---
title: "تفسير سورة النازعات - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/79/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/79/book/37"
surah_id: "79"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النازعات - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/79/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النازعات - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/79/book/37*.

Tafsir of Surah النازعات from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 79:1

> وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا [79:1]

والنازعات غَرْقاً \* والناشطات نَشْطاً \* والسابحات سَبْحاً \* فالسابقات سَبْقاً \* فالمدبرات أَمْراً  إقسامٌ من الله عزَّ وجَلَّ بطوائفِ الملائكةِ الذينَ ينزِعونَ الأرواحَ من الأجساد على الإطلاقِ كما قالَهُ ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا ومجاهدٌ، أو أرواحَ الكفرةِ كما قالَهُ عليٌّ رضيَ الله عنْهُ وابنُ مسعودٍ وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ ومسروقٌ وينشِطونَها أي يُخرجونَها من الأجسادِ من نشَطَ الدلوَ من البئرِ إذا أخرجَها ويسبحونَ في إخراجِها سبحَ الغواصِ الذي يُخرجُ من البحرِ ما يخرجُ فيسبقونَ بأرواحِ الكفرةِ إلى النارِ وبأرواحِ المؤمنينَ إلى الجنةِ فيدبرونَ أمرَ عقابِها وثوابِها بأنْ يهيئوهَا لإدراكِ ما أُعِدَّ لهَا منَ الآلامِ واللَّذاتِ والعطفُ معَ اتخاذِ الكلِّ بتنزيلِ التغايرِ العُنواني منزلةَ التغايرِ الذاتي كما في قولِه :\[ المتقارب \]إلى المَلِكِ القِرْمِ وَابنِ الهُمَام  وَليثِ الكَتَائبِ فِي المُزدَحم[(١)](#foonote-١)للإشعارِ بأنَّ كلَّ واحدٍ من الأوصافِ المعدودةِ من معظماتِ الأمورِ حقيقٌ بأن يكونَ على حيالِه مناطاً لاستحقاقِ موصوفِه للإجلالِ والإعظامِ بالإقسامِ بهِ من غيرِ انضمامِ الأوصافِ الأُخرِ إليهِ والفاءُ في الأخيرينِ للدلالةِ على ترتبِهما على ما قبلهُمَا بغيرِ مُهلةٍ كَمَا في قولِه :\[ السريع \]يا لهفَ زيّابةَ للحرثِ ال  صائحِ فالغانمِ فالآئبِ[(٢)](#foonote-٢)وغَرْقاً مصدرٌ مؤكدٌ بحذف الزوائدِ أيْ إغراقاً في النزع حيثُ تنزعُها منْ أقاصِي الأجسادِ. قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنْهُ : تنزعُ روحَ الكافرِ من جسدِه من تحتِ كلِّ شعرةٍ ومن تحتِ الأظافيرِ وأصولِ القدمينِ ثم تُغرقها في جسدِه ثم تنزعُها حتَّى إذَا كادتْ تخرجُ تردها في جسدِه فهذا عملُها بالكفار، وقيلَ : يَرى الكافرُ نفسَهُ في وقت النزعِ كأنها تغرقُ. وانتصابُ نَشْطاً وسَبْحاً وسَبْقاً أيضاً على المصدريةِ، وأما أمراً فمفعولٌ للمدبراتِ وتنكيرُهُ للتهويلِ والتفخيمِ ويجوزُ أنْ يُرادَ بالسابحاتِ وما بعدَهَا طوائفُ من الملائكةِ يسبحونَ في مُضيهم أي يُسرعونَ فيهِ فيسبقونَ إلى مَا أُمروا بهِ من الأمورِ الدنيويةِ والأخرويةِ. والمُقسمُ عليهِ محذوفٌ تَعْويلاً على إشارةِ ما قبلَهُ من المقسمِ بهِ إليهِ ودلالةِ ما بعدَهُ من أحوالِ القيامةِ عليهِ وهو لتبعثنَّ فإنَّ الإقسامَ بمَنْ يتولَّى نزعَ الأرواحِ ويقومُ بتدبيرِ أُمورِها يلوحُ بكونِ المقسمِ عليهِ من قبيلِ تلكَ الأمورِ لا محالةَ وفيهِ مِنَ الجزالةِ ما لا يَخْفى. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يكونَ إقساماً بالنجومِ التي تنزعُ من المشرقِ إلى المغربِ غرقاً في النزعِ بأن تقطعَ الفَلكَ حتَّى تنحطَّ في أقْصَى الغربِ وتنشطَ من برجٍ إلى برجٍ أي تخرجُ من نشطِ الثورِ إذَا خرجَ من بلدٍ إلى بلدٍ وتسبحُ في الفلكِ فيسبقُ بعضُها بعضاً فتدبرُ أمراً نيطَ بهَا كاختلاف الفصولِ وتقديرِ الأزمنةِ وتبينِ مواقيتِ العباداتِ وحيثُ كانتْ حركاتُها من المشرق إلى المغرب قسريةً وحركاتُها من برجٍ إلى برجٍ ملائمةً عُبِّرَ عنِ الأُولى بالنزعِ وعنِ الثانيةِ بالنشطِ. أو بأنفسِ الغُزاةِ أو أيديهِم التي تنزعُ القِسِيَّ بإغراقِ السهامِ وينشطونَ بالسهمِ للرميِ ويسبحونَ في البرِّ والبحرِ فيسبقونَ إلى حربِ العدوِّ فيدبرونَ أمرَها. أو بخيلِهم التي تنزعُ في أعنَّتِها نزعاً تغرقُ فيه الأعنةَ لطول أعناقِها لأنها عِرابٌ وتخرجُ منْ دارِ الإسلامِ إلى دارِ الحربِ وتسبحُ في جَريها لتسبقَ إلى الغايةِ فتدبرُ أمرَ الظفرِ والغلبةِ، وإسنادُ التدبيرِ إليها لأنَّها من أسبابِه. هذا والذي يليقُ بشأنِ التنزيلِ هُو الأولُ. 
١ وهو بلا نسبة في الإنصاف (٢/٤٦٩)؛ وخزانة الأدب (١/٤٥١)، (٥/١٠٧)، (٦/٩١)؛ وشرح قطر الندى وقد ورد في المعجم المفصل "الكتيبة" محل "الكتائب"..
٢ ورد في المعجم المفصل:"يا ويح زيّابة للحارث  الصابح فالغانم فالآيب" وهو لابن زيابة في خزانة الأدب (٥/١٠٧)، والدرر (٦/١٦)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ١٤٧)؛ وشرح شواهد المغني (ص٤٦٥) ومعجم الشعراء (ص٢٠٨)؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب (١١/٥)؛ ومغني اللبيب (ص١٦٣)..

### الآية 79:2

> ﻿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا [79:2]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 79:3

> ﻿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا [79:3]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 79:4

> ﻿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا [79:4]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 79:5

> ﻿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [79:5]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 79:6

> ﻿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ [79:6]

وقولُه تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة  منصوبٌ بالجوابِ المُضمرِ، والمرادُ بالراجفةِ الواقعةُ التي ترجفُ عندَهَا الأجرامُ الساكنةُ، أي تتحركُ حركةً شديدةً وتتزلزلُ زلزلةً عظيمةً كالأرضِ والجبالِ، وهيَ النَّفخةُ الأُولى، وقيلَ : الرَّاجفةُ الأرضُ والجبالُ لقولِه تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال  \[ سورة المزمل، الآية ١٤ \].

### الآية 79:7

> ﻿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [79:7]

وقولُه تعالَى : تَتْبَعُهَا الرادفة  أي الواقعةُ التي تُردِفُ الأُولى، وهيَ النفخةُ الثانيةُ حالٌ من الراجفةُ مصححةٌ لوقوعِ اليومِ ظرفاً للبعثِ أي لتبعثنَّ يومَ النفخةِ الأُولى حالَ كونِ النفخةِ الثانيةِ تابعةً لها لا قبلَ ذلكَ فإنَّه عبارةٌ عن الزمانِ الممتدِّ الذي يقعُ فيهِ النفختانِ وبينهما أربعونَ سنةً واعتبارُ امتدادِه معَ أنَّ البعثَ لا يكونُ إلا عند النفخةِ الثانيةِ لتهويل اليومِ ببيان كونِه موقعاً لداهيتينِ عظيمتينِ لا يَبْقى عندَ وقوعِ الأُولى حيٌّ إلا ماتَ ولا عندَ وقوعِ الثانيةِ ميتٌ إلا بُعثَ وقامَ، ووجْهُ إضافتِه إلى الأُولى ظَاهِرٌ وقيلَ : يومَ ترجفُ منصوبٌ باذكُرْ فتكونُ الجملةُ استئنافاً مقرراً لمضمون الجوابِ المُضْمرِ كأنَّه قيلَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم : اذكُر لهم يومَ النفختينِ فإنه وقتُ بعثِهم، وقيلَ : هو منصوبٌ بما دلَّ عليه.

### الآية 79:8

> ﻿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ [79:8]

قولُه تعالَى : قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ  أي يومَ ترجفُ وجفتِ القلوبُ، قيلَ : قلوبٌ مبتدأٌ ويومئذٍ متعلقٌ بواجفةٌ وهيَ صفةٌ لقلوبٌ مُسوِّغةٌ لوقوعِه مبتدأً.

### الآية 79:9

> ﻿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ [79:9]

وقوله تعالى : أبصارها  أي أبصارُ أصحابِها  خاشعة  جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ وقعتْ خبراً لقلوبٌ. وقَدْ مرَّ أنَّ حقَّ الصفةِ أن تكونَ معلومةَ الانتسابِ إلى الموصوفِ عند السامعِ حتَّى قالُوا : إن الصفات قبلَ العلمِ بها أخبارٌ والأخبارُ بعدَ العلمِ بها صفاتٌ فحيثُ كانَ ثبوتُ الوجيفِ للقلوبِ وثبوتُ الخشوعِ لأبصارِ أصحابِها سواءً في المعرفةِ والجهالةِ كانَ جعلُ الأولِ عُنواناً للموضوعِ مسلمَ الثبوتِ مفروغاً عنْهُ وجعلُ الثاني مخبراً له مقصودَ الإفادةِ تحكماً بحتاً على أنَّ الوجيفَ الذي هُو عبارةٌ عنْ شدةِ اضطرابِ القلبِ وقلقِه من الخوفِ والوجلِ أشدُّ من خشوعِ البصرِ وأهولُ فجعلُ أهونَ الشرينِ عُمدةً وأشدِّهما فضلةً مما لا عَهدَ له في الكلامِ. وأيضاً فتخصيصُ الخشوعِ بقلوبٍ موصوفةٍ بصفةٍ معينةٍ غيرُ مشعرةٍ بالعمومِ والشمولِ تهوينٌ للخطب في موقع التهويلِ فالوجْهُ أنْ يُقالَ : تنكيرُ قلوبٌ يقومُ مقامَ الوصفِ المختصِّ سواءٌ حُملَ على التنويعِ كما قيلَ وإنْ لم يُذكرُ النوعُ الماقبلُ، فإنَّ المَعْنى منسحبٌ عليهِ، أو على التكثيرِ كما هو شرٌّ أهرَّ ذَا نابٍ فإنَّ التفخيمَ كما يكونُ بالكيفيةِ يكونُ بالكميةِ أيضاً كأنَّه قيلَ : قلوبٌ كثيرةٌ يومَ إذْ يقعُ النفختانِ واجفةٌ أيْ شديدةُ الاضطرابِ. قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهُما : خائفةٌ وَجِلةٌ. وقال السُّدِّيُّ : زائلةٌ عنْ أماكنِها، كما في قولِه تعالى : إِذِ القلوب لَدَى الحناجر  \[ سورة غافر، الآية ١٨ \].

### الآية 79:10

> ﻿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ [79:10]

وقولُه تعالى : يَقُولُونَ أَئنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة  حكايةٌ لما يقولُه المنكرونَ للبعث المكذبونَ بالآيات الناطقةِ به إثرَ بيان وقوعِه بطريق التوكيدِ القَسَمي وذكر مقدماتِه الهائلةِ وما يعرضُ عندَ وقوعِها للقلوب والأبصارِ. أي يقولونَ إذا قيلَ لهم : إنكُم تبعثونَ منكرينَ له متعجبينَ منهُ : أئنا لمردودونَ بعدَ موتِنا في الحافرة، أي في الحالة الأُولى يعنونَ الحياةَ من قولهم : رجعَ فلانٌ في حافرته أي في طريقتِه التي جاءَ فيها فحفرَها أي أثَّر فيها بمشيه، وتسميتُها حافرةً مع أنها محفورةٌ، كقولِه تعالَى : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ  \[ سورة الحاقة، الآية ٢١ \] أي منسوبةٌ إلى الحفرِ والرِّضا أو كقولِهم : نهارُه صائمٌ على تشبيهِ القابلِ بالفاعلِ. وقُرِئَ في الحُفْرةِ وهيَ بمَعْنى المَحْفُورةِ.

### الآية 79:11

> ﻿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً [79:11]

وقولُه تعالَى : أَئذَا كُنَّا عظاما نخِرَةً  تأكيدٌ لإنكار الردِّ ونفيِه بنسبتِه إلى حالةِ منافيةٍ له. والعاملُ في إذَا مضمرٌ يدلُّ عليهِ مردودونَ أي أَئِذا كُنَّا عظاماً باليةً نُردُّ ونبعثُ مع كونِها أبعدَ شيءٍ من الحياةِ وقُرِئَ إذَا كُنَّا على الخبرِ أو إسقاطِ حرفِ الإنكارِ. وناخرةٌ منْ نَخَر العظمُ فهو نَخِرٌ ونَاخِرٌ، وهُو البَالِي الأَجْوفُ الذي يمرُّ به الريحُ فيُسمعُ له نخيرٌ  قَالُوا  حكايةٌ لكفرٍ آخرَ لهم متفرعٍ على كُفْرِهم السابقِ ولعلَّ توسيطَ قالُوا بينهُمَا للإيذانِ بأنَّ صدورَ هذا الكفرِ عنهُم ليسَ بطريقِ الاطرادِ والاستمرارِ مثلَ كفرِهم السابقِ المستمرِّ صدورُه عنهُم في كافةِ أوقاتِهم حسبَما ينبئُ عنْهُ حكايتُه بصيغةِ المضارعِ، أيْ قالُوا بطريق الاستهزاءِ مشيرينَ إلى ما أنكرُوه من الردة في الحافرةِ مشعرينَ بغايةِ بُعدِها من الوقوعِ : تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسرة .

### الآية 79:12

> ﻿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ [79:12]

تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسرة  أي ذاتُ خسرانٍ أو خاسرةٌ أصحابُها، أيْ إنْ صحَّتْ فنحنُ إذنْ خاسرونَ لتكذيبَنا بهَا.

### الآية 79:13

> ﻿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ [79:13]

وقولُه تعالَى : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحدة  تعليلٌ لمقدَّرٍ يقتضيهِ إنكارُهم لإحياءِ العظامِ النخرةِ التي عبرُوا عنهَا بالكرَّةِ فإنَّ مدارَهُ لما كانَ استصعابُهم إيَّاها ردَّ عليهم ذلكَ فقيلَ : لا تستصعبُوهَا فإنَّما هيَ صيحةٌ واحدةٌ أي حاصلةٌ بصيحةٍ واحدةٍ وهي النفخةُ الثانيةُ عبِّر عنهَا بهَا تنبيهاً عل كمال اتصالِها بها كأنَّها عينُها وقيلَ : هيَ راجعٌ إلى الرادفةِ.

### الآية 79:14

> ﻿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [79:14]

فقولُه تعالَى : فَإِذَا هُم بالساهرة  حينئذٍ بيانٌ لترتب الكرّةِ على الزجرة مكافأةً أيْ فإذ هُم أحياءٌ على وجه الأرضِ بعدَ ما كانُوا أمواتاً في جَوفِها وعلى الأول بيانٌ لحضورِهم الموقفَ عقيبَ الكرةِ التي عبرَ عنها بالزجرةِ. والساهرةُ الأرضُ البيضاءُ المستويةُ، سُميتْ بذلكَ لأنَّ السرابَ يَجْري فيهَا من قولِهم : عينٌ ساهرةٌ جاريةُ الماءِ وفي ضِدِّهَا نائمةٌ وقيلَ : لأنَّ سالِكَها لا ينامُ خوفَ الهلكةِ، وقيل : اسمٌ لجهنمَ، وقالَ الراغبُ : هي وجهُ الأرضِ، وقيلَ : هيَ أرضُ القيامةِ. ورَوَى الضحَّاكُ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا : أنَّ الساهرةَ أرضٌ من فضةٍ لم يُعصَ الله تعالَى عليهَا قطْ خلقَها حينئذٍ، وقيلَ : هيَ أرضٌ يجددها الله عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ، وقيلَ : هيَ اسمُ الأرضِ السابعةِ يأتِي بها الله تعالَى فيحاسبُ الخلائقَ عليها وذلك حين تبدلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ، وقال الثوريُّ : الساهرةُ أرضُ الشامِ، وقال وهبُ بنُ منبهٍ[(١)](#foonote-١) : جبلُ بيتِ المقدسِ، وقيل : الساهرةُ بمَعْنى الصحراء على شفيرِ جهنمَ.

١ ذكره ابن الجوزي (٩/٢٠) بدون سند..

### الآية 79:15

> ﻿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ [79:15]

وقولُه تعالَى : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى  كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لتسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من تكذيبِ قومِه بأنَّه يُصيبُهم مثلُ ما أصابَ من كانَ أَقْوى منهُم وأعظمَ. ومَعْنى هلْ أتاكَ : إنِ اعتُبرَ هذا أولَ ما أتاهُ عليه الصلاةُ والسلامُ من حديثِه عليه السلامُ ترغيبٌ له عليه الصلاةُ والسلامُ في استماعِ حديثِه كأنَّه قيلَ : هل أتاكَ حديثُه أنَا أُخبرَك بهِ وإنِ اعتُبرَ إتيانُه هذا وهُو المتبادرُ من الإيجازِ في الاقتصاصِ حملَهُ عليه الصلاةُ والسلامُ على أنْ يقرَّ بأمرٍ يعرفُه قبلَ ذلكَ كأنَّه قيلَ : قد أتاكَ حديثُه.

### الآية 79:16

> ﻿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [79:16]

وقولُه تعالَى : إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بالواد المقدس  ظرفٌ للحديثِ لا للإتيانِ لاختلافِ وَقْتَيهِما  طُوًى  بضمِّ الطاءِ غيرَ منونٍ وقُرِئَ منوناً وقُرِئَ بالكسرِ منوناً وغيرَ منونٍ فمن نونَّهُ أوَّلهُ بالمكانِ دونَ البقعةِ، وقيلَ : هُو كَثُنَى مصدرٌ لنَادَى أو المقدسِ أيْ ناداهُ ندائينِ أو المقدسِ مرةً بعدَ أُخْرى.

### الآية 79:17

> ﻿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ [79:17]

اذهب إلى فِرْعَوْنَ  على إرادةِ القولِ وقيلَ : هو تفسيرٌ للنداءِ أي ناداهُ إذهبْ وقيلَ : هُو على حذفِ أَنِ المفسرةِ ويدلُّ عليه قراءةُ عبدِ اللَّهِ أنِ اذهبْ لأنَّ في النداءِ مَعْنى القولِ  إِنَّهُ طغى  تعليلٌ للأمرِ أو لوجوبِ الامتثالِ بهِ.

### الآية 79:18

> ﻿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَىٰ أَنْ تَزَكَّىٰ [79:18]

فَقُلْ  بعدَ ما أتيتَهُ  هَل لَّكَ  رغبةٌ وتوجهٌ  إلى أَن تزكى  بحذفِ إحْدَى التاءينِ من تتزكَّى أيْ تتطهرُ من دنسِ الكُفرِ والطغيانِ. وقُرِئَ تزَّكَّى بالتشديدِ.

### الآية 79:19

> ﻿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ [79:19]

وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ  وأُرشدكَ إلى معرفتِه عزَّ وجلَّ فتعرِفَهُ  فتخشى  إذِ الخشيةُ لا تكونُ إلا بعدَ معرفتِه تعالَى، قالَ عزَّ وجلَّ : إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  \[ سورة فاطر، الآية ٢٨ \] وجَعلُ الخشيةِ غايةً للهدايةِ لأنَّها مِلاكُ الأمرِ، مَنْ خشَي الله تعالى أتَى منْهُ كلَّ خيرٍ، ومَنْ أَمِنَ اجترأَ على كلِّ شرَ. أُمرَ عليه الصلاةُ والسلامُ بأنْ يخاطبَهُ بالاستفهامِ الذي معناهُ العرضُ ليستدعيَهُ بالتلطفِ في القولِ ويستنزلَهُ بالمُداراةِ من عُتوِّهِ وهذا ضربُ تفصيلٍ لقولِه تعالى : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً ليّناً لعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  \[ سورة طه، الآية ٤٤ \].

### الآية 79:20

> ﻿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ [79:20]

والفاءُ في قولِه تعالَى : فَأَرَاهُ الآية الكبرى  فصيحةٌ تُفصحُ عن جملٍ قد طُويتْ تعويلاً على تفصيلِها في السورِ الأُخرى فإنه عليه الصلاةُ والسلامُ ما أراهُ إيَّاها عقيبَ هذا الأمرِ بل بعدَ مَا جَرى بينَهُ وبينَ الله تعالَى ما جَرى من الاستدعاءِ والإجابةِ وغيرِهما من المراجعاتِ وبعد ما جَرَى بينَهُ وبينَ فرعونٍ ما جَرَى من المحاوراتِ إلى أنْ قالَ : قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين  \[ سورة الأعراف، الآية ١٠٦ \] والإراءةُ إما بمَعْنى التبصيرِ، أو التعريفِ فإن اللعينَ حينَ أبصرَها عرفَها. وادعاءُ سحريتها إنَّما كانَ إراءةً منهُ وإظهاراً للتجلدِ. ونسبتُهَا إليهِ عليه الصلاةُ والسلامُ بالنظرِ إلى الظاهرِ كما أنَّ نسبتَها إلى نونِ العظمةِ في قولِه تعالى : وَلَقَدْ أريناه آياتنا  \[ سورة طه، الآية ٥٦ \] بالنظرِ إلى الحقيقةِ والمرادُ بالآية الكُبْرى قلبُ العصَا حيةً وهو قولُ ابن عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا فإنَّها كانتِ المقدمةَ والأصلَ، والأُخْرَى كالتبعِ لهَا، أو هُمَا جَميعاً، وهو قَولُ مجاهدٍ فإنَّهما كالآيةِ الواحدةِ وقدْ عبرَ عنهُمَا بصيغةِ الجمعِ حيثُ قالَ : اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي  \[ سورة طه، الآية ٤٢ \] باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأُمورِ التي كلٌّ منهَا آيةٌ بينةٌ لقومٍ يعقلونَ، كما مَرَّ تفصيلُه في سُورةِ طاه ولا مساغَ لحملها على مجموع معجزاتِه فإن ما عدا هاتين الآيتين من الآيات التسعِ إنما ظهرتْ على يدِه عليه الصلاةُ والسلامُ بعدَ مَا غلبَ السحرةِ على مهلٍ في نحوٍ من عشرينَ سنةً كما مرَّ في سورةِ الأعرافِ ولا ريبَ ف أنَّ هذا مطلعُ القصةِ وأمرُ السحرةِ مترقبٌ بعدُ.

### الآية 79:21

> ﻿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ [79:21]

فَكَذَّبَ  بمُوسَى عليهِ السلامُ وسَمَّى معجزتَهُ سِحْراً  وعصى  الله عزَّ وجلَّ بالتمردِ بعدَ ما علَم صحةَ الأمرِ ووجوبَ الطاعةِ أشدَّ عصيانٍ وأقبحَهُ حيثُ اجترأَ على إنكارِ وجودِ ربِّ العالمينَ رَأْساً وكان اللعينُ وقومُه مأمورينَ بعبادتِه عزَّ وجلَّ وتركِ العظيمةِ التي كانَ يدَّعِيها الطاغيةُ ويقبلُها منهُ فئتُه الباغيةُ لا بإرسالِ بني إسرائيلَ من الأسرِ والقَسْرِ فقطْ.

### الآية 79:22

> ﻿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ [79:22]

ثُمَّ أَدْبَرَ  أي تولَّى عن الطاعةِ أو انصرفَ عنِ المجلسِ  يسعى  أي يجتهدُ في معارضةِ الآيةِ أو أُريدَ ثم أقبلَ أي أنشأَ يسعَى فوضَع موضعَهُ أدبرَ تحاشياً عن وصفِه بالإقبالِ وقيلَ : أدبرَ هارباً من الثعبانِ فإنَّه رُويَ أنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ لَمَّا ألقَى العَصَا انقلبتْ ثُعباناً أشعرَ فاغراً فاهُ بين لَحْييهِ ثمانونَ ذراعاً وضعَ لحيَهُ الأسفلَ عَلى الأرضِ والأَعْلى على سُورِ القصرِ فتوجَّهَ نحوَ فرعونَ فهربَ وأحدثَ وانهزم الناسُ مزدحمينَ فماتَ منهُم خمسةٌ وعشرونَ ألفاً من قومِه وقيلَ : إنها حينَ انقلبتْ حيةً ارتفعتْ في السماءِ قدرَ ميلٍ ثمَّ انحطتْ مقبلةً نحوَ فرعونٍ وجعلتْ تقولُ : يا مُوسَى مُرنِي بما شئتَ ويقولُ فرعونُ : أنشدكَ بالذي أرسلكَ إلا أخذتَهُ فأخذَهُ فعادَ عصا ويأباهُ أنَّ ذلكَ كانَ قبلَ الإصرار على التكذيبِ والعصيانِ والتصدِّي للمعارضة كما يعربُ عنه قولُه تعالَى : فَحَشَرَ .

### الآية 79:23

> ﻿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ [79:23]

فَحَشَرَ  أي فجمعَ السحرةَ لقولِه : فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي المدائن حاشرين  \[ سورة الشعراء، الآية ٥٣ \] وقوله تعالى : فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ  \[ سورة طه، الآية ٦٠ \] أي ما يُكادُ به من السحرة وآلاتِهم وقيلَ : جنودُه ويجوزُ أنْ يرادَ جميعُ الناسِ  فنادى  في المجمع بنفسه أو بواسطة المُنادِي.

### الآية 79:24

> ﻿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ [79:24]

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى  قيلَ : قامَ فيهم خطيباً فقال تلكَ العظيمةَ.

### الآية 79:25

> ﻿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ [79:25]

فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى  النكالُ بمَعْنى التنكيلِ كالسلامِ بمعنى التسليمِ وهو التعذيبُ الذي ينكلُ منْ رآهُ أو سمعَهُ ويمنعُه من تعاطِي ما يُفضِي إليهِ ومحلُّهُ النصبُ على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ كوعدَ الله وصبغةَ الله كأنَّه قيلَ : نكَّلَ الله به نكالَ الآخرةِ والأُولى وهو الإحراقُ في الآخرة والإغراقُ في الدُّنيا وقيلَ : مصدرٌ لأخذَ أي أخذَهُ الله أخذَ نكالِ الآخرةِ الخ، وقيلَ : مفعولٌ له أي أخذَهُ لأجل نكالِ الخ، وقيلَ : نُصبَ على نزع الخافضِ أي أخذَهُ بنكال الآخرةِ والأُولى وإضافتُه إلى الدارين باعتبار وقوعِ نفسِ الأخذِ فيهمَا لا باعتبارِ أنَّ ما فيهِ من مَعْنى المنعِ يكونُ فيهمَا فإن ذلكَ لا يتصورُ في الآخرةِ بل في الدُّنيا فإن العقوبةَ الأخرويةَ تنكلُ من سمعَها وتمنعُه من تعاطِي ما يُؤدي إليها لا محالةَ وقيلَ : المرادُ بالآخرةِ والأُولى قولُه : أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى  \[ سورة النازعات، الآية ٢٤ \] وقولُه : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ منْ إله غَيْرِي  \[ سورة القصص، الآية ٣٨ \] قيل : كان بينَ الكلمتينِ أربعونَ سنةً فالإضافةُ إضافةُ المسبِّبِ إلى السببِ.

### الآية 79:26

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ [79:26]

إِنَّ فِي ذَلِكَ  أي فيمَا ذُكِرَ من قصة فرعونَ وما فَعَل وما فُعلِ به  لَعِبْرَةً  عظيمةً  لمَن يخشى  أي لمَنْ مِنْ شأنِه أنْ يخشَى وهو مَنْ مِنْ شأنِه المعرفةُ.

### الآية 79:27

> ﻿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا [79:27]

وقولُه تعالَى : أأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً  خطابٌ لأهل مكةَ المنكرين للبعث بناءً على صعوبتِه في زَعْمِهم بطريقِ التوبيخِ والتبكيتِ بعدَ ما بيّنَ كمالُ سهولتِه بالنسبةِ إلى قُدرةِ الله تعالى بقولِه تعالى : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحدة  \[ سورة الصافات، الآية ١٩ \] أي أخلقُكُم بعد موتِكم أشدُّ أي أشقُّ وأصعبُ في تقديرِكم  أَمِ السماء  أي أمْ خلقُ السماءِ على عِظَمِها وانطوائِها على تعاجيبِ البدائعِ التي تحارُ العقولُ عن ملاحظةِ أدناهَا كقولِه تعالى : لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس  \[ سورة غافر، الآية ٥٧ \] وقولِه تعالى : أَوَ لَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ  \[ سورة يس، الآية ٨١ \] وقولِه تعالى : بناها  الخ، بيانٌ وتفصيلٌ لكيفيةِ خلقِها المستفادِ من قولِه : أمِ السماءُ وفي عدمِ ذكرِ الفاعلِ فيه وفيما عُطفَ عليهِ من الأفعالِ من التنبيهِ على تعينِه وتفخيمِ شأنِه عزَّ وجلَّ ما لا يَخْفى.

### الآية 79:28

> ﻿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [79:28]

وقولُه تعالى : رَفَعَ سَمْكَهَا  بيانٌ للبناء أي جعلَ مقدارَ ارتفاعِها من الأرضِ وذهابِها إلى سمتِ العلوِّ مديداً رفيعاً مسيرةً خمسمائةِ عامٍ  فَسَوَّاهَا  فعدَّلها مستويةً ملساءَ ليسَ فيها تفاوتٌ ولا فطورٌ أو فتممَها بما عَلم أنها تتمُّ بهِ من الكواكبِ والتداويرِ وغيرِها مما لا يعلمُه إلا الخلاَّقُ العليمُ من قولِهم : سَوَّى أمرَ فلانٍ إذا أصلَحَهُ.

### الآية 79:29

> ﻿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [79:29]

وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا  أي جعلَه مظلماً يقال : غطشَ الليلُ وأغطشَهُ الله تعالَى كما يقالُ : ظلَم وأظلَمَهُ وقد مَرَّ هذا في قولِه تعالى : وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا  \[ سورة البقرة، الآية ٢٠ \] ويقال أيضاً أغطشَ الليلُ كما يقالُ أظلمَ  وَأَخْرَجَ ضحاها  أي أبرزَ نهارَهَا عبرَ عنْهُ بالضُّحىَ لأنه أشرفُ أوقاتهِ وأطيبُها فكانَ أحقَّ بالذكرِ في مقامِ الامتنانِ وهو السرُّ في تأخيرِ ذكرِ الليلِ وفي التعبيرِ عن إحداثهِ بالإخراجِ فإنَّ إفاضةَ النورِ بعد الظلمةِ أتمُّ في الإنعامِ وأكملُ في الإحسانِ وإضافةُ الليلِ والضُّحى إلى السماء لدوران حدوثهما على حركتها ويجوز أن تكون إضافة الضحى إليها بواسطةِ الشمسِ أي أبرزَ ضوءَ شمسِها والتعبيرُ عنه بالضُّحى لأنَّه وقتُ قيامِ سُلطانها وكمالِ إشراقِها.

### الآية 79:30

> ﻿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا [79:30]

والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها  أي بسطَها ومهَّدها لسكْنى أهلِها وتقلبِهم في أقطارِها وانتصابُ الأرضَ بمضمرٍ يفسرُه دحاهَا.

### الآية 79:31

> ﻿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [79:31]

أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا  بأنْ فجرَ منها عيوناً وأجْرَى أنهاراً  ومرعاها  أي رعيَها وهو في الأصلِ موضعُ الرَّعِي وقيلَ : هو مصدرٌ ميميٌّ بمَعنى المفعولِ، وتجريدُ الجملةِ عن العاطفِ إما لأنَّها بيانٌ وتفسيرٌ لدحاهَا وتكملةٌ له فإنَّ السكْنى لا تتأتَّى بمجرد البسطِ والتمهيدِ بلْ لا بدَّ من تسوية أمرِ المعاشِ من المأكلِ والمشربِ حتماً وإما لأنها حالٌ من فاعلِه بإضمارِ قدْ عندَ الجمهورِ أو بدونِه عند الكوفيينَ والأخفشِ، كما في قولِه تعالى : أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ  \[ سورة النساء، الآية ٩٠ \].

### الآية 79:32

> ﻿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [79:32]

والجبال  منصوبٌ بمضمرٍ يفسرُهُ  أرساها  أي أثبتَها وأثبتَ بها الأرضَ أن تميدَ بأهلِها وهذا تحقيقٌ للحقِّ وتنبيهٌ على أنَّ الرسوَّ المنسوبَ إليهَا في مواضعَ كثيرةٍ من التنزيلِ بالتعبيرِ عنها بالرَّوَاسِي ليسَ من مقتضياتِ ذواتِها بلْ هو بإرسائِه عزَّ وجلَّ ولولاهُ لما ثبتتْ في أنفسِها فضلاً عنْ إثباتِها للأرضِ وقُرِئَ والأرضُ والجبالُ بالرفعِ على الابتداءِ ولعلَّ تقديمَ إخراجِ الماءِ والمَرْعى ذكراً مع تقدمِ الإرساءِ عليهِ وجُوداً وشدةِ تعلقِه بالدَّحْوِ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بأمرِ المأكلِ والمشربِ معَ ما فيهِ من دفعِ توهمِ رجوعِ ضميرَيْ الماءِ والمَرْعَى إلى الجبالِ وهذا كما ترَى يدلُّ بظاهرِه على تأخرِ دَحْوِ الأرضِ عن خلقِ السماءِ وما فيهَا كمَا يُروى عن الحسنِ مِنْ أنَّه تعالَى خلقَ الأرضَ في موضعِ بيتِ المقدسِ كهيئةِ الفهرِ عليه دُخانٌ ملتزقٌ بها ثمَّ أصعدَ الدخانَ وخلقَ منهُ السماوات وأمسكَ الفهرَ في موضعِها وبسطَ منها الأرضَ وذلكَ قولُه تعالى : كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما  \[ سورة الأنبياء، الآية ٣٠ \] الآيةَ وقد مرَّ في سورةِ حم السجدةِ أنَّ قولَه تعالَى : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ  \[ سورة فصلت، الآية ٩ \] إلى قولِه تعالى : ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ  \[ سورة فصلت، الآية ١١ \] الآيةَ إنْ حُملَ ما فيهِ من الخلقِ وما عطفَ عليهِ من الأفعالِ الثلاثةِ على معانيها الظاهرةِ لا على تقديرِها فهُو وما في سورةِ البقرةِ من قولِه تعالى : هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات  \[ سورة البقرة، الآية ٢٩ \] يدلانِ على تقدم خلقِ الأرضِ وما فيها على خلق السماءِ وما فيها وعليه إطباقُ أكثرِ أهلِ التفسيرِ. وقد رُويَ أنَّ العرشَ كانَ قبلَ خلقِ السماوات والأرضِ على الماء ثم إنه تعالَى أحدثَ في الماء اضطراباً فأزبدَ فارتفعَ منه دخانٌ فأما الزبدُ فبقي على وجه الماءِ فخلقَ فيه اليبوسةَ فجعلَهُ أرضاً واحدةً ثم فتقَها فجعلها أَرضينَ وأما الدخانُ فارتفعَ وعلاَ فخلقَ منه السماوات ورُويَ أنَّه تعالى خلقَ جرمَ الأرضِ يومَ الأحدِ ويومَ الاثنينِ ودحاهَا وخلقَ ما فيها يومَ الثلاثاءِ ويومَ الأربعاءِ وخلقَ السماوات وما فيهن يومَ الخميسِ ويومَ الجمعةِ وخلقَ آدمَ عليه السلامُ في آخرِ ساعةٍ منه وهيَ الساعةُ التي تقومُ فيها القيامةُ فالأقربُ كما قيلَ تأويلُ هذه الآيةِ بأن يُجعلَ ذلكَ إشارةً إلى ذِكرِ ما ذُكِرَ من بناءِ السماءِ ورفعِ سَمكها وتسويتِها وغيرِها لا إلى أنفسِها ويحملُ بعديةُ الدَّحْوِ عنْها عَلى البعديةِ في الذكرِ كما هُو المعهودُ في ألسنة العربِ والعجمِ لا في الوجود لما عرفتَ من أنَّ انتصابَ الأرضِ بمضمرٍ مقدمٍ قد حُذِفَ على شريطةِ التفسيرِ لا بما ذُكِرَ بعدَهُ ليفيدَ القصرَ وتتعينَ البعديةُ في الوجودِ، وفائدةُ تأخيرِه في الذكرِ إما التنبيهُ على أنَّه قاصرٌ في الدلالة على القدرة القاهرةِ بالنسبةِ إلى أحوالِ السماءِ وإما الإشعارُ بأنَّه أدخلُ في الإلزامِ لما أن المنافعَ المنوطةَ بما في الأرض أكثرُ وتعلقَ مصالحِ الناسِ بذلكَ أظهرُ وإحاطتَهم بتفاصيلِ أحوالِه أكملُ وليسَ ما رُويَ عن الحسنِ نصاً في تأخرِ دحوِ الأرضِ عن خلقِ السماءِ فإن بسطَ الأرضِ معطوفٌ على إصعادِ الدخانِ وخلقِ السماءِ بالواوِ التي هي بمعزلٍ من الدلالةِ على الترتيبِ، هذا على تقديرِ حملِ ما ذكرَ في آياتِ سورةِ السجدةِ من الخلقِ وما عطفَ عليهِ من الأفعالِ الثلاثةِ على معانيها الظاهرةِ وأما إذا حُملتْ على تقديرِها فلا دلالةَ فيها إلا على تقدمِ تقدير الأرضِ وما فيهَا على إيجاد السماءِ كما لا دلالةَ على الترتيب أصلاً إذا حُملتْ كلمةُ ثُمَّ فيها وفيمَا في سورةِ البقرةِ على التراخِي في الرتبةِ وقد سلفَ تفصيلُ الكلامِ في السورةِ المذكورةِ.

### الآية 79:33

> ﻿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [79:33]

وقوله تعالى : متاعا لكُمْ ولأنعامكم  إما مفعولٌ لهُ أي فعلَ ذلكَ تمتيعاً لكُم ولأنعامِكم لأنَّ فائدةَ ما ذُكرَ من البسطِ والتمهيدِ وإخراجِ الماءِ والمَرْعى واصلةٌ إليهم وإلى أنعامِهم فإن المرادَ بالمَرْعى ما يعمُّ ما يأكلُه الإنسانُ وغيرُه بناءً على استعارةِ الرَّعي لتناولِ المأكولِ على الإطلاقِ كاستعارةِ المرسنِ للأنفِ. وقيلَ : مصدرٌ مؤكدٌ لفعلِه المضمرِ أي متَّعكُم بذلكَ متاعاً أو مصدرٌ من غير لفظِه

### الآية 79:34

> ﻿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ [79:34]

فإنَّ قولَه تعالَى : أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا ومرعاها  \[ سورة النازعات، الآية ٣١ \] في معنى متَّع بذلكَ وقوله تعالى : فَإِذَا جَاءتِ الطامة الكبرى  أي الداهيةُ العُظمى التي تطمُّ على سائرِ الطاماتِ أي تعلُوها وتغلبُها وهي القيامةُ أو النفخةُ الثانيةُ وقيلَ : هي الساعةُ التي يُساقُ فيها الخَلائقُ إلى محشرِهم وقيلَ : التي يُساقُ فيها أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ وأهلُ النارِ إلى النارِ شروعٌ في بيانِ أحوالِ معادِهم إثرَ بيانِ أحوالِ معاشِهم بقولِه تعالى : متاعا لكُمْ  \[ سورة المائدة، الآية ٩٦ \] الخ، والفاءُ للدلالة على ترتب ما بعدَها على ما قبلَها عما قليلٍ كما ينبئُ عنه لفظُ المتاعِ.

### الآية 79:35

> ﻿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَىٰ [79:35]

يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسان مَا سعى  قيلَ : هو بدلٌ من إذَا جاءتْ والأظهرُ أنه منصوبٌ بأَعْنِي كما قيلَ تفسيراً للطامةِ الكُبرى فإن الإبدالَ منها بالظرف المحضِ مما يُوهن تعلقَها بالجوابِ ويجوزُ أن يكونَ بدلاً من الطامةِ الكُبرى مفتوحاً لإضافتِه إلى الفعلِ على رأي الكوفيينَ أي يتذكرُ فيه كلُّ أحدٍ ما عملَهُ من خيرٍ أو شرَ بأنْ يشاهدَهُ مدوناً في صحيفةِ أعمالِه وقد كانَ نسيَهُ من فرطِ الغفلةِ وطولِ الأمدِ كقولِه تعالى : أحصاه الله وَنَسُوهُ  \[ سورة المجادلة، الآية ٦ \] ويجوزُ أنْ تكونَ ما مصدريةً.

### الآية 79:36

> ﻿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَىٰ [79:36]

وَبرزَتِ الجحيم  عطفٌ على جاءتْ أي أظهرتْ إظهاراً بيناً لا يَخْفى على أحدٍ  لِمَن يرى  كائناً من كانَ. يُروى أنه يكشفُ عنها فتتلظَّى فيراهَا كلُّ ذي بصرٍ وقرئ وبُرِزَتْ بالتخفيفِ ولمن رَأَى ولمن تَرَى على أن فيهِ ضميرَ الجحيمِ كما في قولِه تعالى : إِذَا رَأَتْهُمْ من مكَانٍ بَعِيدٍ  \[ سورة الفرقان، الآية ١٢ \] وعلى أنه خطابٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أي لمَنْ تراهُ من الكفارِ.

### الآية 79:37

> ﻿فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ [79:37]

وقولُه تعالَى : فَأَمَّا مَن طغى  الخ، جوابُ فإذَا جاءتْ على طريقةِ قولِه تعالَى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم منّي هُدًى  \[ سورة البقرة، الآية ٣٨ \] الآيةَ، وقيلَ : هُو تفصيلٌ للجوابِ المحذوفِ تقديرُه انقسمِ الراؤونَ قسمينِ فأمَّا من الخ، والذي تستدعيهِ فخامةُ التنزيلِ ويقتضيه مقامُ التهويلِ أنَّ الجوابَ المحذوفَ كانَ من عظائمِ الشؤونِ ما لَم تُشاهِدْهُ العيونُ كما مرَّ في قولِه تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل  \[ سورة المائدة، الآية ١٠٩ \] أي فأما من عَتا وتمردَ عن الطاعةِ وجاوزَ الحدَّ في العصيانِ.

### الآية 79:38

> ﻿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [79:38]

وَآثَرَ الحياة الدنيا  الفانيةَ التي هي على جناحِ الفواتِ فانهمكَ فيما متعَ به فيهَا ولم يستعدَّ للحياةِ الأخرويةِ الأبديةِ بالإيمانِ والطاعةِ.

### الآية 79:39

> ﻿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ [79:39]

فَإِنَّ الجحيم  التي ذُكِرَ شأنُها  هِيَ المأوى  أي هيَ مأواهُ واللامُ سادَّةٌ مسدَّ الإضافةِ للعلمِ بأن صاحبَ المَأْوى هو الطاغِي كما في قولِكَ : غُضَّ الطَّرْفَ، ودخولُ اللامِ في المَأوى والطرفِ للتعريفِ لأنهما معروفانِ وهيَ إما ضميرُ فصلٍ أو مبتدأٌ. قيلَ : نزلتْ الآيةُ في النضرِ وأبيهِ الحارثِ المشهورينِ بالغُلوِّ في الكُفرِ والطغيانِ.

### الآية 79:40

> ﻿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ [79:40]

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبهِ  أيْ مقامَهُ بين يَدَيْ مالكِ أمرِه يومَ الطامةِ الكُبرَى يومَ يتذكرُ الإنسانُ ما سعَى  وَنَهَى النفس عَنِ الهوى  عن الميلِ إليهِ بحكمِ الجبلةِ البشريةِ ولم يعتدَّ بمتاعِ الحياةِ الدُّنيا وزهرتِها ولم يغترَّ بزخارفِها وزينتِها علماً منه بوخامة عاقبتِها.

### الآية 79:41

> ﻿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ [79:41]

فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى  لهُ لا غيرُهَا وقيلَ : نزلتْ الآيتانِ في أبِي عزيزِ بنِ عميرٍ ومصعب بنِ عميرٍ وقد قتلَ مصعبٌ أخاهُ أبا عزيزٍ يومَ أحدٍ ووقَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتى استُشهدَ رضيَ الله عنْهُ هذا وقد قيلَ : جوابُ إذَا مَا يدلُّ عليهِ قولُه تعالَى : يَوْمَ يَتَذَكَّرُ  \[ سورة النازعات، الآية ٣٥ \] الخ، أيْ فإذَا جاءتِ الطامةُ الكُبْرى يتذكرُ الإنسانُ ما سَعَى على طريقةِ قولِه تعالَى : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ  \[ سورة التكوير، الآية ١٤ \] وقوله تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأخّرَتْ  \[ سورة الانفطار، الآية ٥ \] فيكونُ قولُه تعالَى : وَبُرزَتِ الجحيم  \[ سورة الشعراء، الآية ٩١ وسورة النازعات، الآية ٣٦ \] عطفاً عليهِ، وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على التحققِ، أو حالاً من الإنسانِ بإضمارِ قدْ، أو بدونِه على اختلافِ الرأيينِ، ولمنْ يَرَى مغنٍ عن العائدِ. وقولُه تعالى : فَأَمَّا مَن طغى  \[ سورة النازعات، الآية ٣٧ \] الخ، تفصيلاً لحالَيْ الإنسانِ الذي يتذكرُ ما سَعَى وتقسيماً لهُ بحسبِ أعمالِه إلى القسمينِ المذكورينِ.

### الآية 79:42

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا [79:42]

يَسْألُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها  مَتَى إرساؤُها أي إقامتُها يريدونَ متى يقيمُها الله تعالَى ويُثبتُها ويُكَوِّنُها وقيل : أيانَ مُنتهاهَا ومُستقرهَا كما أنَّ مَرسى السفينةِ حيثُ تنتهي إليهِ وتستقرُّ فيهِ.

### الآية 79:43

> ﻿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا [79:43]

وقولُه تعالَى : فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا  إنكارٌ وردٌّ لسؤالِ المشركينَ عنْهَا أيْ في أيِّ شيءٍ أنتَ مِنْ أنْ تذكرَ لهُم وقتَها وتعلمهم بهِ حَتَّى يسألُونكَ بيانَها، كقولِه تعالَى : يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا  \[ سورة الأعراف، الآية ١٨٧ \] أي ما أنتَ من ذِكْراهَا لهُم وتبيينِ وقتِها في شيءٍ لأنَّ ذلكَ فرعُ علمكَ به وأنَّى لكَ ذلكَ وهو مما استأثرَ بعلمه علامُ الغيوبِ ومن قال بصدد التعليل فإنَّ ذكرَها لا يزيدُهم إلا غياً فقد نَأَى عن الحقِّ وقيلَ : فيمَ إنكارٌ لسؤالهم وما بعدَهُ من الاستئنافِ تعليلٌ للإنكار وبيانٌ لبطلان السؤالِ أيْ فيمَ هذا السؤالُ ثمَّ ابتُدِئَ فقيلَ : أنتَ من ذِكرَاها، أي إرسالُك وأنتَ خاتمُ الأنبياءِ المبعوثُ في نسيم الساعةِ علامةٌ من علاماتِها، ودليلٌ يدُلُّهم على العلمِ بوقُوعِها عن قريبٍ فحسبُهم هذه المرتبةُ من العلمِ.

### الآية 79:44

> ﻿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا [79:44]

فمَعْنى قولِه تعالى : إلى رَبّكَ منتهاها  على هذا الوجهِ إليهِ تعالَى يرجعُ مُنْتهى علمِها أيْ علمُها بكُنهِها وتفاصيلُ أمرِها وقتَ وقوعِها لا إلى أحدٍ غيرِه وإنما وظيفتُهم أنْ يعلموا باقترابِها ومُشارفتِها، وقدْ حصلَ لهم ذلكَ بمبعثكَ، فما مَعْنى سؤالِهم عنها بعدَ ذلك. وأمَّا على الوجهِ الأولِ فمعناهُ إليهِ تعالَى انتهاءُ علمِها ليسَ لأحدٍ منه شيءٌ ما كائناً من كانَ فلأيِّ شيءٍ يسألونَكَ عنها.

### الآية 79:45

> ﻿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا [79:45]

وقولُه تعالى : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها  على الوجه الأولِ تقريرٌ لما قبلَهُ من قوله تعالى : فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا  \[ سورة النازعات، الآية ٤٣ \] وتحقيقٌ لما هُو المرادُ منه وبيانٌ لوظيفتِه عليه الصلاةُ والسلامُ في ذلكَ الشأنِ فإنَّ إنكارَ كونهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في شيءٍ من ذِكراهَا مما يُوهمُ بظاهرِه أنْ ليسَ له عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنْ يذكرَها بوجهٍ من الوجوهِ فأُزيحَ ذلكَ ببيانِ أنَّ المنفَى عنه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذكرُهَا لهم بتعيينِ وقتِها حسبَما كانُوا يسألونَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عنهَا فالمَعْنى إنما أنتَ منذرُ من يخشاهَا، وظيفتُكَ الامتثالُ بما أُمرتَ من بيانِ اقترابِها وتفصيلِ ما فيها من فنونِ الأهوالِ كما تحيطُ به خبراً، لا تعيينِ وقتِها الذي لم يُفوضْ إليكَ فما لهم يسألونَكَ عمَّا ليسَ من وظائِفكَ بيانُه. وعلى الوجهِ الثانِي هو تقريرٌ لقولِه تعالى : أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا  ببيانِ أنَّ إرسالَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو خاتمُ الأنبياءِ عليهم السلامُ منذرٌ بمجيءِ الساعةِ كما ينطقُ به قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ : بعثتُ أنَا والساعةَ كهاتينِ إنْ كادتْ لتسبقُني [(١)](#foonote-١) وقرئ منذرٌ بالتنوينِ وهو الأصلُ والإضافةُ تخفيفٌ صالحٌ للحالِ والاستقبالِ، فإذا أُريدَ الماضِي تعينتِ الإضافةُ. وتخصيصُ الإنذارِ بمن يخشَى مع عمومِ الدعوةِ لأنَّه المنتفعُ بهِ.

١ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب (٣٩)، وكتاب الطلاق باب(٢٩) وفي كتاب التفسير سورة (٧٩) باب (١)؛ كما أخرجه مسلم في كتاب الجمعة حديث رقم (٤٣) وفي كتاب الفتن حديث رقم (١٣٢، ١٣٥)، وابن ماجه في المقدمة باب (٧) وفي كتاب الفتن. باب (٢٥) والدارمي في كتاب الرقاق باب (٤٦) كما أخرجه أحمد في المسند (٤/٣٠٩)، (٥/٩٢، ١٠٣، ١٠٨)..

### الآية 79:46

> ﻿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [79:46]

وقولُه تعالى : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضحاها  إما تقريرٌ وتأكيدٌ لما ينبئُ عنه الإنذارُ من سرعة مجيءِ المُنذَر بهِ، لا سيَّما على الوجهِ الثَّانِي، أيْ كأنَّهم يومَ يَرَونها لم يلبثُوا بعدَ الإنذارِ بها إلا عشيةَ يومٍ واحدٍ أو ضحاهُ فلما تُركَ اليومُ أضيفَ ضُحاه إلى عشيتِه، وإمَّا ردٌّ لمَا أدمجُوه في سؤالِهم فإنَّهم كانُوا يسألونَ عنها بطريق الاستبطاءِ مستعجلينَ بها وإنْ كانَ على نهجِ الاستهزاءِ بهَا  وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين  \[ سورة يونس، الآية ٤٧ \] فالمَعْنى كأنَّهم يومَ يَرَونها لم يلبثُوا بعدَ الإنذارِ أو بعدَ الوعيدِ بها إلا عشيةً أو ضُحاها. واعتبارُ كونِ اللبثِ في الدنيا أو القُبورِ لا يقتضيه المقامُ وإنَّما الذي يقتضيهِ اعتبارُ كونِه بعدَ الإنذارَ أو بعدَ الوعيدِ تحقيقاً للإنذارِ وردًّا لاستبطائِهم. والجملةُ على الأولِ حالٌ من الموصولِ فإنَّه على تقديرَيْ الإضافةِ وعدمِها مفعولٌ لمنذرُ كما أنَّ قولَه تعالى : كَأَن لمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً منَ النهار  \[ سورة يونس، الآية ٤٥ \] حالٌ من ضميرِ المفعولِ في يحشرُهم أي يحشرُهم مشبهينَ بمن لم يلبثْ في الدُّنيا إلا ساعةً خلا أن الشبهَ هناكَ في الأحوالِ الظاهرةِ من الزيِّ والهيئةِ وفيمَا نحنُ فيه في الاعتقاد كأنَّه قيلَ : تنذرُهم مشبهينَ يومَ يَرَونها في الاعتقادِ بمن لم يلبثْ بعد الإنذارِ بها إلا تلك المدةَ اليسيرةَ، وعلى الثانِي مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/79.md)
- [كل تفاسير سورة النازعات
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/79.md)
- [ترجمات سورة النازعات
](https://quranpedia.net/translations/79.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/79/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
