---
title: "تفسير سورة الإنسان - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/76/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/76/book/1469"
surah_id: "76"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الإنسان - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/76/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الإنسان - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/76/book/1469*.

Tafsir of Surah الإنسان from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 76:1

> هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [76:1]

وَقَالَ يَحْيَى بْن سَلَّام : لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا فِي الْخَلْق وَإِنْ كَانَ عِنْد اللَّه شَيْئًا مَذْكُورًا.
 وَقِيلَ : لَيْسَ هَذَا الذِّكْر بِمَعْنَى الْإِخْبَار، فَإِنَّ إِخْبَار الرَّبّ عَنْ الْكَائِنَات قَدِيم، بَلْ هَذَا الذِّكْر بِمَعْنَى الْخَطَر وَالشَّرَف وَالْقَدْر ; تَقُول : فُلَان مَذْكُور أَيْ لَهُ شَرَف وَقَدْر.
 وَقَدْ قَالَ تَعَالَى :" وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَك وَلِقَوْمِك " \[ الزُّخْرُف : ٤٤ \].
 أَيْ قَدْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْر عِنْد الْخَلِيقَة.
 ثُمَّ لَمَّا عَرَّفَ اللَّه الْمَلَائِكَة أَنَّهُ جَعَلَ آدَم خَلِيفَة، وَحَمَّلَهُ الْأَمَانَة الَّتِي عَجَزَ عَنْهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال، ظَهَرَ فَضْله عَلَى الْكُلّ، فَصَارَ مَذْكُورًا.
 قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَعَلَى الْجُمْلَة مَا كَانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ، وَإِنْ كَانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ.
 وَحَكَى مُحَمَّد بْن الْجَهْم عَنْ الْفَرَّاء :" لَمْ يَكُنْ شَيْئًا " قَالَ : كَانَ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا.
 وَقَالَ قَوْم : النَّفْي يَرْجِع إِلَى الشَّيْء ; أَيْ قَدْ مَضَى مَدَد مِنْ الدَّهْر وَآدَم لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُذْكَر فِي الْخَلِيقَة ; لِأَنَّهُ آخِر مَا خَلَقَهُ مِنْ أَصْنَاف الْخَلِيقَة، وَالْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِ حِين.
 وَالْمَعْنَى : قَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ أَزْمِنَة وَمَا كَانَ آدَم شَيْئًا وَلَا مَخْلُوقًا وَلَا مَذْكُورًا لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلِيقَة.
 وَهَذَا مَعْنَى قَوْل قَتَادَة وَمُقَاتِل : قَالَ قَتَادَة : إِنَّمَا خُلِقَ الْإِنْسَان حَدِيثًا مَا نَعْلَم مِنْ خَلِيقَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلِيقَة كَانَتْ بَعْد الْإِنْسَان.
 وَقَالَ مُقَاتِل : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره : هَلْ أَتَى حِين مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ الْإِنْسَان شَيْئًا مَذْكُورًا ; لِأَنَّهُ خَلَقَهُ بَعْد خَلْق الْحَيَوَان كُلّه، وَلَمْ يَخْلُق بَعْده حَيَوَانًا.
 وَقَدْ قِيلَ :" الْإِنْسَان " فِي قَوْله تَعَالَى " هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين " عُنِيَ بِهِ الْجِنْس مِنْ ذُرِّيَّة آدَم، وَأَنَّ الْحِين تِسْعَة أَشْهُر، مُدَّة حَمْل الْإِنْسَان فِي بَطْن أُمّه " لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا " : إِذْ كَانَ عَلَقَة وَمُضْغَة ; لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَة جَمَاد لَا خَطَر لَهُ.
 وَقَالَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : لَيْتَهَا تَمَّتْ فَلَا نُبْتَلَى.
 أَيْ لَيْتَ الْمُدَّة الَّتِي أَتَتْ عَلَى آدَم لَمْ تَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا تَمَّتْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَلِد وَلَا يُبْتَلَى أَوْلَاده.
 وَسَمِعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ رَجُلًا يَقْرَأ " هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا " فَقَالَ لَيْتَهَا تَمَّتْ.

### الآية 76:2

> ﻿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [76:2]

فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
 لِنَبْتَلِيَهُ، وَهِيَ مُقَدَّمَة مَعْنَاهَا التَّأْخِير.
 قُلْت : لِأَنَّ الِابْتِلَاء لَا يَقَع إِلَّا بَعْد تَمَام الْخِلْقَة وَقِيلَ :" جَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا " : يَعْنِي جَعَلْنَا لَهُ سَمْعًا يَسْمَع بِهِ الْهُدَى، وَبَصَرًا يُبْصِر بِهِ الْهُدَى.

### الآية 76:3

> ﻿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [76:3]

إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
 أَيْ أَيّهمَا فَعَلَ فَقَدْ بَيَّنَّا لَهُ.
 قَالَ الْكُوفِيُّونَ :" إِنْ " هَهُنَا تَكُون جَزَاء وَ " مَا " زَائِدَة أَيْ بَيَّنَّا لَهُ الطَّرِيق إِنْ شَكَرَ أَوْ كَفَرَ.
 وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاء وَلَمْ يُجِزْهُ الْبَصْرِيُّونَ ; إِذْ لَا تَدْخُل " إِنْ " لِلْجَزَاءِ عَلَى الْأَسْمَاء إِلَّا أَنْ يُضْمَر بَعْدهَا فِعْل.
 وَقِيلَ : أَيْ هَدَيْنَاهُ الرُّشْد، أَيْ بَيَّنَّا لَهُ سَبِيل التَّوْحِيد بِنَصْبِ الْأَدِلَّة عَلَيْهِ ; ثُمَّ إِنْ خَلَقْنَا لَهُ الْهِدَايَة اِهْتَدَى وَآمَنَ، وَإِنْ خَذَلْنَاهُ كَفَرَ.
 وَهُوَ كَمَا تَقُول : قَدْ نَصَحْت لَك، إِنْ شِئْت فَاقْبَلْ، وَإِنْ شِئْت فَاتْرُكْ ; أَيْ فَإِنْ شِئْت، فَتُحْذَف الْفَاء.
 وَكَذَا " إِمَّا شَاكِرًا " وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَيُقَال : هَدَيْته السَّبِيل وَلِلسَّبِيلِ وَإِلَى السَّبِيل.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْفَاتِحَة " وَغَيْرهَا.
 وَجَمَعَ بَيْن الشَّاكِر وَالْكَفُور، وَلَمْ يَجْمَع بَيْن الشَّكُور وَالْكَفُور مَعَ اِجْتِمَاعهمَا فِي مَعْنَى الْمُبَالَغَة ; نَفْيًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الشُّكْر وَإِثْبَاتًا لَهَا فِي الْكُفْر ; لِأَنَّ شُكْر اللَّه تَعَالَى لَا يُؤَدَّى، فَانْتَفَتْ عَنْهُ الْمُبَالَغَة، وَلَمْ تَنْتَفِ عَنْ الْكُفْر الْمُبَالَغَة، فَقَلَّ شُكْره، لِكَثْرَةِ النِّعَم عَلَيْهِ وَكَثْرَة كُفْره وَإِنْ قَلَّ مَعَ الْإِحْسَان إِلَيْهِ.
 حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ.

### الآية 76:4

> ﻿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا [76:4]

وَقَدْ اِحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَصْرِفْهُنَّ بِأَنْ قَالَ : إِنَّ كُلّ جَمْع بَعْد الْأَلِف مِنْهُ ثَلَاثَة أَحْرُف أَوْ حَرْفَانِ أَوْ حَرْف مُشَدَّد لَمْ يُصْرَف فِي مَعْرِفَة وَلَا نَكِرَة ; فَاَلَّذِي بَعْد الْأَلِف مِنْهُ ثَلَاثَة أَحْرُف قَوْلك : قَنَادِيل وَدَنَانِير وَمَنَادِيل، وَاَلَّذِي بَعْد الْأَلِف مِنْهُ حَرْفَانِ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" لَهُدِّمَتْ صَوَامِع " \[ الْحَجّ : ٤٠ \] لِأَنَّ بَعْد الْأَلِف مِنْهُ حَرْفَيْنِ، وَكَذَلِكَ قَوْله :" وَمَسَاجِد يُذْكَر فِيهَا اِسْم اللَّه كَثِيرًا " \[ الْحَجّ : ٤٠ \].
 وَاَلَّذِي بَعْد الْأَلِف مِنْهُ حَرْف مُشَدَّد شَوَابّ وَدَوَابّ.
 وَقَالَ خَلَف : سَمِعْت يَحْيَى بْن آدَم يُحَدِّث عَنْ اِبْن إِدْرِيس قَالَ : فِي الْمَصَاحِف الْأُوَل الْحَرْف الْأَوَّل بِالْأَلِفِ وَالثَّانِي بِغَيْرِ أَلِف ; فَهَذَا حُجَّة لِمَذْهَبِ حَمْزَة.
 وَقَالَ خَلَف : رَأَيْت فِي مُصْحَف يُنْسَب إِلَى قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود الْأَوَّل بِالْأَلِفِ وَالثَّانِي بِغَيْرِ أَلِف.
 وَأَمَّا أَفْعَل مِنْك فَلَا يَقُول أَحَد مِنْ الْعَرَب فِي شِعْره وَلَا فِي غَيْره هُوَ أَفْعَلٌ مِنْك مُنَوَّنًا ; لِأَنَّ مِنْ تَقُوم مَقَام الْإِضَافَة فَلَا يُجْمَع بَيْن تَنْوِين وَإِضَافَة فِي حَرْف ; لِأَنَّهُمَا دَلِيلَانِ مِنْ دَلَائِل الْأَسْمَاء وَلَا يُجْمَع بَيْن دَلِيلَيْنِ ; قَالَهُ الْفَرَّاء وَغَيْره.
 " وَأَغْلَالًا " جَمْع غُلّ تُغَلُّ بِهَا أَيْدِيهمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ.
 وَعَنْ جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء كَانَ يَقُول : اِرْفَعُوا هَذِهِ الْأَيْدِي إِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَبْل أَنْ تُغَلَّ بِالْأَغْلَالِ.
 قَالَ الْحَسَن : إِنَّ الْأَغْلَال لَمْ تُجْعَل فِي أَعْنَاق أَهْل النَّار ; لِأَنَّهُمْ أَعْجَزُوا الرَّبّ سُبْحَانه وَلَكِنْ إِذْلَالًا.
 " وَسَعِيرًا " تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ.

### الآية 76:5

> ﻿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [76:5]

كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا
 " كَانَ مِزَاجهَا " أَيْ شَوْبهَا وَخَلْطهَا، قَالَ حَسَّان :

كَأَنَّ سَبِيئَة مِنْ بَيْت رَأْس  يَكُون مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ وَمِنْهُ مِزَاج الْبَدَن وَهُوَ مَا يُمَازِجُهُ مِنْ الصَّفْرَاء وَالسَّوْدَاء وَالْحَرَارَة وَالْبُرُودَة.
 " كَافُورًا " قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ اِسْم عَيْن مَاء فِي الْجَنَّة، يُقَال لَهُ عَيْن الْكَافُور.
 أَيْ يُمَازِجهُ مَاء هَذِهِ الْعَيْن الَّتِي تُسَمَّى كَافُورًا.
 وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة : تُمْزَج لَهُمْ بِالْكَافُورِ وَتُخْتَم بِالْمِسْكِ.
 وَقَالَهُ مُجَاهِد.
 وَقَالَ عِكْرِمَة : مِزَاجهَا طَعْمهَا.
 وَقِيلَ : إِنَّمَا الْكَافُور فِي رِيحهَا لَا فِي طَعْمهَا.
 وَقِيلَ : أَرَادَ كَالْكَافُورِ فِي بَيَاضه وَطِيب رَائِحَته وَبَرْده ; لِأَنَّ الْكَافُور لَا يُشْرَب ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا " \[ الْكَهْف : ٩٦ \] أَيْ كَنَارٍ.
 وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : طُيِّبَ بِالْمِسْكِ وَالْكَافُور وَالزَّنْجَبِيل.
 وَقَالَ مُقَاتِل : لَيْسَ بِكَافُورِ الدُّنْيَا.
 وَلَكِنْ سَمَّى اللَّه مَا عِنْده بِمَا عِنْدكُمْ حَتَّى تَهْتَدِي لَهَا الْقُلُوب.
 وَقَوْله :" كَانَ مِزَاجُهَا " " كَانَ " زَائِدَة أَيْ مِنْ كَأْس مِزَاجهَا كَافُور.

### الآية 76:6

> ﻿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [76:6]

يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا
 فَيُقَال : إِنَّ الرَّجُل مِنْهُمْ لَيَمْشِي فِي بُيُوتَاتِهِ وَيَصْعَد إِلَى قُصُوره، وَبِيَدِهِ قَضِيب يُشِير بِهِ إِلَى الْمَاء فَيَجْرِي مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ فِي مَنَازِله عَلَى مُسْتَوَى الْأَرْض فِي غَيْر أُخْدُود، وَيَتْبَعهُ حَيْثُمَا صَعِدَ إِلَى أَعْلَى قُصُوره ; وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" عَيْنًا يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا " أَيْ يُشَقِّقُونَهَا شَقًّا كَمَا يُفَجِّر الرَّجُل النَّهَر هَهُنَا وَهَهُنَا إِلَى حَيْثُ يُرِيد.
 وَعَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد " يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا " يَقُودُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا وَتَتْبَعهُمْ حَيْثُمَا مَالُوا مَالَتْ مَعَهُمْ.
 وَرَوَى أَبُو مُقَاتِل عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ سَعْد عَنْ أَبِي سَهْل عَنْ الْحَسَن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أَرْبَع عُيُون فِي الْجَنَّة عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ مِنْ تَحْت الْعَرْش إِحْدَاهُمَا الَّتِي ذَكَرَ اللَّه " يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا " \[ وَالْأُخْرَى الزَّنْجَبِيل \] وَالْأُخْرَيَانِ نَضَّاخَتَانِ مِنْ فَوْق الْعَرْش إِحْدَاهُمَا الَّتِي ذَكَرَ اللَّه \[ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى \] " سَلْسَبِيلًا " وَالْأُخْرَى التَّسْنِيم ) ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي " نَوَادِر الْأُصُول ".
 وَقَالَ : فَالتَّسْنِيم لِلْمُقَرَّبِينَ خَاصَّة شُرْبًا لَهُمْ، وَالْكَافُور لِلْأَبْرَارِ شُرْبًا لَهُمْ ; يُمْزَج لِلْأَبْرَارِ مِنْ التَّسْنِيم شَرَابهمْ، وَأَمَّا الزَّنْجَبِيل وَالسَّلْسَبِيل فَلِلْأَبْرَارِ مِنْهَا مِزَاج هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي التَّنْزِيل وَسَكَتَ عَنْ ذِكْر ذَلِكَ لِمَنْ هِيَ شُرْب، فَمَا كَانَ لِلْأَبْرَارِ مِزَاجًا فَهُوَ لِلْمُقَرَّبِينَ صِرْف، وَمَا كَانَ لِلْأَبْرَارِ صِرْفًا فَهُوَ لِسَائِرِ أَهْل الْجَنَّة مِزَاج.
 وَالْأَبْرَار هُمْ الصَّادِقُونَ، وَالْمُقَرَّبُونَ : هُمْ الصِّدِّيقُونَ.

### الآية 76:7

> ﻿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [76:7]

وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا
 " وَيَخَافُونَ " أَيْ يَحْذَرُونَ " يَوْمًا " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة.
 " كَانَ شَرّه مُسْتَطِيرًا " أَيْ عَالِيًا دَاهِيًا فَاشِيًّا وَهُوَ فِي اللُّغَة مُمْتَدًّا ; وَالْعَرَب تَقُول : اِسْتَطَارَ الصَّدْع فِي الْقَارُورَة وَالزُّجَاجَة وَاسْتَطَالَ : إِذَا اِمْتَدَّ ; قَالَ الْأَعْشَى :

وَبَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي الْفُؤَا  دِ صَدْعًا عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا وَيُقَال : اِسْتَطَارَ الْحَرِيق : إِذَا اِنْتَشَرَ.
 وَاسْتَطَارَ الْفَجْر إِذَا اِنْتَشَرَ الضَّوْء.
 **وَقَالَ حَسَّان :**وَهَانَ عَلَى سَرَاة بَنِي لُؤَيّ  حَرِيق بِالْبُوَيْرَة مُسْتَطِير وَكَانَ قَتَادَة يَقُول : اِسْتَطَارَ وَاَللَّه شَرّ ذَلِكَ الْيَوْم حَتَّى مَلَأَ السَّمَوَات وَالْأَرْض.
 وَقَالَ مُقَاتِل : كَانَ شَرّه فَاشِيًا فِي السَّمَوَات فَانْشَقَّتْ، وَتَنَاثَرَتْ الْكَوَاكِب، وَفَزِعَتْ الْمَلَائِكَة، وَفِي الْأَرْض نُسِفَتْ الْجِبَال وَغَارَتْ الْمِيَاه.

### الآية 76:8

> ﻿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [76:8]

وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : عَلَى قِلَّتِهِ وَحُبّهمْ إِيَّاهُ وَشَهْوَتهمْ لَهُ.
 وَقَالَ الدَّارَانِيّ : عَلَى حُبّ اللَّه.
 وَقَالَ الْفُضَيْل بْن عِيَاض : عَلَى حُبّ إِطْعَام الطَّعَام.
 وَكَانَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم إِذَا جَاءَهُ السَّائِل قَالَ : أَطْعِمُوهُ سُكَّرًا فَإِنَّ الرَّبِيع يُحِبّ السُّكَّر.
 " مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا " " مِسْكِينًا " أَيْ ذَا مَسْكَنَة.
 وَرَوَى أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : هُوَ الطَّوَّاف يَسْأَلك مَالَك " وَيَتِيمًا " أَيْ مِنْ يَتَامَى الْمُسْلِمِينَ.
 وَرَوَى مَنْصُور عَنْ الْحَسَن : أَنَّ يَتِيمًا كَانَ يَحْضُر طَعَام اِبْن عُمَر، فَدَعَا ذَات يَوْم بِطَعَامِهِ، وَطَلَبَ الْيَتِيم فَلَمْ يَجِدهُ، وَجَاءَهُ بَعْدَمَا فَرَغَ اِبْن عُمَر مِنْ طَعَامه فَلَمْ يَجِد الطَّعَام، فَدَعَا لَهُ بِسَوِيقٍ وَعَسَل ; فَقَالَ : دُونَك هَذَا، فَوَاَللَّهِ مَا غُبِنْت ; قَالَ الْحَسَن وَابْن عُمَر : وَاَللَّه مَا غُبِنَ.
 " وَأَسِيرًا " أَيْ الَّذِي يُؤْسَر فَيُحْبَس.
 فَرَوَى أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْأَسِير مِنْ أَهْل الشِّرْك يَكُون فِي أَيْدِيهمْ.
 وَقَالَ قَتَادَة.
 وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : الْأَسِير هُوَ الْمَحْبُوس.
 وَكَذَا قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء : هُوَ الْمُسْلِم يُحْبَس بِحَقٍّ.
 وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مِثْل قَوْل قَتَادَة وَابْن عَبَّاس.
 قَالَ قَتَادَة : لَقَدْ أَمَرَ اللَّه بِالْأَسْرَى أَنْ يُحْسَن إِلَيْهِمْ، وَإِنَّ أَسْرَاهُمْ يَوْمئِذٍ لَأَهْلُ الشِّرْك، وَأَخُوك الْمُسْلِم أَحَقّ أَنْ تُطْعِمهُ.
 وَقَالَ عِكْرِمَة : الْأَسِير الْعَبْد.
 وَقَالَ أَبُو حَمْزَة الثُّمَالِيّ : الْأَسِير الْمَرْأَة، يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( اِسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عَوَان عِنْدكُمْ ) أَيْ أَسِيرَات.
 وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ : قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَام عَلَى حُبّه مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا " فَقَالَ :( الْمِسْكِين الْفَقِير، وَالْيَتِيم الَّذِي لَا أَب لَهُ، وَالْأَسِير الْمَمْلُوك وَالْمَسْجُون ) ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ.
 وَقِيلَ : نَسَخَ إِطْعَامَ الْمِسْكِينِ آيَةُ الصَّدَقَات ; وَإِطْعَامَ الْأَسِيرِ \[ آيَة \] السَّيْفُ ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر.
 وَقَالَ غَيْره : بَلْ هُوَ ثَابِت الْحُكْم، وَإِطْعَام الْيَتِيم وَالْمِسْكِين عَلَى التَّطَوُّع، وَإِطْعَام الْأَسِير لِحِفْظِ نَفْسه إِلَّا أَنْ يَتَخَيَّر فِيهِ الْإِمَام.
 الْمَاوَرْدِيّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْأَسِيرِ النَّاقِص الْعَقْل ; لِأَنَّهُ فِي أَسْر خَبْله وَجُنُونه، وَأَسْر الْمُشْرِك اِنْتِقَام يَقِف عَلَى رَأْي الْإِمَام ; وَهَذَا بِرّ وَإِحْسَان.
 وَعَنْ عَطَاء قَالَ : الْأَسِير مِنْ أَهْل الْقِبْلَة وَغَيْرهمْ.
 قُلْت : وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْل عَامّ يَجْمَع جَمِيع الْأَقْوَال، وَيَكُون إِطْعَام الْأَسِير الْمُشْرِك قُرْبَة إِلَى اللَّه تَعَالَى، غَيْر أَنَّهُ مِنْ صَدَقَة التَّطَوُّع، فَأَمَّا الْمَفْرُوضَة فَلَا.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَمَضَى الْقَوْل فِي الْمِسْكِين وَالْيَتِيم وَالْأَسِير وَاشْتِقَاق ذَلِكَ مِنْ اللُّغَة فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 76:9

> ﻿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [76:9]

وَلَيْتَ شِعْرِي مَنْ حَفِظَ هَذِهِ الْأَبْيَات كُلّ لَيْلَة عَنْ عَلِيّ وَفَاطِمَة، وَإِجَابَة كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صَاحِبه، حَتَّى أَدَّاهُ إِلَى هَؤُلَاءِ الرُّوَاة ؟ فَهَذَا وَأَشْبَاهه مِنْ أَحَادِيث أَهْل السُّجُون - فِيمَا أَرَى - بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا يُخَلَّدُونَ فِي السُّجُون فَيَبْقَوْنَ بِلَا حِيلَة، فَيَكْتُبُونَ أَحَادِيث فِي السَّمَر وَأَشْبَاهه، وَمِثْل هَذِهِ الْأَحَادِيث مُفْتَعَلَة، فَإِذَا صَارَتْ إِلَى الْجَهَابِذَة رَمَوْا بِهَا وَزَيَّفُوهَا، وَمَا مِنْ شَيْء إِلَّا لَهُ آفَة وَمَكِيدَة، وَآفَة الدِّين وَكَيْدُهُ أَكْثَر.

### الآية 76:10

> ﻿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [76:10]

إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا
 " عَبُوسًا " مِنْ صِفَة الْيَوْم، أَيْ يَوْمًا تَعْبِس فِيهِ الْوُجُوه مِنْ هَوْله وَشِدَّته، فَالْمَعْنَى نَخَاف يَوْمًا ذَا عَبُوس.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس يَعْبِس الْكَافِر يَوْمئِذٍ حَتَّى يَسِيل مِنْهُ عَرَق كَالْقَطِرَانِ.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : الْعَبُوس : الضَّيِّق، وَالْقَمْطَرِير : الطَّوِيل ; قَالَ الشَّاعِر :
 شَدِيدًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا
 وَقِيلَ : الْقَمْطَرِير الشَّدِيد ; تَقُول الْعَرَب : يَوْم قَمْطَرِير وَقُمَاطِر وَعَصِيب بِمَعْنًى ; وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء :

بَنِي عَمّنَا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلَاءَنَا  عَلَيْكُمْ إِذَا مَا كَانَ يَوْم قُمَاطِر بِضَمِّ الْقَاف.
 وَاقْمَطَرَّ إِذَا اِشْتَدَّ.
 وَقَالَ الْأَخْفَش : الْقَمْطَرِير : أَشَدّ مَا يَكُون مِنْ الْأَيَّام وَأَطْوَله فِي الْبَلَاء ; قَالَ الشَّاعِر :فَفَرُّوا إِذَا مَا الْحَرْب ثَارَ غُبَارهَا  وَلَجَّ بِهَا الْيَوْم الْعَبُوس الْقُمَاطِر وَقَالَ الْكِسَائِيّ : يُقَال اِقْمَطَرَّ الْيَوْم وَازْمَهَرَّ اِقْمِطْرَارًا وَازْمِهْرَارًا، وَهُوَ الْقَمْطَرِير وَالزَّمْهَرِير، وَيَوْم مُقْمَطِرّ إِذَا كَانَ صَعْبًا شَدِيدًا ; قَالَ الْهُذَلِيّ :بَنُو الْحَرْب أُرْضِعْنَا لَهُمْ مُقْمَطِرَّة  وَمَنْ يُلْقَ مِنَّا ذَلِكَ الْيَوْم يَهْرُب وَقَالَ مُجَاهِد : إِنَّ الْعُبُوس بِالشَّفَتَيْنِ، وَالْقَمْطَرِير بِالْجَبْهَةِ وَالْحَاجِبَيْنِ ; فَجَعَلَهَا مِنْ صِفَات الْوَجْه الْمُتَغَيِّر مِنْ شَدَائِد ذَلِكَ الْيَوْم ; وَأَنْشَدَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ :يَغْدُو عَلَى الصَّيْد يَعُود مُنْكَسِر  وَيَقْمَطِرّ سَاعَة وَيَكْفَهِرّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : يُقَال رَجُل قَمْطَرِير أَيْ مُتَقَبّض مَا بَيْن الْعَيْنَيْنِ.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : يُقَال اِقْمَطَرَّتْ النَّاقَة : إِذَا رَفَعَتْ ذَنَبهَا وَجَمَعَتْ قُطْرَيْهَا، وَزَمَّتْ بِأَنْفِهَا ; فَاشْتَقَّهُ مِنْ الْقُطْر، وَجَعَلَ الْمِيم مَزِيدَة.
 **قَالَ أَسَد بْن نَاعِصَة :**وَاصْطَلَيْت الْحُرُوب فِي كُلّ يَوْم  بَاسِل الشَّطْر قَمْطَرِير الصَّبَاح

### الآية 76:11

> ﻿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [76:11]

فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا
 قَوْله تَعَالَى :" فَوَقَاهُمْ اللَّه " أَيْ دَفَعَ عَنْهُمْ " شَرّ ذَلِكَ الْيَوْم " أَيْ بَأْسه وَشِدَّته وَعَذَابه " وَلَقَّاهُمْ " أَيْ أَتَاهُمْ وَأَعْطَاهُمْ حِين لَقَوْهُ أَيْ رَأَوْهُ " نَضْرَة " أَيْ حُسْنًا " وَسُرُورًا " أَيْ حُبُورًا.
 قَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِد :" نَضْرَة " فِي وُجُوههمْ " وَسُرُورًا " فِي قُلُوبهمْ.
 وَفِي النَّضْرَة ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا أَنَّهَا الْبَيَاض وَالنَّقَاء ; قَالَهُ الضَّحَّاك.
 الثَّانِي الْحُسْن وَالْبَهَاء ; قَالَهُ اِبْن جُبَيْر.
 الثَّالِث أَنَّهَا أَثَر النِّعْمَة ; قَالَهُ اِبْن زَيْد.

### الآية 76:12

> ﻿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [76:12]

جَنَّةً وَحَرِيرًا
 أَيْ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة وَأَلْبَسَهُمْ الْحَرِير.
 أَيْ يُسَمَّى بِحَرِيرِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي الْآخِرَة \[ وَفِيهِ \] مَا شَاءَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْفَضْل.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ : أَنَّ مَنْ لَبِسَ الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَة، وَإِنَّمَا أَلْبَسَهُ مَنْ أَلْبَسَهُ فِي الْجَنَّة عِوَضًا عَنْ حَبْسِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَنْ الْمَلَابِس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه فِيهَا.

### الآية 76:13

> ﻿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا [76:13]

لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا
 " لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا " أَيْ لَا يَرَوْنَ فِي الْجَنَّة شِدَّة حَرٍّ كَحَرِّ الشَّمْس " وَلَا زَمْهَرِيرًا " أَيْ وَلَا بَرْدًا مُفْرِطًا ; قَالَ الْأَعْشَى :

مُنَعَّمَةٌ طَفْلَةٌ كَالْمَهَا  ةِ لَمْ تَرَ شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرَا وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( اِشْتَكَتْ النَّار إِلَى رَبّهَا عَزَّ وَجَلَّ قَالَتْ : يَا رَبّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ نَفَسًا فِي الشِّتَاء وَنَفَسًا فِي الصَّيْف، فَشِدَّة مَا تَجِدُونَ مِنْ الْبَرْد مِنْ زَمْهَرِيرِهَا، وَشِدَّة مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ فِي الصَّيْف مِنْ سَمُومهَا ).
 وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :( إِنَّ هَوَاء الْجَنَّة سَجْسَج : لَا حَرّ وَلَا بَرْد ) وَالسَّجْسَج : الظِّلّ الْمُمْتَدّ كَمَا بَيْن طُلُوع الْفَجْر وَطُلُوع الشَّمْس.
 وَقَالَ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ : الزَّمْهَرِير الْبَرْد الْقَاطِع.
 وَقَالَ مُقَاتِل بْن حَيَّان : هُوَ شَيْء مِثْل رُءُوس الْإِبَر يَنْزِل مِنْ السَّمَاء فِي غَايَة الْبَرْد.
 وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : هُوَ لَوْن مِنْ الْعَذَاب، وَهُوَ الْبَرْد الشَّدِيد، حَتَّى إِنَّ أَهْل النَّار إِذَا أُلْقُوا فِيهِ سَأَلُوا اللَّه أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِالنَّارِ أَلْف سَنَة أَهْوَن عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَاب الزَّمْهَرِير يَوْمًا وَاحِدًا.
 **قَالَ أَبُو النَّجْم :**
 أَوْ كُنْت رِيحًا كُنْت زَمْهَرِيرًا
 وَقَالَ ثَعْلَب : الزَّمْهَرِير : الْقَمَر بِلُغَةِ طَيِّئ ; قَالَ شَاعِرهمْ :وَلَيْلَة ظَلَامُهَا قَدْ اِعْتَكَرْ  قَطَعْتهَا وَالزَّمْهَرِير مَا زَهَرْ وَيُرْوَى : مَا ظَهَرَ ; أَيْ لَمْ يَطْلُع الْقَمَر.
 فَالْمَعْنَى لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا كَشَمْسِ الدُّنْيَا وَلَا قَمَرًا كَقَمَرِ الدُّنْيَا، أَيْ إِنَّهُمْ فِي ضِيَاء مُسْتَدِيم، لَا لَيْل فِيهِ وَلَا نَهَار ; لِأَنَّ ضَوْء النَّهَار بِالشَّمْسِ، وَضَوْء اللَّيْل بِالْقَمَرِ.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي سُورَة " مَرْيَم " عِنْد قَوْله تَعَالَى :" وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا " \[ مَرْيَم : ٦٢ \].
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : بَيْنَمَا أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة إِذْ رَأَوْا نُورًا ظَنُّوهُ شَمْسًا قَدْ أَشْرَقَتْ بِذَلِكَ النُّور الْجَنَّة، فَيَقُولُونَ : قَالَ رَبّنَا :" لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا " فَمَا هَذَا النُّور ؟ فَيَقُول لَهُمْ رِضْوَان : لَيْسَتْ هَذِهِ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا، وَلَكِنْ هَذِهِ فَاطِمَة وَعَلِيّ ضَحِكَا، فَأَشْرَقَتْ الْجِنَان مِنْ نُور ضَحِكِهِمَا، وَفِيهِمَا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى :" هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان " وَأَنْشَدَ :أَنَا مَوْلًى لِفَتَى  أُنْزِلَ فِيهِ هَلْ أَتَىذَاكَ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى  وَابْن عَمّ الْمُصْطَفَى

### الآية 76:14

> ﻿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [76:14]

وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا
 " وَذُلِّلَتْ " أَيْ سُخِّرَتْ لَهُمْ " قُطُوفهَا " أَيْ ثِمَارُهَا " تَذْلِيلًا " أَيْ تَسْخِيرًا، فَيَتَنَاوَلُهَا الْقَائِم وَالْقَاعِد وَالْمُضْطَجِع، لَا يَرُدُّ أَيْدِيَهُمْ عَنْهَا بُعْدٌ وَلَا شَوْك ; قَالَهُ قَتَادَة.
 وَقَالَ مُجَاهِد : إِنْ قَامَ أَحَد اِرْتَفَعَتْ لَهُ، وَإِنْ جَلَسَ تَدَلَّتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ اِضْطَجَعَ دَنَتْ مِنْهُ فَأَكَلَ مِنْهَا.
 وَعَنْهُ أَيْضًا : أَرْض الْجَنَّة مِنْ وَرَق، وَتُرَابهَا الزَّعْفَرَان، وَطِيبُهَا مِسْك أَذْفَر، وَأُصُول شَجَرِهَا ذَهَب وَوَرِق، وَأَفْنَانهَا اللُّؤْلُؤ وَالزَّبَرْجَد وَالْيَاقُوت، وَالثَّمَر تَحْت ذَلِكَ كُلّه ; فَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا قَائِمًا لَمْ تُؤْذِهِ، وَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا قَاعِدًا لَمْ تُؤْذِهِ، وَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا مُضْطَجِعًا لَمْ تُؤْذِهِ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِذَا هَمَّ أَنْ يَتَنَاوَل مِنْ ثِمَارهَا تَدَلَّتْ إِلَيْهِ حَتَّى يَتَنَاوَل مِنْهَا مَا يُرِيد، وَتَذْلِيل الْقُطُوف تَسْهِيل التَّنَاوُل.
 وَالْقُطُوف : الثِّمَار، الْوَاحِد قِطْف بِكَسْرِ الْقَاف، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يُقْطَف، كَمَا سُمِّيَ الْجَنَى لِأَنَّهُ يُجْنَى.
 " تَذْلِيلًا " تَأْكِيد لِمَا وُصِفَ بِهِ مِنْ الذُّلّ ; كَقَوْلِهِ :" وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا " \[ الْإِسْرَاء : ١٠٦ \] " وَكَلَّمَ اللَّه مُوسَى تَكْلِيمًا " \[ النِّسَاء : ١٦٤ \].
 الْمَاوَرْدِيّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَذْلِيل قُطُوفهَا أَنْ تَبْرُز لَهُمْ مِنْ أَكْمَامهَا، وَتَخْلُص لَهُمْ مِنْ نَوَاهَا.
 قُلْت : وَفِي هَذَا بُعْد ; فَقَدْ رَوَى اِبْن الْمُبَارَك، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان عَنْ حَمَّاد عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَخْل الْجَنَّة : جُذُوعهَا زُمُرُّد أَخْضَر، وَكَرَبُهَا ذَهَب أَحْمَر، وَسَعَفُهَا كُسْوَة لِأَهْلِ الْجَنَّة، مِنْهَا مُقَطَّعَاتهمْ وَحُلَلُهُمْ، وَثَمَرهَا أَمْثَال الْقِلَال وَالدِّلَاء، أَشَدّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَن، وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَل، وَأَلْيَن مِنْ الزُّبْد لَيْسَ فِيهِ عَجَم.
 قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَيُقَال الْمُذَلَّل الَّذِي قَدْ ذَلَّلَهُ الْمَاء أَيْ أَرْوَاهُ.
 وَيُقَال الْمُذَلَّل الَّذِي يَفِيئهُ أَدْنَى رِيح لِنِعْمَتِهِ، وَيُقَال الْمُذَلَّل الْمُسَوَّى ; لِأَنَّ أَهْل الْحِجَاز يَقُولُونَ : ذَلِّلْ نَخْلَك أَيْ سَوِّهِ، وَيُقَال الْمُذَلَّل الْقَرِيب الْمُتَنَاوَل، مِنْ قَوْلهمْ : حَائِط ذَلِيل أَيْ قَصِير.
 قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا ذَكَرَهَا أَهْل الْعِلْم بِاللُّغَةِ وَقَالُوهَا فِي قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس :

وَكَشْح لَطِيف كَالْحَدِيل مُخَصَّر  وَسَاق كَأَنْبُوب السُّقِيّ الْمُذَلَّل

### الآية 76:15

> ﻿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا [76:15]

وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ
 " وَيُطَاف عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّة وَأَكْوَاب " أَيْ يَدُور عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَبْرَار الْخَدَم إِذَا أَرَادُوا الشَّرَاب " بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّة " قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْء مِمَّا فِي الْجَنَّة إِلَّا الْأَسْمَاء ; أَيْ مَا فِي الْجَنَّة أَشْرَف وَأَعْلَى وَأَنْقَى.
 ثُمَّ لَمْ تُنْفَ الْأَوَانِي الذَّهَبِيَّة بَلْ الْمَعْنَى يُسْقَوْنَ فِي أَوَانِي الْفِضَّة، وَقَدْ يُسْقَوْنَ فِي أَوَانِي الذَّهَب.
 وَقَدْ قَالَ تَعَالَى :" يُطَاف عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَاب " \[ الزُّخْرُف : ٧١ \].
 وَقِيلَ : نَبَّهَ بِذِكْرِ الْفِضَّة عَلَى الذَّهَب ; كَقَوْلِهِ :" سَرَابِيل تَقِيكُمْ الْحَرّ " \[ النَّحْل : ٨١ \] أَيْ وَالْبَرْد ; فَنَبَّهَ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَلَى الثَّانِي.
 وَالْأَكْوَاب : الْكِيزَان الْعِظَام الَّتِي لَا آذَان لَهَا وَلَا عُرًى، الْوَاحِد مِنْهَا كُوب ; وَقَالَ عَدِيّ :

مُتَّكِئًا تُقْرَع أَبْوَابه  يَسْعَى عَلَيْهِ الْعَبْد بِالْكُوبِ وَقَدْ مَضَى فِي " الزُّخْرُف ".

### الآية 76:16

> ﻿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [76:16]

قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا
 قِرَاءَة الْعَامَّة بِفَتْحِ الْقَاف وَالدَّال ; أَيْ قَدَّرَهَا لَهُمْ السُّقَاة الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهَا عَلَيْهِمْ.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا : أَتَوْا بِهَا عَلَى قَدْر رِيِّهِمْ، بِغَيْرِ زِيَادَة وَلَا نُقْصَان.
 الْكَلْبِيّ : وَذَلِكَ أَلَذُّ وَأَشْهَى ; وَالْمَعْنَى : قَدَّرَتْهَا الْمَلَائِكَة الَّتِي تَطُوف عَلَيْهِمْ.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : قَدَّرُوهَا عَلَى مِلْء الْكَفّ لَا تَزِيد وَلَا تَنْقُص، حَتَّى لَا تُؤْذِيَهُمْ بِثِقَلٍ أَوْ بِإِفْرَاطِ صِغَر.
 وَقِيلَ : إِنَّ الشَّارِبِينَ قَدَّرُوا لَهَا مَقَادِير فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى مَا اُشْتُهُوا وَقَدَرُوا.
 وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر وَالشَّعْبِيّ وَابْن سِيرِينَ " قُدِّرُوهَا " بِضَمِّ الْقَاف وَكَسْر الدَّال ; أَيْ جُعِلَتْ لَهُمْ عَلَى قَدْر إِرَادَتهمْ.
 وَذَكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَة الْمَهْدَوِيّ عَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ; وَقَالَ : وَمَنْ قَرَأَ " قُدِّرُوهَا " فَهُوَ رَاجِع إِلَى مَعْنَى الْقِرَاءَة الْأُخْرَى، وَكَأَنَّ الْأَصْل قُدِّرُوا عَلَيْهَا فَحُذِفَ الْجَرّ ; وَالْمَعْنَى قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ ; وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ :

آلَيْت حَبَّ الْعِرَاقِ الدَّهْرَ آكُلُهُ  وَالْحَبُّ يَأْكُلُهُ فِي الْقَرْيَةِ السُّوسُ وَذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى حَبِّ الْعِرَاق.
 وَقِيلَ : هَذَا التَّقْدِير هُوَ أَنَّ الْأَقْدَاح تَطِير فَتَغْتَرِف بِمِقْدَارِ شَهْوَة الشَّارِب ; وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا " أَيْ لَا يَفْضُل عَنْ الرِّيّ لَا يَنْقُص مِنْهُ، فَقَدْ أُلْهِمَتْ الْأَقْدَاح مَعْرِفَة مِقْدَار رِيّ الْمُشْتَهِي حَتَّى تَغْتَرِف بِذَلِكَ الْمِقْدَار.
 ذَكَرَ هَذَا الْقَوْل التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي " نَوَادِر الْأُصُول ".

### الآية 76:17

> ﻿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا [76:17]

وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا
 " وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا " وَهِيَ الْخَمْر فِي الْإِنَاء.
 " كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا " " كَانَ " صِلَة ; أَيْ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيل، أَوْ كَانَ فِي حُكْم اللَّه زَنْجَبِيلًا.
 وَكَانَتْ الْعَرَب تَسْتَلِذّ مِنْ الشَّرَاب مَا يُمْزَج بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رَائِحَته ; لِأَنَّهُ يَحْذُو اللِّسَان، وَيَهْضِم الْمَأْكُول، فَرُغِّبُوا فِي نَعِيم الْآخِرَة بِمَا اِعْتَقَدُوهُ نِهَايَة النِّعْمَة وَالطِّيب.
 وَقَالَ الْمُسَيِّب عَنْ عَلَس يَصِف ثَغْر الْمَرْأَة :

وَكَأَنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ  إِذْ ذُقْته وَسَلَافَة الْخَمْر وَيُرْوَى.
 الْكَرْم.
 **وَقَالَ آخَر :**كَأَنَّ جَنِيًّا مِنْ الزَّنْجَبِي  لِ بَاتَ بِفِيهَا وَأَرْيًا مَشُورًا **وَنَحْوه قَوْل الْأَعْشَى :**كَأَنَّ الْقُرُنْفُل وَالزَّنْجَبِي  ل بَاتَا بِفِيهَا وَأَرْيًا مَشُورًا وَقَالَ مُجَاهِد : الزَّنْجَبِيل اِسْم لِلْعَيْنِ الَّتِي مِنْهَا مِزَاج شَرَاب الْأَبْرَار.
 وَكَذَا قَالَ قَتَادَة : وَالزَّنْجَبِيل اِسْم الْعَيْن الَّتِي يَشْرَب بِهَا الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا وَتُمْزَج لِسَائِرِ أَهْل الْجَنَّة.
 وَقِيلَ : هِيَ عَيْن فِي الْجَنَّة يُوجَد فِيهَا طَعْم الزَّنْجَبِيل.
 وَقِيلَ : إِنَّ فِيهِ مَعْنَى الشَّرَاب الْمَمْزُوج بِالزَّنْجَبِيلِ.
 وَالْمَعْنَى كَأَنَّ فِيهَا زَنْجَبِيلًا.

### الآية 76:18

> ﻿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا [76:18]

عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
 " عَيْنًا " بَدَل مِنْ كَأْس.
 وَيَجُوز أَنْ يَنْتَصِب بِإِضْمَارِ فِعْل أَيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا.
 وَيَجُوز نَصْبه بِإِسْقَاطِ الْخَافِض أَيْ مِنْ عَيْن عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى :" عَيْنًا يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه " \[ الْإِنْسَان : ٦ \].
 " فِيهَا " أَيْ فِي الْجَنَّة " تُسَمَّى سَلْسَبِيلَا " السَّلْسَبِيل الشَّرَاب اللَّذِيذ، وَهُوَ فَعْلَلِيل مِنْ السَّلَالَة ; تَقُول الْعَرَب : هَذَا شَرَاب سَلِس وَسَلْسَال وَسَلْسَل وَسَلْسَبِيل بِمَعْنًى ; أَيْ طَيِّب الطَّعْم لَذِيذُهُ.
 وَفِي الصِّحَاح : وَتَسَلْسَلَ الْمَاء فِي الْحَلْق جَرَى، وَسَلْسَلْته أَنَا صَبَبْته فِيهِ، وَمَاء سَلْسَل وَسَلْسَال : سَهْل الدُّخُول فِي الْحَلْق لِعُذُوبَتِهِ وَصَفَائِهِ، وَالسُّلَاسِل بِالضَّمِّ مِثْله.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : السَّلْسَبِيل فِي اللُّغَة : اِسْم لِمَا كَانَ فِي غَايَة السَّلَاسَة ; فَكَأَنَّ الْعَيْن سُمِّيَتْ بِصِفَتِهَا.
 وَعَنْ مُجَاهِد قَالَ : سَلْسَبِيلَا : حَدِيدَة الْجَرْيَة تَسِيل فِي حُلُوقِهِمْ اِنْسِلَالًا.
 وَنَحْوه عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهَا الْحَدِيدَة الْجَرْي.
 ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ ; وَمِنْهُ قَوْل حَسَّان بْن ثَابِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ :

يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ الْبَرِيص عَلَيْهِمْ  بَرَدَى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَل وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَمُقَاتِل : إِنَّمَا سُمِّيَتْ سَلْسَبِيلَا ; لِأَنَّهَا تَسِيل عَلَيْهِمْ فِي الطُّرُق وَفِي مَنَازِلهمْ، تَنْبُع مِنْ أَصْل الْعَرْش مِنْ جَنَّة عَدْن إِلَى أَهْل الْجَنَّة.
 وَقَالَ قَتَادَة : سَلِسَة مُنْقَاد مَاؤُهَا حَيْثُ شَاءُوا.
 وَنَحْوه عَنْ عِكْرِمَة.
 وَقَالَ الْقَفَّال : أَيْ تِلْكَ عَيْن شَرِيفَة فَسَلْ سَبِيلًا إِلَيْهَا.
 وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
 وَقَوْله :" تُسَمَّى " أَيْ إِنَّهَا مَذْكُورَة عِنْد الْمَلَائِكَة وَعِنْد الْأَبْرَار وَأَهْل الْجَنَّة بِهَذَا الِاسْم.
 وَصَرْف سَلْسَبِيل ; لِأَنَّهُ رَأْس آيَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" الظَّنُونَا " \[ الْأَحْزَاب : ١٠ \] وَ " السَّبِيلَا " \[ الْأَحْزَاب : ٦٧ \].

### الآية 76:19

> ﻿۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا [76:19]

إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا
 أَيْ ظَنَنْتهمْ مِنْ حُسْنِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ وَصَفَاء أَلْوَانِهِمْ : لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا فِي عَرْصَة الْمَجْلِس، وَاللُّؤْلُؤ إِذَا نُثِرَ عَلَى بِسَاط كَانَ أَحْسَن مِنْهُ مَنْظُومًا.
 وَعَنْ الْمَأْمُون أَنَّهُ لَيْلَة زُفَّتْ إِلَيْهِ بُورَان بِنْت الْحَسَن بْن سَهْل، وَهُوَ عَلَى بِسَاط مَنْسُوج مِنْ ذَهَب، وَقَدْ نَثَرَتْ عَلَيْهِ نِسَاء دَار الْخَلِيفَة اللُّؤْلُؤ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ مَنْثُورًا عَلَى ذَلِكَ الْبِسَاط فَاسْتَحْسَنَ الْمَنْظَر وَقَالَ : لِلَّهِ دَرّ أَبِي نُوَاسٍ كَأَنَّهُ أَبْصَرَ هَذَا حَيْثُ يَقُول :

كَأَنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَقَاقِعِهَا  حَصْبَاء دُرّ عَلَى أَرْض مِنْ الذَّهَب وَقِيلَ : إِنَّمَا شَبَّهَهُمْ بِالْمَنْثُورِ ; لِأَنَّهُمْ سِرَاع فِي الْخِدْمَة، بِخِلَافِ الْحُور الْعَيْن إِذْ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُون الْمُخْزُونَ ; لِأَنَّهُنَّ لَا يُمْتَهَنَّ بِالْخِدْمَةِ.

### الآية 76:20

> ﻿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا [76:20]

وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : بَلَغَنَا أَنَّ الْمُلْك الْكَبِير تَسْلِيم الْمَلَائِكَة عَلَيْهِمْ ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى :" وَالْمَلَائِكَة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلّ بَاب.
 سَلَام عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار " \[ الرَّعْد :
 ٢٣ - ٢٤ \] وَقِيلَ : الْمُلْك الْكَبِير كَوْن التِّيجَان عَلَى رُءُوسِهِمْ كَمَا تَكُون عَلَى رَأْس مَلَك مِنْ الْمُلُوك.
 وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم : يَعْنِي مُلْك التَّكْوِين، فَإِذَا أَرَادُوا شَيْئًا قَالُوا لَهُ كُنْ.
 وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : مُلْك لَا يَتَعَقَّبهُ هُلْك.
 وَفِي الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ الْمُلْك الْكَبِير هُوَ - أَنَّ - أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَة يَنْظُر فِي مُلْكه مَسِيرَة أَلْفَيْ عَام، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ ) قَالَ :( وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَة مَنْ يَنْظُر فِي وَجْه رَبّه تَعَالَى كُلّ يَوْم مَرَّتَيْنِ ) سُبْحَان الْمُنْعِم.

### الآية 76:21

> ﻿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [76:21]

وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا
 قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى :" وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا " قَالَ : إِذَا تَوَجَّهَ أَهْل الْجَنَّة إِلَى الْجَنَّة مَرُّوا بِشَجَرَةٍ يَخْرُج مِنْ تَحْت سَاقِهَا عَيْنَانِ، فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا، فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ بِنَضْرَةِ النَّعِيم، فَلَا تَتَغَيَّر أَبْشَارُهُمْ، وَلَا تَتَشَعَّث أَشْعَارُهُمْ أَبَدًا، ثُمَّ يَشْرَبُونَ مِنْ الْأُخْرَى، فَيَخْرُج مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ الْأَذَى، ثُمَّ تَسْتَقْبِلهُمْ خَزَنَة الْجَنَّة فَيَقُولُونَ لَهُمْ :" سَلَام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ " \[ الزُّمَر : ٧٣ \].
 وَقَالَ النَّخَعِيّ وَأَبُو قِلَابَة : هُوَ إِذَا شَرِبُوهُ بَعْد أَكْلهمْ طَهَّرَهُمْ، وَصَارَ مَا أَكَلُوهُ وَمَا شَرِبُوهُ رَشْح مِسْك، وَضَمُرَتْ بُطُونهمْ.
 وَقَالَ مُقَاتِل : هُوَ مِنْ عَيْن مَاء عَلَى بَاب الْجَنَّة، تَنْبُع مِنْ سَاق شَجَرَة، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا نَزَعَ اللَّه مَا كَانَ فِي قَلْبه مِنْ غِلّ وَغِشّ وَحَسَد، وَمَا كَانَ فِي جَوْفِهِ مِنْ أَذًى وَقَذَر.
 وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ، إِلَّا أَنَّهُ فِي قَوْل مُقَاتِل عَيْن وَاحِدَة وَعَلَيْهِ فَيَكُون فَعُولًا لِلْمُبَالَغَةِ، وَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة لِلْحَنَفِيِّ أَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّاهِر.
 وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ فِي سُورَة " الْفُرْقَان " وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 وَقَالَ طَيِّب الْجَمَّال : صَلَّيْت خَلْف سَهْل بْن عَبْد اللَّه الْعَتَمَة فَقَرَأَ " وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا " وَجَعَلَ يُحَرِّك شَفَتَيْهِ وَفَمه، كَأَنَّهُ يَمُصّ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ قِيلَ لَهُ : أَتَشْرَبُ أَمْ تَقْرَأ ؟ فَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ لَمْ أَجِد لَذَّتَهُ عِنْد قِرَاءَته كَلَذَّتِهِ عِنْد شُرْبه مَا قَرَأْته.

### الآية 76:22

> ﻿إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [76:22]

إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا
 " إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء " أَيْ يُقَال لَهُمْ : إِنَّمَا هَذَا جَزَاء لَكُمْ أَيْ ثَوَاب.
 " وَكَانَ سَعْيكُمْ " أَيْ عَمَلكُمْ " مَشْكُورًا " أَيْ مِنْ قِبَل اللَّه، وَشُكْره لِلْعَبْدِ قَبُول طَاعَته، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ، وَإِثَابَته إِيَّاهُ.
 وَرَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَالَ : غَفَرَ لَهُمْ الذَّنْب وَشَكَرَ لَهُمْ الْحُسْنَى.
 وَقَالَ مُجَاهِد :" مَشْكُورًا " أَيْ مَقْبُولًا وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب ; فَإِنَّهُ سُبْحَانه إِذَا قَبِلَ الْعَمَل شَكَرَهُ، فَإِذَا شَكَرَهُ أَثَابَ عَلَيْهِ بِالْجَزِيلِ ; إِذْ هُوَ سُبْحَانه ذُو الْفَضْل الْعَظِيم.
 رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر : أَنَّ رَجُلًا حَبَشِيًّا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه ! فُضِّلْتُمْ عَلَيْنَا بِالصُّوَرِ وَالْأَلْوَان وَالنُّبُوَّة، أَفَرَأَيْت إِنْ آمَنْت بِمَا آمَنْت بِهِ، وَعَمِلْت بِمَا عَمِلْت، أَكَائِن أَنَا مَعَك فِي الْجَنَّة ؟ قَالَ :( نَعَمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُرَى بَيَاض الْأَسْوَد فِي الْجَنَّة وَضِيَاؤُهُ مِنْ مَسِيرَة أَلْف عَامٍ ) ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَانَ لَهُ بِهَا عِنْد اللَّه عَهْد، وَمَنْ قَالَ سُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِهَا عِنْد اللَّه مِائَة أَلْف حَسَنَة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ أَلْف حَسَنَة )، فَقَالَ الرَّجُل : كَيْف نَهْلِك بَعْدهَا يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ :( إِنَّ الرَّجُل لَيَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِالْعَمَلِ لَوْ وَضَعَهُ عَلَى جَبَل لَأَثْقَلَهُ.
 فَتَجِيء النِّعْمَة مِنْ نِعَم اللَّه فَتَكَاد أَنْ تَسْتَنْفِد ذَلِكَ كُلّه إِلَّا أَنْ يَلْطُف اللَّه بِرَحْمَتِهِ ).
 قَالَ : ثُمَّ نَزَلَتْ " هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر " إِلَى قَوْله :" وَمُلْكًا كَبِيرًا " قَالَ الْحَبَشِيّ : يَا رَسُول اللَّه ! وَإِنَّ عَيْنِيّ لِتَرَى مَا تَرَى عَيْنَاك فِي الْجَنَّة ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( نَعَمْ ) فَبَكَى الْحَبَشِيّ حَتَّى فَاضَتْ نَفْسه.
 وَقَالَ اِبْن عُمَر : فَلَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْلِيه فِي حُفْرَتِهِ وَيَقُول :" إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيكُمْ مَشْكُورًا " قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه وَمَا هُوَ ؟ قَالَ :( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أَوْقَفَهُ اللَّه ثُمَّ قَالَ أَيْ عَبْدِي لَأُبَيِّضَنَّ وَجْهَك وَلْأُبَوِّئَنَّك مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ شِئْت، فَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ ).

### الآية 76:23

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا [76:23]

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا
 مَا اِفْتَرَيْته وَلَا جِئْت بِهِ مِنْ عِنْدك، وَلَا مِنْ تِلْقَاء نَفْسك، كَمَا يَدَّعِيه الْمُشْرِكُونَ.
 وَوَجْه اِتِّصَال هَذِهِ الْآيَة بِمَا قَبْل أَنَّهُ سُبْحَانه لَمَّا ذَكَرَ أَصْنَاف الْوَعْد وَالْوَعِيد، بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْكِتَاب يَتَضَمَّن مَا بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَيْهِ، فَلَيْسَ بِسِحْرٍ وَلَا كَهَانَة، وَلَا شِعْر، وَأَنَّهُ حَقّ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أُنْزِلَ الْقُرْآن مُتَفَرِّقًا : آيَة بَعْد آيَة، وَلَمْ يَنْزِل جُمْلَة وَاحِدَة ; فَلِذَلِكَ قَالَ " نَزَّلْنَا " وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا مُبَيَّنًا وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 76:24

> ﻿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [76:24]

وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا
 " وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا " أَيْ ذَا إِثْم " أَوْ كَفُورًا " أَيْ لَا تُطِعْ الْكُفَّار.
 فَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْل : إِنْ رَأَيْت مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأَطَأَن عَلَى عُنُقه.
 فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ".
 وَيُقَال : نَزَلَتْ فِي عُتْبَة بْن رَبِيعَة وَالْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة، وَكَانَا أَتَيَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضَانِ عَلَيْهِ الْأَمْوَال وَالتَّزْوِيج، عَلَى أَنْ يَتْرُك ذِكْر النُّبُوَّة، فَفِيهِمَا نَزَلَتْ :" وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ".
 قَالَ مُقَاتِل : الَّذِي عَرَضَ التَّزْوِيجَ عُتْبَة بْن رَبِيعَة ; قَالَ : إِنَّ بَنَاتِي مِنْ أَجْمَل نِسَاء قُرَيْش، فَأَنَا أُزَوِّجك اِبْنَتِي مِنْ غَيْر مَهْر وَارْجِعْ عَنْ هَذَا الْأَمْر.
 وَقَالَ الْوَلِيد : إِنْ كُنْت صَنَعْت مَا صَنَعْت لِأَجْلِ الْمَال، فَأَنَا أُعْطِيك مِنْ الْمَال حَتَّى تَرْضَى وَارْجِعْ عَنْ هَذَا الْأَمْر ; فَنَزَلَتْ.
 ثُمَّ قِيلَ :" أَوْ " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :" آثِمًا أَوْ كَفُورًا " أَوْكَد مِنْ الْوَاو ; لِأَنَّ الْوَاو إِذَا قُلْت : لَا تُطِعْ زَيْدًا وَعَمْرًا فَأَطَاعَ أَحَدهمَا كَانَ غَيْر عَاصٍ ; لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَلَّا يُطِيع الِاثْنَيْنِ، فَإِذَا قَالَ :" لَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا " فَـ " أَوْ " قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَهْل أَنْ يُعْصَى ; كَمَا أَنَّك إِذَا قُلْت : لَا تُخَالِف الْحَسَن أَوْ اِبْن سِيرِينَ، أَوْ اِتَّبِعْ الْحَسَن أَوْ اِبْن سِيرِينَ فَقَدْ قُلْت : هَذَانِ أَهْل أَنْ يُتَّبَعَا وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَهْل لِأَنْ يُتَّبَع ; قَالَهُ الزَّجَّاج.
 وَقَالَ الْفَرَّاء :" أَوْ " هُنَا بِمَنْزِلَةِ " لَا " كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَا كَفُورًا ; قَالَ الشَّاعِر :

لَا وَجْد ثَكْلَى كَمَا وَجَدْت وَلَا  وَجْد عَجُول أَضَلَّهَا رُبَعأَوْ وَجْد شَيْخ أَضَلَّ نَاقَته  يَوْمَ تَوَافَى الْحَجِيج فَانْدَفَعُوا أَرَادَ وَلَا وَجْد شَيْخ.
 وَقِيلَ : الْآثِم الْمُنَافِق، وَالْكَفُور الْكَافِر الَّذِي يُظْهِر الْكُفْر ; أَيْ لَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا وَلَا كَفُورًا.
 وَهُوَ قَرِيب مِنْ قَوْل الْفَرَّاء.

### الآية 76:25

> ﻿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [76:25]

وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
 أَيْ صَلِّ لِرَبِّك أَوَّل النَّهَار وَآخِره، فَفِي أَوَّلِهِ صَلَاة الصُّبْح وَفِي آخِره صَلَاة الظُّهْر وَالْعَصْر.
 وَجَمْع الْأَصِيل : الْأَصَائِل وَالْأُصُل ; كَقَوْلِك سَفَائِن وَسُفُن ; قَالَ : وَلَا بِأَحْسَن مِنْهَا إِذْ دَنَا الْأُصُل وَقَالَ فِي الْأَصَائِل، وَهُوَ جَمْع الْجَمْع :

لَعَمْرِي لَأَنْتَ الْبَيْت أُكْرِمُ أَهْلَهُ  وَأَقْعُدُ فِي أَفْيَائِهِ بِالْأَصَائِلِ وَقَدْ مَضَى فِي آخِر " الْأَعْرَاف " مُسْتَوْفًى.

### الآية 76:26

> ﻿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [76:26]

وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
 يَعْنِي التَّطَوُّع فِي اللَّيْل ; قَالَهُ اِبْن حَبِيب.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَسُفْيَان : كُلّ تَسْبِيح فِي الْقُرْآن فَهُوَ صَلَاة.
 وَقِيلَ : هُوَ الذِّكْر الْمُطْلَق سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَوْ فِي غَيْرهَا وَقَالَ اِبْن زَيْد وَغَيْره : إِنَّ قَوْله :" وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا " مَنْسُوخ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْس وَقِيلَ : هُوَ نَدْب.
 وَقِيلَ : هُوَ مَخْصُوص بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي مِثْله فِي سُورَة " الْمُزَّمِّل " وَقَوْل اِبْن حَبِيب حَسَن.

### الآية 76:27

> ﻿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [76:27]

وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا
 " وَيَذَرُونَ " أَيْ وَيَدَعُونَ " وَرَاءَهُمْ " أَيْ بَيْن أَيْدِيهمْ " يَوْمًا ثَقِيلًا " أَيْ عَسِيرًا شَدِيدًا كَمَا قَالَ :" ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض " \[ الْأَعْرَاف : ١٨٧ \].
 أَيْ يَتْرُكُونَ الْإِيمَان بِيَوْمِ الْقِيَامَة.
 وَقِيلَ :" وَرَاءَهُمْ " أَيْ خَلْفهمْ، أَيْ وَيَذَرُونَ الْآخِرَة خَلْف ظُهُورهمْ، فَلَا يَعْمَلُونَ لَهَا.
 وَقِيلَ :" نَزَلَتْ فِي الْيَهُود فِيمَا كَتَمُوهُ مِنْ صِفَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِحَّة نُبُوَّته.
 وَحُبّهمْ الْعَاجِلَة : أَخْذهمْ الرِّشَا عَلَى مَا كَتَمُوهُ.
 وَقِيلَ : أَرَادَ الْمُنَافِقِينَ ; لِاسْتِبْطَانِهِمْ الْكُفْر وَطَلَب الدُّنْيَا.
 وَالْآيَة تَعُمّ.
 وَالْيَوْم الثَّقِيل يَوْم الْقِيَامَة.
 وَإِنَّمَا سُمِّيَ ثَقِيلًا لِشَدَائِدِهِ وَأَهْوَاله.
 وَقِيلَ : لِلْقَضَاءِ فِيهِ بَيْن عِبَاده.

### الآية 76:28

> ﻿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا [76:28]

وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَقُول لَوْ نَشَاء لَأَهْلَكْنَاهُمْ وَجِئْنَا بِأَطْوَع لِلَّهِ مِنْهُمْ.
 وَعَنْهُ أَيْضًا : لَغَيَّرْنَا مَحَاسِنَهُمْ إِلَى أَسْمَج الصُّوَر وَأَقْبَحهَا.
 كَذَلِكَ رَوَى الضَّحَّاك عَنْهُ.
 وَالْأَوَّل رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو صَالِح.

### الآية 76:29

> ﻿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا [76:29]

إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا
 " إِنَّ هَذِهِ " أَيْ السُّورَة " تَذْكِرَة " أَيْ مَوْعِظَة " فَمَنْ شَاءَ اِتَّخَذَ إِلَى رَبّه سَبِيلًا " أَيْ طَرِيقًا مُوصِلًا إِلَى طَاعَته وَطَلَب مَرْضَاته.
 وَقِيلَ :" سَبِيلًا " أَيْ وَسِيلَة.
 وَقِيلَ وِجْهَة وَطَرِيقًا إِلَى الْجَنَّة.
 وَالْمَعْنَى وَاحِد.

### الآية 76:30

> ﻿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [76:30]

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
 " إِنَّ اللَّه كَانَ عَلِيمًا " بِأَعْمَالِكُمْ " حَكِيمًا " فِي أَمْره وَنَهْيه لَكُمْ.
 وَقَدْ مَضَى فِي غَيْر مَوْضِع.

### الآية 76:31

> ﻿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [76:31]

يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
 " يُدْخِل مَنْ يَشَاء فِي رَحْمَته " أَيْ يُدْخِلُهُ الْجَنَّة رَاحِمًا لَهُ " وَالظَّالِمِينَ " أَيْ وَيُعَذِّب الظَّالِمِينَ فَنَصْبه بِإِضْمَارِ يُعَذِّب.
 قَالَ الزَّجَّاج : نَصْب الظَّالِمِينَ لِأَنَّ قَبْله مَنْصُوبًا ; أَيْ يُدْخِل مَنْ يَشَاء فِي رَحْمَته وَيُعَذِّب الظَّالِمِينَ أَيْ الْمُشْرِكِينَ وَيَكُون " أَعَدَّ لَهُمْ " تَفْسِيرًا لِهَذَا الْمُضْمَر ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر :

أَصْبَحْت لَا أَحْمِل السِّلَاح وَلَا  أَمْلِك رَأْس الْبَعِير إِنْ نَفَرَاوَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْت بِهِ  وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا أَيْ أَخْشَى الذِّئْب أَخْشَاهُ.
 قَالَ الزَّجَّاج : وَالِاخْتِيَار النَّصْب وَإِنْ جَازَ الرَّفْع ; تَقُول : أَعْطَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا أَعْدَدْت لَهُ بِرًّا، فَيُخْتَار النَّصْب ; أَيْ وَبَرَرْت عَمْرًا أَوْ أَبَرُّ عَمْرًا.
 وَقَوْله فِي " الشُّورَى " :" يُدْخِل مَنْ يَشَاء فِي رَحْمَته وَالظَّالِمُونَ " \[ الشُّورَى : ٨ \] اِرْتَفَعَ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَر بَعْده فِعْل يَقَع عَلَيْهِ فَيُنْصَب فِي الْمَعْنَى ; فَلَمْ يَجُزْ الْعَطْف عَلَى الْمَنْصُوب قَبْله فَارْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ.
 وَهَهُنَا قَوْله :" أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا " يَدُلّ عَلَى وَيُعَذِّب، فَجَازَ النَّصْب.
 وَقَرَأَ أَبَان بْن عُثْمَان " وَالظَّالِمُونَ " رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر " أَعَدَّ لَهُمْ ".
 " عَذَابًا أَلِيمًا " أَيْ مُؤْلِمًا مُوجِعًا.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي سُورَة " الْبَقَرَة " وَغَيْرهَا وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 خُتِمَتْ السُّورَة.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/76.md)
- [كل تفاسير سورة الإنسان
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/76.md)
- [ترجمات سورة الإنسان
](https://quranpedia.net/translations/76.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/76/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
