الشَّيْء فِي سُورَة وَيَجِيء جَوَابه فِي سُورَة أُخْرَى ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" وَقَالُوا يَا أَيّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْر إِنَّك لَمَجْنُونٌ " \[ الْحِجْر : ٦ \].
 وَجَوَابه فِي سُورَة أُخْرَى :" مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبّك بِمَجْنُونٍ " \[ الْقَلَم : ٢ \].
 وَمَعْنَى الْكَلَام : أُقْسِم بِيَوْمِ الْقِيَامَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَأَبُو عُبَيْدَة ; وَمِثْله قَوْل الشَّاعِر :

تَذَكَّرْت لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَة  فَكَادَ صَمِيم الْقَلْب لَا يَتَقَطَّع وَحَكَى أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ : أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ مَعْنَى " لَا أُقْسِم " : أُقْسِم.
 وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِير :" لَا " قَالَ بَعْضهمْ :" لَا " زِيَادَةٌ فِي الْكَلَام لِلزِّينَةِ، وَيَجْرِي فِي كَلَام الْعَرَب زِيَادَة " لَا " كَمَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى :" قَالَ مَا مَنَعَك أَنْ لَا تَسْجُدَ " \[ ص : ٧٥ \].
 يَعْنِي أَنْ تَسْجُدَ، وَقَالَ بَعْضهمْ :" لَا " : رَدٌّ لِكَلَامِهِمْ حَيْثُ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ، فَقَالَ : لَيْسَ الْأَمْر كَمَا زَعَمْتُمْ.
 قُلْت : وَهَذَا قَوْل الْفَرَّاء ; قَالَ الْفَرَّاء : وَكَثِير مِنْ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُونَ " لَا " صِلَة، وَلَا يَجُوز أَنْ يُبْدَأ بِجَحْدٍ ثُمَّ يُجْعَل صِلَة ; لِأَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعْرَف خَبَر فِيهِ جَحْد مِنْ خَبَر لَا جَحْدَ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِالرَّدِّ عَلَى الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَجَاءَ الْإِقْسَام بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ ( فِي كَثِير مِنْ الْكَلَام الْمُبْتَدَأ مِنْهُ وَغَيْر الْمُبْتَدَأ ) وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ لَا وَاَللَّه لَا أَفْعَل ف " لَا " رَدّ لِكَلَامٍ قَدْ مَضَى، وَذَلِكَ كَقَوْلِك : لَا وَاَللَّه إِنَّ الْقِيَامَةَ لَحَقٌّ، كَأَنَّك أَكَذَبْت قَوْمًا أَنْكَرُوهُ.
 وَأَنْشَدَ غَيْر الْفَرَّاء لِامْرِئِ الْقَيْس :فَلَا وَأَبِيكِ اِبْنَةَ الْعَامِرِيّ  لَا يَدَّعِي الْقَوْمَ أَنِّي أَفِرّ **وَقَالَ غُوَيَّة بْن سَلْمَى :**أَلَا نَادَتْ أُمَامَةُ بِاحْتِمَالِ  لِتَحْزُنَنِي فَلَا بِكِ مَا أُبَالِي وَفَائِدَتهَا تَوْكِيد الْقَسَم فِي الرَّدّ.
 قَالَ الْفَرَّاء : وَكَانَ مَنْ لَا يَعْرِف هَذِهِ الْجِهَة يَقْرَأ " لَأُقْسِمُ " بِغَيْرِ أَلِف ; كَأَنَّهَا لَام تَأْكِيد دَخَلَتْ عَلَى أُقْسِم، وَهُوَ صَوَاب ; لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُول : لَأُقْسِم بِاَللَّهِ وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن وَابْن كَثِير وَالزُّهْرِيّ وَابْن هُرْمُز " بِيَوْمِ الْقِيَامَة " أَيْ بِيَوْم يَقُوم النَّاس فِيهِ لِرَبِّهِمْ، وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقْسِم بِمَا شَاءَ.

### الآية 75:2

> ﻿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [75:2]

وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
 لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْقُرَّاء، وَهُوَ أَنَّهُ أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ( وَلَمْ يُقْسِم بِالنَّفْسِ ).
 وَعَلَى قِرَاءَة اِبْن كَثِير أَقْسَمَ بِالْأُولَى وَلَمْ يُقْسِم بِالثَّانِيَةِ.
 وَقِيلَ :" وَلَا أُقْسِم بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة " رَدّ آخَر وَابْتِدَاء قَسَم بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة.
 قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَالصَّحِيح أَنَّهُ أَقْسَمَ بِهِمَا جَمِيعًا.
 وَمَعْنَى :" بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة " أَيْ بِنَفْسِ الْمُؤْمِن الَّذِي لَا تَرَاهُ إِلَّا يَلُوم نَفْسَهُ، يَقُول : مَا أَرَدْت بِكَذَا ؟ فَلَا تَرَاهُ إِلَّا وَهُوَ يُعَاتِب نَفْسَهُ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَغَيْرهمْ.
 قَالَ الْحَسَن : هِيَ وَاَللَّه نَفْس الْمُؤْمِن، مَا يُرَى الْمُؤْمِن إِلَّا يَلُوم نَفْسَهُ : مَا أَرَدْت بِكَلَامِي ؟ مَا أَرَدْت بِأَكْلِي ؟ مَا أَرَدْت بِحَدِيثِ نَفْسِي ؟ وَالْفَاجِر لَا يُحَاسِب نَفْسَهُ.
 وَقَالَ مُجَاهِد : هِيَ الَّتِي تَلُوم عَلَى مَا فَاتَ وَتَنْدَم، فَتَلُوم نَفْسَهَا عَلَى الشَّرّ لِمَ فَعَلَتْهُ، وَعَلَى الْخَيْر لِمَ لَا تَسْتَكْثِر مِنْهُ.
 وَقِيلَ : إِنَّهَا ذَات اللَّوْم.
 وَقِيلَ : إِنَّهَا تَلُوم نَفْسَهَا بِمَا تَلُوم عَلَيْهِ غَيْرَهَا ; فَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوه تَكُون اللَّوَّامَة بِمَعْنَى اللَّائِمَة، وَهُوَ صِفَة مَدْح ; وَعَلَى هَذَا يَجِيء الْقَسَم بِهَا سَائِغًا حَسَنًا.
 وَفِي بَعْض التَّفْسِير : إِنَّهُ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَزَلْ لَائِمًا لِنَفْسِهِ عَلَى مَعْصِيَته الَّتِي أُخْرِجَ بِهَا مِنْ الْجَنَّة.
 وَقِيلَ : اللَّوَّامَة بِمَعْنَى الْمَلُومَة الْمَذْمُومَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا - فَهِيَ صِفَة ذَمّ وَهُوَ قَوْل مَنْ نَفَى أَنْ يَكُونَ قَسَمًا ; إِذْ لَيْسَ لِلْعَاصِي خَطَر يُقْسَم بِهِ، فَهِيَ كَثِيرَة اللَّوْم.
 وَقَالَ مُقَاتِل : هِيَ نَفْس الْكَافِر يَلُوم نَفْسَهُ، وَيَتَحَسَّر فِي الْآخِرَة عَلَى مَا فَرَّطَ فِي جَنْب اللَّه.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : لَيْسَ مِنْ نَفْس مُحْسِنَة أَوْ مُسِيئَة إِلَّا وَهِيَ تَلُوم نَفْسَهَا ; فَالْمُحْسِن يَلُوم نَفْسَهُ أَنْ لَوْ كَانَ اِزْدَادَ إِحْسَانًا، وَالْمُسِيء يَلُوم نَفْسَهُ أَلَّا يَكُونَ اِرْعَوى عَنْ إِسَاءَته.

### الآية 75:3

> ﻿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ [75:3]

أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ
 فَنُعِيدهَا خَلْقًا جَدِيدًا بَعْد أَنْ صَارَتْ رُفَاتًا.
 قَالَ الزَّجَّاج : أُقْسِم بِيَوْمِ الْقِيَامَة وَبِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة : لَيَجْمَعَنَّ الْعِظَامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذَا جَوَاب الْقَسَم.
 وَقَالَ النَّحَّاس : جَوَاب الْقَسَم مَحْذُوف أَيْ لَتُبْعَثُنَّ ; وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى :" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَان أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ " لِلْإِحْيَاءِ وَالْبَعْث.
 وَالْإِنْسَان هُنَا الْكَافِر الْمُكَذِّب لِلْبَعْثِ.
 الْآيَة نَزَلَتْ فِي عَدِيّ بْن رَبِيعَة قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَدِّثْنِي عَنْ يَوْم الْقِيَامَة مَتَى تَكُون، وَكَيْفَ أَمْرهَا وَحَالهَا ؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ; فَقَالَ : لَوْ عَايَنْت ذَلِكَ الْيَوْم لَمْ أُصَدِّقك يَا مُحَمَّد وَلَمْ أُومِن بِهِ، أَوَيَجْمَعُ اللَّه الْعِظَامَ ؟ ! وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( اللَّهُمَّ اِكْفِنِي جَارَيْ السُّوء عَدِيّ بْن رَبِيعَة، وَالْأَخْنَس بْن شَرِيق ).
 وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي عَدُوّ اللَّه أَبِي جَهْل حِينَ أَنْكَرَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْت.
 وَذَكَرَ الْعِظَام وَالْمُرَاد نَفْسَهُ كُلّهَا ; لِأَنَّ الْعِظَامَ قَالِب الْخَلْق.

### الآية 75:4

> ﻿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ [75:4]

عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ
 الْبَنَان عِنْد الْعَرَب : الْأَصَابِع، وَاحِدهَا بَنَانَة ; قَالَ النَّابِغَة :

بِمُخَضَّبٍ رَخْص كَأَنَّ بَنَانه  عَنَم يَكَاد مِنْ اللَّطَافَة يُعْقَد **وَقَالَ عَنْتَرَة :**وَأَنَّ الْمَوْتَ طَوْع يَدِي إِذَا مَا  وَصَلْت بَنَانهَا بِالْهِنْدُوَانِي فَنَبَّهَ بِالْبَنَانِ عَلَى بَقِيَّة الْأَعْضَاء.
 وَأَيْضًا فَإِنَّهَا أَصْغَر الْعِظَام، فَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ.
 قَالَ الْقُتَبِيّ وَالزَّجَّاج : وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَبْعَث الْمَوْتَى وَلَا يَقْدِر عَلَى جَمْع الْعِظَام ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُعِيدَ السُّلَامِيَّات عَلَى صِغَرهَا، وَنُؤَلِّف بَيْنَهَا حَتَّى تَسْتَوِيَ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى هَذَا فَهُوَ عَلَى جَمْع الْكِبَار أَقْدَر.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَامَّة الْمُفَسِّرِينَ : الْمَعْنَى " عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ " أَيْ نَجْعَلَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ شَيْئًا وَاحِدًا كَخُفِّ الْبَعِير، أَوْ كَحَافِرِ الْحِمَار، أَوْ كَظِلْفِ الْخِنْزِير، وَلَا يُمْكِنهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّا فَرَّقْنَا أَصَابِعَهُ حَتَّى يَأْخُذَ بِهَا مَا شَاءَ.
 وَكَانَ الْحَسَن يَقُول : جَعَلَ لَك أَصَابِع فَأَنْتَ تَبْسُطهُنَّ، وَتَقْبِضهُنَّ بِهِنَّ، وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَجَمَعَهُنَّ فَلَمْ تَتَّقِ الْأَرْضَ إِلَّا بِكَفَّيْك.
 وَقِيلَ : أَيْ نَقْدِر أَنْ نُعِيدَ الْإِنْسَانَ فِي هَيْئَة الْبَهَائِم، فَكَيْفَ فِي صُورَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ.
 عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ " \[ الْوَاقِعَة :
 ٦٠ - ٦١ \].
 قُلْت : وَالتَّأْوِيل الْأَوَّل أَشْبَه بِمَسَاقِ الْآيَة.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 75:5

> ﻿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [75:5]

بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَعْنِي الْكَافِر يُكَذِّب بِمَا أَمَامَهُ مِنْ الْبَعْث وَالْحِسَاب.
 وَقَالَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد ; وَدَلِيله :" يَسْأَل أَيَّانَ يَوْمَ الْقِيَامَة " أَيْ يَسْأَل مَتَى يَكُون ! عَلَى وَجْه الْإِنْكَار وَالتَّكْذِيب.
 فَهُوَ لَا يَقْنَع بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ التَّكْذِيب، وَلَكِنْ يَأْثَم لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.
 وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْفُجُورَ التَّكْذِيب مَا ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ وَغَيْره أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَصَدَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَشَكَا إِلَيْهِ نَقْب إِبِله وَدَبَرهَا، وَسَأَلَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى غَيْرهَا فَلَمْ يَحْمِلهُ ; فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ :

أَقْسَمَ بِاَللَّهِ أَبُو حَفْص عُمَر  مَا مَسَّهَا مِنْ نَقْب وَلَا دَبَر فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ
 يَعْنِي إِنْ كَانَ كَذَّبَنِي فِيمَا ذَكَرْت.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : يُعَجِّل الْمَعْصِيَةَ وَيُسَوِّف التَّوْبَةَ.
 وَفِي بَعْض الْحَدِيث قَالَ : يَقُول سَوْفَ أَتُوب وَلَا يَتُوب ; فَهُوَ قَدْ أَخْلَفَ فَكَذَبَ.
 وَهَذَا قَوْل مُجَاهِد وَالْحَسَن وَعِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر، يَقُول : سَوْفَ أَتُوب، سَوْفَ أَتُوب، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْت عَلَى أَشَرّ أَحْوَاله.
 وَقَالَ الضَّحَّاك : هُوَ الْأَمَل يَقُول سَوْفَ أَعِيش وَأُصِيب مِنْ الدُّنْيَا وَلَا يَذْكُر الْمَوْتَ.
 وَقِيلَ : أَيْ يَعْزِم عَلَى الْمَعْصِيَة أَبَدًا وَإِنْ كَانَ لَا يَعِيش إِلَّا مُدَّة قَلِيلَة.
 فَالْهَاء عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَال لِلْإِنْسَانِ.
 وَقِيلَ : الْهَاء لِيَوْمِ الْقِيَامَة.
 وَالْمَعْنَى بَلْ يُرِيد الْإِنْسَان لِيَكْفُر بِالْحَقِّ بَيْنَ يَدَيْ يَوْم الْقِيَامَة.
 وَالْفُجُور أَصْله الْمَيْل عَنْ الْحَقّ.

### الآية 75:6

> ﻿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ [75:6]

يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
 أَيْ مَتَى يَوْم الْقِيَامَة.
 أَيْ يَسْأَل مَتَى يَكُونُ ! عَلَى وَجْه الْإِنْكَار وَالتَّكْذِيب.

### الآية 75:7

> ﻿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ [75:7]

فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ
 قَرَأَ نَافِع وَأَبَان عَنْ عَاصِم " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرَّاء، مَعْنَاهُ : لَمَعَ بَصَره مِنْ شِدَّة شُخُوصه، فَتَرَاهُ لَا يَطْرِف.
 قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره : هَذَا عِنْدَ الْمَوْت.
 وَقَالَ الْحَسَن : هَذَا يَوْم الْقِيَامَة.
 وَقَالَ فِيهِ مَعْنَى الْجَوَاب عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ الْإِنْسَان كَأَنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة " إِذَا بَرَقَ الْبَصَر.
 وَخَسَفَ الْقَمَر " وَالْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ " بَرِقَ " وَمَعْنَاهُ : تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِف ; قَالَهُ أَبُو عَمْرو وَالزَّجَّاج وَغَيْرهمَا.
 **قَالَ ذُو الرُّمَّة :**

وَلَوْ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيم تَعَرَّضَتْ  لَعَيْنَيْهِ مَيٌّ سَافِرًا كَادَ يَبْرَقُ الْفَرَّاء وَالْخَلِيل :" بَرِقَ " بِالْكَسْرِ : فَزِعَ وَبُهِتَ وَتَحَيَّرَ.
 وَالْعَرَب تَقُول لِلْإِنْسَانِ الْمُتَحَيِّر الْمَبْهُوت : قَدْ بَرِقَ فَهُوَ بَرِقٌ ; وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء :فَنَفْسَك فَانْعَ وَلَا تَنْعَنِي  وَدَاوِ الْكُلُومَ وَلَا تَبْرَقِ أَيْ لَا تَفْزَع مِنْ كَثْرَة الْكُلُوم الَّتِي بِك.
 وَقِيلَ : بَرَقَ يَبْرَق بِالْفَتْحِ : شَقَّ عَيْنَيْهِ وَفَتَحَهُمَا.
 قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة ; وَأَنْشَدَ قَوْل الْكِلَابِيّ :لَمَّا أَتَانِي اِبْن عُمَيْر رَاغِبًا  أَعْطَيْته عِيسًا صِهَابًا فَبَرَقَ أَيْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ.
 وَقِيلَ : إِنَّ كَسْر الرَّاء وَفَتْحهَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى

### الآية 75:8

> ﻿وَخَسَفَ الْقَمَرُ [75:8]

وَخَسَفَ الْقَمَرُ
 أَيْ ذَهَبَ ضَوْءُهُ.
 وَالْخُسُوف فِي الدُّنْيَا إِلَى اِنْجِلَاء، بِخِلَافِ الْآخِرَة، فَإِنَّهُ لَا يَعُود ضَوْءُهُ.
 وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى غَابَ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ " \[ الْقَصَص : ٨١ \].
 وَقَرَأَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق وَعِيسَى وَالْأَعْرَج :" وَخُسِفَ الْقَمَر " بِضَمِّ الْخَاء وَكَسْر السِّين يَدُلّ عَلَيْهِ " وَجُمِعَ الشَّمْس وَالْقَمَر ".
 وَقَالَ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن إِدْرِيس : إِذَا ذَهَبَ بَعْضه فَهُوَ الْكُسُوف، وَإِذَا ذَهَبَ كُلّه فَهُوَ الْخُسُوف

### الآية 75:9

> ﻿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [75:9]

وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
 أَيْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي ذَهَاب ضَوْئِهِمَا، فَلَا ضَوْءَ لِلشَّمْسِ كَمَا لَا ضَوْءَ لِلْقَمَرِ بَعْدَ خُسُوفه ; قَالَهُ الْفَرَّاء وَالزَّجَّاج.
 قَالَ الْفَرَّاء : وَلَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى جُمِعَ بَيْنَهُمَا.
 وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ عَلَى تَغْلِيب الْمُذَكَّر.
 وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ مَحْمُول عَلَى الْمَعْنَى، كَأَنَّهُ قَالَ الضَّوْءَانِ.
 الْمُبَرِّد : التَّأْنِيث غَيْر حَقِيقِيّ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود : جُمِعَ بَيْنَهُمَا أَيْ قُرِنَ بَيْنَهُمَا فِي طُلُوعهمَا مِنْ الْمَغْرِب أَسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ مُقْرَنَيْنِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ.
 وَقَدْ مَضَى الْحَدِيث بِهَذَا الْمَعْنَى فِي آخِر سُورَة " الْأَنْعَام ".
 وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " وَجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْس وَالْقَمَر " وَقَالَ عَطَاء بْن يَسَار : يُجْمَع بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَة ثُمَّ يُقْذَفَانِ فِي الْبَحْر، فَيَكُونَانِ نَار اللَّه الْكُبْرَى.
 وَقَالَ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس : يُجْعَلَانِ فِي ( نُور ) الْحُجُب.
 وَقَدْ يُجْمَعَانِ فِي نَار جَهَنَّم ; لِأَنَّهُمَا قَدْ عُبِدَا مِنْ دُون اللَّه وَلَا تَكُون النَّار عَذَابًا لَهُمَا لِأَنَّهُمَا جَمَاد، وَإِنَّمَا يُفْعَل ذَلِكَ بِهِمَا زِيَادَة فِي تَبْكِيت الْكَافِرِينَ وَحَسْرَتهمْ.
 وَفِي مُسْنَد أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ، عَنْ يَزِيد الرَّقَاشِيّ، عَنْ أَنَس بْن مَالِك يَرْفَعهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّار )
 وَقِيلَ : هَذَا الْجَمْع أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَفْتَرِقَانِ، وَيَقْرُبَانِ مِنْ النَّاس، فَيَلْحَقهُمْ الْعَرَق لِشِدَّةِ الْحَرّ ; فَكَأَنَّ الْمَعْنَى يُجْمَع حَرّهمَا عَلَيْهِمْ.
 وَقِيلَ : يُجْمَع الشَّمْس وَالْقَمَر، فَلَا يَكُون ثَمَّ تَعَاقُب لَيْل وَلَا نَهَار.

### الآية 75:10

> ﻿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ [75:10]

يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ
 أَيْ يَقُول اِبْن آدَم، وَيُقَال : أَبُو جَهْل ; أَيْ أَيْنَ الْمَهْرَب ؟
 **قَالَ الشَّاعِر :**

أَيْنَ الْمَفَرّ وَالْكِبَاش تَنْتَطِح  وَأَيّ كَبْش حَادَ عَنْهَا يَفْتَضِح الْمَاوَرْدِيّ : وَيَحْتَمِل وَجْهَيْنِ :
 أَحَدهمَا " أَيْنَ الْمَفَرّ " مِنْ اللَّه اِسْتِحْيَاء مِنْهُ.
 الثَّانِي " أَيْنَ الْمَفَرّ " مِنْ جَهَنَّم حَذَرًا مِنْهَا.
 وَيَحْتَمِل هَذَا الْقَوْل مِنْ الْإِنْسَان وَجْهَيْنِ :
 أَحَدهمَا : أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَافِر خَاصَّة فِي عَرْضَة الْقِيَامَة دُونَ الْمُؤْمِن ; لِثِقَةِ الْمُؤْمِن بِبُشْرَى رَبّه.
 الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْل الْمُؤْمِن وَالْكَافِر عِنْدَ قِيَام السَّاعَة لِهَوْلِ مَا شَاهَدُوا مِنْهَا.
 وَقِرَاءَة الْعَامَّة " الْمَفَرّ " بِفَتْحِ الْفَاء وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو حَاتِم ; لِأَنَّهُ مَصْدَر.
 وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَقَتَادَة بِكَسْرِ الْفَاء مَعَ فَتْح الْمِيم ; قَالَ الْكِسَائِيّ : هُمَا لُغَتَانِ مِثْل مَدَبّ وَمَدِبّ، وَمَصَحّ وَمَصِحّ.
 وَعَنْ الزُّهْرِيّ بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْفَاء.
 الْمَهْدَوِيّ : مَنْ فَتَحَ الْمِيمَ وَالْفَاءَ مِنْ " الْمَفَرّ " فَهُوَ مَصْدَر بِمَعْنَى الْفِرَار، وَمَنْ فَتَحَ الْمِيمَ وَكَسَرَ الْفَاءَ فَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يُفَرّ إِلَيْهِ.
 وَمَنْ كَسَرَ الْمِيمَ وَفَتَحَ الْفَاءَ فَهُوَ الْإِنْسَان الْجَيِّد الْفِرَار ; فَالْمَعْنَى أَيْنَ الْإِنْسَان الْجَيِّد الْفِرَار وَلَنْ يَنْجُوَ مَعَ ذَلِكَ.
 قُلْت : وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس :
 مِكَرّ مِفَرّ مُقْبِل مُدْبِر مَعًا
 يُرِيد أَنَّهُ حَسَن الْكَرّ وَالْفَرّ جَيِّده.

### الآية 75:11

> ﻿كَلَّا لَا وَزَرَ [75:11]

كَلَّا لَا وَزَرَ
 أَيْ لَا مَفَرّ فَ " كَلَّا " رَدّ وَهُوَ مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى.
 ثُمَّ فَسَّرَ هَذَا الرَّدّ فَقَالَ :" لَا وَزَرَ " أَيْ لَا مَلْجَأَ مِنْ النَّار.
 وَكَانَ اِبْن مَسْعُود يَقُول : لَا حِصْن.
 وَكَانَ الْحَسَن يَقُول : لَا جَبَلَ.
 واِبْن عَبَّاس يَقُول : لَا مَلْجَأَ.
 وَابْن جُبَيْر : لَا مَحِيصَ وَلَا مَنَعَة.
 الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلّه وَاحِد.
 وَالْوَزَر فِي اللُّغَة : مَا يُلْجَأ إِلَيْهِ مِنْ حِصْن أَوْ جَبَل أَوْ غَيْرهمَا ; قَالَ الشَّاعِر :

لَعَمْرِي مَا لِلْفَتَى مِنْ وَزَر  مِنْ الْمَوْت يُدْرِكهُ وَالْكِبَر قَالَ السُّدِّيّ : كَانُوا فِي الدُّنْيَا إِذَا فَزِعُوا تَحَصَّنُوا فِي الْجِبَال، فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : لَا وَزَرَ يَعْصِمكُمْ يَوْمَئِذٍ مِنِّي ; قَالَ طَرَفَة :وَلَقَدْ تَعْلَم بَكْر أَنَّنَا  فَاضِلُو الرَّأْي وَفِي الرَّوْع وَزَر أَيْ مَلْجَأ لِلْخَائِفِ.
 وَيُرْوَى : وَقَرْ.
 وَقِيلَ : إِنَّ " كَلَّا " مِنْ قَوْل الْإِنْسَان لِنَفْسِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَفَرّ قَالَ لِنَفْسِهِ :" كَلَّا لَا وَزَرَ.
 إِلَى رَبّك يَوْمئِذٍ الْمُسْتَقَرّ ".

### الآية 75:12

> ﻿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [75:12]

إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
 أَيْ الْمُنْتَهَى ; قَالَهُ قَتَادَة نَظِيره :" وَأَنَّ إِلَى رَبّك الْمُنْتَهَى " \[ النَّجْم : ٤٢ \].
 وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : إِلَى رَبّك الْمَصِير وَالْمَرْجِع.
 قِيلَ : أَيْ الْمُسْتَقَرّ فِي الْآخِرَة حَيْثُ يُقِرّهُ اللَّه تَعَالَى ; إِذْ هُوَ الْحَاكِم بَيْنَهُمْ.
 وَقِيلَ : إِنَّ " كَلَّا " مِنْ قَوْل الْإِنْسَان لِنَفْسِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَفَرّ قَالَ لِنَفْسِهِ :" كَلَّا لَا وَزَرَ.
 إِلَى رَبّك يَوْمئِذٍ الْمُسْتَقَرّ ".

### الآية 75:13

> ﻿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [75:13]

يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ
 " يُنَبَّأ الْإِنْسَان " أَيْ يُخْبَر اِبْن آدَم بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا
 " بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ " : أَيْ بِمَا أَسْلَفَ مِنْ عَمَل سَيِّئ أَوْ صَالِح، أَوْ أَخَّرَ مِنْ سُنَّة سَيِّئَة أَوْ صَالِحَة يُعْمَل بِهَا بَعْدَهُ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود.
 وَرَوَى مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد قَالَ : يُنَبَّأ بِأَوَّلِ عَمَله وَآخِره.
 وَقَالَهُ النَّخَعِيّ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : أَيْ بِمَا قَدَّمَ مِنْ الْمَعْصِيَة، وَأَخَّرَ مِنْ الطَّاعَة.
 وَهُوَ قَوْل قَتَادَة.
 وَقَالَ اِبْن زَيْد :" بِمَا قَدَّمَ " مِنْ أَمْوَاله لِنَفْسِهِ " وَأَخَّرَ " : خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
 وَقَالَ الضَّحَّاك : يُنَبَّأ بِمَا قَدَّمَ مِنْ فَرْض، وَأَخَّرَ مِنْ فَرْض.
 قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَهَذَا الْإِنْبَاء يَكُون فِي الْقِيَامَة عِنْدَ وَزْن الْأَعْمَال.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمَوْت.
 قُلْت : وَالْأَوَّل أَظْهَر ; لِمَا خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللَّه الْأَغَرّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ مِمَّا يَلْحَق الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَله وَحَسَنَاته بَعْدَ مَوْته عِلْمًا عَلِمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيل بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَة أَخْرَجَهَا مِنْ مَاله فِي صِحَّته وَحَيَاته تَلْحَقهُ مِنْ بَعْد مَوْته ) وَخَرَّجَهُ أَبُو نُعَيْم الْحَافِظ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث قَتَادَة عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( سَبْع يَجْرِي أَجْرهنَّ لِلْعَبْدِ بَعْدَ مَوْته وَهُوَ فِي قَبْره : مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا أَوْ أَجْرَى نَهْرًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ غَرَسَ نَخْلًا أَوْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِر لَهُ بَعْدَ مَوْته ) فَقَوْله :( بَعْدَ مَوْته وَهُوَ فِي قَبْره ) نَصّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُون عِنْدَ الْمَوْت، وَإِنَّمَا يُخْبَر بِجَمِيعِ ذَلِكَ عِنْدَ وَزْن عَمَله، وَإِنْ كَانَ يُبَشَّر بِذَلِكَ فِي قَبْره.
 وَدَلَّ عَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْله الْحَقّ :" وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ " \[ الْعَنْكَبُوت : ١٣ \] وَقَوْله تَعَالَى :" وَمِنْ أَوْزَار الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم " \[ النَّحْل : ٢٥ \] وَهَذَا لَا يَكُون إِلَّا فِي الْآخِرَة بَعْدَ وَزْن الْأَعْمَال.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَفِي الصَّحِيح :( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة حَسَنَة كَانَ لَهُ أَجْرهَا وَأَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْر أَنْ يُنْقَص مِنْ أُجُورهمْ شَيْء، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وِزْرهَا وَوِزْر مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْر أَنْ يُنْقَص مِنْ أَوْزَارهمْ شَيْء ).

### الآية 75:14

> ﻿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [75:14]

الصُّورَة الثَّانِيَة : أَنْ يُفَسِّرَ هَذَا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِير أَوْ مَا لَا يَكُون مَالًا فِي الشَّرِيعَة : لَمْ يُقْبَل بِاتِّفَاقٍ وَلَوْ سَاعَدَهُ عَلَيْهِ الْمُقَرّ لَهُ.
 الصُّورَة الثَّالِثَة : أَنْ يُفَسِّرَهُ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ مِثْل جِلْد الْمَيْتَة أَوْ سِرْقِين أَوْ كَلْب، ( فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُم عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ رَدّ وَإِمْضَاء ) فَإِنْ رَدَّهُ لَمْ يَحْكُم عَلَيْهِ حَاكِم آخَر غَيْره بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْحُكْم قَدْ نَفَذَ بِإِبْطَالِهِ، وَقَالَ بَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ : يَلْزَم الْخَمْر وَالْخِنْزِير، وَهُوَ قَوْل بَاطِل.
 وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ شَيْء لَمْ يُقْبَل تَفْسِيره إِلَّا بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُون، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُت فِي الذِّمَّة بِنَفْسِهِ إِلَّا هُمَا.
 وَهَذَا ضَعِيف ; فَإِنَّ غَيْرَهُمَا يَثْبُت فِي الذِّمَّة إِذَا وَجَبَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.
 الصُّورَة الرَّابِعَة : إِذَا قَالَ لَهُ : عِنْدِي مَال قُبِلَ تَفْسِيره بِمَا لَا يَكُون مَالًا فِي الْعَادَة كَالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ، مَا لَمْ يَجِئْ مِنْ قَرِينَة الْحَال مَا يُحْكَم عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ.
 الصُّورَة الْخَامِسَة : أَنْ يَقُولَ لَهُ : عِنْدِي مَال كَثِير أَوْ عَظِيم ; فَقَالَ الشَّافِعِيّ : يُقْبَل فِي الْحَبَّة.
 وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يُقْبَل إِلَّا فِي نِصَاب الزَّكَاة.
 وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً، مِنْهَا نِصَاب السَّرِقَة وَالزَّكَاة وَالدِّيَة وَأَقَلّه عِنْدِي نِصَاب السَّرِقَة، لِأَنَّهُ لَا يُبَان عُضْو الْمُسْلِم إِلَّا فِي مَال عَظِيم.
 وَبِهِ قَالَ أَكْثَر الْحَنَفِيَّة.
 وَمَنْ يَعْجَب فَيَتَعَجَّب لِقَوْلِ اللَّيْث بْن سَعْد : إِنَّهُ لَا يُقْبَل فِي أَقَلّ مِنْ اِثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا.
 فَقِيلَ لَهُ : وَمِنْ أَيْنَ تَقُول ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ :" لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْم حُنَيْنٍ " \[ التَّوْبَة : ٢٥ \] وَغَزَوَاته وَسَرَايَاهُ كَانَتْ اِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ.
 وَهَذَا لَا يَصِحّ ; لِأَنَّهُ أَخْرَجَ حُنَيْنًا مِنْهَا، وَكَانَ حَقّه أَنْ يَقُولَ يُقْبَل فِي أَحَد وَسَبْعِينَ، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى :" اُذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا " \[ الْأَحْزَاب : ٤١ \]، وَقَالَ :" لَا خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ نَجْوَاهُمْ " \[ النِّسَاء : ١١٤ \]، وَقَالَ :" وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا " \[ الْأَحْزَاب : ٦٨ \].
 الصُّورَة السَّادِسَة : إِذَا قَالَ لَهُ : عِنْدِي عَشَرَة أَوْ مِائَة وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ يُفَسِّرهَا بِمَا شَاءَ وَيُقْبَل مِنْهُ، فَإِنْ قَالَ أَلْف دِرْهَم أَوْ مِائَة وَعَبْد أَوْ مِائَة وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ يُفَسِّر الْمُبْهَمَ وَيُقْبَل مِنْهُ.
 وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنْ عَطَفَ عَلَى الْعَدَد الْمُبْهَم مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا كَانَ تَفْسِيرًا ; كَقَوْلِهِ : مِائَة وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ; لِأَنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِير لِلْخَمْسِينَ، وَالْخَمْسِينَ تَفْسِير لِلْمِائَةِ.
 وَقَالَ اِبْن خَيْرَان الْإِصْطَخْرِيّ مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ : الدِّرْهَم لَا يَكُون تَفْسِيرًا فِي الْمِائَة وَالْخَمْسِينَ إِلَّا لِلْخَمْسِينَ خَاصَّة وَيُفَسِّر هُوَ الْمِائَة بِمَا شَاءَ.

### الآية 75:15

> ﻿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ [75:15]

وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : السِّلْعَة لِلسَّيِّدِ وَيُتْبَع الْعَبْد بِقِيمَتِهَا إِذَا عَتَقَ ; لِأَنَّ مَالَ الْعَبْد لِلسَّيِّدِ إِجْمَاعًا، فَلَا يُقْبَل قَوْله فِيهِ وَلَا إِقْرَاره عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا وَأَبُو حَنِيفَة يَقُول : إِنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَا يَصِحّ أَنْ يَمْلِك وَلَا يُمَلِّك، وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يَصِحّ تَمَلُّكه.
 وَلَكِنَّ جَمِيعَ مَا فِي يَده لِسَيِّدِهِ بِإِجْمَاعٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 75:16

> ﻿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [75:16]

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
 فِي التِّرْمِذِيّ : عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآن يُحَرِّك بِهِ لِسَانَهُ، يُرِيد أَنْ يَحْفَظَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى :" لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ " قَالَ : فَكَانَ يُحَرِّك بِهِ شَفَتَيْهِ.
 وَحَرَّكَ سُفْيَان شَفَتَيْهِ.
 قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح.
 وَلَفْظ مُسْلِم عَنْ اِبْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة، كَانَ يُحَرِّك شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي اِبْن عَبَّاس : أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكهُمَا ; فَقَالَ سَعِيد : أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ اِبْن عَبَّاس يُحَرِّكهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ.
 إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ".
 وَلَفْظ مُسْلِم عَنْ اِبْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة، كَانَ يُحَرِّك شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي اِبْن عَبَّاس : أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكهُمَا ; فَقَالَ سَعِيد : أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ اِبْن عَبَّاس يُحَرِّكهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ.
 إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ "
 قَالَ جَمْعه فِي صَدْرك ثُمَّ تَقْرَؤُهُ " فَإِذَا قُرْآنَاه فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ.
 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَقْرَأَهُ ; قَالَ : فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام اِسْتَمَعَ، وَإِذَا اِنْطَلَقَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَرَأَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ ; خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا.
 وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى :" وَلَا تَعْجَل بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إِلَيْك وَحْيه " \[ طَه : ١١٤ \] وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقَالَ عَامِر الشَّعْبِيّ : إِنَّمَا كَانَ يَعْجَل بِذِكْرِهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ حُبِّهِ لَهُ، وَحَلَاوَته فِي لِسَانه، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ ; لِأَنَّ بَعْضه مُرْتَبِط بِبَعْضٍ، وَقِيلَ : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي حَرَّكَ لِسَانَهُ مَعَ الْوَحْي مَخَافَة أَنْ يَنْسَاهُ، فَنَزَلَتْ " وَلَا تَعْجَل بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إِلَيْك وَحْيه " \[ طَه : ١١٤ \] وَنَزَلَ :" سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى " \[ الْأَعْلَى : ٦ \] وَنَزَلَ :" لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك " قَالَهُ اِبْن عَبَّاس :" وَقُرْآنه " أَيْ وَقِرَاءَته عَلَيْك.
 وَالْقِرَاءَة وَالْقُرْآن فِي قَوْل الْفَرَّاء مَصْدَرَانِ.
 وَقَالَ قَتَادَة :" فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " أَيْ فَاتَّبِعْ شَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ.

### الآية 75:17

> ﻿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [75:17]

إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
 وَلَفْظ مُسْلِم عَنْ اِبْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة، كَانَ يُحَرِّك شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي اِبْن عَبَّاس : أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكهُمَا ; فَقَالَ سَعِيد : أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ اِبْن عَبَّاس يُحَرِّكهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ.
 إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعه وَقُرْآنَهُ "
 قَالَ جَمْعه فِي صَدْرك ثُمَّ تَقْرَؤُهُ

### الآية 75:18

> ﻿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [75:18]

فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
 قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ.
 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَقْرَأَهُ ; قَالَ : فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام اِسْتَمَعَ، وَإِذَا اِنْطَلَقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام قَرَأَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَقْرَأهُ ; خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا.
 وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى :" وَلَا تَعْجَل بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إِلَيْك وَحْيه " \[ طَه : ١١٤ \] وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقَالَ عَامِر الشَّعْبِيّ : إِنَّمَا كَانَ يَعْجَل بِذِكْرِهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ حُبّه لَهُ، وَحَلَاوَته فِي لِسَانه، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِع ; لِأَنَّ بَعْضَهُ مُرْتَبِط بِبَعْضٍ، وَقِيلَ : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي حَرَّكَ لِسَانَهُ مَعَ الْوَحْي مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهُ، فَنَزَلَتْ " وَلَا تَعْجَل بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إِلَيْك وَحْيه " \[ طَه : ١١٤ \] وَنَزَلَ :" سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى " \[ الْأَعْلَى : ٦ \] وَنَزَلَ :" لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك " قَالَهُ اِبْن عَبَّاس :" وَقُرْآنَهُ " أَيْ وَقِرَاءَتَهُ عَلَيْك.
 وَالْقِرَاءَة وَالْقُرْآن فِي قَوْل الْفَرَّاء مَصْدَرَانِ.
 وَقَالَ قَتَادَة :" فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " أَيْ فَاتَّبِعْ شَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ.

### الآية 75:19

> ﻿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [75:19]

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
 أَيْ تَفْسِير مَا فِيهِ مِنْ الْحُدُود وَالْحَلَال وَالْحَرَام ; قَالَهُ قَتَادَة.
 وَقِيلَ : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَان مَا فِيهِ مِنْ الْوَعْد وَالْوَعِيد وَتَحْقِيقهمَا وَقِيلَ : أَيْ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنهُ بِلِسَانِك.
 قَوْله تَعَالَى

### الآية 75:20

> ﻿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [75:20]

كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ
 " كَلَّا " قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ إِنَّ أَبَا جَهْل لَا يُؤْمِن بِتَفْسِيرِ الْقُرْآن وَبَيَانه.
 **وَقِيلَ :**
 أَيْ ( كَلَّا ) لَا يُصَلُّونَ وَلَا يُزَكُّونَ يُرِيد كُفَّارَ مَكَّة.
 " بَلْ تُحِبُّونَ " أَيْ بَلْ تُحِبُّونَ يَا كُفَّار أَهْل مَكَّة
 " الْعَاجِلَة " أَيْ الدَّار الدُّنْيَا وَالْحَيَاة فِيهَا

### الآية 75:21

> ﻿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ [75:21]

وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
 "وَتَذَرُونَ " أَيْ تَدَعُونَ " الْآخِرَةَ " وَالْعَمَلَ لَهَا.
 وَفِي بَعْض التَّفْسِير قَالَ : الْآخِرَة الْجَنَّة.
 وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفِيُّونَ " بَلْ تُحِبُّونَ " " وَتَذَرُونَ " بِالتَّاءِ فِيهِمَا عَلَى الْخِطَاب وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد ; قَالَ : وَلَوْلَا الْكَرَاهَة لِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْقُرَّاء لَقَرَأْتهَا بِالْيَاءِ ; لِذِكْرِ الْإِنْسَان قَبْلَ ذَلِكَ.
 الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر، وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي حَاتِم، فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَرَدًّا عَلَى قَوْله تَعَالَى :" يُنَبَّأ الْإِنْسَان " \[ الْقِيَامَة : ١٣ \] وَهُوَ بِمَعْنَى النَّاس.
 وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَعَلَى أَنَّهُ وَاجَهَهُمْ بِالتَّقْرِيعِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغ فِي الْمَقْصُود ; نَظِيره :" إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا " \[ الْإِنْسَان : ٢٧ \].

### الآية 75:22

> ﻿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [75:22]

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ
 الْأُولَى مِنْ النَّضْرَة الَّتِي هِيَ الْحُسْن وَالنِّعْمَة.
 وَالثَّانِي مِنْ النَّظَر أَيْ وُجُوه الْمُؤْمِنِينَ مُشْرِقَة حَسَنَة نَاعِمَة ; يُقَال : نَضَرَهُمْ اللَّه يَنْضُرُهُمْ نَضْرَة وَنَضَارَة وَهُوَ الْإِشْرَاق وَالْعَيْش وَالْغِنَى ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( نَضَّرَ اللَّه اِمْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ).
 " إِلَى رَبّهَا " إِلَى خَالِقهَا وَمَالِكهَا
 وَكَانَ اِبْن عُمَر يَقُول : أَكْرَم أَهْل الْجَنَّة عَلَى اللَّه مَنْ يَنْظُر إِلَى وَجْهه غَدْوَة وَعَشِيَّة ; ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة :" وُجُوه يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة.
 إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة "

### الآية 75:23

> ﻿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [75:23]

وَقَالَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ : يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّه لَا تُحِيط أَبْصَارهمْ بِهِ مِنْ عَظَمَته، وَنَظَره يُحِيط بِهَا ; يَدُلّ عَلَيْهِ :" لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَارَ " \[ الْأَنْعَام : ١٠٣ \] قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَقِيلَ :" إِلًى " وَاحِد الْآلَاء : أَيْ نِعَمه مُنْتَظَرَة وَهَذَا أَيْضًا بَاطِل ; لِأَنَّ وَاحِدَ الْآلَاء يُكْتَب بِالْأَلِفِ لَا بِالْيَاءِ، ثُمَّ الْآلَاء : نِعَمه الدُّفَّع، وَهُمْ فِي الْجَنَّة لَا يَنْتَظِرُونَ دَفْع نِقَمه عَنْهُمْ، وَالْمُنْتَظَر لِلشَّيْءِ مُتَنَغِّص الْعَيْش، فَلَا يُوصَف أَهْل الْجَنَّة بِذَلِكَ.
 وَقِيلَ : أَضَافَ النَّظَرَ إِلَى الْوَجْه ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار " \[ الْمَائِدَة : ١١٩ \] وَالْمَاء يَجْرِي فِي النَّهْر لَا النَّهْر.
 ثُمَّ قَدْ يُذْكَر الْوَجْه بِمَعْنَى الْعَيْن ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْه أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا " \[ يُوسُف : ٩٣ \] أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ.
 ثُمَّ لَا يَبْعُد قَلْب الْعَادَة غَدًا، حَتَّى يَخْلُق الرُّؤْيَة وَالنَّظَر فِي الْوَجْه ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهه " \[ الْمُلْك : ٢٢ \]، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّه ! كَيْفَ يَمْشُونَ فِي النَّار عَلَى وُجُوههمْ ؟ قَالَ :( الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامهمْ قَادِر أَنْ يُمَشِّيَهُمْ عَلَى وُجُوههمْ ).

### الآية 75:24

> ﻿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ [75:24]

وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ
 أَيْ وُجُوه الْكُفَّار يَوْمَ الْقِيَامَة كَالِحَة كَاسِفَة عَابِسَة.
 وَفِي الصِّحَاح : وَبَسَرَ الْفَحْل النَّاقَةَ وَابْتَسَرَهَا : إِذَا ضَرَبَهَا مِنْ غَيْر ضَبَعَة.
 وَبَسَرَ الرَّجُل وَجْهَهُ بُسُورًا أَيْ كَلَحَ ; يُقَال : عَبَسَ وَبَسَرَ.
 وَقَالَ السُّدِّيّ :" بَاسِرَة " أَيْ مُتَغَيِّرَة وَالْمَعْنَى وَاحِد.

### الآية 75:25

> ﻿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [75:25]

تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ
 أَيْ تُوقِن وَتَعْلَم، وَالْفَاقِرَة : الدَّاهِيَة وَالْأَمْر الْعَظِيم ; يُقَال : فَقَرَتْهُ الْفَاقِرَة : أَيْ كَسَرَتْ فَقَار ظَهْره.
 قَالَ مَعْنَاهُ مُجَاهِد وَغَيْره.
 وَقَالَ قَتَادَة : الْفَاقِرَة الشَّرّ.
 السُّدِّيّ : الْهَلَاك.
 اِبْن عَبَّاس وَابْن زَيْد : دُخُول النَّار.
 وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب وَأَصْلهَا الْوَسْم عَلَى أَنْف الْبَعِير بِحَدِيدَةٍ أَوْ نَار حَتَّى يَخْلُص إِلَى الْعَظْم ; قَالَهُ الْأَصْمَعِيّ.
 يُقَال : فَقَرْت أَنْفَ الْبَعِير : إِذَا حَزَزْته بِحَدِيدَةٍ ثُمَّ جَعَلْت عَلَى مَوْضِع الْحَزّ الْجَرِير وَعَلَيْهِ وَتَر مَلْوِيّ، لِتُذَلِّلَهُ بِذَلِكَ وَتُرَوِّضَهُ ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : قَدْ عَمِلَ بِهِ الْفَاقِرَةَ.
 **وَقَالَ النَّابِغَة :**

أَبَى لِيَ قَبْرٌ لَا يَزَالُ مُقَابِلِي  وَضَرْبَةُ فَأْس فَوْق رَأْسِي فَاقِرَهْ

### الآية 75:26

> ﻿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ [75:26]

كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ
 " كَلَّا " رَدْع وَزَجْر ; أَيْ بَعِيد أَنْ يُؤْمِن الْكَافِر بِيَوْمِ الْقِيَامَة ; ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ :" إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ " أَيْ بَلَغَتْ النَّفْس أَوْ الرُّوح التَّرَاقِيَ ; فَأَخْبَرَ عَمَّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر، لِعِلْمِ الْمُخَاطَب بِهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ " \[ ص : ٣٢ \] وَقَوْله تَعَالَى :" فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُوم " \[ الْوَاقِعَة : ٨٣ \] وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَقِيلَ :" كَلَّا " مَعْنَاهُ حَقًّا ; أَيْ حَقًّا أَنَّ الْمَسَاق إِلَى اللَّه " إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ " أَيْ إِذَا اِرْتَقَتْ النَّفْس إِلَى التَّرَاقِي.
 وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : إِذَا بَلَغَتْ نَفْس الْكَافِر التَّرَاقِيَ.
 وَالتَّرَاقِي جَمْع تَرْقُوَة وَهِيَ الْعِظَام الْمُكْتَنِفَة لِنَقْرَةِ النَّحْر، وَهُوَ مُقَدَّم الْحَلْق مِنْ أَعْلَى الصَّدْر، مَوْضِع الْحَشْرَجَة ; قَالَ دُرَيْد بْن الصِّمَّة.

وَرُبَّ عَظِيمَة دَافَعْت عَنْهُمْ  وَقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسهمْ التَّرَاقِيَ وَقَدْ يُكَنَّى عَنْ الْإِشْفَاء عَلَى الْمَوْت بِبُلُوغِ النَّفْس التَّرَاقِيَ، وَالْمَقْصُود تَذْكِيرهمْ شِدَّةَ الْحَال عِنْد نُزُول الْمَوْت.

### الآية 75:27

> ﻿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ [75:27]

وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ
 اُخْتُلِفَ فِيهِ ; فَقِيلَ : هُوَ مِنْ الرُّقْيَة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَغَيْرهمَا.
 رَوَى سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : مَنْ رَاقٍ يَرْقِي : أَيْ يَشْفِي.
 وَرَوَى مَيْمُون بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَيْ هَلْ مِنْ طَبِيب يَشْفِيه ; وَقَالَهُ أَبُو قِلَابَة وَقَتَادَة ; وَقَالَ الشَّاعِر :

هَلْ لِلْفَتَى مِنْ بَنَات الدَّهْر مِنْ وَاقٍ  أَمْ هَلْ لَهُ مِنْ حِمَام الْمَوْت مِنْ رَاقٍ وَكَانَ هَذَا عَلَى وَجْه الِاسْتِبْعَاد وَالْيَأْس ; أَيْ مَنْ يَقْدِر أَنْ يَرْقِيَ مِنْ الْمَوْت.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَأَبِي الْجَوْزَاء أَنَّهُ مِنْ رَقِيَ يَرْقَى : إِذَا صَعِدَ، وَالْمَعْنَى : مَنْ يَرْقَى بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاء ؟ أَمَلَائِكَة الرَّحْمَة أَمْ مَلَائِكَة الْعَذَاب ؟ وَقِيلَ : إِنَّ مَلَك الْمَوْت يَقُول مَنْ رَاقٍ ؟ أَيْ مَنْ يَرْقَى بِهَذِهِ النَّفْس ; وَذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الْكَافِر تَكْرَه الْمَلَائِكَة قُرْبهَا، فَيَقُول مَلَك الْمَوْت : يَا فُلَان اِصْعَدْ بِهَا.
 وَأَظْهَرَ عَاصِم وَقَوْم النُّون فِي قَوْله تَعَالَى :" مَنْ رَاقٍ " وَاللَّام فِي قَوْله :" بَلْ رَانَ " لِئَلَّا يُشْبِه مَرَّاق وَهُوَ بَائِع الْمَرَقَة، وَبَرَّانِ فِي تَثْنِيَة الْبَرّ.
 وَالصَّحِيح تَرْك الْإِظْهَار، وَكَسْرَة الْقَاف فِي " مِنْ رَاقٍ "، وَفَتْحَة النُّون فِي " بَلْ رَانَ " تَكْفِي فِي زَوَال اللَّبْس.
 وَأَمْثَل مِمَّا ذُكِرَ : قَصْد الْوَقْف عَلَى " مَنْ " وَ " بَلْ "، فَأَظْهَرهُمَا ; قَالَهُ الْقُشَيْرِيّ.

### الآية 75:28

> ﻿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ [75:28]

وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ
 " وَظَنَّ " أَيْ أَيْقَنَ الْإِنْسَان " أَنَّهُ الْفِرَاق " أَيْ فِرَاق الدُّنْيَا وَالْأَهْل وَالْمَال وَالْوَلَد، وَذَلِكَ حِينَ عَايَنَ الْمَلَائِكَة.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

فِرَاق لَيْسَ يُشْبِههُ فِرَاق  قَدْ اِنْقَطَعَ الرَّجَاء عَنْ التَّلَاق

### الآية 75:29

> ﻿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [75:29]

وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ
 أَيْ فَاتَّصَلَتْ الشِّدَّة بِالشِّدَّةِ ; شِدَّة آخِر الدُّنْيَا بِشِدَّةِ أَوَّل الْآخِرَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَغَيْرهمَا.
 وَقَالَ الشَّعْبِيّ وَغَيْره : الْمَعْنَى اِلْتَفَّتْ سَاقَا الْإِنْسَان عِنْد الْمَوْت مِنْ شِدَّة الْكَرْب.
 وَقَالَ قَتَادَة : أَمَا رَأَيْته إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت يَضْرِب إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.
 وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن أَيْضًا : هُمَا سَاقَا الْإِنْسَان إِذَا اِلْتَفَّتَا فِي الْكَفَن.
 وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : اِلْتَفَّتْ سَاقَ الْكَفَن بِسَاقِ الْمَيِّت.
 وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : مَاتَتْ رِجْلَاهُ وَيَبِسَتْ سَاقَاهُ فَلَمْ تَحْمِلَاهُ، وَلَقَدْ كَانَ عَلَيْهِمَا جَوَّالًا.
 قَالَ النَّحَّاس : الْقَوْل الْأَوَّل أَحْسَنهَا.
 وَرَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس :" وَالْتَفَّتْ السَّاق بِالسَّاقِ " قَالَ : آخِر يَوْم مِنْ الدُّنْيَا وَأَوَّل يَوْم مِنْ الْآخِرَة، فَتَلْتَقِي الشِّدَّة بِالشِّدَّةِ إِلَّا مَنْ رَحِمَهُ اللَّه ; أَيْ شِدَّة كَرْب الْمَوْت بِشِدَّةِ هَوْل الْمَطْلَع ; وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى :" إِلَى رَبّك يَوْمئِذٍ الْمَسَاق " وَقَالَ مُجَاهِد : بَلَاء بِبَلَاءٍ.
 يَقُول : تَتَابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدَائِد.
 وَقَالَ الضَّحَّاك وَابْن زَيْد : اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ شَدِيدَانِ : النَّاس يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، وَالْمَلَائِكَة يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ، وَالْعَرَب لَا تَذْكُر السَّاقَ إِلَّا فِي الْمِحَن وَالشَّدَائِد الْعِظَام ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : قَامَتْ الدُّنْيَا عَلَى سَاق، وَقَامَتْ الْحَرْب عَلَى سَاق.
 **قَالَ الشَّاعِر :**
 وَقَامَتْ الْحَرْب بِنَا عَلَى سَاق
 وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آخِر سُورَة " ن وَالْقَلَم ".
 وَقَالَ قَوْم : الْكَافِر تُعَذَّب رُوحه عِنْدَ خُرُوج نَفْسه، فَهَذِهِ السَّاق الْأُولَى، ثُمَّ يَكُون بَعْدَهُمَا سَاق الْبَعْث وَشَدَائِده

### الآية 75:30

> ﻿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [75:30]

إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ
 " إِلَى رَبّك " أَيْ إِلَى خَالِقِك
 " يَوْمَئِذٍ " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة
 " الْمَسَاق " أَيْ الْمَرْجِع.
 وَفِي بَعْض التَّفَاسِير قَالَ : يَسُوقهُ مَلَكه الَّذِي كَانَ يَحْفَظ عَلَيْهِ السَّيِّئَات.
 وَالْمَسَاق : الْمَصْدَر مِنْ سَاقَ يَسُوق، كَالْمَقَالِ مِنْ قَالَ يَقُول.

### الآية 75:31

> ﻿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ [75:31]

فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى
 أَيْ لَمْ يُصَدِّق أَبُو جَهْل وَلَمْ يُصَلِّ.
 وَقِيلَ : يَرْجِع هَذَا إِلَى الْإِنْسَان فِي أَوَّل السُّورَة، وَهُوَ اِسْم جِنْس.
 وَالْأَوَّل قَوْل اِبْن عَبَّاس.
 أَيْ لَمْ يُصَدِّق بِالرِّسَالَةِ " وَلَا صَلَّى " وَدَعَا لِرَبِّهِ، وَصَلَّى عَلَى رَسُوله.
 وَقَالَ قَتَادَة : فَلَا صَدَّقَ بِكِتَابِ اللَّه، وَلَا صَلَّى لِلَّهِ.
 وَقِيلَ : وَلَا صَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ، ذُخْرًا لَهُ عِنْدَ اللَّه، وَلَا صَلَّى الصَّلَوَات الَّتِي أَمَرَهُ اللَّه بِهَا.
 وَقِيلَ : فَلَا آمَنَ بِقَلْبِهِ وَلَا عَمِلَ بِبَدَنِهِ.
 قَالَ الْكِسَائِيّ :" لَا " بِمَعْنَى لَمْ وَلَكِنَّهُ يُقْرَن بِغَيْرِهِ ; تَقُول الْعَرَب : لَا عَبْد اللَّه خَارِج وَلَا فُلَان، وَلَا تَقُول : مَرَرْت بِرَجُلٍ لَا مُحْسِن حَتَّى يُقَالَ وَلَا مُجْمِل، وَقَوْله تَعَالَى :" فَلَا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ " \[ الْبَلَد : ١١ \] لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَفَلَا اقْتَحَمَ ; أَيْ فَهَلَّا اِقْتَحَمَ، فَحَذَفَ أَلِف الِاسْتِفْهَام.
 وَقَالَ الْأَخْفَش :" فَلَا صَدَّقَ " أَيْ لَمْ يُصَدِّق ; كَقَوْلِهِ :" فَلَا اِقْتَحَمَ " أَيْ لَمْ يَقْتَحِم، وَلَمْ يَشْتَرِط أَنْ يُعْقِبهُ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَالْعَرَب تَقُول : لَا ذَهَبَ، أَيْ لَمْ يَذْهَب، فَحَرْف النَّفْي يَنْفِي الْمَاضِي كَمَا يَنْفِي الْمُسْتَقْبَل ; وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر :
 فَلَا هُوَ أَبْدَاهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمِ

### الآية 75:32

> ﻿وَلَٰكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ [75:32]

وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
 أَيْ كَذَّبَ بِالْقُرْآنِ وَتَوَلَّى عَنْ الْإِيمَان

### الآية 75:33

> ﻿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ [75:33]

ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى
 أَيْ يَتَبَخْتَر، اِفْتِخَارًا بِذَلِكَ ; قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره.
 مُجَاهِد : الْمُرَاد بِهِ أَبُو جَهْل.
 وَقِيلَ :" يَتَمَطَّى " مِنْ الْمَطَا وَهُوَ الظَّهْر، وَالْمَعْنَى يَلْوِي مَطَاه.
 وَقِيلَ : أَصْله يَتَمَطَّط، وَهُوَ التَّمَدُّد مِنْ التَّكَسُّل وَالتَّثَاقُل، فَهُوَ يَتَثَاقَل عَنْ الدَّاعِي إِلَى الْحَقّ ; فَأَبْدَلَ مِنْ الطَّاء يَاء كَرَاهَة التَّضْعِيف، وَالتَّمَطِّي يَدُلّ عَلَى قِلَّة الِاكْتِرَاث، وَهُوَ التَّمَدُّد، كَأَنَّهُ يَمُدّ ظَهْره وَيَلْوِيه مِنْ التَّبَخْتُر.
 وَالْمَطِيطَة الْمَاء الْخَاثِر فِي أَسْفَل الْحَوْض ; لِأَنَّهُ يَتَمَطَّى أَيْ يَتَمَدَّد ; وَفِي الْخَبَر :( إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاء وَخَدَمَتْهُمْ فَارِس وَالرُّوم كَانَ بَأْسهمْ بَيْنَهُمْ ".
 وَالْمُطَيْطَاء : التَّبَخْتُر وَمَدّ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْي.

### الآية 75:34

> ﻿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ [75:34]

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى : قَالَ الْأَصْمَعِيّ " أَوْلَى " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَاهُ مُقَارَبَة الْهَلَاك، كَأَنَّهُ يَقُول : قَدْ وَلِيت الْهَلَاك، قَدْ دَانَيْت الْهَلَاك ; وَأَصْله مِنْ الْوَلْي، وَهُوَ الْقُرْب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار " \[ التَّوْبَة : ١٢٣ \] أَيْ يَقْرُبُونَ مِنْكُمْ ; وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ :
 وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْوَلَاء
 أَيْ قَارَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ; وَأَنْشَدَ أَيْضًا :
 أَوْلَى لِمَنْ هَاجَتْ لَهُ أَنْ يَكْمَدَا
 أَيْ قَدْ دَنَا صَاحِبهَا \[ مِنْ \] الْكَمَد.
 وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب يَسْتَحْسِن قَوْل الْأَصْمَعِيّ وَيَقُول : لَيْسَ أَحَد يُفَسِّر كَتَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيّ.
 النَّحَّاس : الْعَرَب تَقُول أَوْلَى لَك : كِدْت تَهْلِك ثُمَّ أَفْلَتَّ، وَكَأَنَّ تَقْدِيرَهُ : أَوْلَى لَك وَأَوْلَى بِك الْهَلَكَة.
 الْمَهْدَوِيّ قَالَ : وَلَا تَكُون أَوْلَى ( أَفْعَل مِنْك )، وَتَكُون خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف، كَأَنَّهُ قَالَ : الْوَعِيد أَوْلَى لَهُ مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ أَبَا زَيْد قَدْ حَكَى : أَوْلَاةُ الْآن : إِذَا أَوْعَدُوا.
 فَدُخُول عَلَامَة التَّأْنِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
 و " لَك " خَبَر عَنْ " أَوْلَى ".
 وَلَمْ يَنْصَرِف " أَوْلَى " لِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا لِلْوَعِيدِ، فَصَارَ كَرَجُلٍ اِسْمه أَحْمَد.
 وَقِيلَ : التَّكْرِير فِيهِ عَلَى مَعْنَى أَلْزَم لَك عَلَى عَمَلِك السَّيِّئ الْأَوَّل، ثُمَّ عَلَى الثَّانِي، وَالثَّالِث، وَالرَّابِع، كَمَا تَقَدَّمَ.

### الآية 75:35

> ﻿ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ [75:35]

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى : قَالَ الْأَصْمَعِيّ " أَوْلَى " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَاهُ مُقَارَبَة الْهَلَاك، كَأَنَّهُ يَقُول : قَدْ وَلِيت الْهَلَاكَ، قَدْ دَانَيْت الْهَلَاكَ ; وَأَصْله مِنْ الْوَلْيِ، وَهُوَ الْقُرْب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار " \[ التَّوْبَة : ١٢٣ \] أَيْ يَقْرُبُونَ مِنْكُمْ ; وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ :
 وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْوَلَاء
 أَيْ قَارَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ; وَأَنْشَدَ أَيْضًا :
 أَوْلَى لِمَنْ هَاجَتْ لَهُ أَنْ يَكْمَدَا
 أَيْ قَدْ دَنَا صَاحِبهَا \[ مِنْ \] الْكَمَد.
 وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب يَسْتَحْسِن قَوْلَ الْأَصْمَعِيّ وَيَقُول : لَيْسَ أَحَد يُفَسِّر كَتَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيّ.
 النَّحَّاس : الْعَرَب تَقُول أَوْلَى لَك : كِدْت تَهْلِك ثُمَّ أَفْلَتّ، وَكَأَنَّ تَقْدِيرَهُ : أَوْلَى لَك وَأَوْلَى بِك الْهَلَكَة.
 الْمَهْدَوِيّ قَالَ : وَلَا تَكُون أَوْلَى ( أَفْعَل مِنْك )، وَتَكُون خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف، كَأَنَّهُ قَالَ : الْوَعِيد أَوْلَى لَهُ مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ أَبَا زَيْد قَدْ حَكَى : أَوْلَاةُ الْآن : إِذَا أَوْعَدُوا.
 فَدُخُول عَلَامَة التَّأْنِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
 و " لَك " خَبَر عَنْ " أَوْلَى ".
 وَلَمْ يَنْصَرِف " أَوْلَى " لِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا لِلْوَعِيدِ، فَصَارَ كَرَجُلٍ اِسْمه أَحْمَد.
 وَقِيلَ : التَّكْرِير فِيهِ عَلَى مَعْنَى أَلْزَم لَك عَلَى عَمَلِك السَّيِّئ الْأَوَّل، ثُمَّ عَلَى الثَّانِي، وَالثَّالِث، وَالرَّابِع، كَمَا تَقَدَّمَ.

### الآية 75:36

> ﻿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [75:36]

أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى
 "أَيَحْسَبُ الْإِنْسَان " أَيْ يَظُنّ اِبْن آدَم
 " أَنْ يُتْرَكَ سُدًى " أَيْ أَنْ يُخَلَّى مُهْمَلًا، فَلَا يُؤْمَر وَلَا يُنْهَى ; قَالَهُ اِبْن زَيْد وَمُجَاهِد، وَمِنْهُ إِبِل سُدًى : تَرْعَى بِلَا رَاعٍ.
 وَقِيلَ : أَيَحْسَبُ أَنْ يُتْرَكَ فِي قَبْره كَذَلِكَ أَبَدًا لَا يُبْعَث.
 **وَقَالَ الشَّاعِر :**

فَأُقْسِم بِاَللَّهِ جَهْد الْيَمِ  ينِ مَا تَرَكَ اللَّه شَيْئًا سُدًى

### الآية 75:37

> ﻿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَىٰ [75:37]

أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى
 أَيْ مِنْ قَطْرَة مَاء تُمْنَى فِي الرَّحِم، أَيْ تُرَاق فِيهِ ; وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ( مَنِيّ ) لِإِرَاقَةِ الدِّمَاء.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَالنُّطْفَة : الْمَاء الْقَلِيل ; يُقَال : نَطَفَ الْمَاء : إِذَا قَطَرَ.
 أَيْ أَلَمْ يَكُ مَاء قَلِيلًا فِي صُلْب الرَّجُل وَتَرَائِب الْمَرْأَة.
 وَقَرَأَ حَفْص " مِنْ مَنِيّ يُمْنَى " بِالْيَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مُحَيْصِن وَمُجَاهِد وَيَعْقُوب وَعَيَّاش عَنْ أَبِي عَمْرو، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد لِأَجْلِ الْمَنِيّ.
 الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَجْلِ النُّطْفَة، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم.

### الآية 75:38

> ﻿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ [75:38]

ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى
 " ثُمَّ كَانَ عَلَقَة " أَيْ دَمًا بَعْدَ النُّطْفَة، أَيْ قَدْ رَتَّبَهُ تَعَالَى بِهَذَا كُلّه عَلَى خِسَّة قَدْره.
 ثُمَّ قَالَ :" فَخَلَقَ " أَيْ فَقَدَّرَ " فَسَوَّى " أَيْ فَسَوَّاهُ تَسْوِيَةً، وَعَدَّلَهُ تَعْدِيلًا، بِجَعْلِ الرُّوح فِيهِ

### الآية 75:39

> ﻿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ [75:39]

فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى
 "فَجَعَلَ مِنْهُ " أَيْ مِنْ الْإِنْسَان.
 وَقِيلَ : مِنْ الْمَنِيّ.
 " الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى " أَيْ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ.
 وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ رَأَى إِسْقَاطَ الْخُنْثَى.
 وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الشُّورَى " أَنَّ هَذِهِ الْآيَة وَقَرِينَتهَا إِنَّمَا خَرَجَتَا مَخْرَجَ الْغَالِب.
 وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل سُورَة " النِّسَاء " أَيْضًا الْقَوْلَ فِيهِ، وَذَكَرْنَا فِي آيَة الْمَوَارِيث حُكْمَهُ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ

### الآية 75:40

> ﻿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ [75:40]

أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى
 " أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ " أَيْ أَلَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى خَلْق هَذِهِ النَّسَمَة مِنْ قَطْرَة مِنْ مَاء " بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى " أَيْ عَلَى أَنْ يُعِيدَ هَذِهِ الْأَجْسَام كَهَيْئَتِهَا لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْبِلَى.
 وَرُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَهَا قَالَ :( سُبْحَانَك اللَّهُمَّ، بَلَى ) وَقَالَ اِبْن عَبَّاس.
 مَنْ قَرَأَ " سَبِّحْ اِسْمَ رَبّك الْأَعْلَى " \[ الْأَعْلَى : ١ \] إِمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَلْيَقُلْ :" سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " وَمَنْ قَرَأَ " لَا أُقْسِم بِيَوْمِ الْقِيَامَة " \[ الْقِيَامَة : ١ \] إِلَى آخِرهَا إِمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَلْيَقُلْ :" سُبْحَانَك اللَّهُمَّ بَلَى " ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس.
 خُتِمَتْ السُّورَة.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/75.md)
- [كل تفاسير سورة القيامة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/75.md)
- [ترجمات سورة القيامة
](https://quranpedia.net/translations/75.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/75/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
