---
title: "تفسير سورة الأنفال - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/8/book/339.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/8/book/339"
surah_id: "8"
book_id: "339"
book_name: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن"
author: "الثعالبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنفال - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/8/book/339)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنفال - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي — https://quranpedia.net/surah/1/8/book/339*.

Tafsir of Surah الأنفال from "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" by الثعالبي.

### الآية 8:1

> يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [8:1]

قوله عز وجل : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأنفال. . .  \[ الأنفال : ١ \]. 
النَّفَلُ والنَّافلة، في كلام العرب : الزِّيَادَةُ على الواجب، والأكثرُ في هذه الآيةِ أنَّ السؤال إِنما هو عَنْ حُكْمِ الأَنفال، وقالَتْ فرقةٌ : إنما سألوه الأَنْفَالَ نفْسَها ؛ محتجِّين بقراءة سعد بن أبي وقَّاص وغيره :**«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالَ »** وعن أبي أمامة الباهليِّ، قال : سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الأَنْفَال، فَقَالَ : فِينَا - أَهْلَ بَدْر - نَزَلَتْ، حِينَ اختلفنا، وَسَاءَتْ أَخْلاَقُنَا، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِيَنَا، وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُوله صلى الله عليه وسلم وقَسَمَهُ عليه السلام بَيْنَ المُسْلِمينَ عَلَى بَوَاءٍ يريد : على سَوَاءٍ، فكان في ذَلِكَ تَقْوَى اللَّه وطَاعَةُ رسوله، وصلاحُ ذات البين. 
قال ( ع ) : ويجيء مِنْ مجموع الآثار المذكُورة هنا ؛ أن نفوسَ أهْلَ بدر تنافَرَتْ، ووقع فيها ما يَقَعُ في نفوس البَشَرَ ؛ مِنْ إِرادة الأثرة، لا سيَّمَا مَنْ أَبْلَى، فأنزل اللَّه عزَّ وجَلَّ الآيةَ، فَرضِيَ المسلمون، وسَلموا، فأصْلَح ذاتَ بينهم، ورَدَّ عليهم غنائمهم. 
قال بعضُ أهل التأويل ؛ عكرمة، ومجاهد : كان هذا الحُكْمُ من اللَّه سبحانه لِرَفْعِ الشَّغَبِ ثم نُسِخَ بقوله : واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ  \[ الأنفال : ٤١ \]. وهذا أولَى الأقوال وأصحُّها. 
وقوله سبحانه : وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ  \[ الأنفال : ١ \] تصريحٌ بأنه شَجَرَ بينهم اخْتِلاَفٌ، ومالت النفوس إِلى التَّشَاحِّ، و ذَاتَ  في هذا المَوْضِعِ يُرَادُ بها نَفْسُ الشيء وحقيقته، والذي يُفْهَمُ من  بَيْنِكُمْ  هو معنى يعم جَمِيعَ الوُصَلِ، والالْتِحَامَات، والمَوَدَّات، وذات ذلك هو المَأْمُور بإِصلاحها، أي : نفسه وعينه، وباقي الآية بَيِّنٌ.

### الآية 8:2

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [8:2]

وقوله سبحانه : إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ. . .  \[ الأنفال : ٢ \]. 
 إِنَّمَا  لفظ لا تُفَارِقُهُ المُبَالَغَةُ والتأكيد ؛ حيث وقع، ويصلح مع ذلك لِلْحَصْرِ، بحسب القرينة، فقوله هنا : إِنَّمَا المؤمنون  ظاهرها أنَّها للمبالغة والتأكيد فقط، أي الكاملون. 
قال الشَّيْخُ أبو عَبْدُ اللَّه محمد بن محمد بن أحمد الأَنْصَارِيّ الساحلي المالقي في كتابه الذي ألَّفَهُ في **«السلوك »** : واعلم أن الإنْسَانَ مطلوب بطَهَارَة نفسه، وتزكيتها، وطُرُقُ التزكية وإن كَثُرَتْ، فطريق الذِّكْرِ أسرع نفعاً، وأقرب مَرَاماً، وعليه دَرَجَ أكثر مشائخ التربية، ثم قال : والذِّكْرُ ضد النسيان، والمطلوب منه عِمَارَةُ الباطن باللَّهِ تعالى في كل زمان، ومع كل حال ؛ لأن الذِّكْرَ يَدُلُّ على المذكور لا محالة، فذكره ديدنا يوجب المَحَبَّةَ له، والمعرفة به، والذكر وإن اختلفت ألفاظه ومعانيه، فلكل معنًى معانيه اختصاص بنوعٍ من التَّحْلِيَةِ والتخلية، والتزكية، ثم قال : الذِّكْرُ على قسمين : ذكر العامة، وذِكْرُ الخاصة. أما ذِكْرُ العامة، هو ذِكْرُ الأجور، فهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بما شاء من ذِكْرِهِ لا يقصد غير الأجور والثواب، وأما ذكر الخَاصَّة، فهو ذِكْرُ الحضور، وهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بأذكار مَعْلُومَةٍ، على صفة مَخْصُوصَةٍ ؛ لِينال بذلك المَعْرِفَةَ باللَّهِ سبحانه بطهارة نَفْسِهِ من كل خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وتحليتها بكل خُلُق كريم. انتهى. 
و وَجِلَتْ  معناه : فَزِعَتْ، وَرَقَّتْ، وخافت، وبهذه المعاني فسرتها العُلَمَاءُ. 
و تُلِيَتْ  معناه : سُرِدَتْ، وقرئت، والآيات هنا : القرآن المَتْلُوُّ. 
ومن كلام صاحب **«الكلم الفارقية »** : إن تَيَقَّظْتَ يقظة قلبية، وانْتَبَهْتَ انتباهة حقيقية لم تر في وَقْتِكَ سَعَةً لغير ذِكْرِ ربك، واستشعار عظمته، ومهابته، والإِقبال على طاعته، ما في وَقْتِ العاقل فَضْلَةٌ في غير ما خُلِقَ له من عبادة خالقه، والاهتمام بمَصَالِحِ آخرته، والاستعداد لمَعَادِهِ، أعرف العبيد بجلالِ مَوْلاَهُ أَخْلاَهُمْ عما سواه، وأكثرهم لَهَجاً بذكره، وتعظيماً لأمره، وأحسنهم تَأَمُّلاً لآثار صنعته، وبدائع حِكْمته، وأشدهم شَوْقاً إلى لقائه، ومشاهدته انتهى. 
وزيادة الإيمان على وجوه كلها خَارِجٌ، عن نَفْسِ التصديق : منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حُكْماً من أحكام اللَّه عز وجل في القرآن، فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه، فآمن به، زاد إيماناً إلى سائر ما قد آمن به ؛ إذ لكل حُكْم تَصْدِيقٌ خاص، وهذا يَتَرتَّبُ فيمن بَلَغَهُ ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القِيَامَةِ، وترتب زيادة الإِيمان بزيادة الدَّلاَئِلِ، ولهذا قال مالك : الإِيمان يَزِيدُ ولا ينقص، ويترتب بِزِيَادَةِ الأعمال البَرَّةِ على قول من يَرَى أنَّ لَفْظَةَ الإيمان واقعة على التَّصْدِيقِ والطاعات، وهؤلاء يقولون : يزيد وينقص. 
وقوله سبحانه : وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  عبارة جامعة لِمَصَالِحِ الدنيا والآخرة، إذا اعتبرت وعمل بحسبها في أن يَمْتَثِلَ الإنسان ما أمر به، ويبلغ في ذلك أَقْصَى جهده دون عجز، وينتظر بعدما وعد به من نَصْرٍ، أو رزق، أو غيره، وهذه أَوْصَافٌ جَمِيلَةٌ وَصَفَ اللَّه بها فُضَلاَءَ المؤمنين، فجعلها غاية للأُمَّةِ يَسْتَبِقُ إِليها الأَفَاضِلُ،

### الآية 8:3

> ﻿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [8:3]

ثم أَتْبَعَ ذلك وَعْدَهُمْ وَوَسْمَهُمْ بإِقامة الصلاة، ومَدَحَهُمْ بها حَضَّا على ذلك. 
قوله : وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ  \[ الأنفال : ٣ \]. 
قال جَمَاعَةٌ من المفسرين : هي الزَّكَاةُ وإِنما حملهم على ذلك اقْترَانُ الكلام بإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وإِلا فهو لفظ عام في الزكاة، ونوافل الخَيْرِ، وَصِلاَتِ المستحقين، ولفظ ابنَ عَبَّاسٍ في هذا المعنى محتمل.

### الآية 8:4

> ﻿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [8:4]

وقوله سبحانه : لَّهُمْ درجات  \[ الأنفال : ٤ \]. 
ظَاهِرُهُ، وهو قَوْلُ الجمهور أن المراد مَرَاتِبُ الجنة، ومنازلها، ودرجاتها على قَدْرِ أعمالهم،  وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  يريد مَآكِلَ الجنة، ومَشَارِبَهَا، و كَرِيمٌ  صفة تقتضي رَفْعَ المَذَامِّ، كقوله : ثوب كَرِيمٌ .

### الآية 8:5

> ﻿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [8:5]

وقوله سبحانه : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق. . .  \[ بالأنفال : ٥ \]. 
اختلف في معنى هذه الآية، فقال الفَرَّاءَ : التقدير امْضِ لأمرك في الغَنَائِمِ، وإن كرهوا كما أخرجك رَبُّكَ. 
قال ( ع ) : وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال : هذه الكاف شَبَّهَتْ هذه القِصَّةَ التي هي إِخْرَاجُهُ من بيته بالقِصَّةِ المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأَنْفَال، كأنهم سألوا عن النَّفَلِ، وتشاجروا، فأَخرج اللَّه ذلك عنهم، فكانت فيه الخِيَرَةُ، كما كَرِهُوا في هذه القصة انْبِعَاثَ النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجه اللَّه من بَيْتِهِ، فكانت في ذلك الخِيَرَةُ، وعلى هذا التأويل يُمْكِنُ أن يكون قوله : يجادلونك  \[ الأنفال : ٦ \] كلاماً مُسْتَأْنَفاً يراد به الكفار، أي : يجادلونك في شريعة الإسلام من بَعْد ما تَبَيَّنَ الحَقُّ فيها، كأنما يساقون إلى المَوْتِ في الدُّعَاءِ إلى الإيمان، وهذا الذي ذكرت من أن  يجادلونك  في الكُفَّار منصوص، وقال مجاهد وغيره : المعنى في الآية : كما  أخرجك ربك من بَيْتِكَ  \[ الأنفال : ٥ \] على كَرَاهِيَةٍ من فريق منهم، كذلك يُجَادِلُونَكَ في قتال كفار **«مكة »**، ويوَدُّونَ غير ذَاتِ الشَّوْكَة من بعد ما تَبَيَّنَ لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به، لا ما يُريدُون هم، وقائل هذه المَقَالَةِ يقول : إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول : إن المُجَادِلِينَ هم المشركون، وهذان القولان يتم بهما المَعْنَى، ويحسن رَصْفُ اللفظ. 
وقيل غير هذا، وقوله : مِن بَيْتِكَ  يريد من **«المدينة »** **«يثرب »** قاله الجُمْهُور.

### الآية 8:6

> ﻿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [8:6]

وَقْتِ العاقل فَضْلَةٌ في غير ما خُلِقَ له من عبادة خالقه، والاهتمام بمَصَالِحِ آخرته، والاستعداد لمَعَادِهِ، أعرف العبيد بجلالِ مَوْلاَهُ أَخْلاَهُمْ عما سواه، وأكثرهم لَهَجاً بذكره، وتعظيماً لأمره، وأحسنهم تَأَمُّلاً لآثار صنعته، وبدائع حِكْمته، وأشدهم شَوْقاً إلى لقائه، ومشاهدته انتهى.
 وزيادة الإيمان على وجوه كلها خَارِجٌ، عن نَفْسِ التصديق: منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكما من أحكام الله عز وجل في القرآن، فنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمعه، فآمن به، زاد إيماناً إلى سائر ما قد آمن به إذ لكل حُكْم تَصْدِيقٌ خاص، وهذا يَتَرتَّبُ فيمن بَلَغَهُ ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القِيَامَةِ، وترتب زيادة الإِيمان بزيادة الدَّلاَئِلِ، ولهذا قال مالك: الإِيمان يَزِيدُ ولا ينقص، ويترتب بِزِيَادَةِ الأعمال البَرَّةِ على قول من يَرَى أنَّ لَفْظَةَ الإيمان واقعة على التَّصْدِيقِ والطاعات، وهؤلاء يقولون: يزيد وينقص.
 وقوله سبحانه: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ عبارة جامعة لِمَصَالِحِ الدنيا والآخرة إذا اعتبرت، وعمل بحسبها في أن يَمْتَثِلَ الإنسان ما أمر به، ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز، وينتظر بعد ما وعد به من نَصْرٍ، أو رزق، أو غيره، وهذه أَوْصَافٌ جَمِيلَةٌ وَصَفَ اللَّه بها فُضَلاَءَ المؤمنين، فجعلها غاية للأُمَّةِ يَسْتَبِقُ إِليها الأَفَاضِلُ، ثم أَتْبَعَ ذلك وَعْدَهُمْ وَوَسْمَهُمْ بإِقامة الصلاة، ومدحهم بها حضّا على ذلك.
 وقوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. قال جَمَاعَةٌ من المفسرين: هي الزَّكَاةُ وإِنما حملهم على ذلك اقْترَانُ الكلام بإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وإِلا فهو لفظ عام في الزكاة، ونوافل الخَيْرِ، وَصِلاَتِ المستحقين، ولفظ ابنَ عَبَّاسٍ في هذا المعنى محتمل.
 وقوله سبحانه: لَهُمْ دَرَجاتٌ ظَاهِرُهُ، وهو قَوْلُ الجمهور أن المراد مَرَاتِبُ الجنة، ومنازلها، ودرجاتها على قَدْرِ أعمالهم، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يريد مَآكِلَ الجنة، ومشاربها، وكَرِيمٌ صفة تقتضي رَفْعَ المَذَامِّ، كقوله: ثوب كَرِيمٌ.
 \[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥ الى ٦\]
 كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)
 وقوله سبحانه: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ... الآية: اختلف في معنى هذه الآية، فقال الفَرَّاءَ: التقدير امْضِ لأمرك/ في الغَنَائِمِ، وإن كرهوا كما أخرجك رَبُّكَ.
 قال ع **«١»** : وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال: هذه الكاف شبّهت هذه القصّة

 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ٥٠٢).

### الآية 8:7

> ﻿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [8:7]

وقوله سبحانه : وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ. . .  \[ الأنفال : ٧ \] في هذه الآية قَصَصٌ حَسَنٌ، محل استيعابه كتاب سيرة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لابن هِشَامٍ، واختصاره أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما بلغه، وقيل : أوحي إليه أن أبا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، قد أَقبل من **«الشام »** بالعِيرِ التي فيها تجارة قُرَيْشٍ وأموالها قال لأصحابه :( إن عِيرَ قريش قد عَنّتْ لكم، فأخرجوا إليها، لعل اللَّه أن يَنْفُلَكُمُوها ). قال : فانبعث معه من خَفَّ، وثَقُلَ قوم، وكرهوا الخروج، وأسرع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يَلْوِي على من تَعَذَّرَ، ولا ينظر من غاب ظهره، فسار في ثلاث مائة وثلاثة عشر أو نحو ذلك من أصحابه بين مُهَاجِرِيٍّ وأَنْصَارِيٍّ، وقد ظَنَّ الناس بأجمعهم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يلقى حَرْباً، فلم يكثر اسْتِعْدَادُهُمْ، وكان أبو سُفْيَانَ في خلال ذلك يَسْتَقْصِي، ويحذر، فلما بلغه خُرُوجُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث ضَمْضَمَ بْنَ عَمْروٍ الغفاري إلى ********«مكة »******** يَسْتَنْفِرُ أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل ********«مكة »******** في ألف رَجُل، أو نحو ذلك، فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خروجهم أوحى اللَّه إِليه وَحْياً غير مَتْلُو يَعِدُهُ إِحدى الطَّائِفَتَيْنِ، فَعَرَّفَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فَسرُّوا، وَوَدُّوا أن تكون لهم العِيرُ التي لا قِتَالَ معها، فلما علم أبو سفيان بِقُرْبِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منه أخذ طَرِيقَ الساحل، وأبعد وفات، ولم يبق إلا لقاء أهل ********«مكة »********، وأشار بعض الكُفَّارِ على بَعْضِ بالانصراف، وقالوا : هذه عِيرُنَا قد نَجَتْ، فلننصرف فحرش أبو جهل وَلَجَّ، حتى كانَ أَمْرُ الواقعة. وقال بعضٍ المؤمنين : نحن لم نخرج لِقِتَالٍ، ولم نَسْتَعِدَّ له، فجمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ، وهو بِوَادٍ يسمى **«دَقران »** وقال :( أشيروا علي أيها النَّاسُ )، فقام أبو بَكْرٍ، فتكلم، وأحسن، وحَرَّضَ الناس على لقاء العدو، فأعاد رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الاسْتِشَارَةَ، فَقَامَ عمر بِمِثْلِ ذلك، فأعاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الاسْتِشَارَةَ، فتكلم المِقْدَادُ بْنُ الأسود الكندي، فقال : لا نقول لك يَا رَسُولَ اللَّه كما قالت بَنُو إِسرائيل :( فاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ )، \[ المائدة : ٢٤ \] ولكن نَقُولُ : إِنا معكما مقاتلون، واللَّه لو أردت بنا برك الغماد -يعني مدينة ****«الحبشة »****- لَقَاتَلْنَا معك من دُونِهَا، فسر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكلامه، ودعا له بخير. 
ثم قال :( أشيروا علي أيها النَّاسُ ) فكلمه سعد بنُ مُعَاذٍ، وقيل : سعد بن عبادة، ويحتمل هما معاً ؛ فقال : يا رسول اللَّه كأنك إيانا تُريدُ مَعْشَرَ الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أجل، فقال : إنا قد آمَنَّا بك، واتبعناك، وبَايَعْنَاكَ، فامضِ لأَمْرِ اللَّه، فواللَّه لو خُضْتَ بنا هذا البَحْرَ لَخُضْنَاهُ معك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( امضوا على بَرَكَةِ اللَّه، فكأني أنظر إلى مَصَارِعِ القوم ) فالتقوا وكانت وقعة بدر. 
( ت ) وفي **«صحيح البخاري »** من حَدِيثِ عائشة، في خروج أبي بكر من ********«مكة »******** فلقيه ابن الدّغنة عند برك الغمَادِ الحديث، وليست بمدينة ****«الحبشة »**** من غير شَكٍّ. فاللَّه أعلم، ولعلهما مَوْضِعَان. انتهى. 
و الشوكة  \[ الأنفال : ٧ \] عبارة عن السِّلاَحِ والحِدَّةِ. 
وقوله سبحانه : وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بكلماته وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرينَ  \[ الأنفال : ٧ \] المعنى : ويريد اللَّه أن يُظْهِرَ الإِسلام، ويعلي دعوة الشَّرْعِ بكلماته التي سَبَقَتْ في الأَزَلِ، والدابر الذي يدبر القَوْمَ، أي يأتي آخرهم، وإِذا قطع فقد أتى على آخرهم، بشَرْطِ أَن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهَلاَكُ عليه،

### الآية 8:8

> ﻿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [8:8]

وقوله سبحانه : لِيُحِقَّ الحق  \[ الأنفال : ٨ \] أي : ليظهر الحق الذي هو دِينُ الإسلام، و وَيُبْطِلَ الباطل ، أي الكفر،

### الآية 8:9

> ﻿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [8:9]

و تَسْتَغِيثُونَ  \[ الأنفال : ٩ \] معناه : تَطْلُبُونَ الغَوْثَ، و مُمِدُّكُم  أي : مكثركم، ومقويكم من : أَمْدَدْتُ، و مُرْدِفِينَ  معناه : متبعين، 
وقرأ سائر السبعة غير نافع :**«مردفين »** بكسر الدال، ونافع بفتحها، وروي عن ابن عَبَّاسٍ : خَلْفَ كل مَلَكٍ مَلَكٌ، وهذا معنى التتابع، يقال : رَدِفَ وأَرْدَفَ ؛ إِذا اتبع، وجاء بعد الشَّيْءِ، ويحتمل أن يُرَادُ مُرْدِفِينَ للمؤمنين، ويحتمل أن يُرَادَ مردفين بعضهم بَعْضَاً، وأنشد الطبري شَاهِداً على أن أرْدَفَ بمعنى جاء تَابِعاً قَوْلَ الشاعر :\[ الوافر \]

إِذَا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا  ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَاوالثرَيَّا تطلع قبل الجَوْزَاءِ\*\*\*
وروي في **«الصحيح »** الأشهر أن المَلاَئِكَةَ قاتلت يَوْمَ بَدْرٍ، 
واختلف في غيره ؛ قال ابن إسحاق : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بن أبي بكر ؛ أنه حُدِّثَ عن ابن عباس، أنه قال : حدثني رَجُلٌ من بني غِفَارٍ، قال : أقبلت أنا وابن عَمٍّ لي حتى صَعَدْنَا في جَبَل يُشْرِفُ بنا على بَدْرٍ، ونحن مشركان ننتظر الوَقْعَةَ على من تكون، فَنَنْتَهِبُ مع من يَنْتَهِبُ. قال : فبينما نحن في الجَبَلِ، إذ دنت منا سَحَابَةٌ، فسمعنا فيها حَمْحَمَةَ الخَيْلِ، فسمعت قائلاً يقول : أقدمَ حَيْزُوْم، فأما ابن عمي، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِهِ، فمات مكانه، وأما أنا فَكِدْتُ أَهْلَكُ، ثم تَمَاسَكْتُ. 
قال ابن إسحاق : وحدثني عَبْدُ اللَّه بن أبي بَكْرٍ عن بعض بني سَاعِدَةَ عن أبي سعيد مالك بن رَبِيعَةَ، وكان شهد بَدْراً، قال بعد أن ذهب بَصَرُهُ : لو كنت اليوم ببدر، ومعي بَصَرِي لأريتكم الشِّعْبَ الذي خَرَجَتْ منه المَلاَئِكَةُ لا أَشَكُّ ولا أَتَمَارَى. انتهى من **«سيرة ابن هِشَامٍ »**.

### الآية 8:10

> ﻿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:10]

وقوله سبحانه : وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ  \[ الأنفال : ١٠ \]. 
الضمير في **«جعله »** عائد على الوَعْدِ، وهذا عندي أَمْكَنُ الأقوال من جهة المَعْنَى، وقيل : عائد على المَدَدِ، والإِمداد، وقيل : عائد على الإرداف، وقيل : عائد على الأَلْف. 
وقوله : وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ  توقيف على أن الأَمْرَ كُلَّهُ للَّه، وأن تَكَسُّبَ المَرْءِ لا يغني، إذا لم يساعده القَدَرُ، وإن كان مَطْلُوباً بالجِدِّ، كما ظاهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين درعين.

### الآية 8:11

> ﻿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ [8:11]

وقوله سبحانه : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ  \[ الأنفال : ١١ \]. 
القَصْدُ تعديد نِعَمِهِ سبحانه على المؤمنين في يوم بَدْرٍ، والتقدير : اذكروا إذ فعلنا بكم كذا، وإذ فعلنا كذا، والعامل في **«إذا »** **«اذكروا »** وقرأ نافع :**«يُغْشِيكُم »** بضم الياء، وسكون الغين، وقرأ حمزة وغيره : يُغَشِّيكم  بفتح الغين وَشَدِّ الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وغيره :**«يَغْشَاكم »** بفتح الياء وألف بعد الشين **«النُّعَاسُ »** بالرفع، ومعنى  يُغَشِّيكُمُ  : يغطيكم، والنُّعَاسُ أَخَفُّ النوم، وهو الذي يصيب الإِنْسَانَ، وهو واقف أو مَاشٍ، وينص على ذلك قَصَصُ هذه الآية ؛ أنهم إنما كان بهم خَفْقٌ بالرُّؤُوس، وقوله : أَمَنَةً  مصدر من أَمِنَ يَأْمَنُ أَمْنَاً وأَمَنَةً وأَمَاناً، والهاء فيه لتأنيث المصدر، كما هي في المَسَاءَةِ والحَمَاقَةِ والمَشَقَّةِ. 
وروي عن ابن مَسْعُودٍ أنه قال : النُّعَاسُ عند حضور القِتَالِ عَلاَمَةُ أمن، وهو من اللَّه، وهو في الصَّلاَةِ من الشيطان. 
قال ( ع ) :( وهذا إنما طريقه الوَحْيُ، فهو لا مَحَالَةَ يسنده ). 
وقوله سبحانه : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السماء مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ . وذلك أن قَوْماً من المؤمنين لحقتهم جَنَابَاتٌ في سفرهم، وعدموا المَاءَ قَرِيبَ بَدْرٍ، فصلوا كذلك، فَوَسْوَسَ الشيطان في نفوس بعضهم مع تخويفه لهم من كثرة العَدُوِّ وقلتهم، وأيضاً فكانت بينهم وبين مَاءِ بَدْرٍ مَسَافَةٌ، من رمل دَهْسٍ تَسُوخُ فيها الأَرْجُلُ، فكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكُفَّارُ إلى ماء بدر، فأنزل اللَّه تلك المَطَرَةَ فَسَالَتِ الأودية، فاغتسلوا، وطهرهم اللَّه تعالى فذهب رِجْزُ الشيطان، وَتَدَمَّثَ الطريق، وتَلَبَّدَتْ تلك الرِّمَالُ، فسهل اللَّه عليهم السير، وأمكنهم الإسراع حتى سبقوا إلى ماءَ بَدْرٍ، وأصاب المشركين من ذلك المَطَرَ ما صَعَّبَ عليهم طريقهم، فسّر المؤمنون، وتبينوا من فِعْلِ اللَّه بهم ذلك قَصْدَ المعونة لهم، فطابت نفوسهم، واجتمعت، وتَشَجَّعَتْ، فذلك الرَّبْطُ على قلوبهم، وتثبيت أقدامهم على الرملة اللَّيِّنَةِ. والضمير في **«به »** على هذا الاحتمال عَائِدٌ على الماء، ويحتمل عَوْدُهُ على رَبْطِ القلوب، ويكون تثبيت الأقدام عِبَارَةً عن النصر والمعونة في مَوْطِنِ الحَرْبِ، ونزول الماء كان في الزمن قبل تَغْشِيَةِ النعاس، ولم يترتب كذلك في الآية، إذ القَصْدُ فيها تَعْدِيدُ النعم فقط.

### الآية 8:12

> ﻿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [8:12]

وقوله سبحانه : فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ  \[ الأنفال : ١٢ \]
وتثبيتهم يكون بقتالهم، وبحضورهم، وبأقوالهم المُؤْنِسَةِ، ويحتمل أن يكون التَّثْبِيتُ بما يلقيه المَلَكُ في القلب بِلَمَّتِهِ من تَوَهُّمِ الظَّفَرِ، واحتقار الكفار، وبخواطر تشجعه. 
قال ( ع ) : ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب  وعلى هذا التأويل يجيء قوله : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب  مخاطبة للملائكة، ويحتمل أن يكون مخاطبة للمؤمنين. وقوله سبحانه : فاضربوا فَوْقَ الأعناق  قال عكرمة : هي على بابها، وأراد الرؤوس، وهذا أنبل الأقوال. 
قال ( ع ) : ويحتمل عندي أن يريد وَصْفَ أبْلَغِ ضربات العنق وأحكمها، وهي الضربة التي تكون فَوْقَ عَظْمِ العنق دون عَظْمِ الرأس في المفصل، كما وصف دريد بن الصِّمَّة، فيجيء على هذا فوق الأَعْنَاقِ متمكناً. 
والبَنَان : قالت فرقة : هي المَفَاصِلُ ؛ حيث كانت من الأعضاء. 
وقالت فرقة : البنان الأصابع، وهذا هو الصحيح ؛ لأنه إذا قطع البنان لم ينتفع صَاحِبُهُ بشيء من أعضائه، واستأسر.

### الآية 8:13

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:13]

و شَاقُّواْ  \[ الأنفال : ١٣ \] : معناه خالفوا ونَابَذُوا، وقطعوا، وهو مأخوذ من الشَّقِّ، وهو القَطْعُ والفَصْلُ بين شيئين، وعبر المفسرون عن قوله : شَاقُّواْ  أي : صاروا في شق غير شقه. 
قال ( ع ) : وهذا وإن كان معناه صَحِيحاً، فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذَكَرْنَاهُ، وقوله : فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب  \[ الأنفال : ١٣ \] جَوَابٌ، للشرط تضمن وَعِيداً وَتَهْدِيداً.

### الآية 8:14

> ﻿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ [8:14]

وقوله سبحانه : ذلكم فَذُوقُوهُ  \[ الأنفال : ١٣ \]
المُخَاطَبَةُ للكفار، أي ذلكم الضَّرْبُ والقَتْلُ، وما أوقع اللَّه بهم يوم بَدْرٍ، فكأنه قال : الأمر ذلكم فذوقوه، وكذا قرره سيبويه. 
وقال بعضهم : يحتمل أن يكون **«ذلكم »** في موضع نَصْبٍ، كقوله : زيداً فاضربه.

### الآية 8:15

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ [8:15]

وقوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً  \[ الأنفال : ١٥ \]. 
 زَحْفاً  يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي : يزحف بعضهم إِلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الأَلْيَةِ، ثم سمي كل مَاشٍ إلى آخر في الحرب رُوَيْداً زاحفاً، إذ في مشيته من التَّمَاهُلِ والتَّبَاطُؤِ ما في مشي الزاحف، وفي هذا المعنى شواهد من كلام العرب، ونهى اللَّه سبحانه في هذه الآية عن تَوَلِّي الأَدْبَارِ، وهذا مقيد بالشَّريطَةَ المنصوصة في مثلي المؤمنين، والفرار هنالك كَبِيرَةٌ موبقة بظاهر القرآن، والحديث، وإجماع الأكثر من الأمة.

### الآية 8:16

> ﻿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [8:16]

وقوله : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ  \[ الأنفال : ١٦ \]. 
قال جمهور الأمة : الإشارة ب  يَوْمَئِذٍ  إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله : إِذَا لَقِيتُمُ  وحكم الآية باقٍ إِلى يوم القيامة، بشرط الضعف الذي بَيَّنَهُ اللَّه سبحانه. 
( ت ) : قال ابن رشد : وهذا ما لم يبلغ عَدَدُ المسلمين اثني عشر أَلْفاً، فإِن بلغ حرم الفِرَارُ، وإن زاد المشركون على الضعف ( لن تغلب اثنا عشر ألفاً من قِلَّةٍ »، فإن أكثر أهل العِلْمِ خَصَّصُوا بهذا الحديث عُمُومَ الآية، وعن مالك مثله ). انتهى. 
وفهم ( ع ) : الحديث على التَّعَجُّبِ، ذكره عند قوله : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ  التوبة : ٢٥ \]، وما قاله ابنُ رشْدٍ هو الصواب. واللَّه أعلم. 
و مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ  يراد به الذي يَرَى أن فعله ذلك أنْكَى للعدو، ونصبه على الحال، وكذلك نصب  مُتَحَيِّزاً ، وأما الاسْتِثْنَاءُ، فهو من المولين الذين تضمنهم **«من »**. 
والفِئَةُ هنا الجَمَاعَةُ الحاضرة لِلْحَرْبِ، هذا قول الجمهور.

### الآية 8:17

> ﻿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:17]

وقوله سبحانه : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى  \[ الأنفال : ١٧ \]. 
هذه الألفاظ تَرِدُ على من يزعم أن أَفْعَالَ العباد خَلْقٌ لهم، ومذهب أهل السنة أنها خلق للرب سبحانه كسْبٌ للعبد ؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يومئذٍ ثلاث قَبَضَاتٍ من حَصًى وتُرَابٍ، فرمى بها في وجوه القوم، فانهزموا عند آخر رمْيَةِ، ويروى أنه قال يوم بدر :**«شَاهَتِ الوُجُوهُ »** وهذه الفعلة أيضاً كانت يوم **«حُنَيْن »** بلا خلاف. و لِيُبْلِيَ المؤمنين  أي : ليصيبهم ببلاء حَسَنٍ، وظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة، والظفر، والعزة. 
 إِنَّ الله سَمِيعٌ  لاستغاثتكم،  عَلِيمٌ  بوجوه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو.

### الآية 8:18

> ﻿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ [8:18]

وقوله سبحانه : ذلكم  \[ الأنفال : ١٨ \]. 
إشارة إلى ما تقدم من قَتْلِ اللَّه لهم، ورميه إياهم، وموضع  ذلكم  من الإعراب رفع، قال سيبويه : التقدير : الأمر ذلكم، و مُوهِنُ  معناه مضعف مبطل.

### الآية 8:19

> ﻿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [8:19]

وقوله سبحانه : إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفتح  \[ الأنفال : ١٩ \]، قال أكثر المتأولين : هذه الآية مخاطبة لكفار **«مكة »**، روي أن قريشاً لما عَزَمُوا على الخروج إلى حِمَايَةِ العِيرِ، تعلقوا بأستار الكعبة، واستفتحوا، وروي أن أبا جَهْلٍ قال صبيحة يوم بدر :( اللهم انصر أَحَبَّ الفئتين إليك، وأظهر خَيْرَ الدِّينَيْنِ عندك، اللهم أَقْطَعُنَا للرحم فَأَحْنِهِ الغَدَاةَ )، ونحو هذا، فقال اللَّه لهم : إن تطلبوا الفَتْحَ  فقد جاءكم ، أي : كما ترونه عليكم لاَ لَكُمْ، وفي هذا توبيخ لهم، و وإن تنتهوا  عن كفركم وغيكم  فهو خَيْرٌ لكم وإن تعودوا  للاستفتاح،  نَعُدْ  بمثل وَقْعَةِ بدر، وباقي الآية بَيِّنٌ.

### الآية 8:20

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ [8:20]

وقوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ  \[ الأنفال : ٢٠ \]. 
قيل : إنها نزلت بسبب اختلافهم في النَّفْل، ومجادلتهم في الحق، وكراهيتهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم، و تَوَلَّوا  أصله : تتولوا. 
وقوله : وأَنتُمْ تَسْمَعُونَ 
يريد دُعَاءه لكم بالقرآن والمواعظ.

### الآية 8:21

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [8:21]

وقوله : كالذين قَالُوا  \[ الأنفال : ٢١ \] يريد الكفار ؛ إما من قريش لقولهم : سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا  \[ الأنفال : ٣١ \] وإما الكفار على الإطلاق.

### الآية 8:22

> ﻿۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [8:22]

وقوله سبحانه : إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم  \[ الأنفال : ٢٢ \] مَقْصِدُ الآية بيان أن هذه الصنيفة العاتية من الكُفَّارِ هي شَرُّ النَّاسِ عند اللَّه سبحانه وأنها في أخَسِّ المَنَازِلِ لديه، وعبر ب  الدواب  ليتأكد ذمهم، وقوله : الصم البكم  عبارة عما في قلوبهم، وعدم انشراح صدورهم، وإدراك عقولهم.

### الآية 8:23

> ﻿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [8:23]

وقوله : وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ  \[ الأنفال : ٢٣ \]. 
أي سماع هدى، وَتَفَهُّمٍ،  وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ  أي : ولو فهمهم  لَتَوَلَّوا  بحكم القضاء السابق فيهم، ولأعرضوا عما تبين لهم من الهُدَى.

### الآية 8:24

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [8:24]

وقوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُوا استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ  \[ الأنفال : ٢٤ \]
 استجيبوا  بمعنى : أجيبوا وقوله : لِمَا يُحْيِيكُمْ  قال مجاهد والجمهور : المعنى للطاعة، وما يتضمنه القرآن، وهذا إحياء مستعار ؛ لأنه من مَوْتِ الكفر والجهل، والطَّاعَةُ تؤدي إلى الحَيَاةِ الدائمة في الآخرة. 
وقوله سبحانه : واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ  يحتمل وجوهاً، 
منها : أنه لما أمرهم سبحانه بالاستجابة في الطاعة، حضَّهم على المبادرة والاستعجال، وأعلمهم أنَّه يحولُ بين المرء وقَلْبه بالموت والقَبْض، أي : فبادروا الطاعات، ويلتئم مع هذا التأويلِ قوله : وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ  أي : فبادروا الطاعات، وتزوَّدوها ليوم الحَشْر، ومنها : أن يقصد إِعلامهم أن قُدْرة اللَّه وعلْمه وإِحاطته حائلةٌ بين المرء وقلبه، فكأن هذا المعنَى يحضُّ على المراقبة والخَوْفِ للَّه المُطلَّع على الضمائر ؛ حُكِيَ هذا التأويلُ عن قتادة ويحتملُ أن يريد تخويفهم ؛ إِنْ لم يمتثلوا الطَّاعات، ويستجيبوا للَّه وللرَّسول ؛ أَنْ يَحُلَّ بهم ما حل بالكفَّار الذين أرادهم بقوله : وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ  \[ الأنفال : ٢٣ \] ؛ لأن حَتْمهُ عليهم بأنهم لو سَمِعُوا لم ينتفعوا يقتضِي أنه كان قد حال بينهم وبَيْنَ قلوبهم، ومنها : أنْ يكون المعنَى ترجيةً لهم بأنَّ اللَّه يبدِّل الخوف الذي في قلوبهم مِنْ كثرة الَعدُوِّ، فيجعله جراءةً وقوةً، وبضدِّ ذلك للكفَّار، أي : فإِن اللَّه تعالَى هو مقلِّب القلوب ؛ كما كان قسم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل غير هذا، قال مكِّيٌّ، وقال الطبريُّ :( هذا خبر من اللَّه عز وجلَّ ؛ أنه أَمْلَكُ بقلوبِ العباد منهم لها، وأنه يحولُ بينهم وبينها إِذا شاء حتى لا يُدْرِك الإِنسان شيئاً من إِيمان ولا كُفْر، ولا يعي شيئاً، ولا يفهم شيئاً إِلا بإذنه ومشيئته سبحانه، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول في دعائه :( يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي علَى دِينِكَ ) انتهى من **«الهداية »**. 
وروي مالكُ بن أنس والنسائي، أن رَسُولَ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم دَعَا أُبَيَّ بْنُ كَعْب وهو في الصَّلاَة، فَلَمْ يُجِبْهُ، وأَسْرَعَ في بَقِيَّةِ صَلاَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يا أيها الذين آمَنُوا استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ  ؟ \[ الأنفال : ٢٤ \] قال أُبَيٌّ : لاَ جَرَمَ، يا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَدْعُونِي أَبَدَاً إِلاَّ أَجَبْتُكَ ) الحديث بطوله، واختلاف ألفاظه، وفي **«البخاريِّ ومسلم »** ؛ أن ذلك وقع مع أبي سَعِيدِ بن المعلى، وروي أنه وقع نحوه مع حُذَيْفَة بن اليَمَانِ في غزوة الخَنْدَق.

### الآية 8:25

> ﻿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:25]

وقوله : عزَّ وجلَّ : واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً  \[ الأنفال : ٢٥ \]. 
في الآية تأويلاتٌ، أسبقها إِلى النفْسِ، أن اللَّه سبحانه حذَّر جميع المؤمنين من فتنة إِن أصابَتْ لم تخصَّ الظلمة فقطْ، بل تصيبُ الكُلَّ من ظالمٍ وبريءٍ، وهذا تأويلُ الزُّبَيْر بن العَوَّام، والحسنِ البَصْرِيِّ، وكذلك تأويل ابن عباس ؛ فإنه قال : أمر اللَّه المؤمنين في هذه الآية ألاَّ يقروا المُنْكَرَ بين أظهرهم، فيعمَّهم العذاب و  خَاصَّةً  : نعت لمصدرٍ محذوف، تقديره إِصابةً خاصةً، فهي نصب على الحال، وقرأ علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وغيره : لتُصِيبَنَّ  باللام على جواب قسم، والمعنَى على هذا : وعيدٌ للظلمة فقط.

### الآية 8:26

> ﻿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [8:26]

وقوله سبحانه : واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ  \[ الأنفال : ٢٦ \]. 
هذه الآية تتضمَّنِ تعديد نِعَم اللَّه على المؤمنين، و**«إذ »** : ظرفٌ لمعمول، **«واذكروا »** : تقديره : واذكروا حالَكُم الكائنةً، أو الثابتَةَ إذْ أنتم قليل، ولا يجوزُ أنْ تكون ****«إذْ »**** ظرفاً للذِّكْر. 
وإِنما يعمل الذِّكْرُ في ****«إذْ »**** لو قدَّرناها مفعولة، واختلف في الحال المشار إِليها بهذه الآية، فقَالَتْ فرقَةٌ ؛ وهي الأكثر : هي حالُ المؤمنين بمكَّة في وقْتِ بداءةِ الإسلام، والنَّاس الذين يُخَافُ تخطُّفُهم كُفَّار مكَّة، والمأْوَى : المدينةُ، والتأييدُ بالنَّصْر : وَقْعَةُ بَدْرٍ وما انجر معها في وقتها، والطيبات : الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالتْ فرقة : الحال المشارُ إليها هي حالهم في غزوة بَدْرٍ، والناس الذين يُخَافُ تخطُّفهم، على هذا : عسكر مكَّة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتخوَّف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر : هو الإِمداد بالملائكَةِ والتغليبُ على العدو، و الطَّيِّبَات  : الغنيمة.

### الآية 8:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [8:27]

وقوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُوا الله والرسول  \[ الأنفال : ٢٧ \]. 
هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ : التنقُّص للشيءِ باختفاء، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالاً كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه عَزَّ وجل : هي في تنقُّص أو أمره في سِرٍّ. 
وقوله : وَتَخُونُوا أماناتكم . قال الطبريُّ : يحتمل أن يكون داخلاً في النهيْ ؛ كأنه قال : لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى : لا تخونوا اللَّه والرسول ؛ فذلك خيانةٌ لأماناتكم.

### الآية 8:28

> ﻿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [8:28]

وقوله : فِتْنَةٌ \[ الأنفال : ٢٨ \] يريد محنةً واختبارا وامتحانا ؛ ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك. 
وقوله : وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، يريد : فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه ؛ للحيطة على أموالكم وأبنائكم ؛ فإِن المذخور للآخرة أعظمُ أجراً.

### الآية 8:29

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [8:29]

قوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُوا إِن تَتَّقُوا الله. . .  \[ الأنفال : ٢٩ \]. 
وعْدٌ للمؤمنين بشرط التقوى والطاعةِ للَّه سبحانَهُ، و يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا  معناه : فرْقاً بين حقِّكم، وباطل مَنْ ينازعكم ؛ بالنصْر والتأييد، وعبَّر قتادة، وبعضُ المفسِّرين عن **«الفُرْقَان »** ههنا بالنجاةِ، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ :" معناه مَخْرَجاً "، ونحو هذا مما يعمه ما ذكَرْناه، وقد يوجَدُ للعرب استعمال **«الفرقان »**، كما ذكر المفسِّرون ؛ وعلى ذلك شواهد ؛ منها قول الشاعر :\[ الطويل \]

وَكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي  وَمَا ليَ مِنْ كَأْسِ المَنيِّةِ فُرْقَانُ( ت ) : قال ابن رُشْد :( وأَحْسَنُ ما قيلَ في هذا المعنى قوله تعالى : يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا  ؛ أي : فَصْلاً بين الحق والباطل ؛ حتى يعرفوا ذلك بقلوبهم، ويهتدوا إِليه. انتهى من **«البيان »**.

### الآية 8:30

> ﻿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [8:30]

وقوله سبحانه : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُوا  \[ الأنفال : ٣٠ \]. 
تذكيرٌ بحال مكَّة وضيقها مع الكفرة، وجميل صُنْع اللَّه تعالى في جميع ذلك، والمَكْرُ : المخاتلة والتداهي ؛ تقول : فلانٌ يَمْكُرُ بفلان ؛ إِذا كان يستدرجه، وهذا المكر الذي ذكر اللَّه تعالى في هذه الآية هو بإِجماع من المفسِّرين : إِشارةٌ إِلى اجتماع قُرَيْش في **«دار النَّدْوَةِ »** بمحْضَر إِبْليسَ في صورة شيخٍ نَجْدِيٍّ على ما نصَّ ابن إِسحاق في **«سِيَرِهِ »** الحديثَ بطوله، وهو الذي كان خُرُوجُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بَعْدَ مَوْت أبي طالب، ففي القصَّة : أن أبا جهْلٍ قال :( الرأْيُ أنْ نأخذ من كل بطنٍ في قريشٍ فَتًى قويًّا جَلْدياً، فيجتمعون ثم يأخُذ كُلُّ واحد منهم سيفاً، ويأتون محمداً في مَضْجَعه، فيضربونه ضَرْبةَ رجُلٍ واحدٍ، فلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ على قِتالِ قُرَيْشَ بأسرها، فيأخذون العَقْلَ، ونستريحُ منه )، فقال النَّجْدِيُّ : صدق الفَتَى ؛ هذا الرأيُ : لاَ رَأْيَ غيره )، فافترقوا عَلَى ذلك، فأخبر اللَّه تعالَى بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وأذن له في الخُرُوجِ إِلى المدينة، فخرج رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من ليلته، وقال لعليِّ بنْ أَبي طالب :( التف في بُرْدِيَ الحَضْرَمِيِّ، واضطجع فِي مَضْجَعِي ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ شَيْء ) فَفَعَل، فجاءَ فتْيَانُ قُرَيْشٍ، فجعلوا يرصُدُون الشخْصَ، وينتظرون قيامه، فيثورون به، فلما قام رَأَوْا عَلِيًّا، فقالوا له : أيْنَ صَاحِبُكَ ؟ فقال : لا أدْرِي، وفي **«السِّيَر »** ؛ أن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَيْهِم، وهُمْ في طريقه، فطَمَسَ اللَّه أعينهم عَنْه، وجعل عَلَى رأس كلِّ واحد منهم تراباً، ومضَى لوجهه، فجاءهم رجُلٌ، فقال : مَا تَنْتَظِرُونَ ؟ قَالُوا : محمَّداً، قال : إِنِّي رأَيْتُهُ الآن جائياً من ناحيتكم، وهو لا مَحَالَة، وضَعَ الترابَ علَى رؤوسكم، فَمَدّ كلُّ واحدٍ يده إِلى رَأْسِهِ، فإِذا عليه الترابُ، وجاؤوا إلى مضجعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجدوا عَلِيًّا، فركبوا وراءه حينئذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، وهو بالغارِ، ومعنى : لِيُثْبِتُوكَ  : لِيَسْجُنُوكَ ؛ قاله عطاء وغيره وقال ابنُ عَبَّاس وغيره : ليُوثِقُوكَ.

### الآية 8:31

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [8:31]

وقوله سبحانه : وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آياتنا  \[ الأنفال : ٣١ \]. 
يعني : القرآن،  قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ، وقولهم : إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين ، أي : قَصَصُهُمُ المَكْتُوبةُ المسْطُورة، وأساطيرُ : جمع **«أُسْطُورَةٍ »**، ويحتملُ جمع :**«أَسْطَار »**، وتواترتِ الرواياتُ عن ابنِ جُرَيْج وغيره : أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بنُ الحارِثِ ؛ وذلك أنه كان كَثِيرَ السَّفَرِ إِلى فَارسَ والحِيرَة، فكان قد سَمِعَ من قصص الرهبان وأخبار رُسْتُم وإسْفِنْديَار، فلما سمع القرآن، ورأى فيه أخبار الأنبياء والأمم، قال : لو شئت لقلْتُ مثْلَ هذا، وكان النضْرُ من مَرَدةِ قريشٍ النائلين من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونزلَتْ فيه آيات كثيرة من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وأمْكَنَ اللَّه منْهُ يَوْمَ بدر، وقتله رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَبْراً بالصَّفْرَاء مُنْصَرَفَهُ من بَدْرٍ في موضعٍ يقال له **«الأَثيل »**، وكان أَسَرَهُ المِقْدادُ، فلما أمر رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بضرب عُنْقِهِ، قال المقداد : أَسِيرِي، يا رَسُولَ اللَّهِ ! فقال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم **« إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ في كِتَابِ اللَّهِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ »**، ثُمَّ أَعَادَ الأَمْرَ بِقَتْلِهِ، فَأَعَادَ المِقْدَادُ مَقَالَتَهَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( اللَّهُمَّ، أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ )، فَقَالَ المِقْدَادُ : هَذَا الَّذِي أَرَدتُّ، فَضُرِبَتْ عُنُقُ النَّضْر.

### الآية 8:32

> ﻿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [8:32]

وقوله عز وجل : وَإِذْ قَالُوا اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ  \[ الأنفال : ٣٢ \]. 
رُوِيَ عن مجاهدٍ وغيره : أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بْنُ الحَارثِ المذكورُ، وفيه نزلَتْ هذه الآية. 
قال ( ع ) :" وترتَّب أن يقول النَّضْرُ مقالَةً، وينسبها القُرآن إِلى جميعهم ؛ لأن النضر كان فيهم موسُوماً بالنُّبْل والفَهْم، مسكوناً إِلى قوله، فكان إِذا قال قولاً قاله منهم كثيرٌ، واتبعوه عليه ؛ حَسَب ما يفعله الناسُ أبداً بعلمائهم وفقهائهم ). 
( ت ) : وخرَّج البخاريُّ بسنده، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال : قَالَ أَبو جَهْلٍ :( اللَّهُمَّ إِن كان هذا هُوَ الحَقَّ من عندكْ، فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم )، فنزلَتْ : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  \[ الأنفال : ٣٣ \] إِلى  عَنِ المسجد الحرام  \[ الأنفال : ٣٤ \]أه. والمشار إِليه ب  هذا  هو القرآن وشَرْعُ محمَّد صلى الله عليه وسلم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحَسَدُ، فعَمِيَتْ بصائرهم عن الهدَى، وصَمَّموا على أنَّ هذا ليس بحقٍّ، نعوذ باللَّه من جَهْدِ البلاءِ، وسُوء القضاء، وحكى ابن فُورَكَ : أن هذه المقالة خرجَتْ منهم مَخْرَجَ العنادِ، وهذا بعيدٌ في التأويل، ولا يقولُ هذا على جهة العناد عاقلٌ، وقراءةُ الناسِ إِنما هي بنَصْب **«الحق »** ؛ على أنه خَبَرَ **«كان »**، ويكون **«هو »** فَصلاً، فهو حينئذٍ اسم، و**«أمْطِرْ »** إِنما تستَعْملُ غالباً في المكروه، و**«مَطَرَ »** في الرحمة ؛ قاله أبو عُبَيْدة.

### الآية 8:33

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [8:33]

وقوله سبحانه : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  \[ الأنفال : ٣٣ \] قالَتْ فرقة : نزلَتْ هذه الآية كلُّها بمكَّة، وقالت فرقة : نزلَتْ كلُّها بعد وقعة بَدْرٍ، حكاية عما مضَى، وقال ابْنُ أَبْزَى : نَزَلَ قوله : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  بمكَّة إِثر قولهم : أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، ونزل قوله : وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، عند خروج النبيِّ صلى الله عليه وسلم من مكَّة في طريقه إِلى المدينة، وقد بقي بمكَّة مؤمنون يستغفرون، ونَزَلَ قوله : وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله  \[ الأنفال : ٣٤ \] إلى آخر الآية، بعد بَدْر عند ظهور العَذَاب عليهم. 
( ت ) : وهذا التأويل بَيِّن، وعليه اعتمد عِيَاضٌ في **«الشِّفَا »** قال : وفي الآية تأويلٌ آخر، ثم ذكَرَ حديث التِّرْمِذيِّ، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتي : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ  \[ الأنفال : ٣٣ \] فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمْ الاستغفار )، انتهى. 
قال ( ع ) : وأجمعَ المتأوِّلون عَلى أن معنى قوله : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  أن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يعذِّب قطُّ أُمةً ونبيُّها بَيْنَ أظهرها، أي : فما كان اللَّه ليعذِّب هذه الأمة، وأنْتَ فيهم، بل كرامَتُكَ لديه أعظَمُ.

### الآية 8:34

> ﻿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [8:34]

وقوله عز وجل : وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله  \[ الأنفال : ٣٤ \]. 
تُوعُّد بعذاب الدنيا، والضميرُ في قوله : أَوْلِيَاؤُهُ  عائدٌ على  اللَّه  سبحانه، أو على  المسجدِ الحرامِ ، كلُّ ذلك جيِّد، ورُوِيَ الأخير عن الحسن، وقال الطبريُّ : عن الحسنِ بْنِ أَبي الحسنِ أن قوله سبحانه : وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله  ناسخ لقوله : وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ  \[ الأنفال : ٣٣ \]. 
قال ( ع ) : وفيه نظر ؛ لأنه خبر لا يدخلُهُ نَسْخٌ.

### الآية 8:35

> ﻿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [8:35]

وقوله سبحانه : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً  \[ الأنفال : ٣٥ \]. 
المُكَاء : الصَّفير ؛ قاله ابن عباس والجمهورُ، والتصدية : عبَّر عنها أكْثَرُ النَّاس ؛ بأنها التصفيقُ، وذهب أكثر المفسِّرين إِلى أَن المُكَاء والتَّصْدية إِنَّما أحدثهما الكُفَّار عند مبعث النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِتَقْطَعَ عليه وعلى المؤمنين قراءَتَهم وصلاتَهم، وتخلطَ عليهم، فلما نفى اللَّه تعالى وِلاَيتهم للبَيْت، أمْكَنَ أن يعترض منهم معترضٌ بأنْ يقول : وكيف لا نَكُونُ أولياءه، ونحن نَسْكُنُهُ، ونصلِّي عنده ؛ فقطع سبحانه هذا الاعتراض بأنْ قال : وما كان صلاتهم عند البيت إِلا مكاءً وتَّصْدية . 
قال ( ع ) : والذي مَرَّ بي من أمر العرب في غير ما دِيوَان أنَّ المكاء والتصدية كانا مِنْ فعل العرب قديماً قبل الإِسلام علَى جهة التقرُّب به والتشرُّع ؛ وعلَى هذا يستقيم تغييرُهُم وتنقُّصهم بأَن شرعهم وصلاتهم لم تَكُنْ رهبةً ولا رغبةً، وإِنما كانَتْ مكاءً وتصديةً من نوع اللعب، ولكنَّهم كانوا يتزيَّدون فيهما وقْتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصَّلاة. 
وقوله سبحانه : فَذُوقُواْ العذاب ، إِشارةٌ إِلى عذابهم ببَدْرٍ بالسيف ؛ قاله الحسن وغيره : فيلزم أن هذه الآية الآخِرَةَ نزلَتْ بعد بَدْرٍ، ولا بدَّ. 
قال ( ع ) : والأشبه أنَّ الكلَّ نزل بعد بَدْرٍ ؛ حكايةً عما مضَى.

### الآية 8:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [8:36]

وقوله سبحانه : إِنَّ الذين كَفَرُوا يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ الله  \[ الأنفال : ٣٦ \]. 
لما قُتِلَ من قُتِلَ ببدر، اجتمع أبناؤهم وقراباتهم، فقالوا لِمَنْ خَلُصَ ماله في العِيرِ : إِن محمَّداً قد نال منَّا ما تَرَوْنَ، ولكنْ أعينونا بهذا المال الذي كانت سَبَبَ الوَقعَةِ، فلعلَّنا أنْ ننال منه ثأراً، يريدون نفقته في غَزْوَةَ أَحُدٍ. 
وقوله سبحانه : فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ  الحَسْرة : التلهُّف على فائتٍ، وهذا من أخبار القرآن بالغيوب قبل أن تكون، فكان كما أخبر، ثم أخبر سبحانه عن الكافرين، وأنهم يُجْمَعُونَ إِلى جهنَّم، والحَشْر الجمع.

### الآية 8:37

> ﻿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [8:37]

وقوله سبحانه : لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب  \[ الأنفال : ٣٧ \]. 
وقرأ حمزة والكسائيُّ :**«لِيُمَيِّزَ اللَّهُ »** بضم الياءِ، وفتحِ الميم، وشدِّ الياء، قال ابن عباس وغيره : المعنى ب  الخبيث  : الكفَّارُ، وب  الطيب  المؤمنون، وقال ابْنُ سَلاَّم والزَّجَّاج : الخبيث  : ما أنفقه المشركون في الصَّدِّ عن سبيل اللَّه، و الطيب  : هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل اللَّهِ. 
قال ( ع ) : رُوِيَ عن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَنَّ اللَّه سبحانه يُخْرِجُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَالِ مَا كَانَ صَدَقَةً أَوْ قُرْبَةً، ثُمَّ يأْمُرُ بِسَائِرِ ذَلِكَ، فيلقى فِي النَّارِ ) وعلى التأويلين : فقوله سبحانه : وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً  إِنما هي عبارةٌ عن جَمْع ذلك، وضَمه، وتأليف أشتاته، وتكاثُفِه بالاجتماع، ويَرْكُمُهُ ؛ في كلام العرب : يُكَثِّفه ؛ ومنه  سَحَابٌ مَّرْكُومٌ  \[ الطور : ٤٤ \] وعبارة البخاريِّ : فيركمه : فَيَجْمَعه. انتهى.

### الآية 8:38

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [8:38]

وقوله سبحانه : إِن يَنتَهُوا  \[ الأنفال : ٣٨ \] يعني : عن الكفر  يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ  لأن الإِسلام يجُبُّ ما قبله، و إِن يَعُودُوا ، يريدُ بِهِ : إِلى القِتَالِ، ولا يصحُّ أن يُتَأَوَّل : وإن يعودوا إِلى الكُفْرِ ؛ لأنهم لم ينفصلوا عنه. 
وقوله : فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأولين  عبارةٌ تجمَعُ الوعيدَ والتهديدَ والتمثيلَ بمَنْ هَلَكَ من الأمم في سالف الدَّهْرِ بعذاب اللَّه ؛ حين صدَّ في وَجْهِ نبيِّه بمَنْ هلك في يَوْمِ بَدْرٍ بسيف الإسلام.

### الآية 8:39

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [8:39]

وقوله سبحانه : وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  \[ الأنفال : ٣٩ \]. 
قال ابنُ عباس، وابن عمر، وغيرهما : الفِتْنَةُ : الشِّرْكُ. 
قال ( ع ) : وهذا هو الظاهر، ويفسِّر هذه الآيةَ قولُه صلى الله عليه وسلم :( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لاَ إله إِلاَّ اللَّه ) الحديث، 
وقال ابن إِسحاق :( معناها : حتَّى لا يفتن أحَدٌ عن دينهِ ؛ كما كانت قريشٌ تَفْعَلُ بمكَّة بمن أَسْلَمَ ). 
وقوله : وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ ، أيْ : لا يُشْرَكَ معه صَنَمٌ، ولا وَثَنٌ، ولا يُعْبَدَ غيرُهُ سبحانه، ثم قال تعالَى : فَإِنِ انْتَهَوْا ، عن الكفر،  فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  بِعَمَلِهم، مُجَازٍ عليه، عنده ثوابه، وجميلُ المقارضة عليه.

### الآية 8:40

> ﻿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ [8:40]

وقوله سبحانه : وَإِن تَوَلَّوْا فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير  \[ الأنفال : ٤٠ \]. 
معادلٌ لقوله : فَإِنِ انْتَهَوْا ، المعنى : وإِن تولَّوا، ولم ينتهوا، فاعلموا أن اللَّه تعالَى ينصُرُكُمْ عليهم، وهذا وعدٌ مَحْضٌ بالنصْرِ والظَّفرِ، و المولى  ؛ هاهنا الموالى والمُعِينُ، والمَوْلَى في اللغة على معانٍ، هذا هو الذي يليقُ بهذا الموضعِ منها، والمَوْلَىَ : الذي هو السيِّد المقترنُ بالعَبْدِ يعمُّ المؤمنين والمشركين.

### الآية 8:41

> ﻿۞ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [8:41]

وقوله عزّ وجل : واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ  \[ الأنفال : ٤١ \] الغنيمةُ ؛ في اللغة : ما يناله الرجلُ بسَعْيٍ ؛ ومنه صلى الله عليه وسلم :( الصِّيَامُ في الشِّتَاءِ ( هِيَ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ )، وقوله : مِّن شَيْءٍ  : ظاهرة العمومُ، ومعناه الخصوصُ، فأَمَّا النَّاضُّ والمتاعُ والأطفال والنساء وما لا يؤكل \[ لحمه \] من الحيوان ويَصِحُّ تملُّكه، فالإِمام يأخذ خُمْسُهُ، ويَقْسِمُ الباقي في الجيش، وأما الأرضُ، فقال فيها مالكٌ : يقسمها الإِمام ؛ إِن رأى ذلك صواباً ؛ كما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِخَيْبَرَ، أَوْ لاَ يَقْسِمُها، بل يتركها لنوائب المسلمينَ ؛ إن أداه اجتهاده إلى ذلك ؛ كما فعل عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه عنه بِأَرْضِ مِصْرِ وبسَوَادِ الكَوفة، وأمَّا الرجالُ، ومَنْ شارف البُلُوغ من الصِّبْيان، فالإِمام ؛ عند مالك وجمهور العلماء، مُخَيَّرٌ فيهم علَى خمسة أوجه : منها : القتل، وهو مستَحْسَنٌ في أهْل الشجاعة والنِّكَاية. ومنها : الفداءُ، وهو مستحسنٌ في ذي المَنْصب الذي ليس بشُجَاع ولا يُخَاف منه رأْي ومَكِيدَة ؛ لانتفاع المسلمين بالمَال الذي يؤخَذُ منه. ومنها المَنُّ، وهو مستحْسَنٌ فيمن يرجى أنْ يحنو على أَسْرَى المسلمين، ونحو ذلك من القرائن. ومنها الاسترقاق. ومنها ضَرْبُ الجزية، والتَّرْكُ، في الذِّمَّة. وأما الطعام، والغَنَمْ، ونَحْوَها ممَّا يؤكل، فهو مباحٌ في بلد العدو أكله، وما فَضَل منه كان في المَغْنَم. ومحلُّ استيعاب فُرُوعِ هذا الفَصْل كُتُب الفقه. 
وقوله سبحانه : وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا ، أي من النصرَ والظهور الذي أنزله اللَّه سبحانه يَوْمَ بَدْر، ويحتمل أن تكون الإِشارة إِلى قرآن نزَلَ يوْمَ بدر، أو في قصَّة يوم بَدْر، ويوم الفُرْقَان : معناه يَوْمُ الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل ؛ بإِعزاز الإِسلام وإِذلالِ الشرك، والجَمْعَانِ : يريد : جَمْعَ المسلمين وَجَمْعَ الكُفَّار، وهو يوم بَدْر، ولا خلاف في ذلك. 
وقوله سبحانه : والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، يَعْضُدُ أَنَّ قوله : وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا ، يراد به النصْرُ والظَّفْر، أي : الآيات والعظائم مِنْ غلبة القليلِ للكثيرِ، وذلك بقدرة اللَّه عَزَّ وجَلَّ الذي هو عَلَى كلِّ شيء قدير.

### الآية 8:42

> ﻿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:42]

وقوله سبحانه : إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ  \[ الأنفال : ٤٢ \]. 
العُدْوَة : شفيرُ الوادِي، وحَرْفُهُ الذي يتعذَّرُ المَشْيُ فيه بمنزلة رَجَا البئْر ؛ لأنها عَدَتْ ما في الوادِي من ماء ونحوه ؛ أن يتجاوز الوادِيَ، أي : منعته ؛ ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]

عَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِكِ العَوَادِي  وَحَالَتْ دُونَهَا حَرْبٌ زَبُونوقرأ ابنُ كَثِير، وأبو عمرو : بِالعِدْوَة  بِكَسْرِ العين، وقوله : الدنيا ، و القصوى ، إِنَّما هو بالإِضافة إِلى المدينة، وبين المدينة ووادِي بَدْر موضعُ الوقعة مَرْحَلتان، و الدُّنْيَا  : من الدُّنُوِّ، و القصوى  : منِ القُصُوِّ، وهو البُعْد،  والركب ، بإِجماعٍ من المفسِّرين : عِيرُ أبي سفيان، وقوله : أَسْفَلَ ، في موضع خَفْض، تقديره : في مكان أَسْفَلَ كَذَا. 
قال سِيبَوَيْهِ : وكان الرَّكْبُ، ومُدَبِّر أمره أبو سفيانَ بْنُ حَرْب، قد نَكَبَ عن بَدْر حين نَذَرَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأخَذَ سيْفَ البَحْرِ، فهو أَسْفَلُ ؛ بالإِضافة إِلى أَعلى الوَادِي. 
وقوله سبحانه : وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد ، المَقْصدُ من الآية : تَبْيينُ نعمة اللَّه سُبْحانه في شأنِ قِصَّة بَدْر، وتيسيره سُبْحانه ما يَسَّر من ذلك، والمَعنَى : لو تواعدتم، لاختلفتم في الميعادِ بَسَببِ العوارِضِ التي تَعْرضُ للناس، إِلاَّ مع تيسير اللَّه الذي تَممَّ ذلك، وهذا كما تقولُ لصاحبك في أمْر سَنَاهُ اللَّه تعالى دونَ تَعَبٍ كثير : لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا، وسَعَيْنَا فِيهِ، لَمْ يَتِمَّ هَكَذَا، ولكن  لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ، أي : لينفِّذَ ويُظْهِر أمراً قد قدَّره في الأزل مفعولاً لكم ؛ بشرط وجودكم في وَقْتِ وجودِكُمْ، وهذا كلُّه معلومٌ عنده عزَّ وجلَّ لم يتجدَّد له به علْمٌ، وقوله عزَّ وجلَّ : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ، قال الطبريُّ : المَعنى : ليُقْتَلَ من قُتِلَ من كفَّار قريش وغيرهم ؛ ببيانٍ مِنَ اللَّه وإِعذارٍ بالرسالة، ويَحْيَ أيضاً ويعيشَ مَنْ عاش ؛ عن بيانٍ منْه أيضاً وإِعذار ؛ لا حجة لأحد عليه سبحانه. 
( ت ) : قال أبو عمر بنُ عَبْدِ البَرِّ في كتاب **«فضل العلْمِ »** في قوله عز وجلَّ : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ  الآية : البيِّنة : ما بان به الحقُّ. انتهى. 
وقال ابنُ إِسْحَاق وغيره : معنى **«لِيَهْلِكَ »** أيْ : لِيَكْفُرَ و يَحْيَا  أي : ليؤمنَ ؛ فالحياةُ والهلاكُ على هذا التأويل : مستعارتان.

### الآية 8:43

> ﻿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [8:43]

وقوله سبحانه : إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً  \[ الأنفال : ٤٣ \]. وتظاهرتِ الرواياتُ ؛ أن هذه الآية نزلَتْ في رُؤْيَا رآها رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رأى فيها عَدَدَ الكُفَّار قليلاً، فأَخبر بذلك أصحابه، فقَوِيَتْ نفوسُهم، وحَرِصُوا على اللقاء ؛ قاله مجاهد وغيره، والظاهر أنه رآهم صلى الله عليه وسلم في نومه قليلاً قَدْرُهُم وبأْسُهم، ويحتمل أنه رآهم قليلاً عدَدُهم، فكان تأويلُ رؤياه انهزامهم، والفَشَلُ : الخَوَرُ عن الأمر، و لَتَنَازَعْتُمْ ، أي : لتخالَفْتم في الأمر، يريد : في اللقاءِ والحَرْبِ. و سَلَّمٌ  : لفظ يعمُّ كلَّ متخوَّف.

### الآية 8:44

> ﻿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [8:44]

وقوله سبحانه : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم  \[ الأنفال : ٤٤ \]. 
وهذه الرؤية هي في اليقظة بإِجماع، وهي الرؤية التي كانَتْ حين التقوا، ووقعتِ العَيْنُ على العين، والمعنَى : أن اللَّه تعالَى ؛ لَمَا أراده من إِنفاذ قضائه في نُصْرة الإِسلام وإِظهار دِينِهِ، قَلَّلَ كُلَّ طائفةٍ في عُيُونِ الأخرَى، فوقع الخَلَلُ في التخمينِ، والحَزْرِ الذي يستعمله الناسُ في هذا ؛ لتَجْسُرَ كلُّ طائفة على الأخرَى، وتتسبَّب أسبابُ الحَرْب، والأمر المفعولُ المذكورُ في الآيتين هو القصَّة بأجمعها. 
وقوله : وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور  تنبيهٌ علَى أن الحَوْلَ بأجمعه للَّه، وأنَّ كلَّ أمّرٍ، فَلهُ وإِليه.

### الآية 8:45

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [8:45]

وقوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تنازعوا  \[ الأنفال : ٤٥ و٤٦ \]. 
هذا أَمْرٌ من اللَّه سبحانه بما فيه داعيةُ النَّصْر، وسبَبُ العزِّ، وهي وصيَّة منه سبحانه بِحَسَبِ التقْييد الذي في آية الضَّعْفِ، والفِئَةُ الجماعة، أصلها :**«فِئَوَة »**، وهي مِنْ :**«فأَوْتُ »**، أي : جمعتُ، ثم أمر سبحانه بإِكثار ذكْره هنالك ؛ إِذ هو عصمةُ المستنجد، وَوَزَرُ المستعين، قال قتادة : افترض اللَّه ذِكْرَهُ عند أشغل ما يكونُ ؛ عنْدَ الضرِّاب والسُّيوف. 
قال ( ع ) : وهذا ذِكْرٌ خفيٌّ ؛ لأن رَفْعَ الصَّوْت في موطن القتَال رديءٌ مكروهٌ ؛ إِذا كان إلغاطاً، فأما إِن كان من الجميعِ عند الحَمْلة، فَحَسَنٌ فَاتٌّ في عَضُد العَدُوِّ ؛ قال قيسُ بْنُ عُبَادٍ : كان أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يكرهُونَ الصَّوْت عند ثلاثٍ ؛ عند قراءة القُرآن، وعند الجنازة، وعنْدَ القتال، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( اطلبوا إِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ القِتَالِ، وإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، ونُزُولِ الغَيْثِ ). 
وقال ابن عباس : يُكْرَه التلثُّم عنْدَ القتالِ. قال النَّوويُّ : وسُئِلَ الشيخُ أبو عَمْرِو بْنُ الصَّلاَحِ، عن القَدْرِ الذي يصيرُ به المرء من الذَّاكرين اللَّهَ كثيراً، فقال : إِذا واظب على الأَذْكَارِ المأثورة المُثْبَتَةِ صباحاً ومساءً، وفي الأوقاتِ والأحوال المختلفة ؛ ليلاً ونهاراً وهي مبيَّنةٌ في كتب **«عمل اليوم والليلة »** كان من الذاكرين اللَّه كثيراً ؛ واللَّه سبحانه أعلم. انتهى من **«الحلية »**. 
( ت ) : وأَحْسَنُ من هذا جوابُهُ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ :( سَبَقَ المُفْرِّدُون قَالُوا :**«وَمَا المُفَرِّدُونَ، يا رَسُولَ اللَّه ؟ قَالَ : الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتُ )، رواه مسلمٌ، والترمذيُّ، وعنده : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا المُفَرِّدُونَ ؟ قَالَ :( المُسْتَهْتِرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ ؛ يَضَعُ عَنْهُمُ الذِّكْرُ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ خِفَافاً ) قال صاحب «سلاح المؤمن »** : المستَهْتِرُونَ في ذكْر اللَّهِ، هو بفتح التاءَيْنِ المُثَنَّاتَيْنِ يعني : الذي أُولِعُوا به ؛ يقال : استهتر فُلانٌ بكذا، أي : أَولِعَ به، واللَّه أعلم. انتهى. 
فقَد بيَّن صلى الله عليه وسلم هنا صفةَ الذاكرين اللَّه كثيراً، وقد نقلنا في غير هذا المَحَلِّ بيانَ صفةَ الذاكرين اللَّه كثيراً، بنحو هذا مِنْ طريق ابن المبارك، وإِذا كان العبد مُسْتَهْتِراً بِذِكْرِ مولاه، أَنِسَ به، وأَحبَّه، وأحبَّ لقاءه ؛ فلم يبال بلقاءِ العَدُوِّ، وإِن هي إِلا إِحدى الحسنيين : إِما النصْرُ ؛ وهو الأغلب لمن هذه صفته، أو الشهادةُ ؛ وذلك مناه، ومطلبه. انتهى. 
و تُفْلِحُونَ  تنالون بغيتكم، وتنالون آمالكم.

### الآية 8:46

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [8:46]

والجمهور علَى أن الرِّيحَ هنا مستعارةٌ. قال مجاهد : الرِّيح : النصْرُ والقوةُ، وذَهَب رِيحُ أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم حينَ نازعُوه يَوْمَ أحد، وقوله سبحانه : واصبروا  إلى آخر الآية : تتميمٌ في الوصية وِعدَةٌ مُؤْنِسَة.

### الآية 8:47

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [8:47]

وقوله سبحانه : وَلاَ تَكُونُوا كالذين خَرَجُوا مِن ديارهم  \[ الأنفال : ٤٧ \]. 
الإشارة إِلى كفار قريش، والبَطَر : الأَشَر، وغَمْطُ النِّعْمة، ورُوِيَ أن أبا سفيان، لمَّا أحرز عِيَره، بعث إِلى قريش، وقال : إِن اللَّه قد سَلَّم عِيركُمْ، فارجعوا، فأتَى رأْي الجماعةِ علَى ذلك، وخالَفَ أبو جَهْل، وقال : واللَّهِ، لاَ نَفْعَلُ حَتَّى نَأْتيَ بَدْراً، وكانَتْ بَدْرٌ سُوقاً من أسواقِ العَرَبِ لها يومُ موسمٍ، فننحَرُ عليها الإِبلَ، ونَشْرَب الخمر، وتَعْزِفُ علينا القِيَانُ، وتسمع بنا العربُ، ويَهَابُنا النَّاسُ، فهذا معنى قوله تعالى : وَرِئَاءَ الناس .

### الآية 8:48

> ﻿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:48]

وقوله سبحانه : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس  \[ الأنفال : ٤٨ \]. 
الضمير في  لَهُمْ  عائدٌ على الكُفَّار، و الشيطان  : إبليس نفْسُه، والذي عليه الجمهورُ، وتظاهرَتْ به الرواياتُ أن إبْلِيسَ جاء كُفَّار قريشٍ، ففي **«السِّيَر »** لابن هشامٍ : أنه جاءهم بمكَّة، وفي غيرها : أنَّه جاءهم، وهُمْ في طريقهم إِلى بَدْرٍ، وقد لحقهم خَوْفٌ من بني بَكْر وكِنَانَةَ ؛ لحروبٍ كانَتْ بينهم، فجاءهم إِبليس في صورة سُرَاقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُم، وهو سيِّد مِنْ ساداتهم، فقال لهم : إِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ، ولن تخافوا من قومي، وهم لكُمْ أعوانٌ على مَقْصِدِكم، ولَنْ يغلبكم أحدٌ، فروي أنه لما التقى الجمعانِ، كانَتُ يده في يدِ الحَارِثِ بن هشام، فلما رأَى الملائكَةَ، نَكَصَ، فقال له الحارثُ : أَتَفِرُّ يا سُرَاقَةُ ؟ ! فلم يَلْو عَليه، ويروى أَنه قال له ما تضمَّنته الآيةُ، وروي أن عُمَيْرَ بْنَ وهبٍ، أو الحارثِ بْنَ هشامٍ قال له : أَيْنَ يا سُرَاقُة ؟ فلم يَلْوِ مِثْلَ عَدُوِّ اللَّه، فذهبَ، ووقعتِ الهزيمة، فتحدَّثوا أنَّ سُرَاقَةَ فَرَّ بالنَّاسِ، فبلغ ذلك سُرَاقَةَ بْنَ مالك، فأتى مكَّة، فقال لهم : واللَّه، ما عَلِمْتُ بشيء منْ أمركم حتى بَلَغَتْني هزيمَتُكُمْ، ولا رأْيْتُكُم، ولا كُنْتُ معكم. 
( ت ) : قال ابنُ إسحاق : ذكر لي أنهم كانوا يرونه في كلِّ مَنْزِلٍ في صُورَة سُرَاقَة لا يُنْكِرُونه حتَّى إِذا كان يَوْمُ بَدْر، والتقى الجمعان، نكَصَ عدوُّ اللَّه على عَقِبَيْه، فأوردهم ثُمَّ أَسلمهم. انتهى من **«السيرة »** لابن هشام. 
وقوله : وإِنِّي جَارٌ لَكُمْ  أي : أنتم في ذمَّتي وحِمَائي، و**«تراءت »** : تفاعلَتْ من الرؤية، أي : رأى هؤلاءِ هؤلاءِ. 
قوله : نَكَصَ على عَقِبَيْهِ  أي : رَجَعَ من حيث جاء، وأصْل النُّكُوص ؛ في اللغة : الرجوعُ القَهْقَرَى. 
وقوله : إِنِّي أرى مَا لاَ تَرَوْنَ ، يريد : الملائكةَ، وهو الخبيثُ، إِنما شرط إنما لاَ غَالِبَ لهم من الناس، فلما رأَى الملائكة، وخَرْقَ العادةِ، خَافَ وَفَرَّ. 
وقوله : إِنِّي أَخَافُ الله ، قال الزَّجَّاج وغيره : خافَ ممَّا رأَى مِنَ الأمر، وهَوْلِهِ ؛ أنَّه يومُهُ الذي أُنْظِرَ إِليه ؛ ويقوِّي هذا أَنه رأَى خَرْقَ العادةِ، ونزولَ الملائكةِ للحَرْب.

### الآية 8:49

> ﻿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:49]

وقوله سبحانه : إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ  \[ الأنفال : ٤٩ \]. 
قال المفسرون : إِن هؤلاء الموصوفين بالنِّفاق، إِنما هُمْ من أهْل عَسْكر الكُفَّار ممَّن كان الإِسلام دَاخِلَ قلوبهم، خَرَجُوا مع المُشْركين إِلَى بَدْرٍ، منهم مُكرَهٌ وغيرُ مُكْرَهٍ، فلما أشرفوا على المسلمينَ، ورأَوْا قلَّتهم، ارتابوا، وقالُوا مشيرين إِلى المسلمين : غَرَّ هؤلاءِ دينُهُمْ. 
قال ( ع ) : ولم يُذْكَرْ أحدٌ ممَّن شهد بدراً بنفاقٍ إِلا ما ظَهَرَ بعْدَ ذلك من مُعَتِّب ابن قُشَيْرٍ ؛ فإِنه القائل يَوْمَ أحُدٍ : لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا  \[ آل عمران : ١٥٤ \] وقد يحتمل أنْ يكون منافقو المدينة، لما وَصَلَهم خروجُ قريشٍ في قوَّة عظيمةٍ، قالوا هذه المقالةَ، ثم أخبر اللَّه سبحانه بأنَّ مَنْ توكَّل عليه، وفوَّض أمره إليه، فإِن عزَّته سبحانه وحِكْمته كفيلةٌ بنَصْره.

### الآية 8:50

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [8:50]

وقوله سبحانه : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُوا الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم  \[ الأنفال : ٥٠ \]. 
هذه الآيةُ تتضمَّن التعجيبَ ممَّا حلَّ بالكُفَّار يوم بَدْر ؛ قاله مجاهدٌ وغيره، وفي ذلك وعيدٌ لمن بَقِيَ منهم، وقوله : و أدبارهم ، قال جُلُّ المفسِّرين : يريد أَسْتَاهَهْم، ولكنَّ اللَّه كريمٌ كَنَّى، وقال ابن عبَّاس، والحسن : أراد ظهورَهُمْ وما أَدْبَرَ منهم وباقي الآية بيِّن.

### الآية 8:51

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [8:51]

\[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٩ الى ٥١\]

 إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)
 وقوله سبحانه: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ... الآية: قال المفسرون: إِن هؤلاء الموصوفين بالنِّفاق، إِنما هُمْ من أهْل عَسْكر الكُفَّار ممَّن كان الإِسلام دَاخِلَ قلوبهم، خَرَجُوا مع المُشْركين إِلَى بَدْرٍ، منهم مكرَهٌ وغيرُ مُكْرَهٍ، فلما أشرفوا على المسلمينَ، ورأَوْا قلَّتهم، ارتابوا، وقالُوا مشيرين إِلى المسلمين: غَرَّ هؤلاءِ دينُهُمْ.
 قال ع **«١»** : ولم يُذْكَرْ أحدٌ ممَّن شهد بدراً بنفاقٍ إِلا ما ظَهَرَ بعْدَ ذلك من مُعَتِّب ابن قُشَيْرٍ فإِنه القائل يَوْمَ أحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا \[آل عمران:
 ١٥٤\] وقد يحتمل أنْ يكون منافقو المدينة، لما وَصَلَهم خروجُ قريشٍ في قوَّة عظيمةٍ، قالوا هذه المقالةَ، ثم أخبر اللَّه سبحانه بأنَّ مَنْ توكَّل عليه، وفوَّض أمره إليه، فإِن عزَّته سبحانه وحِكْمته كفيلةٌ بنَصْره، وقوله سبحانه: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ... الآية: هذه الآيةُ تتضمَّن التعجيبَ ممَّا حلَّ بالكُفَّار يوم بَدْر قاله مجاهدٌ وغيره، وفي ذلك وعيدٌ لمن بَقِيَ منهم، وقوله: وأَدْبارَهُمْ، قال جُلُّ المفسِّرين:
 يريد أَسْتَاهَهْم، ولكنَّ اللَّه كريمٌ كَنَّى **«٢»**، وقال ابن عبَّاس، والحسن: أراد ظهورَهُمْ وما أَدْبَرَ منهم **«٣»** وباقي الآية بيِّن.
 \[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٤\]
 كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)
 وقوله سبحانه: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ... الآية: الدَّأْبُ: العادةُ في كلام العربِ، وهو مأخوذٌ من دَأَبَ عَلَى العمل، إِذا لازمه.
 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ٥٣٩).
 (٢) أخرجه الطبري في ****«تفسيره»**** (٦/ ٢٦٧) برقم: (١٦٢١٥- ١٦٢١٦- ١٦٢١٧) برقم: (١٦٢١٨) عن سعيد بن جبير، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٤٠)، وعزاه إلى جمهور المفسرين، والبغوي في ****«تفسيره»**** (٢/ ٢٥٦) عن سعيد بن جبير ومجاهد برقم: (٥٠)، وابن كثير (٢/ ٣١٩)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٣٤٦)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وأبي الشيخ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٤٠).

### الآية 8:52

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:52]

وقوله سبحانه : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بآيات الله فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ  \[ الأنفال : ٥٠ \]. 
الدَّأْبُ : العادةُ في كلام العربِ، وهو مأخوذٌ من دَأَبَ عَلَى العمل، إِذا لازمه.

### الآية 8:53

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:53]

وقوله سبحانه : ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ  \[ الأنفال : ٥٣ \]. 
معنى هذه الآية إِخبارٌ من اللَّه سبحانه، إِذا أنعم على قومٍ نعمةً، فإِنه بلُطْفه ورحمته لا يبدأُ بتغييرها وتنْكِيدها، حتى يجيءَ ذلك منْهم ؛ بأنْ يغيِّروا حالهم الَّتي تُرَادُ، أو تَحْسُنُ منهم، فإِذا فعلوا ذلك، غيَّر اللَّه نعمته عنْدَهم بِنِقْمته منْهم، ومثالُ هذه نِعْمَةُ اللَّه عَلَى قُرَيْشٍ بنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فكَفَروا به، فغيَّر اللَّه تلك النعمة، بأنْ نقلها إِلى غيرهم من الأنصار، وأَحَلَّ بهم عقوبَتَهُ.

### الآية 8:54

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [8:54]

وقوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيات رَبِّهِمْ فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ  \[ الأنفال : ٥٤ \]. 
هذا التكريرُ هو لمعنًى ليس للأول ؛ إذ الأول دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لما كَفَرُوا، وهذا الثَّاني دأْبٌ في أَنَّ لم يغيِّرْ نعمتهم ؛ حتَّى غيروا ما بأنْفُسِهِم، والإِشارة بقوله : والذين مِن قَبْلِهِمْ ، إِلى قومِ شعيبٍ وصالحٍ وهودٍ ونوحٍ وغيرهِمِ.

### الآية 8:55

> ﻿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [8:55]

وقوله سبحانه : إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الذين عاهدت مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ  \[ الأنفال : ٥٥ و٥٦ \]. 
أجمع المتأوِّلون ؛ أن الآية نزلَتْ في بني قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كلَّ مَنِ اتصف بهذه الصفة إِلى يوم القيامة، وقوله : فِي كُلِّ مَرَّةٍ  يقتضي أن الغَدْرَ قد تكرَّر منهم، وحديثُ قُرَيْظَةَ هو أنهم عاهدوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ؛ على ألاَّ يحاربوه، ولا يعينوا عَلَيْه عدوًّا من غيرهم، فلمَّا اجتمعت الأحزاب على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ، غَلَبَ على ظنِّ بني قريظة ؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مغلوبٌ ومستأصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ صاحبَ عَقْد بني قريظة، وعهْدِهِم، فغدروا ووالوا قريشاً، وأمدُّوهم بالسِّلاح والأَدْرَاعِ، فلما انجلت تلك الحالُ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أمره اللَّه تعالَى بالخروج إِليهم وحَرْبِهم، فاستنزلوا، وضُرِبَتْ أعناقهم بحُكْم سَعْدٍ، واستيعاب قصَّتهم في **«السِّير »** وإِنما اقتضبت منها ما يخُصُّ تفسير الآية.

### الآية 8:56

> ﻿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ [8:56]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٥:وقوله سبحانه : إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الذين عاهدت مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ  \[ الأنفال : ٥٥ و٥٦ \]. 
أجمع المتأوِّلون ؛ أن الآية نزلَتْ في بني قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كلَّ مَنِ اتصف بهذه الصفة إِلى يوم القيامة، وقوله : فِي كُلِّ مَرَّةٍ  يقتضي أن الغَدْرَ قد تكرَّر منهم، وحديثُ قُرَيْظَةَ هو أنهم عاهدوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ؛ على ألاَّ يحاربوه، ولا يعينوا عَلَيْه عدوًّا من غيرهم، فلمَّا اجتمعت الأحزاب على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ، غَلَبَ على ظنِّ بني قريظة ؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مغلوبٌ ومستأصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ صاحبَ عَقْد بني قريظة، وعهْدِهِم، فغدروا ووالوا قريشاً، وأمدُّوهم بالسِّلاح والأَدْرَاعِ، فلما انجلت تلك الحالُ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أمره اللَّه تعالَى بالخروج إِليهم وحَرْبِهم، فاستنزلوا، وضُرِبَتْ أعناقهم بحُكْم سَعْدٍ، واستيعاب قصَّتهم في ****«السِّير »**** وإِنما اقتضبت منها ما يخُصُّ تفسير الآية. ---

### الآية 8:57

> ﻿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [8:57]

وقوله سبحانه : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب  \[ الأنفال : ٥٧ \]. 
معنى  تَثْقَفَنَّهُمْ  تأسرهم، وتحصِّلهم في ثِقَافِكَ، أو تَلْقَاهم بحالٍ تقدرُ عليهم فيها، وتغلبهم، ومعنى  فَشَرِّدْ  أي : اطرد، وأبْعِدْ، وخَوِّف، والشريدُ : المبعد عن وطَنٍ ونحوه، ومعنى الآية : فإِن أَسَرْتَ هؤلاءِ الناقضين في حربك لهم، فافعل بهم من النقمة ما يكُونُ تشريداً لمن يأتي خلْفَهم في مثْلِ طريقتهم، وعبارةُ البخاريِّ :**«فَشَرَّدْ »** فَرَّقَ. انتهى. 
والضمير في  لَعَلَّهُمْ  عائدٌ على الفرقة المشرَّدة، وقال ابن عباس : المعنى : نكِّل بهم مَنْ خلفهم. 
وقالَتْ فرقة : معناه : سَمِّعْ بهم، والمعنَى متقاربٌ، ومعنى : خَلْفَهُمْ  أي : بعدهم، و يَذَّكَّرُونَ ، أيْ : يتعظون.

### الآية 8:58

> ﻿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [8:58]

وقوله سبحانه : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً  \[ الأنفال : ٥٨ \]. 
قال أكثر المفسِّرين : إِن الآية في بني قُرَيْظة، والذي يظهر من ألفاظ الآية أنَّ أَمْرَ بني قريظة قد انقضى عند قوله : فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ، ثم ابتدأ تبارَكَ وتعالَى في هذه الآية بما يَصْنَعُهُ في المستقبل، مع مَنْ يخافُ منه خيانةً إِلى آخر الدهر، وبَنُو قريظة لم يَكُونوا في حَدِّ مَنْ تُخَافُ خيانته، وقوله : فانبذ إِلَيْهِمْ  \[ الأنفال : ٥٨ \] أي : أَلْقِ إِليهم عَهْدهم، وقوله : على سَوَاءٍ ، قيل : معناه : حتى يكونَ الأمْرُ في بيانِهِ والْعِلْمِ به، على سواءٍ منْكَ ومنهم ؛ فتكُونُونَ في استشعار الحَرْب سواءً، وذَكَرَ الفَرَّاء ؛ أن المعنَى : فانبذ إليهم على اعتدال وسواءٍ من الأمر، أي : بَيِّنْ لهم على قَدْر ما ظهر منهم، لا تُفَرِّطْ، ولا تَفْجَأْ بحربٍ، بل افعل بهم مِثْلَ ما فعلوا بك، يعني : موازنةً ومقايسةً،

### الآية 8:59

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ [8:59]

وقرأ نافع وغيره : وَلاَ تَحْسَبَنَّ  بالتاء مخاطبةً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، و سَبَقُوا  : معناه : فَاتُوا بأنفسهم وأنْجَوْهَا،  إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ  أي : لا يُفْلِتُونَ، ولا يُعْجِزُونَ طالبهم، ورُوِيَ أن الآية نزلَتْ فيمن أَفْلَتَ من الكفَّار في بَدْرٍ وغيره فالمعنى : لا تظنَّهم نَاجِينَ، بل هم مُدْرَكُون، وقرأ حمزة وغيره : ولا يَحْسَبَنَّ  \[ الأنفال : ٥٩ \] بالياء مِنْ تَحْتُ، وبفتحِ السين.

### الآية 8:60

> ﻿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [8:60]

وقوله سبحانه : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ  \[ الأنفال : ٦٠ \]. المخاطبةُ في هذه الآية لجميع المؤمنين، وفي **«صحيحِ مُسْلِمْ »** :( أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْي ) ولما كانت الخيلُ هي أصْل الحرب، وأَوزَارَهَا، والتي عُقِدَ الخيرُ في نواصيها، خَصَّها اللَّه تعالى بالذكْرِ، تشريفاً لها، ولما كانت السهامُ من أنجع ما يُتعاطَى في الحرب وأَنْكَاه في العدو وأَقْربه تناولاً للأرواح، خَصَّها صلى الله عليه وسلم بالذكْرِ والتنبيهِ عليها. 
( ت ) : وفي **«صحيح مسلم »**، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ، وَتَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَو قَدْ عَصَى )، وفي **«سنن أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ »**، عن عُقْبة بن عامر، قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخلُ بالسَّهْم الوَاحِدِ ثَلاَثَةَ أَنُفُسٍ الجَنَّة ؛ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، فارموا واركبوا، وإنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن تَرْكَبُوا ) ( كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ، بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَهَ بَقْوسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ امرأته ) انتهى. 
و رباطُ الخيل  : مصدَرٌ مِنْ رَبَط، ولا يكثُرُ رَبْطُها إلاَّ وهيَ كثيرةٌ، ويجوز أنْ يكون مصدراً من رَابَطَ، وإِذا رَبَطَ كلُّ واحد من المؤمنين فرساً لأجل صاحبه، فقد حَصَلَ بينهم رباطٌ، وذلك الذي حضَّ عليه في الآية، وقد قال عليه السلام :( مَنْ ارتبط فَرَساً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَالبَاسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لاَ يَقْبِضُهَا )، والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ. 
( ت ) : وقد ذكرنا بعْضَ ما وردَ في فَضْلِ الرباط في آخر **«آل عمران »** ؛ قال صاحبُ ****«التذكرة »**** : وعن عثمانَ بْنِ عَفَّانَ، قالَ : سمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ ؛ صِيَامِهَا وَقِيَامِهِا )، وعن أبي بن كعب، قال : قَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( لَربَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَة المُسْلِمينَ مُحْتَسِباً مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَان أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ ؛ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ المُسْلِمينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وأَعْظَمُ أَجْراً أَراهُ ) قَالَ :( مِنْ عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ ؛ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا فَإِنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ سالِماً، لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ أَلْفَ سَنَةٍ، ويُكْتَبُ لَهُ مِنَ الحَسَنَاتِ، وَيَجْرِي لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ )، قال القرطبيُّ في **«تذكرته »** : فدلَّ هذا الحديثُ على أن رباط يومٍ في رمضانَ يحصِّل له هذا الثوابَ الدائمَ، وإِنْ لم يَمُتْ مرابطاً. خرَّج هذا الحديث، والذي قبله ابنُ مَاجَه، انتهى من ****«التذكرة »****. 
و تُرْهِبُونَ  معناه : تخوِّفون وتفزِّعون، والرهبة : الخَوْف. 
وقوله : وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ  فيه أقوال : قيل : هم المنافِقُونَ، وقيل : فَارس، وقيل : غير هذا. 
قال ( ع ) : ويحسُنُ أن يقدَّر قوله : لاَ تَعْلَمُونَهُمُ  بمعنى : لا تَعْلَمُونهم فَازِعِينَ رَاهِبينَ. 
وقال ( ص ) : لا تعلمُونَهُمْ  بمعنى : لا تَعْرِفُونهم، فيتعدَّى لواحدٍ، ومَنْ عدَّاه إِلى اثنين، قدَّره : محاربين، واستُبْعِدَ ؛ لعدم تقدُّم ذكره، فهو ممنوعٌ عند بعضهم، وعزيزٌ جدًّا عند بعضهم انتهى.

### الآية 8:61

> ﻿۞ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [8:61]

وقوله سبحانه : وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا  \[ الأنفال : ٦١ \]. 
جَنَحَ الرَّجُلُ إِلى الأمْرِ ؛ إِذا مال إِليه، وعاد الضميرُ في  لها  مؤنَّثاً ؛ إِذ  السَّلْم  بمعنى المسالمة والهُدْنَة، وذهب جماعةٌ من المفسِّرين إِلى أَن هذه الآية منسوخةٌ، والضمير في  جَنَحُوا  هو للذين نُبِذَ إِليهم على سواءٍ.

### الآية 8:62

> ﻿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [8:62]

وقوله سبحانه : وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله  \[ الأنفال : ٦٢ \]. 
الضمير في قوله : وإِن يريدوا  عائدٌ على الكفَّار الذين قال فيهم : وَإِن جَنَحُوا ، أي : وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ ، بأنْ يُظْهِروا السَّلْم، ويُبْطِنُوا الغَدْر والخيانة،  فَإِنَّ حَسْبَكَ الله ، أي : كافيك ومعطيك نَصْرَه، و أَيَّدَكَ  : معناه : قوَّاك  وبالمؤمنين ، يريد الأنصارَ، بذلك تظاهَرَتْ أقوالُ المفسَّرين.

### الآية 8:63

> ﻿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:63]

وقوله : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ \[ الأنفال : ٦٣ \]. 
إشارةٌ إِلى العداوة التي كانَتْ بين الأوْسِ والخَزْرَجِ. 
قال ( ع ) : ولو ذَهَبَ ذاهبٌ إِلى عمومِ المؤمنين في المهاجرين والأنصارِ، وجعل التأليف ما كَانَ بيْنَ جميعهم من التحابِّ، لساغ ذلك، وقال ابنُ مَسْعُود : نزلَتْ هذه الآية في المتحابِّين في اللَّه، 
وقال مجاهد : إِذا تَرَاءَى المتحابَّانِ في اللَّه، وتصَافَحَا، تَحَاتَّتْ خطاياهما، فقال له عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ : إِن هذا لَيَسِيرٌ، فقال له : لا تَقُلْ ذلك، فإِن اللَّه تعالَى يَقُولُ : لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، قال عَبْدَةُ : فعرفْتُ أنه أفْقَهُ مني. 
قال ( ع ) : وهذا كلُّه تمثيلٌ حَسَنٌ بالآية، لا أنَّ الآية نزلَتْ في ذلك، وقد رَوَى سهْلُ بن سعد، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ :( المؤمن مَألَفَةٌ لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤلَفُ ). 
قال \* ع \* : والتشابه سَبَبُ الأُلْفَة، فمَنْ كان من أهْل الخَيْر، أَلِفَ أشباهَهُ وأَلِفُوهُ. 
قال ( ت ) : وفي **«صحيح البخاريِّ »** :( الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تَعَارَفَ مِنْهَا ائتلف، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اختلف ) انتهى. 
وروى مالكٌ في **«الموطإ »**، عن أبي هريرة قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ : أَيْنَ المُتَحَابُّونَ لَجَلاَلي ؟ اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي ). قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في **«التمهيد »** : ورُوينا عن ابنِ مسعود، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أَنه قال :( يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي، أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : الوِلاَيَةُ في اللَّهِ الحُبُّ والبُغْضُ فِيهِ )، ورواه البراءُ بنُ عَازِبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أيضاً، وعن عبد اللَّهِ في قوله تعالى : لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ، قال : نزلَتْ في المتحابِّين في اللَّه قال أبو عمر : وأما قوله : الَيْومَ أُظلُّهُمْ فِي ظِلِّي، فإِنه أراد - واللَّه أعلم في ظلِّ عرشه، وقد يكونُ الظِّلُّ كنايةً عن الرحْمةِ ؛ كما قال : إِنَّ المتقين فِي ظلال وَعُيُونٍ  \[ المرسلات : ٤١ \]، يعني : بذلك مَا هُمْ فيه مِنَ الرحمة والنعيم. انتهى.

### الآية 8:64

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [8:64]

وقوله سبحانه : يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين  \[ الأنفال : ٦٤ \]. 
قال النَّقَّاش : نزلَتْ هذه الآية بالبَيْداء في غزوة بَدْر، وحُكِيَ عن ابنِ عبَّاس : أنها نزلَتْ في الأوس والخزرج. وقيل : إِنها نزلَتْ حين أسلم عمر وكمَلَ المسلمون أَربَعِينَ. قاله ابن عمر، وأنس ؛ فهي على هذا مكِّيَّة : و حَسبك  ؛ في كلام العرب، و شَرْعُكَ  : بمعنى كافِيكَ ويَكْفِيك، والمحسب : الكافي، قالت فرقة : معنى الآية : يَكْفِيكَ اللَّهِ، ويكفيكَ مَنِ اتبعك، ف ****«مَنْ »**** في موضع رفع. 
وقال الشَّعْبِيُّ وابن زَيْد : معنى الآية : حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتبعك من المؤمنين، ف****«مَنْ »**** في موضع نَصْب عطفاً على موضع الكاف ؛ لأن موضعها نَصْبٌ على المعنى ب**«يكفيك »** التي سدَّتْ **«حَسْبُكَ »** مسدَّها. 
قال ( ص ) : ورد بأنَّ الكاف لَيْسَ موضعها نصْب لأن إضافة حسب إليها إضافة صحيحة انتهى.

### الآية 8:65

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [8:65]

وقوله سبحانه : يا أيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال  \[ الأنفال : ٦٥ \]. 
 حَرِّضِ المؤمنين ، أي : حُثَّهم وحُضَّهم، وقوله سبحانه : إِن يَكُن مِّنكُمْ  إلى آخر الآية، لفظُ خبرٍ، مضمَّنه وعدٌ بشرط ؛ لأن قوله : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون ، بمنزلة أنْ يقال : إِنْ يَصْبِرْ منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصَّبر، قال الفخر : وحَسُنَ هذا التكليفُ لما كان مسبوقاً بقوله : حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين  \[ الأنفال : ٦٤ \]. فلمَّا وعد اللَّه المؤمنين بالكِفَايَة والنصرِ، كان هذا التكليفُ سَهْلاً ؛ لأن مَنْ تكلَّف اللَّه بنصره، فإِن أَهْلَ العَالَمِ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إيذَاءِهِ انتهى. 
وتظاهرت الرواياتُ عن ابن عبَّاس وغيره من الصحابة ؛ بأنَّ ثبوت الواحدِ للعَشَرةِ، كان فرضاً على المؤمنين، ثم لمَّا شَقَّ ذلك عليهم، حَطَّ اللَّه الفَرْضَ إِلى ثبوتِ الواحِدِ للاثنَيْنِ، وهذا هو نَسْخُ الأَثْقَلِ بالأَخَفِّ، وقوله : لاَّ يَفْقَهُونَ  \[ الأنفال : ٦٥ \] معناه : لا يفهمون مراشِدَهم، ولا مَقْصِدَ قتالهم، لا يريدون به إِلا الغلبةَ الدنيويَّة، فهم يخافُونَ المَوْت ؛ إِذا صُبَر لهم، ومَنْ يقاتلْ ؛ ليَغْلِبَ، أَو يُسْتشهد، فيصير إِلى الجنة، أثبَتُ قدماً لا محالة،

### الآية 8:66

> ﻿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [8:66]

وقوله : والله مَعَ الصابرين  \[ الأنفال : ٦٦ \] لفظُ خبرٍ في ضمنه وعْدٌ وحضٌّ على الصبر، ويُلْحَظُ منه وعيدٌ لمن لم يَصْبِرْ ؛ بأنه يُغْلَبُ.

### الآية 8:67

> ﻿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:67]

وقوله سبحانه : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى  \[ الأنفال : ٦٧ \]. قال ( ع ) : هذه آية تتضمَّن عندي معاتَبةً مِنَ اللَّه عزَّ وجلَّ لأصحاب نبيِّه عليه السلام والمعنى : ما كان ينبغي لكُمْ أَنْ تفعلوا هذا الفعْلَ الذي أوْجَبَ أن يكون للنبيِّ أَسْرَى قبل الإِثخان ؛ ولذلك استمرَّ الخطابُ لهم ب تُرِيدُونَ ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرِّجَالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أراد صلى الله عليه وسلم قَطُّ  عَرَضَ الدنيا ، وإِنما فعله جمهورُ مُبَاشِرِي الحَرْبِ، وجاء ذكْرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الآية ؛ مشيراً إِلى دخوله عليه السلام في العَتْبِ ؛ حين لم يَنْهَ عن ذلك حين رآه من العَرِيشِ، وأنْكَره سعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، ولكَنَّه صلى الله عليه وسلم شَغَلَهُ بَغْتُ الأمر، وظهورُ النصر ؛ عن النهْي ومَرَّ كثيرٌ من المفسِّرين ؛ على أنَّ هذا التوبيخَ إنما كان بسبب إشارة مَنْ أشار على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ بأخذ الفدْيَةِ، حين استشارهم في شأن الأَسرَى، والتأويل الأول أَحْسَنُ، والإِثخانُ : هو المبالغةُ في القَتْل والجراحةِ، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا ، أي : مالها الذي يعز وَيَعْرِضُ، والمراد : ما أُخِذَ من الأسرى من الأموال،  والله يُرِيدُ الأخرة ، أيْ : عمل الآخرة، وذكَر الطبريُّ وغيره ؛ أن رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلنَّاس :( إِنْ شِئْتُمْ، أَخَذْتُمْ فِدَاءَ الأسرى، وَيُقْتَلُ مِنْكُمْ في الحَرْبِ سَبْعُونَ على عَدَدِهِمْ، وإِنْ شِئْتُمْ، قُتِلُوا وَسَلِمْتُمْ ) فَقَالُوا : نَأْخُذُ المَالَ، وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا، وذكر عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بسنده ؛ أَنَّ جبريلَ نَزَلَ عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بتخْيِيرِ النَّاسِ هكذا ؛ وعَلَى هذا، فالأمر في هذا التخيير مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فإِنه إِعلامٌ بغيب، وإِذا خُيِّروا رضي اللَّه عنهم، فكيف يقع التوبيخُ بعدُ بقوله تعالى : لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  \[ الأنفال : ٦٨ \] فهذا يدُّلك على صحَّة ما قدَّمناه، أنَّ العتب لهم إِنما هو على استبقاءِ الرجالِ وقْتَ الهزيمةِ ؛ رغبةً في أخْذ المال، وهو الذي أقولُ به، وذكر المفسِّرون أيضاً في هذه الآيات تحليلَ المَغَانِمِ، ولا أَقولُ ذلك ؛ لأن تحليل المغانم قد تقدَّم قبْل بَدْرٍ في السَّرِيَّة التي قُتِلَ فيها ابْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإِنما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ استبقاء الرِّجَال ؛ لأجل المال، والذي مَنَّ اللَّه به فيها : إِلحاق فدية الكافر بالمغانمِ التي تقدَّم تحليلها.

### الآية 8:68

> ﻿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [8:68]

وقوله سبحانه : لَّوْلاَ كتاب مِّنَ الله سَبَقَ  الآية. 
قال ابن عبَّاس، وأبو هريرة، والحَسَن، وغيرهم : الكِتَابُ : هو ما كان اللَّه قَضَاهُ في الأَزَلِ مِنْ إِحلالِ الغنائمِ والفداءِ لهذه الأمة، وقال مجاهد وغيره : الكتابُ السابق : مغفرةُ اللَّهِ لأهْلِ بدر، وقيل : الكتاب السابقُ : هو ألاَّ يعذب اللَّه أحداً بذَنْبٍ إِلا بعد النَّهْيِ عنه، حكاه الطبريُّ، قال ابنُ العربيِّ في **«أحكام القُرآن »** : وهذه الأقوالُ كلُّها صحيحةٌ ممكنَةٌ، لكن أقواها ما سبق مِنْ إِحلال الغنيمة، وقد كانوا غَنِمُوا أوَّلَ غنيمةٍ في الإِسلام حينَ أرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّه بْنَ جَحْش. انتهى، ورُوِيَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( لَوْ نَزَلَ في هَذَا الأَمْرِ عَذَابٌ، لَنَجَا مِنْهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب )، وفي حديث آخر :**«وسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ »** ؛ وذلك أن رأيهما كان أنْ تُقْتَلَ الأَسْرَى.

### الآية 8:69

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [8:69]

وقوله سبحانه : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ  \[ الأنفال : ٦٩ \]. 
نصٌّ عَلَى إِباحة المال الذي أُخِذَ من الأسْرَى، وإِلحاقٌ له بالغنيمة التي كان تقدَّم تحليلها.

### الآية 8:70

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىٰ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [8:70]

وقوله سبحانه : يا أيها النبي قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأسرى إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ  \[ الأنفال : ٧٠ \]. 
روي أنَّ الأسرَى بِبَدْرٍ أعلموا رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؛ أنَّ لهم مَيْلاً إِلى الإِسلام، وأنهم إِنْ رجعوا إِلى قومهم، سَعَوْا في جلبهم إِلى الإِسلام، قال ابن عَبَّاس : الأَسْرَى في هذه الآية : عَبَّاسٌ وأصحابه، قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : آمنا بما جئْتَ به، ونشهد إِنك لَرَسُولُ اللَّه، ولَنَنْصَحَنَّ لك علَى قومنا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، ومعنى الكلام : إِن كان هذا عَنْ جِدٍّ منكم، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَنفسكم الخَيْرَ والإِسلام، فإِنه سيجبر عليكم أَفْضَلَ مما أَعطيتم فديةً، ويغفرْ لكم جميعَ ما اجترمتموه، وروي أنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب رضي اللَّه عنه قال : فيَّ وفي أصْحَابِي نَزَلَتْ هذه الآيةُ، وقال حِينَ أعطاه رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مالِ البَحْرَيْنِ ما قَدِّرَ أنْ يقول : هذا خَيْرٌ ممَّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا بَعْدُ أَرجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهِ لِي، وروي عنه ؛ أنه قال : ما أَوَدُّ أَنَّ هذه الآية لَمْ تَنْزِلْ، ولي الدنيا بأجمعها ؛ وذلك أن اللَّه تعالى قد أتاني خَيْراً مما أُخِذَ مني، وأنا أرجو أَنْ يَغْفِرَ لي،

### الآية 8:71

> ﻿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [8:71]

وقوله : فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ  \[ الأنفال : ٧٧ \] أي : بالكُفْر،  فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ  أي : بأن جعلهم أسْرَى،  والله عَلِيمٌ  فيما يبطنونه،  حَكِيمٌ  فيما يجازيهم به.

### الآية 8:72

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [8:72]

وقوله سبحانه : إِنَّ الذين آمَنُوا وَهَاجَرُوا وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله والذين ءاوَوا وَّنَصَرُوا أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  \[ الأنفال : ٧٢ \]. 
مَقْصِدُ هذه الآية وما بعدها : تبيينُ منازل المهاجرين والأنصار، والمؤمنين الذين لم يُهَاجِرُوا، وذكر المهاجرين بَعْد الحديبية، فقدَّم أوَّلاً ذِكْرَ المهاجرين، وهُمْ أصل الإِسلام، وتأمَّل تقديمَ عُمَرَ لهم في الاستشارةِ، وَهَاجَرَ : معناه : هَجَرَ أهله وقرابته، وهَجَرُوهُ،  والذين ءَاوَوا وَّنَصَرُوا  : هم الأنصارُ، فحكَمَ سبحانه على هاتَيْنِ الطائفتين ؛ بأن بَعْضَهُم أولياءُ بَعْضٍ، فقال كثيرٌ من المفسِّرين : هذه الموالاةُ : هي المؤازرة، والمعاونة، واتصال الأيدي، وعليه فَسَّر الطبريُّ الآية، وهذا الذي قالوه لازم من دلالة لفظ الآية، وقال ابن عبَّاسٍ وغيره : هذه الموالاةُ هي في المواريث ؛ وذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم آخَى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجريُّ إذا ماتَ، ولم يكُنْ له بالمدينةِ وليٌّ مهاجريٌّ، ورثه أخوه الأنْصَارِيُّ، وكان المسلم الذي لم يُهَاجِرْ لا ولايَةَ بينه، وبَيْنَ قريبه المهاجريِّ، ولا يرثه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله سبحانه : وَأُوْلُوا الأرحام  \[ الأنفال : ٧٥ \] ؛ وعلى التأويلين، ففي الآية حضٌّ على الهجرة، قال أبو عُبَيْدَة : الوِلاَيَةُ بالكسر من وَليتُ الأَمْرَ إِليه، فهي في السلطان، وبالفَتْحِ هي من المَوْلَى ؛ يقال : مَوْلَى بَيِّنَ الوَلاَيَةِ بفتح الواو. 
وقوله سبحانه : وَإِنِ استنصروكم  \[ الأنفال : ٧٢ \] يعني : إِن استدعى هؤلاء المؤمنون الذين لم يُهَاجِروا نَصْرَكُمْ  فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ  ؛ فلا تنصروهم عليهم ؛ لأَنَّ ذلك غَدْرٌ ونقْضٌ للميثاق.

### الآية 8:73

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [8:73]

وقوله سبحانه : والذين كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  \[ الأنفال : ٧٣ \]. 
وذلك يجمع الموارثَةَ والمعاوَنَةَ والنُّصْرة، وهذه العبارةُ تحريضٌ وإِقامةٌ لنفوس المؤمنين ؛ كما تقولُ لمن تريدُ تحريضَهُ : عَدُوُّكَ مُجْتَهِدٌ أي : فاجتهد أَنْتَ، وحكى الطبريُّ في تفسير هذه الآية، عن قتادة ؛ أنه قال : أبَى اللَّهُ أَن يقبل إِيمانَ مَنْ آمن، ولم يُهَاجرْ، وذلك في صَدْر الإِسلام، وفيهم قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ لاَ تَتَرَاءَى نَارُهُمَا ) الحديثَ على اختلاف ألفاظه، وقول قتادة، إِنما هو فيمن كان يُقيمُ متربِّصاً يقول : مَنْ غَلَبَ، كُنْتُ معه ؛ وكذلِكَ ذُكِرَ في كتاب **«الطَّبريِّ »**، وغيره، والضميرُ في قوله : إِلاَّ تَفْعَلُوهُ  قيل : هو عائدٌ على المُؤازرة والمعاونة، ويحتملُ على الميثاق المذكور، ويحتملُ على النَّصْر للمسلمين المستَنْصِرِينَ، ويحتمل على الموارثَة والتزامها، ويجوز أَن يعود مجملاً على جميعِ ما ذُكِرَ، والفتْنَةُ : المِحْنَة بالحَرْب وما أنجر معها ؛ من الغارَاتِ، والجلاءِ، والأسر، والفسادُ الكَبيرُ : ظُهُورُ الشِّرْك.

### الآية 8:74

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [8:74]

وقوله سبحانه : والذين آمَنُوا وَهَاجَرُوا وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَوا وَّنَصَرُوا أولئك هُمُ المؤمنون  \[ الأنفال : ٧٤ \]. 
تضمَّنت الآيةُ تخصيصَ المهاجرين والأنصار، وتشريفَهم بهذا الوَصْف العظيمِ. 
( ت ) : وهي مع ذلك عند التأمُّل يلوح منها تأويل قتادَةَ المتقدِّم، فتأمَّله، والرزْقُ الكريمُ : هو طعام الجنَّة ؛ كذا ذكر الطبريُّ وغيره. 
قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** : وإِذا كان الإِيمان في القَلْب حقًّا، ظهر ذلك في استقامة الأعمال ؛ بامتثال الأمر واجتناب المَنْهِيِّ عنه، وإِذا كان مجازاً، قَصَّرت الجوارحُ في الأعمال ؛ إذ لم تبلغ قوَّتُهُ إليها. انتهى.

### الآية 8:75

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [8:75]

والذين آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وجاهدوا مَعَكُمْ  \[ الأنفال : ٧٥ \] قوله : من بعد ، يريدُ به مِنْ بَعْدِ الحُدَيْبِيَةِ ؛ وذلك أن الهجرة مِنْ بعدِ ذلك كانَتْ أقلَّ رتبةً من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهِجْرَةُ الثانية،  وجاهدوا مَعَكُمْ  : لفظٌ يقتضي أنهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ. 
وقوله سبحانه : وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله . 
قالَ مَنْ تقدَّم ذكره : هذه في المواريثِ، وهي ناسخةٌ للحُكْم المتقدِّم ذكْرُه، وقالتْ فرقة، منها مالك : إن الآية لَيْسَتْ في المواريث، وهذا فَرارٌ من توريثِ الخَالِ والعَمَّة ونحو ذلك، وقالَتْ فرقة : هي في المواريث، إِلا أنها نُسِخَتْ بآية المواريث المبيّنة، وقوله : فِي كتاب الله  معناه : القرآن، أي : ذلك مُثْبَتٌ في كتاب اللَّه. 
وقيل : في اللَّوْحِ المحفوظِ. 
كَمَلَ تفسيرُ السُّورة، والحَمْدُ للَّهِ، وصلَّى اللَّه علَى سيِّدنا محمَّد وآله وَصَحْبِهِ وسَلَّم تسليماً.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/8.md)
- [كل تفاسير سورة الأنفال
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/8.md)
- [ترجمات سورة الأنفال
](https://quranpedia.net/translations/8.md)
- [صفحة الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/339.md)
- [المؤلف: الثعالبي](https://quranpedia.net/person/710.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/8/book/339) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
