---
title: "تفسير سورة القيامة - التفسير الوسيط - محمد سيد طنطاوي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/75/book/321.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/75/book/321"
surah_id: "75"
book_id: "321"
book_name: "التفسير الوسيط"
author: "محمد سيد طنطاوي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة القيامة - التفسير الوسيط - محمد سيد طنطاوي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/75/book/321)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة القيامة - التفسير الوسيط - محمد سيد طنطاوي — https://quranpedia.net/surah/1/75/book/321*.

Tafsir of Surah القيامة from "التفسير الوسيط" by محمد سيد طنطاوي.

### الآية 75:1

> لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [75:1]

افتتح الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بقوله - تعالى - : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة . 
وللعلماء فى مثل هذا التركيب أقوال منها : أن حرف " لا " هنا جئ به، لقصد المبالغة فى تأكيد القسم، كما فى قولهم : لا والله. 
قال الآلوسى : إدخال " لا " النافية صورة على فعل القسم، مستفيض فى كلامهم وأشعارهم. 
ومنه قول امرئ القيس : لا وأبيك يا بنة العامرى.. يعنى : وأبيك. 
ثم قال : وملخص ما ذهب إليه جار الله فى ذلك، أن " لا " هذه، إذا وقعت فى خلال الكلام كقوله - تعالى -  فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ  فهى صلة تزاد لتأكيد القسم، مثلها فى قوله - تعالى - : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب  لتأكيد العلم.. 
ومنها : أن " لا " هنا، جئ بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين ليوم القيامة فكأنه - تعالى - يقول : لا، ليس الأمر كما زعموا، ثم قال : أقسم بيوم القيامة الذى يبعث فيه الخلق للجزاء. 
قال القرطبى : وذلك كقولهم : لا والله لا أفعل. فلا هنا رد لكلام قد مضى، وذلك كقولك : لا والله إن القيامة لحق، كأنك أكذبت قوما أنكروها.. 
ومنها : أن " لا " فى هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفى، والمعنى لا أقسم بيوم القيامة ولا بغيره، على أن البعث حق، فإن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى قسم. 
وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال : وصيغة لا أقسم، صيغة قسم، أدخل حرف النفى على فعل " أقسم " لقصد المبالغة فى تحقيق حرمة المقسم به، بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به، ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول : لا أقسم به، أى : ولا أقسم بأعز منه عندى. وذلك كنانية عن تأكيد القسم. 
والمراد بالنفس اللوامة : النفس التقية المستقيمة التى تلوم ذاتها على ما فات منها، فهى - مهما أكثرت من فعل الخير - تتمنى أن لو ازدادت من ذلك، ومهما قللت من فعل الشر، تمنت - أيضا - أن لو ازدادت من هذا التقليل. 
قال ابن كثير : عن الحسن البصرى فى هذه الآية : إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه، يقول : ما أردت بكلمتى ؟ ما أردت بأكلتى ؟.. وإن الفاجر قدما ما يعاتب نفسه. 
وفى رواية عن الحسن - أيضا - ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة.

### الآية 75:2

> ﻿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [75:2]

**التفسير قال الله- تعالى-:**
 \[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١ الى ١٩\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)
 بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)
 يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)
 وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)
 افتتح الله- تعالى- هذه السورة الكريمة بقوله- تعالى-: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ.
 وللعلماء في مثل هذا التركيب أقوال منها: أن حرف ******«لا»****** هنا جيء به، لقصد المبالغة في تأكيد القسم، كما في قولهم: لا والله.
 قال الآلوسى: إدخال ******«لا»****** النافية صورة على فعل القسم، مستفيض في كلامهم وأشعارهم.
 ومنه قول امرئ القيس: لا وأبيك يا ابنة العامري.. يعنى: وأبيك.
 ثم قال: وملخص ما ذهب إليه جار الله في ذلك، أن ******«لا»****** هذه، إذا وقعت في خلال

الكلام كقوله- تعالى- فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ فهي صلة تزاد لتأكيد القسم، مثلها في قوله- تعالى-: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ لتأكيد العلم.. **«١»**.
 ومنها: أن ****«لا»**** هنا، جيء بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين ليوم القيامة، فكأنه- تعالى- يقول: لا، ليس الأمر كما زعموا، ثم قال: أقسم بيوم القيامة الذي يبعث فيه الخلق للجزاء.
 قال القرطبي: وذلك كقولهم: لا والله لا أفعل. فلا هنا رد لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة لحق، كأنك أكذبت قوما أنكروها.. **«٢»**.
 ومنها: أن ****«لا»**** في هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفي، والمعنى لا أقسم بيوم القيامة ولا بغيره، على أن البعث حق، فإن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى قسم.
 وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال: وصيغة لا أقسم، صيغة قسم، أدخل حرف النفي على فعل **«أقسم»** لقصد المبالغة في تحقيق حرمة المقسم به، بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به، ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول: لا أقسم به، أى:
 ولا أقسم بأعز منه عندي. وذلك كناية عن تأكيد القسم **«٣»**.
 والمراد بالنفس اللوامة: النفس التقية المستقيمة التي تلوم ذاتها على ما فات منها، فهي- مهما أكثرت من فعل الخير- تتمنى أن لو ازدادت من ذلك، ومهما قللت من فعل الشر، تمنت- أيضا- أن لو ازدادت من هذا التقليل.
قال ابن كثير: عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه، يقول:

 ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتى؟  وإن الفاجر يمضى قدما ما يعاتب نفسه. وفي رواية عن الحسن- أيضا- ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة» **«٤»**.
 وجواب القسم يفهم من قوله- تعالى- بعد ذلك: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ. والمراد بالإنسان: جنسه. أو المراد به الكافر المنكر للبعث. والاستفهام للتوبيخ والتقريع.
 (١) راجع تفسير الآلوسى ج ٢٩ ص ١٣٥.
 (٢) راجع تفسير القرطبي ج ١٩ ص ٩٢.
 (٣) تفسير التحرير والتنوير ج ٢٩ ص ٣٣٨ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
 (٤) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٣٠٠. [.....]

وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد حدثني عن يوم القيامة، فأخبره ﷺ عنه. فقال المشرك: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك- يا محمد- أو يجمع الله العظام. فنزلت هذه الآية.
 والمعنى: أقسم بيوم القيامة الذي لا شك في وقوعه في الوقت الذي نشاؤه، وأقسم بالنفس اللوامة التقية التي تلوم ذاتها على الخير، لماذا لم تستكثر منه، وعلى الشر لماذا فعلته، لنجمعن عظامكم- أيها الناس- ولنبعثنكم للحساب والجزاء.
 وافتتح- سبحانه- السورة الكريمة بهذا القسم، للإيذان بأن ما سيذكر بعده أمر مهم، من شأن النفوس الواعية أن تستشرف له، وأن تستجيب لما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات.
 ووصف- سبحانه- النفس باللوامة بصيغة المبالغة للإشعار بأنها كريمة مستقيمة تكثر من لوم ذاتها، وتحض صاحبها على المسارعة في فعل الخيرات.
 والعظام المراد بها الجسد، وعبر عنه بها، لأنه لا يقوم إلا بها، وللرد على المشركين الذين استبعدوا ذلك، وقالوا- كما حكى القرآن عنهم-: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ.
 وقوله- سبحانه-: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ تأكيد لقدرته- تعالى- على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما نخرة، وإبطال لنفيهم إحياء العظام وهي رميم.
 وقادِرِينَ حال من فاعل الفعل المقدر بعد بلى. وقوله: نُسَوِّيَ من التسوية، وهي تقويم الشيء وجعله متقنا مستويا، يقال: سوى فلان الشيء إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا اضطراب.
 والبنان: جمع بنانة، وهي أصابع اليدين والرجلين، أو مفاصل تلك الأصابع وأطرافها.
 أى: ليس الأمر كما زعم هؤلاء المشركون من أننا لا نعيد الإنسان إلى الحياة بعد موته للحساب والجزاء، بل الحق أننا سنجمعه وسنعيده إلى الحياة حالة كوننا قادرين قدرة تامة، على هذا الجمع لعظامه وجسده، وعلى جعل أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق، متقنة الصنع، كما كانت قبل الموت.
 وخصت البنان بالذكر، لأنها أصغر الأعضاء، وآخر ما يتم به الخلق، فإذا كان- سبحانه- قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها، فهو على غيرها مما هو أكبر منها أشد قدرة.
 وقوله- تعالى- بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ بيان لحال أخرى من أحوال فجور

هؤلاء المشركين وطغيانهم، وانتقال من إنكار الحسبان إلى الإخبار عن حال هذا الإنسان.
 والفجور: يطلق على القول البالغ النهاية في السوء، وعلى الفعل القبيح المنكر، ويطلق على الكذب، ولذا وصفت اليمين الكاذبة، باليمين الفاجرة فيكون فجر بمعنى كذب، وزنا ومعنى.
 ولفظ **«الأمام»** يطلق على المكان الذي يكون في مواجهة الإنسان، والمراد به هنا:
 الزمان المستقبل وهو يوم القيامة، الذي دل عليه قوله- تعالى- بعد ذلك: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ.
 أى: أن هذا الإنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره وكفره، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود، فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول: أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ أى: متى يجيء يوم القيامة هذا الذي تتحدثون عنه- أيها المؤمنون- وتخشون ما فيه من حساب وجزاء؟
 قال القرطبي: قوله- تعالى-: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ قال ابن عباس:
 يعنى الكافر. يكذب بما أمامه من البعث والحساب.. ودليله يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ.
 أى: يسأل متى يكون؟ على وجه التكذيب والإنكار، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب.
 ولكن يأثم لما بين يديه. ومما يدل أن الفجور: التكذيب، ما ذكره القتبى وغيره، من أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب، وشكا إليه نقب إبله ودبرها- أى: مرضها وجربها- وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله. فقال الأعرابى.

أقسم بالله أبو حفص عمر  ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان فجر يعنى إن كان كذبني فيما ذكرت.. **«١»**.
 وأعيد لفظ الإنسان في هذه الآيات أكثر من مرة، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه، وتسجيل الظلم والجحود عليه.
 والضمير في **«أمامه»** يجوز أن يعود إلى يوم القيامة. أى: بل يريد الإنسان ليكذب بيوم القيامة. الثابت الوقوع في الوقت الذي يشاؤه الله- عز وجل-.
 ويجوز أن يعود على الإنسان، فيكون المعنى: بل يريد الإنسان أن يستمر في فجوره وتكذيبه بيوم القيامة في الحال وفي المآل. أى: أن المراد بأمامه: مستقبل أيامه.
 (١) تفسير القرطبي ج ١٩ ص ٩٤.

وجيء بلفظ **«أيان»** الدال على الاستفهام للزمان البعيد، للإشعار بشدة تكذيبهم، وإصرارهم على عدم وقوعه في أى وقت من الأوقات.
 ثم ساق- سبحانه- جانبا من أهوال يوم القيامة، على سبيل التهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين.
 فقال: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ.
 و **«برق»** - بكسر الراء وفتحها- دهش وفزع وتحير ولمع من شدة شخوصه وخوفه.
 يقال: برق بصر فلان- كفرح ونصر- إذا نظر إلى البرق فدهش وتحير.
 والمراد بخسوف القمر: انطماس نوره، واختفاء ضوئه.
 والمراد بجمع الشمس والقمر: اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال النظام المعهود للكون، اختلالا تتغير معه معالمه ونظمه. وجواب فَإِذا قوله: يَقُولُ الْإِنْسانُ أى: فإذا برق بصر الإنسان وتحير من شدة الفزع والخوف، بعد أن رأى ما كان يكذب به في الدنيا.
 والتعريف في البصر: للاستغراق، إذ أبصار الناس جميعا في هذا اليوم، تكون في حالة فزع، إلا أن هذا الفزع يتفاوت بينهم في شدته.
 وَخَسَفَ الْقَمَرُ أى: ذهب ضوؤه. وانطمس نوره.
 وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ أى: وقرن بينهما بعد أن كانا متفرقين.
 والتصقا بعد أن كانا متباعدين، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين.
 يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ أى: فإذا ما تم كل ذلك، يقول الإنسان في هذا الوقت الذي يبرق فيه البصر، ويخسف فيه القمر، ويجمع فيه بين الشمس والقمر: أين المفر. أى: أين الفرار من قضاء الله- تعالى- ومن قدره وحسابه. فالمفر مصدر بمعنى الفرار. والاستفهام بمعنى التمني أى: ليت لي مكانا أفر إليه مما أراه.
 وقوله- سبحانه-: كَلَّا لا وَزَرَ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ إبطال لهذا التمني، ونفى لأن يكون لهذا الإنسان مهرب من الحساب.
 والوزر: المراد به الملجأ والمكان الذي يحتمي به الشخص للتوقي مما يخافه، وأصله: الجبل المرتفع المنيع، من الوزر وهو الثقل.

أى: كلا لا وزر ولا ملجأ لك. أيها الإنسان- من المثول أمام ربك في هذا اليوم للحساب والجزاء.
 ومهما طال عمرك، وطال رقادك في قبرك.. فإلى ربك وحده نهايتك ومستقرك ومصيرك، في هذا اليوم الذي لا محيص لك عنه.
 وقوله- سبحانه- يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
 بيان لما يحدث له يوم القيامة، أى: يخبر الإنسان في هذا اليوم بما قدم من أعمال حسنة. وبما أخر منها فلم يعملها، مع أنه كان في إمكانه أن يعملها، والمقصود بالآية المجازاة على الأعمال لا مجرد الإخبار.
 قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
 **أى:**
 يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال- سبحانه-:
 وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً **«١»**.
 ثم أكد- سبحانه- هذا المعنى بقوله: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ.
 والبصيرة هنا بمعنى الحجة المشاهدة عليه، وهي خبر عن المبتدأ وهو الْإِنْسانُ والجار والمجرور متعلق بلفظ بصيرة والهاء فيها للمبالغة، مثل هاء علامة ونسابة.
 أى: بل الإنسان حجة بينة على نفسه، وشاهدة بما كان منه من الأعمال السيئة، ولو أدلى بأية حجة يعتذر بها عن نفسه. لم ينفعه ذلك.
 قال صاحب الكشاف: بَصِيرَةٌ
 أى: حجة بينة، وصفت بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً أو: عين بصيرة والمعنى أنه ينبأ بأعماله، وإن لم ينبأ ففيه ما يجزئ عن الإنباء، لأنه شاهد عليها بما عملت، لأن جوارحه تنطق بذلك، كما قال- تعالى- يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
 وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
 أى: ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها.
 وعن الضحاك: ولو أرخى ستوره، وقال: المعاذير: الستور، واحدها معذار، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب..
 فإن قلت: أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير؟ قلت: المعاذير ليس بجمع معذرة، إنما هو اسم جمع لها. ونحوه: المناكير في المنكر **«٢»**.

 (١) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٣٠٢.
 (٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٦١.

فالمقصود بهاتين الآيتين: بيان أن الإنسان لن يستطيع أن يهرب من نتائج عمله مهما حاول ذلك، لأن جوارحه شاهدة عليه، ولأن أعذاره لن تكون مقبولة، لأنها جاءت في غير وقتها، كما قال- تعالى-: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.
 ثم أرشد الله- تعالى- نبيه ﷺ إلى ما يجب عليه عند تبليغ القرآن إليه عن طريق الوحى. فقال- سبحانه-: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ.
 والضمير في بِهِ
 يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد بقوله:
 لا تُحَرِّكْ
 نهيه ﷺ عن التعجل في القراءة.
 والمقصود بقوله: قرآنه، قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفي قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله.
 قال الآلوسى: قوله: وَقُرْآنَهُ
 أى: إثبات قراءته في لسانك، فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة.. مضاف إلى المفعول وقيل: قرآنه، أى: تأليفه على لسانك.. **«١»**.
 أى: لا تتعجل- أيها الرسول الكريم- بقراءة القرآن الكريم عند ما تسمعه من أمين وحينا جبريل- عليه السلام-، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، فإننا قد تكفلنا بجمعه في صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام الأمر كذلك، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه.
 قال الإمام ابن كثير ما ملخصه هذا تعليم من الله- تعالى- لنبيه ﷺ في كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته.
 روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه- يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شيء، أو من شدة رغبته في حفظه- فأنزل الله- تعالى- هذه الآيات **«٢»**.
 فأنت ترى أن الله- تعالى- قد ضمن لنبيه ﷺ أن يجمع له القرآن في صدره وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف أو تبديل، وأن يوضح له ما خفى عليه منه.
 قالوا: فكان رسول الله ﷺ إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن، أطرق وأنصت، وشبيه بهذه الآيات قوله- سبحانه-: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، وَلا تَعْجَلْ

 (١) تفسير الآلوسى ج ٢٩ ص ١٤٢.
 (٢) راجع تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٣٠٤.

### الآية 75:3

> ﻿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ [75:3]

وجواب القسم يفهم من قوله - تعالى - بعد ذلك : أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ . والمراد بالإِنسان : جنسه. أو المراد به الكافر المنكر للبعث. والاستفهام للتوبيخ والتقريع. 
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم : يا محمد حدثنى عن يوم القيامة، فأخبره صلى الله عليه وسلم عنه. 
فقال المشرك : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك - يا محمد - أو يجمع الله العظام. فنزلت هذه الآية. 
والمعنى : أقسم بيوم القيامة الذى لا شك فى وقوعه فى الوقت الذى نشاؤه، وأقسم بالنفس اللوامة التقية التى تلوم ذاتها على الخير، لماذا لم تستكثر منه، وعلى الشر لماذا فعلته، لنجمعن عظامكم - أيها الناس - ولنبعثنكم للحساب والجزاء. 
وافتتح - سبحانه - السورة الكريمة بهذا القسم، للإِيذان بأن ما سيذكر بعده أمر بهم، من شأن النفوس الواعية أن تستشرف له، وأن تستجيب لما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات. 
ووصف - سبحانه - النفس باللوامة بصيغة المبالغة للإِشعار بأنها كريمة مستقيمة تكثر من لوم ذاتها، وتحض صاحبها على المسارعة فى فعل الخيرات. 
والعظام المراد بها الجسد، وعبر عنه بها، لأنه لا يقوم إلا بها، وللرد على المشركين الذين استبعدوا ذلك، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ

### الآية 75:4

> ﻿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ [75:4]

وقوله - سبحانه - : بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ  تأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما نخرة، وإبطال لنفيهم إحياء العظام وهى رميم. 
و  قَادِرِينَ  حال من فاعل الفعل المقدر بعد بلى. وقوله : نُّسَوِّيَ  من التسوية، وهى تقويم الشئ وجعله متقنا مستويا، يقال : سوى فلان الشئ إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا اضطراب. 
والبنان : جمع بنانة، وهى أصابع اليدين والرجلين، أو مفاصل تلك الأصابع وأطرافها. 
أى : ليس الأمر كما زعم هؤلاء المشركين من أننا لا نعيد الإِنسان إلى الحياة بعد موته للحساب والجزاء، بل الحق أننا سنجمعه وسنعيده إلى الحياة حالة كوننا قادرين قدرة تامة، على هذا الجمع لعظامه وجسده، وعلى جعل أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق، متقنة الصنع، كما كانت قبل الموت. 
وخصت البنان بالذكر، لأنها أصغر الأعضاء، وآخر ما يتم به الخلق، فإذا كان - سبحانه - قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها، فهو على غيرها مما هو أكبر منها أشد قدرة.

### الآية 75:5

> ﻿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [75:5]

وقوله - تعالى -  بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ  بيان لحال أخرى من أحوال فجور هؤلاء المشركين وطغيانهم، وانتقال من إنكار الحسبان إلى الإِخبار عن حال هذا الإِنسان. 
والفجور : يطلق على القول البالغ النهاية فى السوء، وعلى الفعل القبيح المنكر، ويطلق على الكذب، ولذا وصفت اليمين الكاذبة، باليمين الفاجرة فيكون فجر بمعنى كذب، وزنا ومعنى. 
ولفظ " الأمام " يطلق على المكان الذى يكون فى مواجهة الإِنسان، والمراد به هنا : الزمان المستقبل وهو يوم القيامة، الذى دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك : يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة . 
أى : أن هذا الإِنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره وكفره، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود، فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول : أَيَّانَ يَوْمُ القيامة  أى : متى يجئ يوم القيامة هذا الذى تتحدثون عنه - أيها المؤمنون - وتخشون ما فيه من حساب وجزاء ؟ 
قال القرطبى : قوله - تعالى - : بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ  قال ابن عباس : يعنى الكافر. يكذب بما أمامه من البعث والحساب.. ودليله  يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة . أى : يسأل متى يكون ؟ على وجه التكذيب والإِنكار، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب. ولكن يأثم لما بين يديه. ومما يدل أن الفجور : التكذيب، ما ذكره القتبى وغيره، من أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب، وشكى إليه نَقْبَ إبله ودَبَرها - أى : مرضها وجربها - وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله. فقال الأعرابى :
أقسم بالله أبو حفص عمر... ما مسها من نقب ولا دبر
فاغفر له اللهم إن كان فجر... يعنى : إن كان كذبنى فيما ذكرت.. 
وأعيد لفظ الإِنسان فى هذه الآيات أكثر من مرة، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه، وتسجيل الظلم والجحود عليه. 
والضمير فى " أمامه " يجوز أن يعود إلى يوم القيامة. أى : بل يريد الإِنسان ليكذب بيوم القيامة، الثابت الوقوع فى الوقت الذى يشاؤه الله - عز وجل -. 
ويجوز أن يعود على الإِنسان، فيكون المعنى : بل يريد الإِنسان أن يستمر فى فجوره وتكذيبه بيوم القيامة فى الحال وفى المال. أى : أن المراد بأمامه : مستقبل أيامه. 
وجئ بلفظ " أيان " الدال على الاستفهام للزمان البعيد، للإِشعار بشدة تكذيبهم، وإصرارهم على عدم وقوعه فى أى وقت من الأوقات.

### الآية 75:6

> ﻿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ [75:6]

**التفسير قال الله- تعالى-:**
 \[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١ الى ١٩\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)
 بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)
 يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)
 وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)
 افتتح الله- تعالى- هذه السورة الكريمة بقوله- تعالى-: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ.
 وللعلماء في مثل هذا التركيب أقوال منها: أن حرف ******«لا»****** هنا جيء به، لقصد المبالغة في تأكيد القسم، كما في قولهم: لا والله.
 قال الآلوسى: إدخال ******«لا»****** النافية صورة على فعل القسم، مستفيض في كلامهم وأشعارهم.
 ومنه قول امرئ القيس: لا وأبيك يا ابنة العامري.. يعنى: وأبيك.
 ثم قال: وملخص ما ذهب إليه جار الله في ذلك، أن ******«لا»****** هذه، إذا وقعت في خلال

الكلام كقوله- تعالى- فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ فهي صلة تزاد لتأكيد القسم، مثلها في قوله- تعالى-: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ لتأكيد العلم.. **«١»**.
 ومنها: أن ****«لا»**** هنا، جيء بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين ليوم القيامة، فكأنه- تعالى- يقول: لا، ليس الأمر كما زعموا، ثم قال: أقسم بيوم القيامة الذي يبعث فيه الخلق للجزاء.
 قال القرطبي: وذلك كقولهم: لا والله لا أفعل. فلا هنا رد لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة لحق، كأنك أكذبت قوما أنكروها.. **«٢»**.
 ومنها: أن ****«لا»**** في هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفي، والمعنى لا أقسم بيوم القيامة ولا بغيره، على أن البعث حق، فإن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى قسم.
 وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال: وصيغة لا أقسم، صيغة قسم، أدخل حرف النفي على فعل **«أقسم»** لقصد المبالغة في تحقيق حرمة المقسم به، بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به، ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول: لا أقسم به، أى:
 ولا أقسم بأعز منه عندي. وذلك كناية عن تأكيد القسم **«٣»**.
 والمراد بالنفس اللوامة: النفس التقية المستقيمة التي تلوم ذاتها على ما فات منها، فهي- مهما أكثرت من فعل الخير- تتمنى أن لو ازدادت من ذلك، ومهما قللت من فعل الشر، تمنت- أيضا- أن لو ازدادت من هذا التقليل.
قال ابن كثير: عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه، يقول:

 ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتى؟  وإن الفاجر يمضى قدما ما يعاتب نفسه. وفي رواية عن الحسن- أيضا- ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة» **«٤»**.
 وجواب القسم يفهم من قوله- تعالى- بعد ذلك: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ. والمراد بالإنسان: جنسه. أو المراد به الكافر المنكر للبعث. والاستفهام للتوبيخ والتقريع.
 (١) راجع تفسير الآلوسى ج ٢٩ ص ١٣٥.
 (٢) راجع تفسير القرطبي ج ١٩ ص ٩٢.
 (٣) تفسير التحرير والتنوير ج ٢٩ ص ٣٣٨ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
 (٤) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٣٠٠. [.....]

وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد حدثني عن يوم القيامة، فأخبره ﷺ عنه. فقال المشرك: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك- يا محمد- أو يجمع الله العظام. فنزلت هذه الآية.
 والمعنى: أقسم بيوم القيامة الذي لا شك في وقوعه في الوقت الذي نشاؤه، وأقسم بالنفس اللوامة التقية التي تلوم ذاتها على الخير، لماذا لم تستكثر منه، وعلى الشر لماذا فعلته، لنجمعن عظامكم- أيها الناس- ولنبعثنكم للحساب والجزاء.
 وافتتح- سبحانه- السورة الكريمة بهذا القسم، للإيذان بأن ما سيذكر بعده أمر مهم، من شأن النفوس الواعية أن تستشرف له، وأن تستجيب لما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات.
 ووصف- سبحانه- النفس باللوامة بصيغة المبالغة للإشعار بأنها كريمة مستقيمة تكثر من لوم ذاتها، وتحض صاحبها على المسارعة في فعل الخيرات.
 والعظام المراد بها الجسد، وعبر عنه بها، لأنه لا يقوم إلا بها، وللرد على المشركين الذين استبعدوا ذلك، وقالوا- كما حكى القرآن عنهم-: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ.
 وقوله- سبحانه-: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ تأكيد لقدرته- تعالى- على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما نخرة، وإبطال لنفيهم إحياء العظام وهي رميم.
 وقادِرِينَ حال من فاعل الفعل المقدر بعد بلى. وقوله: نُسَوِّيَ من التسوية، وهي تقويم الشيء وجعله متقنا مستويا، يقال: سوى فلان الشيء إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا اضطراب.
 والبنان: جمع بنانة، وهي أصابع اليدين والرجلين، أو مفاصل تلك الأصابع وأطرافها.
 أى: ليس الأمر كما زعم هؤلاء المشركون من أننا لا نعيد الإنسان إلى الحياة بعد موته للحساب والجزاء، بل الحق أننا سنجمعه وسنعيده إلى الحياة حالة كوننا قادرين قدرة تامة، على هذا الجمع لعظامه وجسده، وعلى جعل أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق، متقنة الصنع، كما كانت قبل الموت.
 وخصت البنان بالذكر، لأنها أصغر الأعضاء، وآخر ما يتم به الخلق، فإذا كان- سبحانه- قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها، فهو على غيرها مما هو أكبر منها أشد قدرة.
 وقوله- تعالى- بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ بيان لحال أخرى من أحوال فجور

هؤلاء المشركين وطغيانهم، وانتقال من إنكار الحسبان إلى الإخبار عن حال هذا الإنسان.
 والفجور: يطلق على القول البالغ النهاية في السوء، وعلى الفعل القبيح المنكر، ويطلق على الكذب، ولذا وصفت اليمين الكاذبة، باليمين الفاجرة فيكون فجر بمعنى كذب، وزنا ومعنى.
 ولفظ **«الأمام»** يطلق على المكان الذي يكون في مواجهة الإنسان، والمراد به هنا:
 الزمان المستقبل وهو يوم القيامة، الذي دل عليه قوله- تعالى- بعد ذلك: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ.
 أى: أن هذا الإنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره وكفره، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود، فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول: أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ أى: متى يجيء يوم القيامة هذا الذي تتحدثون عنه- أيها المؤمنون- وتخشون ما فيه من حساب وجزاء؟
 قال القرطبي: قوله- تعالى-: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ قال ابن عباس:
 يعنى الكافر. يكذب بما أمامه من البعث والحساب.. ودليله يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ.
 أى: يسأل متى يكون؟ على وجه التكذيب والإنكار، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب.
 ولكن يأثم لما بين يديه. ومما يدل أن الفجور: التكذيب، ما ذكره القتبى وغيره، من أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب، وشكا إليه نقب إبله ودبرها- أى: مرضها وجربها- وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله. فقال الأعرابى.

أقسم بالله أبو حفص عمر  ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان فجر يعنى إن كان كذبني فيما ذكرت.. **«١»**.
 وأعيد لفظ الإنسان في هذه الآيات أكثر من مرة، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه، وتسجيل الظلم والجحود عليه.
 والضمير في **«أمامه»** يجوز أن يعود إلى يوم القيامة. أى: بل يريد الإنسان ليكذب بيوم القيامة. الثابت الوقوع في الوقت الذي يشاؤه الله- عز وجل-.
 ويجوز أن يعود على الإنسان، فيكون المعنى: بل يريد الإنسان أن يستمر في فجوره وتكذيبه بيوم القيامة في الحال وفي المآل. أى: أن المراد بأمامه: مستقبل أيامه.
 (١) تفسير القرطبي ج ١٩ ص ٩٤.

وجيء بلفظ **«أيان»** الدال على الاستفهام للزمان البعيد، للإشعار بشدة تكذيبهم، وإصرارهم على عدم وقوعه في أى وقت من الأوقات.
 ثم ساق- سبحانه- جانبا من أهوال يوم القيامة، على سبيل التهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين.
 فقال: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ.
 و **«برق»** - بكسر الراء وفتحها- دهش وفزع وتحير ولمع من شدة شخوصه وخوفه.
 يقال: برق بصر فلان- كفرح ونصر- إذا نظر إلى البرق فدهش وتحير.
 والمراد بخسوف القمر: انطماس نوره، واختفاء ضوئه.
 والمراد بجمع الشمس والقمر: اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال النظام المعهود للكون، اختلالا تتغير معه معالمه ونظمه. وجواب فَإِذا قوله: يَقُولُ الْإِنْسانُ أى: فإذا برق بصر الإنسان وتحير من شدة الفزع والخوف، بعد أن رأى ما كان يكذب به في الدنيا.
 والتعريف في البصر: للاستغراق، إذ أبصار الناس جميعا في هذا اليوم، تكون في حالة فزع، إلا أن هذا الفزع يتفاوت بينهم في شدته.
 وَخَسَفَ الْقَمَرُ أى: ذهب ضوؤه. وانطمس نوره.
 وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ أى: وقرن بينهما بعد أن كانا متفرقين.
 والتصقا بعد أن كانا متباعدين، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين.
 يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ أى: فإذا ما تم كل ذلك، يقول الإنسان في هذا الوقت الذي يبرق فيه البصر، ويخسف فيه القمر، ويجمع فيه بين الشمس والقمر: أين المفر. أى: أين الفرار من قضاء الله- تعالى- ومن قدره وحسابه. فالمفر مصدر بمعنى الفرار. والاستفهام بمعنى التمني أى: ليت لي مكانا أفر إليه مما أراه.
 وقوله- سبحانه-: كَلَّا لا وَزَرَ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ إبطال لهذا التمني، ونفى لأن يكون لهذا الإنسان مهرب من الحساب.
 والوزر: المراد به الملجأ والمكان الذي يحتمي به الشخص للتوقي مما يخافه، وأصله: الجبل المرتفع المنيع، من الوزر وهو الثقل.

أى: كلا لا وزر ولا ملجأ لك. أيها الإنسان- من المثول أمام ربك في هذا اليوم للحساب والجزاء.
 ومهما طال عمرك، وطال رقادك في قبرك.. فإلى ربك وحده نهايتك ومستقرك ومصيرك، في هذا اليوم الذي لا محيص لك عنه.
 وقوله- سبحانه- يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
 بيان لما يحدث له يوم القيامة، أى: يخبر الإنسان في هذا اليوم بما قدم من أعمال حسنة. وبما أخر منها فلم يعملها، مع أنه كان في إمكانه أن يعملها، والمقصود بالآية المجازاة على الأعمال لا مجرد الإخبار.
 قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
 **أى:**
 يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال- سبحانه-:
 وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً **«١»**.
 ثم أكد- سبحانه- هذا المعنى بقوله: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ.
 والبصيرة هنا بمعنى الحجة المشاهدة عليه، وهي خبر عن المبتدأ وهو الْإِنْسانُ والجار والمجرور متعلق بلفظ بصيرة والهاء فيها للمبالغة، مثل هاء علامة ونسابة.
 أى: بل الإنسان حجة بينة على نفسه، وشاهدة بما كان منه من الأعمال السيئة، ولو أدلى بأية حجة يعتذر بها عن نفسه. لم ينفعه ذلك.
 قال صاحب الكشاف: بَصِيرَةٌ
 أى: حجة بينة، وصفت بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً أو: عين بصيرة والمعنى أنه ينبأ بأعماله، وإن لم ينبأ ففيه ما يجزئ عن الإنباء، لأنه شاهد عليها بما عملت، لأن جوارحه تنطق بذلك، كما قال- تعالى- يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
 وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
 أى: ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها.
 وعن الضحاك: ولو أرخى ستوره، وقال: المعاذير: الستور، واحدها معذار، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب..
 فإن قلت: أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير؟ قلت: المعاذير ليس بجمع معذرة، إنما هو اسم جمع لها. ونحوه: المناكير في المنكر **«٢»**.

 (١) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٣٠٢.
 (٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٦١.

فالمقصود بهاتين الآيتين: بيان أن الإنسان لن يستطيع أن يهرب من نتائج عمله مهما حاول ذلك، لأن جوارحه شاهدة عليه، ولأن أعذاره لن تكون مقبولة، لأنها جاءت في غير وقتها، كما قال- تعالى-: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.
 ثم أرشد الله- تعالى- نبيه ﷺ إلى ما يجب عليه عند تبليغ القرآن إليه عن طريق الوحى. فقال- سبحانه-: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ.
 والضمير في بِهِ
 يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد بقوله:
 لا تُحَرِّكْ
 نهيه ﷺ عن التعجل في القراءة.
 والمقصود بقوله: قرآنه، قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفي قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله.
 قال الآلوسى: قوله: وَقُرْآنَهُ
 أى: إثبات قراءته في لسانك، فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة.. مضاف إلى المفعول وقيل: قرآنه، أى: تأليفه على لسانك.. **«١»**.
 أى: لا تتعجل- أيها الرسول الكريم- بقراءة القرآن الكريم عند ما تسمعه من أمين وحينا جبريل- عليه السلام-، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، فإننا قد تكفلنا بجمعه في صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام الأمر كذلك، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه.
 قال الإمام ابن كثير ما ملخصه هذا تعليم من الله- تعالى- لنبيه ﷺ في كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته.
 روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه- يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شيء، أو من شدة رغبته في حفظه- فأنزل الله- تعالى- هذه الآيات **«٢»**.
 فأنت ترى أن الله- تعالى- قد ضمن لنبيه ﷺ أن يجمع له القرآن في صدره وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف أو تبديل، وأن يوضح له ما خفى عليه منه.
 قالوا: فكان رسول الله ﷺ إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن، أطرق وأنصت، وشبيه بهذه الآيات قوله- سبحانه-: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، وَلا تَعْجَلْ

 (١) تفسير الآلوسى ج ٢٩ ص ١٤٢.
 (٢) راجع تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٣٠٤.

### الآية 75:7

> ﻿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ [75:7]

ثم ساق - سبحانه - جانبا من أهوال يوم القيامة، على سبيل التهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين. 
فقال : فَإِذَا بَرِقَ البصر. وَخَسَفَ القمر. وَجُمِعَ الشمس والقمر. يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر . 
و " برق " - بكسر الراء وفتحها - دهش وفزع وتحير ولمع من شدة شخوصه وخوفه. 
يقال : برق بصر فلان - كفرح ونصر - إذا نظر إلى البرق فدهش وتحير. 
والمراد بخسوف القمر : انطماس نوره، واختفاء ضوئه. 
والمراد بجمع الشمس والقمر : اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال النظام المعهود للكون، اختلالا تتغير معه معالمة ونظمه. وجواب  إذا  قوله : يَقُولُ الإنسان  أى : فإذا برق بصر الإِنسان وتحير من شدة الفزع والخوف، بعد أن رأى ما كان يكذب به فى الدنيا. 
والتعريف فى البصر : للاسغراق : إذ أبصار الناس جميعا فى هذا اليوم، تكون فى حالة فزع، إلأا أن هذا الفزع يتفاوت بينهم فى شدته.

### الآية 75:8

> ﻿وَخَسَفَ الْقَمَرُ [75:8]

وَخَسَفَ القمر  أى : ذهب ضوؤه. وانطمس نوره.

### الآية 75:9

> ﻿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [75:9]

وَجُمِعَ الشمس والقمر  أى : وقرن بينهما بعد أن كانا متفرقين. 
والتصقا بعد أن كانا متباعدين، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين.

### الآية 75:10

> ﻿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ [75:10]

يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر  أى : فإذا ما تم كل ذلك، يقول الإِنسان فى هذا الوقت الذى يبرق فيه البصر، ويخسف فيه القمر، ويجمع فيه بين الشمس والقمر : أين المفر. أى : أين الفرار من قضاء الله - تعالى - ومن قدره وحسابه. فالمفر مصدر بمعنى الفرار.. والاستفهام بمعنى التمنى أى : ليت لى مكانا أفر إليه مما أراه.

### الآية 75:11

> ﻿كَلَّا لَا وَزَرَ [75:11]

وقوله - سبحانه - : كَلاَّ لاَ وَزَرَ. إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر  إبطال لهذا التمنى، ونفى لأن يكون لهذا الإِنسان مهرب من الحساب. 
والوزر : المراد به الملجأ والمكان الذى يحتمى به الشخص للتوقى مما يخافه، وأصله، الجبل المرتفع المنيع، من الوِزْر وهو الثقل. 
أى : كلا لا وزر ولا ملجأ لك. أيها الإِنسان - من المثول أمام ربك فى هذا اليوم للحساب والجزاء. 
ومهما طال عمرك، وطال رقادك فى قبرك.. فإلى ربك وحده نهايتك ومستقرك ومصيرك، فى هذا اليوم الذى لا محيص لك عنه.

### الآية 75:12

> ﻿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [75:12]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١:وقوله - سبحانه - : كَلاَّ لاَ وَزَرَ. إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر  إبطال لهذا التمنى، ونفى لأن يكون لهذا الإِنسان مهرب من الحساب. 
والوزر : المراد به الملجأ والمكان الذى يحتمى به الشخص للتوقى مما يخافه، وأصله، الجبل المرتفع المنيع، من الوِزْر وهو الثقل. 
أى : كلا لا وزر ولا ملجأ لك. أيها الإِنسان - من المثول أمام ربك فى هذا اليوم للحساب والجزاء. 
ومهما طال عمرك، وطال رقادك فى قبرك.. فإلى ربك وحده نهايتك ومستقرك ومصيرك، فى هذا اليوم الذى لا محيص لك عنه. ---

### الآية 75:13

> ﻿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [75:13]

وقوله - سبحانه -  يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ  بيان لما يحدث له يوم القيامة، أى : يخبر الإِنسان فى هذا اليوم بما قدم من أعمال حسنة. وبما أخر منها فلم يعملها، مع أنه كان فى إمكانه أن يعملها، والمقصود بالآية المجازاة على الأعمال لا مجرد الإِخبار. 
قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - : يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ  أى : يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال - سبحانه - : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً .

### الآية 75:14

> ﻿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [75:14]

ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ . 
والبصيرة هنا بمعنى الحجة الشاهدة عليه، وهى خبر عن المبتدأ وهو  الإنسان  والجار والمجرور متعلق بلفظ بصيرة والهاء فيها للمبالغة، مثل هاء علامة ونسابة. 
أى : بل الإِنسان حجة بينة على نفسه، وشاهدةبما كان منه من الأعمال السيئة، ولو أدلى بأية حجة يعتذر بها عن نفسه. لم ينفعه ذلك. 
قال صاحب الكشاف : بَصِيرَةٌ  أى : حجة بينة، وصفت بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات بالإبصار فى قوله : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً  أو : عين بصيرة والمعنى أنه ينبأ بأعماله، وإن لم ينبأ ففيه ما يجزئ عن الإِنباء، لأنه شاهد عليها بما عملت، لأن جوارحه تنطق بذلك، كما قال - تعالى -  يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

### الآية 75:15

> ﻿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ [75:15]

وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ  أى : ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها
وعن الضحاك : ولو أرخى ستوره، وقال : المعاذير : الستور، واحدها معذار، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب. 
فإن قلت : أليس قياس المعذرة أن تجمع لا معاذير ؟ قلت : المعاذير ليس بجمع معذرة، إنما هو اسم جمع لها. 
ونحوه : المناكير فى المنكر. 
فالمقصود بهاتين الآيتين : بيان أن الإِنسان لن يستطيع أن يهرب من نتائج عمله مهما حاول ذلك، لأن جوارحه شاهدة عليه، ولأن أعذاره لن تكون مقبولة، لأنها جاءت فى غير وقتها،

### الآية 75:16

> ﻿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [75:16]

كما قال - تعالى - : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ . 
والضمير فى  به  يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد بقوله : لاَ تُحَرِّكْ  نهيه صلى الله عليه وسلم عن التعجيل فى القراءة. 
والمقصود بقوله : قرآنه، قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفى قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله. 
قال الآلوسى : قوله : وَقُرْآنَهُ  أى : إثبات قراءته فى لسانك، فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة.. مضاف إلى المفعول وقيل : قرآنه، أى : تأليفه على لسانك.. 
أى : لا تتعجل - أيها الرسول الكريم - بقراءة القرآن الكريم عندما تسمعه من أمين وحينا جبريل - عليه السلام -، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، فإننا قد تكفلنا بجمعه فى صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام الأمر كذلك، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه. 
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا تعليم من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك فى قراءته. 
روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه - يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شئ، أو من شدة رغبته فى حفظه - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات. 
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع له القرآن فى صدره وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف أو تبديل، وأن يوضح له ما خفى عليه منه. 
قالوا : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن، أطرق وأنصت، وشبيه بهذه الآيات قوله - سبحانه - : فتعالى الله الملك الحق وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً

### الآية 75:17

> ﻿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [75:17]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦:كما قال - تعالى - : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ . 
والضمير فى  به  يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد بقوله : لاَ تُحَرِّكْ  نهيه صلى الله عليه وسلم عن التعجيل فى القراءة. 
والمقصود بقوله : قرآنه، قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفى قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله. 
قال الآلوسى : قوله : وَقُرْآنَهُ  أى : إثبات قراءته فى لسانك، فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة.. مضاف إلى المفعول وقيل : قرآنه، أى : تأليفه على لسانك.. 
أى : لا تتعجل - أيها الرسول الكريم - بقراءة القرآن الكريم عندما تسمعه من أمين وحينا جبريل - عليه السلام -، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، فإننا قد تكفلنا بجمعه فى صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام الأمر كذلك، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه. 
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا تعليم من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك فى قراءته. 
روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه - يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شئ، أو من شدة رغبته فى حفظه - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات. 
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع له القرآن فى صدره وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف أو تبديل، وأن يوضح له ما خفى عليه منه. 
قالوا : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن، أطرق وأنصت، وشبيه بهذه الآيات قوله - سبحانه - : فتعالى الله الملك الحق وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ---

### الآية 75:18

> ﻿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [75:18]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦:كما قال - تعالى - : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ . 
والضمير فى  به  يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد بقوله : لاَ تُحَرِّكْ  نهيه صلى الله عليه وسلم عن التعجيل فى القراءة. 
والمقصود بقوله : قرآنه، قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفى قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله. 
قال الآلوسى : قوله : وَقُرْآنَهُ  أى : إثبات قراءته فى لسانك، فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة.. مضاف إلى المفعول وقيل : قرآنه، أى : تأليفه على لسانك.. 
أى : لا تتعجل - أيها الرسول الكريم - بقراءة القرآن الكريم عندما تسمعه من أمين وحينا جبريل - عليه السلام -، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، فإننا قد تكفلنا بجمعه فى صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام الأمر كذلك، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه. 
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا تعليم من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك فى قراءته. 
روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه - يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شئ، أو من شدة رغبته فى حفظه - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات. 
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع له القرآن فى صدره وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف أو تبديل، وأن يوضح له ما خفى عليه منه. 
قالوا : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن، أطرق وأنصت، وشبيه بهذه الآيات قوله - سبحانه - : فتعالى الله الملك الحق وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ---

### الآية 75:19

> ﻿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [75:19]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦:كما قال - تعالى - : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ . 
والضمير فى  به  يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد بقوله : لاَ تُحَرِّكْ  نهيه صلى الله عليه وسلم عن التعجيل فى القراءة. 
والمقصود بقوله : قرآنه، قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفى قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله. 
قال الآلوسى : قوله : وَقُرْآنَهُ  أى : إثبات قراءته فى لسانك، فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة.. مضاف إلى المفعول وقيل : قرآنه، أى : تأليفه على لسانك.. 
أى : لا تتعجل - أيها الرسول الكريم - بقراءة القرآن الكريم عندما تسمعه من أمين وحينا جبريل - عليه السلام -، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، فإننا قد تكفلنا بجمعه فى صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام الأمر كذلك، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه. 
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا تعليم من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك فى قراءته. 
روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه - يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شئ، أو من شدة رغبته فى حفظه - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات. 
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع له القرآن فى صدره وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف أو تبديل، وأن يوضح له ما خفى عليه منه. 
قالوا : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن، أطرق وأنصت، وشبيه بهذه الآيات قوله - سبحانه - : فتعالى الله الملك الحق وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ---

### الآية 75:20

> ﻿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [75:20]

ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة، وعن أحوال الناس فيه، وعن حالة الإِنسان فى وقت الاحتضار، وعن مظاهر قدرته - تعالى - وعن حكمته فى البعث والحساب والجزاء، فقال - سبحانه - :
 كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ... .. 
قوله - سبحانه -  كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة. وَتَذَرُونَ الآخرة  بيان لما جبل عليه كثير من الناس، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة، على منافع الآخرة الباقية، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك، الذى يدل على قصر النظر، وضعف التفكير. 
أى : كلا - أيها الناس - ليس الرشد فى أن تتركوا العمل الصالح الذى ينفعكم يوم القيامة، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة.. بل الرشد كل الرشد فى عكس ذلك، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم فى آخرتكم، كما قال - سبحانه - : وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا  وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً

### الآية 75:21

> ﻿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ [75:21]

قوله - سبحانه -  كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة. وَتَذَرُونَ الآخرة  بيان لما جبل عليه كثير من الناس، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة، على منافع الآخرة الباقية، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك، الذى يدل على قصر النظر، وضعف التفكير. 
أى : كلا - أيها الناس - ليس الرشد فى أن تتركوا العمل الصالح الذى ينفعكم يوم القيامة، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة.. بل الرشد كل الرشد فى عكس ذلك، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم فى آخرتكم، كما قال - سبحانه - : وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا  وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً

### الآية 75:22

> ﻿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [75:22]

ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ. تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ . 
وقوله : ناضرة  اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن. تقول : وجه نضير، إذا كان حسنا جميلا. 
وقوله : باسرة  من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس، ومنه قوله - تعالى -  ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ  يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه. 
والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر. يقال : فلان فقرته الفاقرة، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه. 
والمراد بقوله : يومئذ  : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة. 
والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر. 
والمعنى : يوم القيامة، الذى يبرق فيه البصر، ويخسف القمر.. تصير وجوه حسنة مشرقة، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين.. وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية، ولا جهة، ولا ثبوت مسافة. 
وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم، وهذه الوجوه  تَظُنُّ  أى : تعتقد أو تتوقع، أن يفعل بها فعلا يهلكها، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته. 
وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا، للتنويع والتقسيم، كما فى قوله - تعالى -  فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير  وكما فى قول الشاعر :
فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر
وقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه -. 
ومنهم من فسر  نَّاضِرَةٌ  بمعنى منتظرة، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها. 
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة، فى الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها. لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " ". 
وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " ". 
ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة. كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام، وهداة الأنام. 
ومن تأول  إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  فقال : تنتظر الثواب من ربها.. فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله - تعالى -  كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ  قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل -.

### الآية 75:23

> ﻿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [75:23]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٢:ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ. تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ . 
وقوله : ناضرة  اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن. تقول : وجه نضير، إذا كان حسنا جميلا. 
وقوله : باسرة  من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس، ومنه قوله - تعالى -  ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ  يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه. 
والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر. يقال : فلان فقرته الفاقرة، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه. 
والمراد بقوله : يومئذ  : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة. 
والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر. 
والمعنى : يوم القيامة، الذى يبرق فيه البصر، ويخسف القمر.. تصير وجوه حسنة مشرقة، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين.. وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية، ولا جهة، ولا ثبوت مسافة. 
وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم، وهذه الوجوه  تَظُنُّ  أى : تعتقد أو تتوقع، أن يفعل بها فعلا يهلكها، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته. 
وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا، للتنويع والتقسيم، كما فى قوله - تعالى -  فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير  وكما فى قول الشاعر :
فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر
وقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه -. 
ومنهم من فسر  نَّاضِرَةٌ  بمعنى منتظرة، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها. 
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة، فى الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها. لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال :" هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا، قال :" فإنكم ترون ربكم كذلك " ". 
وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال :" نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال :" إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " ". 
ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة. كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام، وهداة الأنام. 
ومن تأول  إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  فقال : تنتظر الثواب من ربها.. فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله - تعالى -  كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ  قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل -. ---

### الآية 75:24

> ﻿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ [75:24]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٢:ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ. تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ . 
وقوله : ناضرة  اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن. تقول : وجه نضير، إذا كان حسنا جميلا. 
وقوله : باسرة  من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس، ومنه قوله - تعالى -  ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ  يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه. 
والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر. يقال : فلان فقرته الفاقرة، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه. 
والمراد بقوله : يومئذ  : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة. 
والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر. 
والمعنى : يوم القيامة، الذى يبرق فيه البصر، ويخسف القمر.. تصير وجوه حسنة مشرقة، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين.. وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية، ولا جهة، ولا ثبوت مسافة. 
وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم، وهذه الوجوه  تَظُنُّ  أى : تعتقد أو تتوقع، أن يفعل بها فعلا يهلكها، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته. 
وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا، للتنويع والتقسيم، كما فى قوله - تعالى -  فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير  وكما فى قول الشاعر :
فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر
وقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه -. 
ومنهم من فسر  نَّاضِرَةٌ  بمعنى منتظرة، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها. 
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة، فى الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها. لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال :" هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا، قال :" فإنكم ترون ربكم كذلك " ". 
وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال :" نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال :" إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " ". 
ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة. كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام، وهداة الأنام. 
ومن تأول  إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  فقال : تنتظر الثواب من ربها.. فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله - تعالى -  كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ  قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل -. ---

### الآية 75:25

> ﻿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [75:25]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٢:ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ. تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ . 
وقوله : ناضرة  اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن. تقول : وجه نضير، إذا كان حسنا جميلا. 
وقوله : باسرة  من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس، ومنه قوله - تعالى -  ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ  يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه. 
والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر. يقال : فلان فقرته الفاقرة، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه. 
والمراد بقوله : يومئذ  : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة. 
والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر. 
والمعنى : يوم القيامة، الذى يبرق فيه البصر، ويخسف القمر.. تصير وجوه حسنة مشرقة، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين.. وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية، ولا جهة، ولا ثبوت مسافة. 
وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم، وهذه الوجوه  تَظُنُّ  أى : تعتقد أو تتوقع، أن يفعل بها فعلا يهلكها، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته. 
وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا، للتنويع والتقسيم، كما فى قوله - تعالى -  فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير  وكما فى قول الشاعر :
فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر
وقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه -. 
ومنهم من فسر  نَّاضِرَةٌ  بمعنى منتظرة، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها. 
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة، فى الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها. لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال :" هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا، قال :" فإنكم ترون ربكم كذلك " ". 
وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال :" نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال :" إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " ". 
ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة. كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام، وهداة الأنام. 
ومن تأول  إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  فقال : تنتظر الثواب من ربها.. فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله - تعالى -  كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ  قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل -. ---

### الآية 75:26

> ﻿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ [75:26]

ثم زجر - سبحانه - الذين يكذبون بيوم الدين، ويؤثرون العاجلة على الآجلة، زجَرهم بلون آخر من ألوان الردع والزجر، حيث ذكرهم بأحوالهم الأليمة عندما يودعون هذه الدنيا فقال : كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق . 
والضمير فى  بَلَغَتِ  يعود إلى الروح المعلومة من المقام. كما فى قوله - تعالى -  فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم..  ومنه قول الشاعر :
أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
والتراقى : جمع تَرْقُوه، وهى العظام المحيطة بأعالى الصدر عن يمينه، وعن شماله، وهى موضع الحشرجة، وجواب الشرط محذوف. 
أى : حتى إذا بلغت روح الإِنسان التراقى، وأوشكت أن تفارق صاحبها.. وجد كل إنسان ثمار عمله الذى عمله فى دنياه، وانكشفت له حقيقة عاقبته. 
والمقصود من الآية الكريمة وما بعدها : الزجر عن إيثار العاجلة على الآجلة. فكأنه - تعالى - يقول : احذروا - أيها الناس - ذلك قبل أن يفاجئكم الموت، وقبل أن تبلغ أرواحكم نهايتها، وتنقطع عند ذلك آمالكم.

### الآية 75:27

> ﻿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ [75:27]

وقوله - سبحانه - : وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ  بيان لما يقوله أحباب الإِنسان الذى بلغت روحه التراقى، على سبيل التحسر والتوجع واستبعاد شفائه. و  من  اسم استفهام مبتدأ. و  راق  خبره، وهو اسم فاعل من الرُّقية، وهى كلام يقوله القائل، أو فعل يفعله الفاعل من أجل شفاء المريض. 
والمراد به هنا : مطلق الطبيب الذى يرجى على يديه الشفاء لهذا المحتضر. 
أى : اذكروا - أيها الناس - وقت بلوغ الروح نهايتها، ووقت أن وقف من يهمهم أمر المريض مستسلمين لقضاء الله - تعالى - وملتمسين من كل من بيده شفاء مريضهم، أن يتقدم لإِنقاذه مما هو فيه من كرب، ولكنهم لا يجدون أحدا يحقق لهم آمالهم. 
قال الآلوسى : قوله : وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ  أى : وقال من حضر صاحبها، من يرقيه وينجيه مما هو فيه، من الرقية، وهو ما يستشفى به الملسوع والمريض من الكلام المعد لذلك، ولعله أريد به مطلق الطبيب، أع من أن يطب بالقول أو بالفعل.. والاستفهام عند البعض حقيقى. وقيل : هو استفهام استبعاد وإنكار. أى : قد بلغ هذا المريض مبلغا لا أحد يستطيع أن يرقيه. 
وقيل هذا الكلام من كلام ملائكة الموت. أى : أيكم يرقى بروحه، أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب، من الرقى وهو العروج. والاستفهام عليه حقيقى. 
ووقف حفص رواية عن عاصم على  من  وابتدأ بقوله : راق  وكأنه قصد أن لا يتوهم أنهما كلمة واحدة، فسكت سكتة لطيفة، لتشعر أنهما كلمتان.

### الآية 75:28

> ﻿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ [75:28]

والضمير المستتر فى قوله - تعالى - : وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق  يعود إلى هذا الإِنسان الذى أشرف على الموت، والذى بلغت روحه نهاية حياتها، والظن هنا بمعنى اليقين، أو بمعنى العلم المقارب لليقين. 
أى : وأيقن هذا المحتضر، أو توقع أن نهايته قد اقتربت، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه.. وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده، إلا يوم يقوم الناس للحساب.

### الآية 75:29

> ﻿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [75:29]

وقوله - تعالى - : والتفت الساق بالساق  أى : وأيقن هذا المحتضر، أو توقع أن نهايته قد اقتربت، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه.. وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده، إلا يوم يقوم الناس الناس للحساب. 
وقوله - تعالى - : والتفت الساق بالساق  أى : والتوت والتصقت إحدى ساقيه بالأخرى. عند سكرات الموت وشدته، فصارتا متلاصقين لا تكاد إحداهما تتزحزح عن الأخرى، فكأنهما ملتفتان. 
ويصح أن يكون المعنى : والتفت الساق بالساق عند وضع هذا الذى أدركه الموت فى كفنه، لأن هذا الكفن قد ضم جميع جسده، والتصقت كل ساق بالأخرى. 
ومنهم من يرى أن هذه الآية الكريمة : كناية عن هول الموت وشدته كما فى قوله - تعالى - : يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ  والعرب لا تذكر الساق إلا فى المحن والشدائد العظام، ومنه قولهم : قامت الحرب على ساق. 
قال صاحب الكشاف : " والتفت " ساقه بساقه والتوت عليها عند الموت، وعن قتادة : ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا. وقيل : التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة، على أن الساق مثل فى الشدة. 
وعن سعيد ابن المسيب : هما ساقاه حين تلفانه فى أكفانه.

### الآية 75:30

> ﻿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [75:30]

وقوله - سبحانه - : إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق  أى : إلى ربك - أيها الرسول الكريم - مساق الناس ومرجعهم - لا إلى غيره - يوم القيامة.. لكى يحاسبوا على أعمالهم. 
فالمساق مصدر ميمى من ساق الشئ إذا سيره أمامه إلى حيث يريد.

### الآية 75:31

> ﻿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ [75:31]

ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة المكذبين للحق، فقال - تعالى - : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى. ولكن كَذَّبَ وتولى. ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى . 
والفاء للتفريع على ما تقدم، من قوله - تعالى - : أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ  إلخ. 
أو للتفريع والعطف على قوله - سبحانه - : إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق .. أى : أن هذا الإِنسان الذى أنكر الحساب والجزاء، وفارق الحياة، كانت عاقبة أمره خسرا، فلا هو صدق بالحق الذى جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا هو أدى الصلاة التى فرضها الله - تعالى - عليه،

### الآية 75:32

> ﻿وَلَٰكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ [75:32]

ولكنه كذب بكل ذلك، وتولى، وأعرض عن سبيل الرشاد.

### الآية 75:33

> ﻿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ [75:33]

ثم بعد ذلك : ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى  أى : ذهب إلى أهله متبخترا متفاخرا، متباهيا بإصراره على كفره وفجوره. 
وقوله : يتمطى  من المط بمعنى المد. وأصله : يتمطط، قلبت فيه الطاء حرف علة، ووصف المتبختر فى مشيه بذلك، لأنه يمط خطاه، ويمدها على سبيل الإِعجاب بنفسه، والتباهى بما هو عليه من كفر وضلال. 
ولم يذكر - سبحانه - المتعلق والمفعول فى الآيات الكريمة، للإِشعار بأن هذا الإِنسان الجاحد الجاهل.. لم يصدق بشئ من الحق، ولم يؤد الله - تعالى - فرضا ولا سنة، ولكنه استمر على تكذيبه وإعراضه عن الصراط المستقيم، ولم يكتف بكل ذلك، بل تفاخر وتباهى أمام وغيره بما هو عليه من باطل.

### الآية 75:34

> ﻿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ [75:34]

وقوله - سبحانه - : أولى لَكَ فأولى. ثُمَّ أولى لَكَ فأولى  دعاء على هذا الإِنسان الشقى، المصر على إعراضه عن الحق.. بالهلاك وسوء العاقبة. و  أولى  اسم تفضيل من وَلِىَ، وفاعله ضمير محذوف يقدره كل قائل أو سامع بما يدل على المكروه. 
والكاف فى قوله  لك  للتبين، والكاف خطاب لهذا الإِنسان المخصوص بالدعاء عليه. 
وقوله : فأولى  تأكيد لقوله  أولى لَك

### الآية 75:35

> ﻿ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ [75:35]

وجملة  ثُمَّ أولى لَكَ فأولى  مؤكدة للجملة الأولى. أى : أجدر بك هذا الهلاك الذى ينتظرك قريبا - أيها الإِنسان - الجاحد، ثم أجدر بك، لأنك أصررت على كل ما هو باطل وسوء. 
قال القرطبى ما ملخصه : هذا تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد.. 
روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال : " أولى لك فأولى " فقال أبو جهل : أتهددنى - يا محمد - فو الله إنى لأعز أهل هذا الوادى وأكرمه، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال لأبى جهل. 
وجئ بحرف " ثم " فى عطف الجملة الثانية على الأولى، لزيادة التأكيد، وللارتقاء فى الوعيد، وللإِشعار بأن التهديد الثانى أشد من الأول، كما فى قوله - تعالى - : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ

### الآية 75:36

> ﻿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [75:36]

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالإِشارة إلى الحكمة من البعث والجزاء، وببيان جانب من مظاهر قدرته فقال : أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى . 
والاستفهام للإِنكار كما قال فى قوله - تعالى - قبل ذلك : أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ  و " سُدَى " - بضم السين مع القصر - بمعنى مهمل. يقال : إبل سُدًى، أى : مهملة ليس لها راع يحميها.. وهو حال من فاعل " يترك ". 
أى : أيظن هذا الإِنسان الذى أنكر البعث والجزاء، أن نتركه هكذا مهملا، فلا نجازيه على أعماله التى عملها فى الدنيا ؟ إن كان يحسب ذلك هفو فى وهم وضلال، لأن حكمتنا قد اقتضت أن نكرم المتقين، وأن تعاقب المكذبين.

### الآية 75:37

> ﻿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَىٰ [75:37]

والاستفهام فى قوله : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى..  للتقرير، والنطفة : القليل من الماء و  يمنى  يراق هذا المنى فى رحم المرأة. 
أى : كيف يحسب هذا الإِنسان أنه سيترك سدى ؟ ألم يك فى الأصل قطرة ماء تصب من الرجل فى رحم المرأة وتراق فيه ؟ بل إنه كان كذلك.

### الآية 75:38

> ﻿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ [75:38]

ثم  كَانَ  بعد ذلك  عَلَقَةً  أى : قطعة دم متجمد  فَخَلَقَ فسوى  أى : فخلقه الله - تعالى - خلقا آخر بقدرته، وسواه فى أحسن تقويم، كما قال : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ..

### الآية 75:39

> ﻿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ [75:39]

بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً.
 ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة، وعن أحوال الناس فيه، وعن حالة الإنسان في وقت الاحتضار، وعن مظاهر قدرته- تعالى- وعن حكمته في البعث والحساب والجزاء، فقال- سبحانه-:
 \[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٢٠ الى ٤٠\]
 كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤)
 تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)
 إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤)
 ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩)
 أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)
 وقوله- سبحانه- كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ. وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ بيان لما جبل عليه كثير من الناس، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة، على منافع الآخرة الباقية، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك، الذي يدل على قصر النظر، وضعف التفكير.
 أى: كلا- أيها الناس- ليس الرشد في أن تتركوا العمل الصالح الذي ينفعكم يوم القيامة، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة.. بل الرشد كل الرشد في عكس ذلك، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم في آخرتكم، كما قال- سبحانه-: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا.
 وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى- إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا **«١»**.

 (١) سورة الإنسان الآية ٢٧.

ثم يبين- سبحانه- حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ.
 وقوله: ناضِرَةٌ اسم فاعل من النّضرة- بفتح النون المشددة وسكون الضاد- وهي الجمال والحسن. تقول: وجه نضير، إذا كان حسنا جميلا.
 وقوله: باسِرَةٌ من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس، ومنه قوله- تعالى-:
 ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ يقال: بسر فلان يبسر بسورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشيء الذي يراه.
 والفاقرة: الداهية العظيمة التي لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر. يقال: فلان فقرته الفاقرة، أى: نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة. وأصل الفقر: الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم أو ما يقرب منه.
 والمراد بقوله: يَوْمَئِذٍ: يوم القيامة الذي تكرر ذكره في السورة أكثر من مرة.
 والجملة المقدرة المضاف إليها **«إذ»** والمعوض عنها بالتنوين تقديرها يوم إذ برق البصر.
 والمعنى: في يوم القيامة، الذي يبرق فيه البصر، ويخسف القمر.. تصير وجوه حسنة مشرقة، ألا وهي وجوه المؤمنين الصادقين.. وهذه الوجوه تنظر إلى ربها في هذا اليوم نظرة سرور وحبور، بحيث تراه- سبحانه- على ما يليق بذاته، وكما يريد أن تكون رؤيته- عز وجل- بلا كيفية، ولا جهة، ولا ثبوت مسافة.
 وهناك وجوه أخرى تصير في هذا اليوم كالحة شديدة العبوس، وهي وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم، وهذه الوجوه تَظُنُّ أى: تعتقد أو تتوقع، أن يفعل بها فعلا يهلكها، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته.
 وجاء لفظ **«وجوه»** في الموضعين منكرا، للتنويع والتقسيم، كما في قوله- تعالى- فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وكما في قول الشاعر:
 فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نساء ويوم نسر
 وقد أخذ العلماء من قوله- تعالى-: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ أن الله- تعالى- يتكرم على عباده المؤمنين في هذا اليوم، فيربهم ذاته بالكيفية التي يريدها- سبحانه-.
 ومنهم من فسر ناظِرَةٌ بمعنى منتظرة، أى: منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله- تعالى- به عليها.
 قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله- عز وجل-

في الدار الآخرة، في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها. لحديث أبى سعيد وأبى هريرة- وهما في الصحيحين- أن ناسا قالوا:
 يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: **«هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب»** قالوا: لا، قال: **«فإنكم ترون ربكم كذلك»**.
 وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: **«إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر»**.
 ثم قال ابن كثير- رحمه الله-: وهذا- بحمد الله- مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة. كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام.
 ومن تأول إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ فقال: تنتظر الثواب من ربها.. فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله- تعالى- كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
 قال الشافعى: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه- عز وجل-.. **«١»**.
 ثم زجر- سبحانه- الذين يكذبون بيوم الدين، ويؤثرون العاجلة على الآجلة، زجرهم بلون آخر من ألوان الردع والزجر، حيث ذكرهم بأحوالهم الأليمة عند ما يودعون هذه الدنيا فقال: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ.
 والضمير في بَلَغَتِ يعود إلى الروح المعلومة من المقام. كما في قوله- تعالى- فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ.. ومنه قول الشاعر:

أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى  إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر والتراقي: جمع ترقوة، وهي العظام المحيطة بأعالى الصدر عن يمينه، وعن شماله، وهي موضع الحشرجة، وجواب الشرط محذوف.
 أى: حتى إذا بلغت روح الإنسان التراقي، وأوشكت أن تفارق صاحبها.. وجد كل إنسان ثمار عمله الذي عمله في دنياه، وانكشفت له حقيقة عاقبته.
 والمقصود من الآية الكريمة وما بعدها: الزجر عن إيثار العاجلة على الآجلة.
 فكأنه- تعالى- يقول: احذروا- أيها الناس- ذلك قبل أن يفاجئكم الموت، وقبل أن تبلغ أرواحكم نهايتها، وتنقطع عند ذلك آمالكم.
 وقوله- سبحانه-: وَقِيلَ مَنْ راقٍ
 بيان لما يقوله أحباب الإنسان الذي بلغت
 (١) راجع تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٣٠٥.

روحه التراقي، على سبيل التحسر والتوجع واستبعاد شفائه. ومَنْ
 اسم استفهام مبتدأ. وراقٍ
 خبره، وهو اسم فاعل من الرّقية، وهي كلام يقوله القائل، أو فعل يفعله الفاعل من أجل شفاء المريض. والمراد به هنا: مطلق الطبيب الذي يرجى على يديه الشفاء لهذا المحتضر.
 أى: اذكروا- أيها الناس- وقت بلوغ الروح نهايتها، ووقت أن وقف من يهمهم أمر المريض مستسلمين لقضاء الله- تعالى- وملتمسين من كل من بيده شفاء مريضهم، أن يتقدم لإنقاذه مما هو فيه من كرب، ولكنهم لا يجدون أحدا يحقق لهم آمالهم.
 قال الآلوسى: قوله وَقِيلَ مَنْ راقٍ
 أى: وقال من حضر صاحبها، من يرقيه وينجيه مما هو فيه، من الرقية، وهو ما يستشفى به الملسوع والمريض من الكلام المعد لذلك، ولعله أريد به مطلق الطبيب، أعم من أن يطب بالقول أو بالفعل.. والاستفهام عند البعض حقيقى. وقيل: هو استفهام استبعاد وإنكار. أى: قد بلغ هذا المريض مبلغا لا أحد يستطيع أن يرقيه.
 وقيل هذا الكلام من كلام ملائكة الموت. أى: أيكم يرقى بروحه، أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب، من الرقى وهو العروج. والاستفهام عليه حقيقى.
 ووقف حفص رواية عن عاصم على مَنْ
 وابتدأ بقوله: راقٍ
 وكأنه قصد أن لا يتوهم أنهما كلمة واحدة، فسكت سكتة لطيفة، لتشعر أنهما كلمتان **«١»**.
 والضمير المستتر في قوله- تعالى-: وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ يعود إلى هذا الإنسان الذي أشرف على الموت، والذي بلغت روحه نهاية حياتها، والظن هنا بمعنى اليقين، أو بمعنى العلم المقارب لليقين.
أى:

 وأيقن هذا المحتضر، أو توقع أن نهايته قد اقتربت، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه  وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده، إلا يوم يقوم الناس للحساب. وقوله- تعالى-: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أى: والتوت والتصقت إحدى ساقيه بالأخرى. عند سكرات الموت وشدته، فصارتا متلاصقتين لا تكاد إحداهما تتزحزح عن الأخرى، فكأنهما ملتفتان.
 ويصح أن يكون المعنى: والتفت الساق بالساق عند وضع هذا الذي أدركه الموت في كفنه، لأن هذا الكفن قد ضم جميع جسده، والتصقت كل ساق بالأخرى.
 (١) تفسير الآلوسى ج ٢٩ ص ١٤٦.

ومنهم من يرى أن هذه الآية الكريمة: كناية عن هول الموت وشدته كما في قوله- تعالى-: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ والعرب لا تذكر الساق إلا في المحن والشدائد العظام، ومنه قولهم: قامت الحرب على ساق.
 قال صاحب الكشاف: **«والتفت»** ساقه بساقه والتوت عليها عند الموت، وعن قتادة:
 ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا. وقيل: التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة، على أن الساق مثل في الشدة. وعن سعيد ابن المسيب: هما ساقاه حين تلفان في أكفانه **«١»**.
 وقوله- سبحانه-: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ أى: إلى ربك- أيها الرسول الكريم- مساق الناس ومرجعهم- لا إلى غيره- يوم القيامة.. لكي يحاسبوا على أعمالهم.
 فالمساق مصدر ميمى من ساق الشيء إذا سيره أمامه إلى حيث يريد.
 ثم بين- سبحانه- جانبا من الأسباب التي أدت إلى سوء عاقبة المكذبين للحق، فقال- تعالى-: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى. وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى.
 والفاء للتفريع على ما تقدم، من قوله- تعالى-: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ.. إلخ.
 أو للتفريع والعطف على قوله- سبحانه-: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ.. أى: أن هذا الإنسان الذي أنكر الحساب والجزاء، وفارق الحياة، كانت عاقبة أمره خسرا، فلا هو صدق بالحق الذي جاءه الرسول ﷺ ولا هو أدى الصلاة التي فرضها الله- تعالى- عليه، ولكنه كذب بكل ذلك، وتولى، وأعرض عن سبيل الرشاد.
 ثم بعد ذلك: ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أى: ذهب إلى أهله متبخترا متفاخرا، متباهيا بإصراره على كفره وفجوره.
 وقوله: يَتَمَطَّى من المط بمعنى المد. وأصله: يتمطط، قلبت فيه الطاء حرف علة، ووصف المتبختر في مشيه بذلك، لأنه يمط خطاه، ويمدها على سبيل الإعجاب بنفسه، والتباهي بما هو عليه من كفر وضلال.
 ولم يذكر- سبحانه- المتعلق والمفعول في الآيات الكريمة، للإشعار بأن هذا الإنسان الجاحد الجاهل.. لم يصدق بشيء من الحق، ولم يؤد لله- تعالى- فرضا ولا سنة، ولكنه

 (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٦٣.

استمر على تكذيبه وإعراضه عن الصراط المستقيم، ولم يكتف بكل ذلك، بل تفاخر وتباهي أمام غيره بما هو عليه من باطل.
 وقوله- سبحانه-: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى دعاء على هذا الإنسان الشقي، المصر على إعراضه عن الحق.. بالهلاك وسوء العاقبة. وأَوْلى اسم تفضيل من ولى، وفاعله ضمير محذوف يقدره كل قائل أو سامع بما يدل على المكروه.
 والكاف في قوله لَكَ للتبيين، والكاف خطاب لهذا الإنسان المخصوص بالدعاء عليه.
 وقوله: فَأَوْلى تأكيد لقوله أَوْلى لَكَ وجملة ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى مؤكدة للجملة الأولى. أى: أجدر بك هذا الهلاك الذي ينتظرك قريبا- أيها الإنسان- الجاحد، ثم أجدر بك، لأنك أصررت على كل ما هو باطل وسوء.
 قال القرطبي ما ملخصه: هذا تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد..
 روى أن رسول الله ﷺ خرج من المسجد ذات يوم، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال: **«أولى لك فأولى»**.
 فقال أبو جهل: أتهددني- يا محمد- فو الله إنى لأعز أهل هذا الوادي وأكرمه، ونزل على رسول الله ﷺ كما قال لأبى جهل **«١»**.
 وجيء بحرف **«ثم»** في عطف الجملة الثانية على الأولى، لزيادة التأكيد، وللارتقاء في الوعيد، وللإشعار بأن التهديد الثاني أشد من الأول، كما في قوله- تعالى-: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
 ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالإشارة إلى الحكمة من البعث والجزاء، وببيان جانب من مظاهر قدرته فقال: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً.
 والاستفهام للإنكار كما قال في قوله- تعالى- قبل ذلك: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ.
 و **«سدى»** - بضم السين مع القصر- بمعنى مهمل. يقال: إبل سدّى، أى: مهملة ليس لها راع يحميها.. وهو حال من فاعل **«يترك»**.
 أى: أيظن هذا الإنسان الذي أنكر البعث والجزاء، أن نتركه هكذا مهملا، فلا نجازيه

 (١) تفسير القرطبي ج ١٩ ص ١١٤.

على أعماله التي عملها في الدنيا؟ إن كان يحسب ذلك فهو في وهم وضلال، لأن حكمتنا قد اقتضت أن نكرم المتقين، وأن تعاقب المكذبين.
 والاستفهام في قوله: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى.. للتقرير، والنطفة: القليل من الماء ويُمْنى يراق هذا المنى في رحم المرأة.
 أى: كيف يحسب هذا الإنسان أنه سيترك سدى؟ ألم يك في الأصل قطرة ماء تصب من الرجل في رحم المرأة وتراق فيه؟ بل إنه كان كذلك.
 ثم كانَ بعد ذلك عَلَقَةً أى: قطعة دم متجمد فَخَلَقَ فَسَوَّى أى: فخلقه الله- تعالى- خلقا آخر بقدرته، وسواه في أحسن تقويم، كما قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ...
 وجملة أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بمثابة النتيجة بعد المقدمات والأدلة.
أى: أليس ذلك الرب العظيم الشأن والقدرة، الذي أحسن كل شيء خلقه:

 والذي خلق الإنسان في تلك الأطوار المتعددة  أليس ذلك الإله صاحب الخلق والأمر. بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى وعلى أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى، ليجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى؟ بلى إنه لقادر على ذلك قدرة تامة.
 وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها: أن رجلا كان إذا قرأ هذه الآية قال: سبحانك اللهم وبلى. فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك **«١»**.
 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
 (١) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٣٠٩.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 تفسير سورة الإنسان
 مقدمة وتمهيد
 ١- سورة **«الإنسان»** يرى بعضهم أنها من السور المكية الخالصة، ويرى آخرون أنها من السور المدنية.
 قال الآلوسى: هي مكية عند الجمهور، وقال مجاهد وقتادة: مدنية كلها، وقال الحسن: مدنية إلا آية واحدة، وهي قوله- تعالى-: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً **«١»**.
 ٢- والذي تطمئن إليه النفس أن هذه السورة، من السور المكية الخالصة، فإن أسلوبها وموضوعها ومقاصدها.. كل ذلك يشعر بأنها من السور المكية، إذ من خصائص السور المكية، كثرة حديثها عن حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة المكذبين، وأمر النبي ﷺ وأصحابه بالصبر، وإثبات أن هذا القرآن من عند الله- تعالى- والتحريض على مداومة ذكر الله- تعالى- وطاعته.. وكل هذه المعاني نراها واضحة في هذه السورة.
 ولقد رأينا الإمام ابن كثير- وهو من العلماء المحققين- عند تفسيره لهذه السورة، قال بأنها مكية، دون أن يذكر في ذلك خلافا، مما يوحى بأنه لا يعتد بقول من قال بأنها مدنية.
 ٣- وتسمى هذه السورة- أيضا- بسورة ****«هل أتى على الإنسان»****، فقد روى البخاري- في باب القراءة في الفجر- عن أبى هريرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر سورة **«ألم السجدة»**. وسورة. ****«هل أتى على الإنسان»****.
 وتسمى- أيضا- بسورة: الدهر، والأبرار، والأمشاج، لورود هذه الألفاظ فيها.
 (١) تفسير الآلوسى ج ٢٩ ص ١٥٠.

وعدد آياتها: إحدى وثلاثون آية بلا خلاف.
 ٤- ومن مقاصدها البارزة: تذكير الإنسان بنعم الله- تعالى- عليه، حيث خلقه- سبحانه- من نطفة أمشاج، وجعله سميعا بصيرا، وهداه السبيل.
 وحيث أعد له ما أعد من النعيم الدائم العظيم.. متى أطاعه واتقاه.
 كما أن من مقاصدها: إنذار الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم. وإثبات أن هذا القرآن من عند الله- تعالى- وأمر الرسول ﷺ وأمته بالصبر والإكثار من ذكر الله- تعالى- بكرة وأصيلا.
 وبيان أن حكمته- تعالى- قد اقتضت أنه: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً.

### الآية 75:40

> ﻿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ [75:40]

وجملة  أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى  بمثابة النتيجة بعد المقدمات والأدلة. 
أى : أليس ذلك الرب العظيم الشأن والقدرة، الذى أحسن كل شئ خلقه : والذى خلق الإِنسان فى تلك الأطوار المتعددة.. أليس ذلك الإِله صاحب الخلق والأمر. 
 بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى  وعلى أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى، ليجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى ؟ بلى إنه لقادر على ذلك قدرة تامة. 
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : أن رجلا كان إذا قرأ هذه الآية قال : سبحانك اللهم وبلَى. فسئل عن ذلك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. 
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/75.md)
- [كل تفاسير سورة القيامة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/75.md)
- [ترجمات سورة القيامة
](https://quranpedia.net/translations/75.md)
- [صفحة الكتاب: التفسير الوسيط](https://quranpedia.net/book/321.md)
- [المؤلف: محمد سيد طنطاوي](https://quranpedia.net/person/1211.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/75/book/321) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
