---
title: "تفسير سورة الأنفال - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/8/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/8/book/350"
surah_id: "8"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنفال - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/8/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنفال - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/8/book/350*.

Tafsir of Surah الأنفال from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 8:1

> يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [8:1]

النْفل والنَفل والنافلة في كلام العرب : الزيادة على الواجب، وسميت الغنيمة نفلاً لأنها زيادة على القيام بالجهاد وحماية الدين والدعاء إلى الله عز وجل، ومنه قول لبيد :\[ الرمل \]
إنَّ تَقْوى ربِّنا خَيْرُ نَفَلْ \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(١)](#foonote-١) 
**أي خير غنيمة، وقول عنترة :**
إنَّا إذا احمرّ الوغى نروي القنا\*\*\* ونعفُّ عند مقاسم الأنفالِ[(٢)](#foonote-٢)
والسؤال في كلام العرب يجيء لاقتضاء معنى في نفس المسؤول، وقد يجيء لاقتضاء مال أو نحوه، والأكثر في هذه الآية أن السؤال إنما هو عن حكم ****«الأنفال »**** فهو من الضرب الأول، وقالت فرقة إنما سألوه الأنفال نفسها أن يعطيهم إياها، واحتجوا في ذلك بقراءة سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعلي بن الحسين وأبي جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة بن مصرف وعكرمة والضحاك وعطاء **«يسألونك الأنفال »**، وقالوا في قراءة من قرأ عن أنها بمعنى **«من »**، فهذا الضرب الثاني من السؤال واختلف الناس في المراد ب  الأنفال  في هذه الآية، فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وعطاء وابن زيد هي الغنائم مجملة، قالوا وذلك أن سبب الآية ما جرى يوم بدر وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افترقوا يوم بدر ثلاث فرق : فرقة أقامت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش الذي صنع له وحمته وآنسته، وفرقة أحاطت بعسكر العدو وأسلابهم لما انكشفوا، وفرقة اتبعوا العدو فقتلوا وأسروا. 
وقال ابن عباس في كتاب الطبري : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرض الناس قبل ذلك فقال : من قتل قتيلاً أو أسر أسيراً فله كذا وله كذا، فسارع الشبان وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس رأت كل فرقة الفضل لنفسها، وقالت نحن أولى بالمغنم، وساءت أخلاقهم في ذلك، فنزلت الآية بأن الغنائم لله وللرسول فكفوا، فقسمه حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على السواء[(٣)](#foonote-٣). 
وأسند الطبري وغيره عن أبي أمامة الباهلي[(٤)](#foonote-٤)، قال : سألت عبادة بن الصامت[(٥)](#foonote-٥) عن ****«الأنفال »**** فقال فينا أهل بدر نزلت حين اختلفنا وساءت أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمه عليه السلام عن بواء[(٦)](#foonote-٦). 
قال القاضي أبو محمد : يريد عن سواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وصلاح ذات البين، مما جرى أيضاً يوم بدر فقيل إنه سبب ما أسنده الطبري عن سعد بن أبي وقاص، قال : لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاصي وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكثيفة فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله : هذا السيف قد شفى الله به من المشركين فأعطنيه، فقال : ليس هذا لي ولا لك، فاطرحه في القبض فطرحته فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، قال فما جاوزت إلا قريباً حتى نزلت عليه سورة الأنفال، فقال : اذهب فخذ سيفك فإنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فهو لك. 
قال القاضي أبو محمد : وفي بعض طرق هذا الحديث، قال سعد : فقلت لما قال لي ضعه في القبض أني أخاف أن تعطيه من لم يبل بلائي، قال : فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلفي، قال فقلت أخاف أن يكون نزلت فيّ شيء، فقال : إن السيف قد صار لي فأعطانيه ونزلت  يسألونك عن الأنفال [(٧)](#foonote-٧) وأسند الطبري أيضاً عن أبي أسيد مالك بن ربيعة[(٨)](#foonote-٨) قال : أصبت سيف ابن عائد يوم بدر، وكان يسمى المرزبان، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردوا ما في أيديهم من النفل أقبلت به، فألقيته في النفل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئاً يسأله، فرآه الأرقم المخزومي فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياه[(٩)](#foonote-٩). 
قال القاضي أبو محمد : فيجيء من مجموع هذه الآثار أن نفوس أهل بدر تنافرت ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأثرة، لا سيما من أبلى، فأنزل الله عز وجل الآية، فرضي المسلمون وسلموا، فأصلح الله ذات بينهم ورد عليه غنائمهم، وقال بعض أهل هذا التأويل عكرمة ومجاهد : كان هذا الحكم من الله لرفع الشغب، ثم نسخ بقوله  واعلموا أنما غنمتم من شيء [(١٠)](#foonote-١٠) وقال ابن زيد : لم يقع في الآية نسخ، وإنما أخبر أن الغنائم لله من حيث هي ملكه ورزقه وللرسول من حيث هو مبين بها أحكام الله والصادع بها ليقع التسليم فيها من الناس، وحكم القسمة نازل خلال ذلك، ولا شك في أن الغنائم وغيرها، والدنيا بأسرها هي لله وللرسول. 
قال القاضي أبو محمد : وقال ابن عباس أيضاً  الأنفال  في الآية ما يعطيه الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، وهذا أيضاً يحسن مع الآية ومع ما ذكرناه من آثار يوم بدر. وقال علي بن صالح بن جني[(١١)](#foonote-١١) والحسن فيما حكى المهدوي : الأنفال  في الآية ما تجيء به السرايا خاصة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا القول بعيد عن الآية غير ملتئم مع الأسباب المذكورة، بل يجيء خارجاً عن يوم بدر، وقال مجاهد : الأنفال  في الآية : الخمس، قال المهاجرون : لم يخرج منا هذا الخمس، فقال الله تعالى هو لله وللرسول، وهذا أيضاً قول قليل التناسب مع الآية، وقال ابن عباس وعطاء أيضاً : الأنفال  في الآية : ما شذ من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس العائر والعبد الآبق[(١٢)](#foonote-١٢) وهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء، وقال ابن عباس أيضاً : الأنفال  في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة هو لله ورسوله. 
قال القاضي أبو محمد : وهذان القولان لا تخرج بهما الآية عن الأسباب التي رويت في يوم بدر ولا تختص الآية بيوم بدر على هذا، وكأن هاتين المقالتين إنما هي فيما ناله الجيش دون قتال وبعد تمام الحرب وارتفاع الخوف، وأولى هذه الأقوال وأوضحها القول الأول الذي تظاهرت الروايات بأسبابه وناسبه الوقت الذي نزلت الآية فيه، وحكى النقاش عن الشعبي أنه قال : الأنفال  : الأسارى. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا إنما هو على جهة المثال فيعني كل ما يغنم، ويحسن في تفسير هذه الآية أن نذكر شيئاً من اختلاف العلماء في تنفيل الإمام لمن رآه من أهل النجدة والغناء[(١٣)](#foonote-١٣) وما يجوز من ذلك وما يمتنع وما لهم في السلب[(١٤)](#foonote-١٤) من الاختلاف، فقالت فرقة لا نفل بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الجمهور : النفل باق إلى يوم القيامة، ينفل إمام الجيش ما رآه لمن رآه لكن بحسب الاجتهاد والمصلحة للمسلمين ليحض الناس على النجدة وينشطهم إلى مكافحة العدو والاجتهاد في الحرب، ثم اختلفوا فقال ابن القاسم عن مالك في المدونة : إنما ينفل الإمام من الخمس لا من جملة الغنيمة، وينفل في أول المغنم وفي آخره بحسب اجتهاده، وقالت فرقة : إنما ينفل الإمام قبل القتال، وأما إذا جمعت الغنائم فلا نفل. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا إنما يكون على هذا القول بأن يقول من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، أو يقول لسرية إن وصلتم إلى موضع كذا فلكم كذا، وقال الشافعي وابن حنبل : لا نفل إلا بعد الغنيمة قبل التخميس، وقال إبراهيم النخعي : ينفل الإمام متى شاء قبل التخميس، وقال أنس بن مالك ورجاء بن حيوة ومكحول والقاسم وجماعة منهم : الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعدي بن عدي : لا نفل إلا بعد إخراج الخمس ثم ينفل الإمام من أربعة الأخماس ثم يقسم الباقي بين الناس : وقال ابن المسيب : إنما ينفل الإمام من خمس الخمس، وقال مالك رحمه الله لا يجوز أن يقول الأمير من هدم كذا من الحصن فله كذا ومن بلغ إلى كذا فله كذا، ولا أحب لأحد أن يسفك دماً على مثل هذا، قال سحنون : فإن نزل ذلك لزمه فإنه مبايعة. 
وقال مالك رحمه الله : لا يجوز أن يقول الإمام لسرية : ما أخذتم فلكم ثلثه، قال سحنون : يريد ابتداء، فإن نزل مضى ولهم انصباؤهم في الباقي، وقال سحنون : إذا قال الإمام لسرية : ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه، فهذا لا يجوز فإن نزل رددته لأن هذا حكم شاذ لا يجوز ولا يمضى، ويستحب على مذهب مالك إن نفل الإمام أن ينفل ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف، وقد منع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهباً أو فضة أو لؤلؤاً أو نحو هذا، وقال بعضهم : النفل جائز من كل شيء، وأما السلب فقال مالك رحمه الله : الأسلاب من المغنم تقسم على جميع الجيش إلا أن يشرط الإمام وقاله غيره : وقال الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر : السلب حق للقاتل بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد وابن المنذر : السلب حق للقاتل بحكم النبي صيلى الله عليه وسلم، قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد وابن المنذر : قاله الإمام أو لم يقله وقال مالك : إذ قال الإمام من قتل قتيلاً فله سلبه فذلك لازم، ولكنه على قدر اجتهاد الإمام وبسبب الأحوال والضيقات واستصراخ الأنجاد، وقال الشافعي وابن حنبل : تخرج الأسلاب من الغنيمة ثم تخمس بعد ذلك وتعطى الأسلاب للقتلة، وقال إسحاق بن راهويه : إن كان السلب يسيراً فهو للقاتل وإن كان كثيراً خمس، وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك[(١٥)](#foonote-١٥) حين بارز المرزبان فقتله فكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفاً، فخمس ذلك، وروي في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم هو حديث عوف بن مالك في مصنف أبي داود، وقال مكحول : السلب مغنم وفيه الخمس، وروي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 
قال القاضي أبو محمد : يريد يخمس على القاتل وحده وقال جمهور الفقهاء لا يعطى القاتل السلب إلا أن يقيم البينة على قتله قال أكثرهم : ويجزىء شاهد واحد بحكم حديث أبي قتادة، وقال الأوزاعي يعطاه بمجرد دعواه. 
قال القاصي أبو محمد : وهذا ضعيف، وقال الشافعي : لا يعطى القاتل إلا إذا كان قتيله مقبلاً مشيحاً مبارزاً، وأما من قتل منهزماً فلا، وقال أبو ثور وابن المنذر صاحب الأشراف : للقاتل السلب منهزماً كان القتيل أو غير منهزم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا أصح لحديث سلمة بن الأكوع[(١٦)](#foonote-١٦) في اتباعه ربيئة[(١٧)](#foonote-١٧) الكفار في غزوة حنين وأخذه بخطام بعيره وقتله إياه وهو هارب فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه[(١٨)](#foonote-١٨)، وقال ابن حنبل : لا يكون السلب للقاتل إلا في المبارزة فقط، واختلفوا في السلب، فأما السلاح وكل ما يحتاج للقتال فلا أحفظ فيه خلافاً أنه من السلب، وفرسه إن قاتل عليه وصرع عنه، وقال أحمد بن حنبل في الفرس : ليس من السلب، وكذلك إن كان في هميانه[(١٩)](#foonote-١٩) أو منطقته دناينر أو جوهر أو نحو هذا مما يعده فلا أحفظ خلافاً أنه ليس من السلب واختلف فيما يتزين به للحرب ويهول فيها كالتاج والسوارين والأقراط والمناطق المثقلة بالذهب والأحجار فقال الأوزاعي ذلك كله من السلب، وقالت : فرقة : ليس من السلب، وهذا مروي عن سحنون رحمه الله إلا المنطقة فإنها عنده من السلب، قال ابن حبيب في الواضحة : والسواران من السلب، وتردد الشافعي هل هذه كلها من السلب أم لا ؟
قال القاضي أبو محمد : وإذا قال الإمام : من قتل قتيلاً فله سلبه فقتل ذمي قتيلاً فالمشهور أن لا شيء له وعلى قول أشهب يرضخ[(٢٠)](#foonote-٢٠) لأهل الذمة من الغنيمة يلزم أن يعطى السلب، وإن قتل الإمام بيده بعد هذه المقالة قتيلاً فله سلبه. 
قال القاضي أبو محمد : وأما الصفي[(٢١)](#foonote-٢١) فكا

١ - البيت مطلع قصيدة يتحدث فيها عن مآثره ومواقفه ويأسى لفقد أخيه أربد، وهو بتمامه: 
 إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي والعجل
 والريث: الإبطاء والتأني.
٢ - البيت من قصيدة قالها عنترة في إغارته على بني ضبّة، وروايته في الديوان: 
 إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ونعفّ عند تقاسم الأنفال
 ومعنى حمِس: اشتد. والأنفال: الغنائم..
٣ - أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه البيهقي، وابن مردويه- عن عبادة بن الصامت. وفيه زيادات على ما هنا. (الدر المنثور ٣/١٥٩)..
٤ - هو صُدّي بن عجلان بن وهب الباهلي، أبو أمامة، صحابي، كان مع علي في صفين، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام، له في الصحيحين ٢٥٠ حديثا (الإصابة- تهذيب التهذيب- صفوة الصفوة)..
٥ - عبادة بن الصامت الأنصاري، صحابي من الموصوفين بالورع، شهد العقبة وكان من النقباء، وسائر المشاهد، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين، ومات ببيت المقدس أو الرملة. وكان من سادات الصحابة. (الإصابة- تهذيب التهذيب- الأعلام)..
٦ - أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في سننه- عن أبي أمامة. (الدر المنثور).
 والبواء: السواء، يقال: فلان بواء فلان: كفؤه ونظيره في القصاص- للمفرد وغيره..
٧ - أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن جرير، وابن مردويه- عن سعد بن أبي وقاص. وأخرج الطيالسي، والبخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والنحاس في ناسخه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب- عن سعد بن أبي وقاص رواية أخرى قال في أولها: "نزلت في أربع آيات من كتاب الله" ذكرها، وكانت آيتنا هذه واحدة منها. (الدر المنثور- وكذلك تفسير ابن كثير)- والكثيف: السيف- قال ابن سيدة: ولا أدري ما حقيقته، والأقرب أن تكون تاء (اللسان)، والقبض بالتحريك هو المقبوض وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم..
٨ - هو مالك بن ربيعة بن عمرو بن عوف الخزرجي الساعدي أبو أسيد، صحابي، كانت معه راية بني ساعدة يوم الفتح، وروى أحاديث، وكفّ بصره، قيل: إنه آخر البدريّين موتا. (الإصابة، الأعلام)..
٩ - الحديث في تفسير الطبري-عن أبي أسيد- وعن عثمان بن الأرقم عن عمه عن جده، والرواية الأولى: "فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي"..
١٠ - من الآية (٤١) من هذه السورة (الأنفال)..
١١ - اختلفت النسخ التي بين أيدنا في هذه العبارة، فقد جاء في بعضها: "وقال علي بن صالح والحسن" بدون ذكر ابن جني، وجاءت في بعضها: "وقال علي بن صالح بن جني والحسن" بدون واو بعد صالح، وآثرنا نحن النسخة التي جاءت بالنص المذكور لأنها = توافق ما ثبت في "البحر المحيط". على أن "البحر" لم ينسب الحكاية إلى المهدوي كما فعل ابن عطية..
١٢ - في (اللسان): "عار الفرس: إذا ذهب على وجهه وتباعد عن صاحبه". والعبد الآبق: الهارب، يقال: أبق بالفتح وأبِق بالكسر فهو آبق وأبوق..
١٣ - الغَناء- بفتح الغين: الكفاية والنفع..
١٤ - السلب: ما مع القتيل من ثياب وسلاح ودابة. أي كل ما يسلب ويؤخذ قهرا وقوة..
١٥ - هو البراء بن مالك بن النضر الأنصاري. كان يرجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وخبره أنه في يوم يُسمى يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس فحمل البراء وحمل الناس معه فقتل مرزبان الزّارة من عظماء الفرس وأخذ سلبه فانهزم الفرس..
١٦ - هو سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع الأسلمي، من الذين بايعوا تحت الشجرة غزا مع النبي سبع غزوات، وغزا في أفريقية في أيام عثمان. وكان شجاعا بطلا راميا عداء، له ٧٧ حديثا وتوفي بالمدينة. (الأعلام)..
١٧ - الربيئة: الطليعة الذي يرقب العدوّ من مكان عال لئلا يدهم قومه. وجمعها: ربايا..
١٨ - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٩)، ونصه: عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: (نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فجاء عين المشركين ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتصبحون فدعوه إلى طعامهم، فلما فرغ الرجل ركب على راحلته فذهب مسرعا لينذر أصحابه، قال سلمة: فأدركته فأنخت راحلته وضربت عنقه فغنمني رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه)..
١٩ - الهيمان: شداد السراويل (أي التكّة)، والمنطقة، وكيس للنفقة يشدّ في الوسط والجمع هماين وهمايين، والمنطقة: ما يشد به الوسط. (المعجم الوسيط) و(اللسان)..
٢٠ -يقال: رضخ له من ماله: أعطاه قليلا. وكذلك أرضخ له من ماله: أعطاه قليلا من كثير..
٢١ - الصفّي: ما يأخذه رئيس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة، ويقال له: الصفية. والجمع: صفايا. وصفية رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفي كما قالته عائشة رضي الله عنها. (النهاية لابن الأثير).
 .

### الآية 8:2

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [8:2]

إنما  لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر، فإذا دخل في قصة وساعد معناها على الانحصار صح ذلك وترتب كقوله  إنما إلهكم اله واحد [(١)](#foonote-١) وغير ذلك من الأمثلة، وإذا كانت القصة لا تتأتى للانحصار بقيت ******«إنما »****** للمبالغة والتأكيد فقط، كقوله عليه السلام **«إنما الربا في النسيئة »**[(٢)](#foonote-٢)، وكقوله **«إنما الشجاع عنترة »** وأما من قال ******«إنما »******، هي لبيان الموصوف فهي عبارة فاترة إذ بيان الموصوف يكون في مجرد الإخبار دون ******«إنما »******، وقوله ها هنا  إنما المؤمنون  ظاهرها أنها للمبالغة والتأكيد فقط أي الكاملون،  وجلت  معناه : فزعت ورقت وخافت، وبهذه المعاني فسرت العلماء، وقرأ ابن مسعود **«فرقت »**، وقرأ أبي بن كعب **«فزعت »**[(٣)](#foonote-٣)، يقال وجل يؤجل وياجل وييجل وهي شاذة وييجل بكسر الياء الأولى ووجه هذه أنهم لما أبدلوا الواو ياء لم يكن لذلك وجه قياس، فكسروا الياء الأولى ليجيء بدل الواو ياء لعلة، حكى هذه اللغات الأربع سيبويه رحمه الله، و  تليت  معناه سردت وقرئت، والآيات هنا القرآن المتلو، وزيادة الإيمان على وجوه كلها خارج عن نفس التصديق، منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكماً من أحكام الله في القرآن فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه فآمن به، زاد إيماناً إلى سائر ما قد آمن به، إذ لكل حكم تصديق خاص، وهذا يترتب فيمن بلغه ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القيامة، وتترتب زيادة الإيمان بزيادة الدلائل، ولهذا قال مالك الإيمان يزيد ولا ينقص وتترتب بزيادة الأعمال البرة على قول من يرى لفظة الإيمان واقعة على التصديق والطاعات. 
وهؤلاء يقولون يزيد وينقص، وقوله  وعلى ربهم يتوكلون  عبارة جامعة لمصالح الدنيا والآخرة إذا اعتبرت وعمل بحسبها في أن يمتثل الإنسان ما أمر به ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز، وينتظر بعد ما تكفل له به من نصر أو رزق أو غيره، وهذه أوصاف جميلة وصف الله بها فضلاء المؤمنين فجعلها غاية للأمة يستبق إليها الأفاضل. 
١ - من الآية (١١٠) من سورة (الكهف)، وتكررت في الأنبياء (١٠٨)، وفي فصلت (٦).
٢ -أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة- عن أسامة بن زيد، ورمز له الإمام جلال الدين السيوطي في "الجامع الصغير" بأنه صحيح. وقال الإمام ابن الأثير في النهاية: النسيئة: هي البيع إلى أجل معلوم، يريد أن بيع الربويات بالتأخير من غير تقابض هو الربا، وإن كان بغير زيادة، وهذا مذهب ابن عباس رضي الله عنهما، كان يرى بيع الربويات متفاضلة مع التقابض جائزا، وأن الربا مخصوص بالنسيئة. (النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ٤٥)..
٣ - قال العلماء: ينبغي أن تحمل هاتان القراءتان على التفسير..

### الآية 8:3

> ﻿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [8:3]

ثم أتبع ذلك وعدهم[(١)](#foonote-١) ووسمهم بإقامة الصلاة ومدحهم بها حضاً على ذلك، وقوله  ومما رزقناهم ينفقون  قال جماعة من المفسرين : هي الزكاة. 
قال القاضي أبو محمد : وإنما حملهم على ذلك اقتران الكلام بإقامة الصلاة وإلا فهو لفظ عام في الزكاة ونوافل الخير وصلاة المستحقين، ولفظ ابن عباس في هذا المعنى محتمل.

١ - هكذا بالأصول، وفي إحدى النسخ: "ثم أتبع بعد ذلك عدّهم..."، ويجوز أن يكون الصواب: "عدتهم" أو أن تكون الكلمة زائدة، وأن المراد: "ثم أتبع ذلك بأن وسمهم بإقامة الصلاة"، والله أعلم..

### الآية 8:4

> ﻿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [8:4]

وقوله  أولئك هم المؤمنون حقاً  يريد كل المؤمنين[(١)](#foonote-١)، و  حقاً  مصدر مؤكد كذا نص عليه سيبويه، وهو المصدر غير المتنقل، والعامل فيه أحق ذلك حقاً[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  درجات  ظاهره، وهو قول الجمهور، أن المراد مراتب الجنة ومنازلها ودرجتها على قدر أعمالهم، وحكى الطبري عن مجاهد أنها درجات أعمال الدنيا، وقوله  ورزق كريم  يريد به مآكل الجنة ومشاربها، و  كريم  صفة تقتضي رفع المذام كقولك ثوب كريم وحسب كريم.

١ - "كل" بالرفع- والمعنى أنهم الكاملون في إيمانهم..
٢ - قال الزمخشري: \[حقا\] صفة لمصدر محذوف، أي: "أولئك هم المؤمنون إيمانا حقا"، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي أولئك هم المؤمنون والتقدير: حق ذلك حقا، كقولك: "هو عبد الله حقا"، إذ التقدير فيها: حق ذلك حقا..

### الآية 8:5

> ﻿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [8:5]

اختلف الناس في الشيء الذي تتعلق به الكاف من قوله  كما  حسبما نبين من الأقوال التي أنا ذاكرها بعد بحول الله، والذي يلتئم به المعنى ويحسن سرد الألفاظ قولان، وأنا أبدأ بهما، قال الفراء : التقدير : امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا كما أخرجك ربك، هذا نص قوله في هداية مكي رحمه الله، والعبارة بقوله : امض لأمرك ونفل من شئت غير محررة، وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال : إن هذه الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال، كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة، فتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم ها هنا للخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله وللرسول دونهم هو بمثابة إخراجه نبيه صلى الله عليه وسلم من بيته، ثم كانت الخيرة في القصتين فيما صنع الله، وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله  يجادلونك  كلاماً مستأنفاً يراد به الكفار، أي يجادلونك في شريعة الإسلام من بعد ما تبين الحق فيها كأنما يساقون إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الذي ذكرت من أن  يجادلونك  في الكفار منصوص[(١)](#foonote-١) والقول الثاني قال مجاهد والكسائي وغيرهما : المعنى في هذه الآية كما أخرجك ربك من بيتك على كراهية من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتال كفار مكة ويودون غير ذات الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يريدون هم. 
قال القاضي أبو محمد : والتقدير على هذا التأويل يجادلونك في الحق مجادلة ككراهتهم إخراج ربك إياك من بيتك، فالمجادلة على هذا التأويل بمثابة الكراهية وكذلك وقع التشبيه في المعنى، وقائل هذه المقالة يقول إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول إن المجادلين هم المشركون، فهذان قولان مطردان يتم بهما المعنى ويحسن رصف اللفظ وقال الأخفش : الكاف نعت ل  حقاً  \[ الأنفال : ٤ \]، والتقدير هم المؤمنون حقاً كما أخرجك. 
قال القاضي أبو محمد : والمعنى على هذا التأويل كما تراه لا يتناسق وقيل الكاف في موضع رفع والتقدير : كما أخرجك ربك فاتقوا الله كأنه ابتداء وخبر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا المعنى وضعه هذا المفسر وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر، وقال أبو عبيدة : هو قسم أي لهم درجات ومغفرة ورزق كريم كما أخرجك بتقدير والذي أخرجك، فالكاف في معنى الواو و **«ما »** بمعنى الذي، وقال الزجّاج : الكاف في موضع نصب والتقدير الأنفال ثابتة لك ثباتاً كما أخرجك ربك، وقيل : الكاف في موضع التقدير لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم، هذا وعد حق كما أخرجك، وقيل المعنى : وأصلحوا ذات بينكم ذلك خير لكم كما أخرجك، والكاف نعت لخبر ابتداء محذوف، وقيل التقدير : قل الأنفال لله والرسول كما أخرجك، وهذا نحو أول قول ذكرته، وقال عكرمة : التقدير وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما أخرجك ربك أي الطاعة خير لكم كما كان إخراجك خيراً لكم[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  من بيتك  يريد من المدينة يثرب، قاله جمهور المفسرين وقال ابن بكير : المعنى كما أخرجك من مكة وقت الهجرة.

### الآية 8:6

> ﻿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [8:6]

وقرأ عبد الله بن مسعود :**«في الحق بعدما بُين »** بضم الباء من غير تاء، والضمير في قوله  يجادلونك  قيل : هو للؤمنين وقيل : للمشركين، فمن قال للمؤمنين جعل  الحق  قتال مشركي قريش، ومن قال للمشركين جعل  الحق  شريعة الإسلام، وقوله  إلى الموت  أي في سوقهم على أن المجادلين المؤمنون في دعائهم إلى الشرع على أنهم المشركون، وقوله  وهم ينظرون  حال تزيد في فزع السوق وتقتضي شدة حاله.

### الآية 8:7

> ﻿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [8:7]

وقوله تعالى : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم  الآية، في هذه الآية قصص حسن أنا اختصره إذ هو مستوعب في كتاب سيرَة رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن هشام، واختصاره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه وقيل أوحي إليه أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام بالعير التي فيها تجارة قريش وأموالها، قال لأصحابه إن عير قريش قد عنت لكم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها، قال فانبعث من معه من خف، وثقل قوم وكرهوا الخروج وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلوي على من تعذر ولا ينتظر من غاب ظهره[(١)](#foonote-١)، فسار في ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه بين مهاجري وأنصاري، وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقى حرباً فلم يكثر استعدادهم، وكان أبو سفيان في خلال ذلك يستقصي ويحذر، فلما بلغه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستفز أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهم، أوحى الله إليه وحياً غير متلو يعده إحدى الطائفتين، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فسروا وودوا أن تكون لهم العير التي لا قتال معها، فلما علم أبو سفيان بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ طريق الساحل وأبعد، وفات، ولم يبق إلا لقاء أهل مكة، وأشار بعض الكفار على بعض بالانصراف وقالوا عيرنا قد نجت فلننصرف، فحرش[(٢)](#foonote-٢) أبو جهل ولج حتى كان أمر الوقعة، وقال بعض المؤمنين : نحن لم نخرج لقتال ولم نستعد له، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وهو بواد يسمى ذفران، وقال أشيروا علي أيها الناس، فقام أبو بكر فتكلم فأحسن وحرض على لقاء العدو، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة فقام عمر بمثل ذلك، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة فتكلم المقداد الكندي فقال : لا نقول لك يا رسول الله اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول إنا معكما مقاتلون. 
والله لو أردت بنا برك الغماد. ( قال القاضي أبو محمد : وهي مدينة بالحبشة ) لقاتلنا معك من دونها، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلامه، ودعا له بخير، ثم قال أشيروا علي أيها الناس فكلمه سعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة. 
قال القاضي أبو محمد : ويمكن أنهما جميعاً تكلما في ذلك اليوم، فقال : يا رسول الله كأنك تريدنا معشر الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أجل، فقال إنا آمنا بك واتبعناك فامض لأمر الله، فوالله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم )، فالتقوا وكانت وقعة بدر، وقرأ مسلمة بن محارب[(٣)](#foonote-٣) **«وإذ يعدْكم »** بجزم الدال، قال أبو الفتح ذلك لتوالي الحركات، وقرأ ابن محيصن **«وإذا يعدكم الله إحدى الطائفتين »** بوصل الألف من  إحدى  وصلة الهاء بالحاء، و  الشوكة  عبارة عن السلاح والحدة، ومنه قول الأعور :\[ الرجز \]إن العرفج قد أدبى\*\*\*[(٤)](#foonote-٤) وقرأ أبو عمرو فيما حكى أبو حاتم  الشوكة تكون  بإدغام التاء في التاء، ومعنى الآية وتودون العير وتأبون قتال الكفار، وقوله  ويريد الله  الآية، المعنى ويريد الله أن يظهر الإسلام ويعلي دعوة الشرع، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنهم **«بكلمته »** على الإفراد الذي يراد به الجمع، والمعنى في قوله  بكلماته  إما أن يريد بأوامره وأمره للملائكة والنصر لجميع ما يظهر الإسلام أن يكون، وإما أن يريد بكلماته التي سبقت في الأزل والمعنى قريب، و **«الدابر »** الذي يدبر القوم أي يأتي في آخرهم، فإذا قطع فقد أتى على آخرهم بشرط أن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهلاك عليه.

١ -المراد بالظهر هنا ما يركبه المقاتل من فرس ونحوه..
٢ - حرّش الإنسان والحيوان: أغراه بفعل شيء، وحرّش بين القوم: أفسد. (المعجم الوسيط)..
٣ - هو مسلمة بن عبد الله بن محارب أبو عبد الله الفهري البصري النحوي، له اختيار في القراءات، وقال ابن الجزري: لا أعلم على من قرأ، وكان من العلماء بالعربية. (المحتسب لابن جني)..
٤ -العرفج: نبت طيب الرائحة أغبر مائل إلى الخضرة له زهرة صفراء وليس له شوك- أدبى: يريد أن استوى وصلح أن يؤكل، وإذا استوى هذا النبت صلح الوقت للغزو- هذا وللعرفج أسماء تبعا لمراحل نموه، قال أبو نصر: إدباء العرفج أن يتّسق نبته ويتآزر. وقد قال هذا الكلام رجل من بني العنبر كان أسيرا في بكر بن وائل فسألهم أن يرسل رسولا إلى قومه، فلما شرطوا أن يعرفوا الرسالة لجأ إلى الرموز والتورية، وكان من رسالته لهم: "إن العرفج قد أدبى، وشكّت النساء... وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جبلي الأصهب" يريد أن وقت الغزو قد حان، وعليهم أن يرحلوا من أماكنهم إلى جهة أخرى يعرفونها- راجع في ذلك كتاب "الأمالي لأبي علي القالي" في: "مطلب الكلام على مادة لحن"..

### الآية 8:8

> ﻿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [8:8]

ليحق الحق  أي ليظهر ما يجب إظهاره وهو الإسلام  ويبطل الباطل  أي الكفر،  ولو كره  أي وكراهتهم واقعة فهي جملة في موضع الحال.

### الآية 8:9

> ﻿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [8:9]

وقوله : إذ تستغيثون ربكم  الآية،  إذ  متعلقة بفعل، تقديره واذكر إذ وهو الفعل الأول الذي عمل في قوله  وإذ يعدكم  \[ الأنفال الآية : ٧ \] وقال الطبري : هي متعلقة ب  يحق. . ويبطل . 
قال القاضي أبو محمد : ويصح أن يعمل فيها  يعدكم  \[ الأنفال : ٧ \] فإن الوعد كان في وقت الاستغاثة، وقرأ أبو عمرو بإدغام الذال في التاء واستحسنها أبو حاتم، و  تستغيثون  معناه تطلبون، وليس يبين من ألفاظ هذه الآية أن المؤمنين علموا قبل القتال بكون الملائكة معهم، فإن استجاب يمكن أن يقع في غيبه تعالى، وقد روي أنهم علموا ذلك قبل القتال، ومعنى التأنيس وتقوية القلوب يقتضي ذلك، وقرأ جمهور الناس **«أني »** بفتح الألف، وقرأ أبو عمرو في بعض ما روي عنه وعيسى بن عمر بخلاف عنه **«إني »** بكسر الألف أي قال إني، و  ممدكم  أي مكثركم ومقويكم من أمددت. وقرأ جمهور الناس **«بألف »** وقرأ عاصم الجحدري **«بآلف »**[(١)](#foonote-١) على مثل فلس وأفلس فهي جمع ألف، والإشارة بها إلى الآلاف المذكورة في آل عمران[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ عاصم الجحدري أيضاً **«بآلاف »** و  مردفين  معناه متبعين، ويحتمل أن يراد المردفين المؤمنين أي أردفوا بالملائكة ف  مردفين  على هذا حال من الضمير في قوله  ممدكم  ويحتمل أن يراد به الملائكة أي أردف بعضهم بعض غير نافع **«مردِفين »** بكسر الدال وهي قراءة الحسن ومجاهد والمعنى فيها تابع بعضهم بعضاً[(٣)](#foonote-٣) وروي عن ابن عباس خلف كل ملك ملك، وهذا معنى التتابع يقال ردف وأردف إذا أتبع وجاء بعد الشيء، ويحتمل أن يراد مردفين المؤمنين. 
ويحتمل أن يراد مردفين بعضهم بعضاً، ومن قال **«مردفين »** بمعنى أن كل ملك أردف ملكاً وراءه فقول ضعيف لم يأت بمقتضاه رواية، وقرأ رجل من أهل مكة رواه عنه الخليل **«مرَدِّفين »** بفتح الراء وكسر الدال وشدها. 
وروي عن الخليل أنها بضم الراء كالتي قبلها وفي غير ذلك، وقرأ بعض الناس بكسر الراء مثلهما في غير ذلك، حكى ذلك أبو عمرو عن سيبويه، وحكاه أبو حاتم قال : كأنه أراد مرتدفين فأدغم وأتبع الحركة، ويحسن مع هذه القراءة كسر الميم ولا أحفظه قراءة، وأنشد الطبري شاهداً على أن أردف بمعنى جاء تابعاً قول الشاعر \[ خزيمة بن مالك \] :\[ الوافر \]
إذا الجوزاءُ أردَفَتِ الثّريَا\*\*\* ظَنَنْتُ بآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونا[(٤)](#foonote-٤)
والثريا تطلع قبل الجوزاء وروي في الأشهر أن الملائكة قاتلت يوم بدر، واختلف في غيره من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل : لم تقاتل يوم بدر وإنما وقفت وحضرت وهذا ضعيف، وحكى الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : نزل جبريل في ألف ملك على ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر ونزل ميكائيل في ألف ملك في المسيرة وأنا فيها، وقال ابن عباس : كانا في خمسمائة خمسمائة، وقال الزجّاج : قال بعضهم : إن الملائكة خمسة آلاف، وقال بعضهم : تسعة آلاف، وفي هذا المعنى أحاديث هي مستوعبة في كتاب السير.

١ - أصلها على هذا (أألف) بهمزتين قلبت الثانية منهما ألفا لأنها ساكنة وما قبلها مفتوح فصارت (آلف)..
٢ - في قوله تعالى في الآية (١٢٥): بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين..
٣ - قال الإمام ابن خالويه: "الحجة لمن كسر الدال أنه جعل الفعل للملائكة فأتى باسم الفاعل من (أردف)، والحجة لمن فتح الدال أنه جعل الفعل لله عز وجل فأتى باسم المفعول من (أردف)، والعرب تقول: أردفت الرجل: أركبته على قطاة دابتي خلفي، وردفته: إذا ركبت خلفه: راجع كتاب "الحجة في القراءات السبع"- هذا وقطاة الدابة: العجز وما بين الوركين، أو مقعد الرديف من الدابة. "القاموس المحيط- مادة: قطا"..
٤ - البيت لخزيمة بن مالك بن نهد- جاء ذلك في (اللسان) مادة: ردف، قال: وأردفه: لغة في ردفه مثل تبعه وأتبعه معنى، قال خزيمة: إذ الجوزاء.." وهو يريد فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظين، ومعنى البيت على ما حكاه اللسان عن أبي بكر بن السراج: إن الجوزاء تردف الثريا في شدة الحر، فتتكبد السماء في آخر الليل، وعند ذلك تنقطع المياه وتجف فتتفرق الناس في طلب المياه، فتغيب عنه محبوبته، فلا يدري أين مضت، ولا أين نزلت. (راجع اللسان والتاج)..

### الآية 8:10

> ﻿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:10]

وقوله تعالى : وما جعله الله  الآية، الضمير في  جعله  عائد على الوعد. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي أمكن الأقوال من جهة المعنى، وقال الزجّاج : الضمير عائد على المدد، ويحتمل أن يعود على الإمداد، وهذا يحسن مع قول من يقول إن الملائكة لم تقاتل وإنما أنست بحضورها مع المسلمين. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي ضعيف ترده الأحاديث الواردة بقتال الملائكة وما رأى من ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كابن مسعود وغيره، ويحتمل أن يعود على الإرداف وهو قول الطبري، وهذا أيضاً يجري مجرى القول الذي قبله ويحتمل أن يعود على **«الألف »** وهذا أيضاً كذلك، لأن البشرى بالشيء إنما هي ما لم يقع بعد، و **«البشرى »** مصدر من بشرت، والطمأنينة السكون والاستقرار وقوله  وما النصر إلا من عند الله  توقيف على أن الأمر كله لله وأن تكسب المرء لا يغني إذا لم يساعده القدر وإن كان مطلوباً بالجد كما ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وهذه القصة كلها من قصة الكفار وغلبة المؤمنين لهم تليق بها من صفات الله عز وجل العزة والحكمة إذا تؤمل ذلك.

### الآية 8:11

> ﻿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ [8:11]

العامل في  إذ  هو العامل الذي عمل في قوله  وإذ يعدكم  \[ الأنفال : ٧ \] بتقدير تكراره لأن الاشتراك في العامل الأول نفسه لا يكون إلا بحرف عطف، وإنما القصد أن تعدد نعمة[(١)](#foonote-١) الله تعالى على المؤمنين في يوم بدر فقال : واذكروا إذ فعلنا كذا وقال الطبري : العامل في  إذ  قوله  ولتطمئن  \[ الأنفال : ١٠ \]. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا مع احتماله فيه ضعف، ولو جعل العامل في  إذ  شيئاً قريباً مما قبلها لكان الأولى في ذلك أن يعمل في  إذ   حكيم  \[ الأنفال : ١٠ \] لأن إلقاء النعاس عليهم وجعله أمنة حكمة من الله عز وجل[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ نافع **«يُغْشيكم »** بضم الياء وسكون الغين وهي قراءة الأعرج وأبي حفص وابن نصاح، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر والكسائي **«يغَشِّيكم »** بفتح الغين وشد الشين المكسورة وهي قراءة عروة بن الزبير وأبي رجاء والحسن وعكرمة وغيرهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«يَغشاكم »** بفتح الياء وألف بعد الشين وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وأهل مكة **«النعاسُ »** بالرفع، وحجة من قرأ **«يغشاكم »** إجماعهم في آية أحد على  يغشى طائفة منكم  \[ آل عمران : ١٥٤ \]، وحجة من قرأ **«يغشيكم »** أن يجيء الكلام متسقاً مع  ينزل [(٣)](#foonote-٣)، ومعنى  يغشيكم  يغطيكم به ويفرغه عليكم، وهذه استعارة و  النعاس  أخف النوم وهو الذي قد يصيب الإنسان وهو واقف أو ماشٍ، وينص على ذلك قصص هذه الآية أنهم إنما كان بهم خفق في الرؤوس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم **«إذا نعس أحدكم في صلاته »**[(٤)](#foonote-٤) الحديث، وينص على ذلك قول الشاعر \[ ابن الرقاع \] :\[ الكامل \]
وسنان أقصده النعاس فرنّقت\*\*\* في عينه سِنَةٌ وليس بنائم[(٥)](#foonote-٥)
وقوله  أمنة  مصدر من أمن الرجل يأمن أمناً وأمنة وأماناً، والهاء فيها لتأنيث المصدر كما هي في المساءة والمشقة[(٦)](#foonote-٦)، وقرأ ابن محيصن **«أمْنة »** بسكون الميم وروي عن عبد الله بن مسعود[(٧)](#foonote-٧) أنه قال : النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو وهو من الله، وهو في الصلاة من الشيطان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا إنما طريقه الوحي فهو لا محالة إنما يسنده، وقوله  وينزل عليكم من السماء ماء  تعديد أيضاً لهذه النعمة في المطر، فقال بعض المفسرين وحكاه الطبري عن ابن عباس وغيره، وقاله الزجّاج : إن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه وبقي المؤمنون لا ماء لهم فوجست نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا كذلك، فقال بعضهم في نفوسهم - بإلقاء الشيطان إليهم - نزعم أنَّا أولياء الله وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالنا هذه والمشركون على الماء، فأنزل الله المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية فشرب الناس وتطهروا وسقوا الظهر[(٨)](#foonote-٨) وتدمثت السبخة[(٩)](#foonote-٩) التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام المسلمين، وقت القتال وكانت قبل المطر تسوخ فيها الأرجل فلما نزل الطش تلبدت[(١٠)](#foonote-١٠) قالوا : فهذا معنى قوله  ليطهركم به  أي من الجنابة،  ويذهب عنكم رجز الشيطان  أي عذابه لكم بوساوسه المتقدمة الذكر والرجز العذاب، وقرأ أبو العالية **«رجس »** بالسين أي وساوسه التي تمقت وتتقذر، وقرأ ابن محيصن **«رُجز »** بضم الراء، وقرأ عيسى بن عمر **«ويذهبْ »** بجزم الباء،  وليربط على قلوبكم  أي بتنشيطها وإزالة الكسل عنها وتشجيعها على العدو ومنه قولهم : رابط الجأش أي ثابت النفس عند جأشها في الحرب[(١١)](#foonote-١١)  ويثبت به الأقدام  أي في الرملة الدهسة[(١٢)](#foonote-١٢) التي كان المشي فيها صعباً. 
قال القاضي أبو محمد : والصحيح من القول وهو الذي في سيرة ابن إسحاق وغيرها أن المؤمنين سبقوا إلى الماء ببدر، وفي هذا كلام حباب بن المنذر الأنصاري[(١٣)](#foonote-١٣) حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أول ماء، فقال له حباب : أبوحي يا رسول الله هو المنزل فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو عندك الرأي والمكيدة ؟ الحديث المستوعب في السيرة[(١٤)](#foonote-١٤). 
قال القاضي أبو محمد : ولكن نزول المطر كان قبل وصولهم إلى الماء وذلك أن القوم من المؤمنين لحقتهم في سفرهم الجنابات وعدموا الماء قريب بدر فصلوا كذلك فوقع في نفوسهم من ذلك، ووسوس الشيطان لهم في ذلك مع تخويفه لهم من كثرة العدو وقتلهم، وهذا قبل الترائي بالأعين، وأيضاً فكانت بينهم وبين ماء بدر مسافة طويلة من رمل دهس لين تسوخ فيه الأرجل وكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكفار إلى ماء بدر فتحرضوا هم أن يسبقوهم إليه فأنزل الله تلك المطرة فسالت الأودية فاغتسلوا وطهرهم الله فذهب رجز الشيطان ودمثت الطريق، وتلبدت تلك الرملة، فسهل المشي فيها وأمكنهم الإسراع حتى سبقوا إلى الماء، ووقع في السير أن ما أصاب المشركين من ذلك المطر بعينه صعب عليهم طريقهم، فُسَّر المؤمنون وتبينوا من جعل الله بهم ذلك قصد المعونة لهم، فطابت نفوسهم واجتمعت وتشجعت، فذلك الربط على قلوبهم وتثبيت الأقدام منهم على الرملة اللينة فأمكنهم لحاق الماء قبل المشركين. 
قال القاضي أبو محمد : هذا أحد ما يحتمله قوله  ويثبت به الأقدام  والضمير في  به  على هذا الاحتمال عائد على الماء، ويحتمل أن يعود الضمير في  به  على ربط القلوب فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب، وبين أن الرابط الجأش تثبت قدمه عند مكافحة الهول. 
قال القاضي أبو محمد : ونزول الماء كان في الزمن قبل تغشية النعاس ولم يترتب ذلك في الآية إذ القصد فيها تعديد النعم فقط، وحكى أبو الفتح أن الشعبي قرأ **«وينزل عليكم من السماء ماء »** ساكنة الألف  ليطهركم به  قال : وهي بمعنى الذي. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف[(١٥)](#foonote-١٥) وقرأ ابن المسيب **«ليطْهركم به »** بسكون الطاء.

١ - النص الذي وجدناه في النسخ التي بين أيدينا هو: "وإنما القصد أن تعدد نعمة الله تعالى"... الخ، ولكننا آثرنا هذا الذي أثبتناه معتمدين على كتاب "البحر المحيط" لأنه نقل العبارة عن ابن عطية هكذا، ثم علّق عليها، وهي التي يتسق بها الكلام..
٢ - قريب من هذا ما قاله أبو البقاء، وهو: "يجوز أن يكون ظرفا لما دل عليه عزيز حكيم..
٣ -وأيضا فإن الفعل فيها مضاف إلى الله عز وجل الذي تقدم ذكره في قوله سبحانه: وما النصر إلا من عند الله، هذا وآية (أحد) هي الآية (١٥٤) من سورة (آل عمران) وهي قوله تعالى: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم إلى آخر الآية..
٤ - الحديث مروي في البخاري ومسلم وغيرهما- عن عائشة رضي الله عنها، ونصه: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه). ورواه أيضا مالك، ورمز له في "الجامع الصغير" بالصحة..
٥ - نسبه في (اللسان) إلى ابن الرقاع وقال: امرأة وسنى ووسنانة: فاترة الطرف، شُبّهت بالمرأة الوسنى من النوم"، وقال أيضا: "إن ابن الرقاع فرّق بين السنة والنوم"، وعلى هذا الوسن: النوم الخفيف، يقال: وسن كفرح يوسن وسنا وسنة، وأقصده: أصابه فلم يخطئه، ورنّق النوم في عينه: خالطها، أو تهيأت العين للنوم، وقبل هذا البيت يقول ابن الرقاع، (وهو عدّي بن الرقاع العامليّ، كان شاعرا مقدما عند بني أمية مداحا لهم):
 لولا الحياء وأن رأسي قد عسا فيه المشيب لزرت أم القاسم
 وكأنها بين النساء أعــارها عينيه أحور من جآذر جاسم.
٦ - معنى أن \[أمنة\] مصدر أنه منصوب على المصدر، والتقدير: فأمنتم أمنة، ويرى الزمخشري وأبو حيان أنه منصوب على أنه مفعول له ( في قراءة \[يغشيكم\] لاتحاد الفاعل، لأن المغشي والمؤمن هو الله تعالى..
٧ - نسب هذا الكلام في "الكشاف" إلى ابن عباس رضي الله عنهما..
٨ - الظهر: الإبل التي يُحمل على ظهرها والجمع ظهران بالضم..
٩ - السبخة- بسكون الباء وكسرها-: أرض ذات نزّ وملح وجمعها: سبخات- والأرض الدمثاء: السهلة اللينة..
١٠ - الطش: المطر الخفيف، وهو فوق الرذاذ- وتلبدت الأرض: تماسكت وصلحت للمشي عليها..
١١ - الجأش: النفس أو القلب- وقول ابن عطية: "... عند جأشها" يعني عند فزعها..
١٢ - يقال: دهس المكان بمعنى كثر فيه الدهاس، وهو المكان السهل اللين ليس برمل ولا تراب ولا طين..
١٣ - الاسم الصحيح: "الحُباب بن المنذر بن الجموح" الأنصاري الخزرجي ثم السلمي. فهو بالألف واللام وضم الحاء، كان يكنى أبا عمر، وهو القائل يوم السقيفة: "أنا جذيلها المحكك، وعُذيقها المُرجّب"، قال ابن سعد: مات في خلافة عمر وقد زاد على الخمسين. (الإصابة)- وزاد في (الاستيعاب): كان يقال له ذو الرأي لما أشار به على الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر..
١٤ - الحديث طويل، وقد ذكره القرطبي وابن كثير-وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب الحباب: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة)، فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونغوّر (ندفن ما وراءه من القلب (جمع قليب وهو البئر العادية القديمة)، ثم نبني عليه حوضا فنملأه فنشرب ولا يشربوا، فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وفعله، ثم التقوا فنصر الله نبيه والمسلمين..
١٥ - والسبب أن ما دخلت عليه لام التعليل لا يصح أن يكون صلة، قال في "البحر المحيط": "ويمكن تخريج هذه القراءة على وجه آخر وهو أن \[ما\] ليس موصولا بمعنى (الذي) وأنه بمعنى (ماء) الممدود، وقد حكوا أن العرب حذفت هذه الهمزة فقالوا: (ما يا هذا) بحذف الهمزة وتنوين الميم، فيمكن أن تخرّج على هذا إلا أنهم أجروا الوصل مجرى الوقف فحذفوا التنوين وأبقوا الألف، وهي إما ألف الوصف التي هي بدل من الواو وهي عين الكلمة، وإما الألف التي هي بدل التنوين في حالة النصب"..

### الآية 8:12

> ﻿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [8:12]

وقوله تعالى : إذ يوحي ربك إلى الملائكة  الآية، العامل في  إذ  العامل الأول على ما تقدم فيما قبلها، ولو قدرناه قريباً لكان قوله  ويثبت  على تأويل عود الضمير على الربط، وأما على عوده على الماء فيقلق أن تعمل  ويثبت  في  إذ [(١)](#foonote-١) ووحي الله إلى الملائكة إما بإلهام أو بإرسال بعض إلى بعض، وقرأ عيسى بن عمر بخلاف عنه **«إني معكم »** بكسر الألف على استئناف إيجاب القصة، وقرأ جمهور الناس **«أني »** بفتح الألف على أنها معمولة ل  يوحي ، ووجه الكسر أن الوحي في معنى القول، وقوله  فثبتوا  يحتمل أن يكون بالقتال معهم على ما روي. 
ويحتمل بالحضور في حيزهم والتأنيس لهم بذلك، ويحتمل أن يريد : فثبوتهم بأقوال مؤنسة مقوية للقلب، وروي في ذلك أن بعض الملائكة كان في صورة الآدميين فكان أحدهم يقول للذي يليه من المؤمنين : لقد بلغني أن الكفار قالوا لئن حمل المسلمون علينا لننكشفن، ويقول آخر : ما أرى الغلبة والظفر إلا لنا. ويقول آخر : أقدم يا فلان، ونحو هذا من الأقوال المثبتة. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أيضاً أن يكون التثبيت الذي أمر به ما يلقيه الملك في قلب الإنسان بلمته[(٢)](#foonote-٢) من توهم الظفر واحتقار الكفار ويجري عليه من خواطر تشجيعه ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى : سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب  وإن كان إلقاء الرعب يطابق التثبيت على أي صورة كان التثبيت ولكنه أشبه بهذا إذ هي من جنس واحد. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا التأويل يجيء قوله  سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب  مخاطبة للملائكة، ثم يجيء قوله تعالى : فاضربوا فوق الأعناق  لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر عن صورة الحال كما تقول إذا وصفت حرباً لمن تخاطبه لقينا القوم وهزمناهم فاضرب بسيفك حيث شئت واقتل وخذ أسيرك، أي هذه كانت صفة الحال. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون  سألقي  إلى آخر الآية خبراً يخاطب به المؤمنين عما يفعله في الكفار في المستقبل كما فعله في الماضي، ثم أمرهم بضرب الرقاب والبنان تشجيعاً لهم وحضاً على نصرة الدين، وقرأ الأعرج **«الرعُب »** بضم العين والناس على تسكينها، واختلف الناس في قوله  فوق الأعناق ، فقال الأخفش  فوق  زيادة، وحكاه الطبري عن عطية أن المعنى فاضربوا الأعناق[(٣)](#foonote-٣) وقال غيره بمعنى على، وقال عكرمة مولى ابن عباس : هي على بابها وأراد الرؤوس إذ هي فوق الأعناق، وقال المبرد : وفي هذا إباحة ضرب الكافر في الوجه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل أنبلها، ويحتمل عندي أن يريد بقوله  فوق الأعناق  وصف أبلغ ضربات العنق وأحكمها، هي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ودون عظم الرأس في المفصل، وينظر إلى هذا المعنى قول دريد بن الصمة[(٤)](#foonote-٤) السلمي حين قال له خذ سيفي وارفع به عن العظم واخفض عن الدماغ فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال، ومثله قول الشاعر :\[ الوافر \]. 
جعلت السيف بين الجيد منه\*\*\* وبين أسيل خديه عذارا[(٥)](#foonote-٥)
فيجيء على هذا  فوق الأعناق  متمكناً، وقال ابن قتيبة  فوق  في هذه الآية بمعنى دون، وهذا خطأ بين، وإنما دخل عليه اللبس من قوله تعالى : ما بعوضة فما فوقها [(٦)](#foonote-٦) أي فما دونها. 
قال القاضي أبو محمد : وليست  فوق  هنا بمعنى دون وإنما المراد فما فوقها في القلة والصغر فأشبه المعنى دون وال  بنان  قالت فرقة : هي المفاصل حيث كان من الأعضاء، فالمعنى على هذا : واضربوا منهم في كل موضع، وقالت فرقة : البنان الأصابع، وهذا هو القول الصحيح[(٧)](#foonote-٧)، فعلى هذا التأويل وإن كان الضرب في كل موضع مباحاً فإنما قصد أبلغ المواضع لأن المقاتل إذا قطع بنانه استأسر[(٨)](#foonote-٨) ولم ينتفع بشيء من أعضائه في مكافحة وقتال.

١ - سبب القلق اختلاف زمان التثبيت عنده وزمان الوحي، لأن زمان إنزال المطر وما تعلق به من تعليلات متقدم على تغشية النعاس والإيحاء، ذكر ذلك أبو حيان في "البحر"، ومن هذا الرأي أيضا الألوسي، فقد ذكر القول بأن (إذ) معمولة لـ \[يثبت\] ثم قال: "ويتعين حينئذ عود الضمير المجرور في \[به\] إلى الربط، ولا يصح أن يعود إلى الماء لتقدم زمانه على زمان ذلك، يعني الإيحاء إلى الملائكة..
٢ - لمّة الشيء: ما اجتمع منه..
٣ - في القرطبي: "وقد روى المسعودي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، وإنما بعثتُ بضرب الرقاب وشدّ الوثاق). وقال محمد ابن يزيد: هذا خطأ لأن (فوق) تفيد معنى فلا تجوز زيادتها..
٤ - دُريد بن الصمة الجُشمي البكري، من هوازن، شجاع، من الأبطال الشعراء المعمرين في الجاهلية، غزا نحو مائة غزوة لم يهزم في واحدة منها، أدرك الإسلام ولم يسلم، بل قتل على جاهليته يوم حنين، له أخبار كثيرة، والصّمّة لقب أبيه معاوية بن الحارث. (الأغاني ط دار الكتب ١٠: ٣-٤٠، وخزانة البغدادي، والروض الأنف)..
٥ - الجيد: العنق أو مقدّمه أو موضع القلادة منه. والحد الأسيل: السهل اللّين الرقيق المستوى، وفي صفته صلى الله عليه وسلم: كان أسيد الخد، قال ابن الأثير: الأسالة في الخد الاستطالة، وأن لا يكون مرتفع الوجنة.
 وعذار اللجام: ما وقع منه على خدّي الدابة، وعذار الرجل شعره النابت في موضع العذار وهو أعلى العارضة. ومراد الشاعر أنه يضربه بالسيف في هذا الموضع الدقيق بين الخدّ والجيد، ولم نقف على قائل البيت..
٦ - من قوله تعالى في الآية (٢٦) من سورة (البقرة): إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..
٧ - البِنانُ: جمع بنَانَة وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين، وأنشد ابن بري لعباس بن مرداس:
 ألا ليتني قطعت منه بنانة ولاقيته في البيت يقظان حاذرا
 .
٨ - يقال: استأسر له: أي استسلم لأسره. (المعجم الوسيط)..

### الآية 8:13

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:13]

هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون داخلون فيه بالمعنى والضمير في  بأنهم  عائد على الذين كفروا، و  شاقوا  معناه خالفوا ونابذوا وقطعوا، وهو مأخوذ من الشق وهو القطع والفصل بين شيئين، وهذه مفاعلة فكأن الله لما شرع شرعاً وأمر بأوامر وكذبوا هم وصدوا تباعد ما بينهم وانفصل وانشق، مأخوذ من هذا لأنه مع شقه الآخر تباعدا وانفصلا وعبر المفسرون عن قوله  شاقوا  أي صاروا في شق غير شقه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان معناه صحيحاً فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذكرناه، والمثال الأول إنما هو الشَّق بفتح الشين، وأجمعوا على الإظهار في  يشاقق  إتباعاً لخط المصحف، وقوله  فإن الله شديد العقاب  جواب الشرط تضمن وعيداً وتهديداً

### الآية 8:14

> ﻿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ [8:14]

وقوله تعالى : ذلكم فذوقوه  المخاطبة للكفار، أي ذلك الضرب والقتل وما وأوقع الله بهم يوم بدر، فكأنه قال الأمر ذلك فذوقوه وكذا فسره سيبويه، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون  ذلكم  في موضع نصب كقوله زيداً فاضربه، وقرأ جمهور الناس **«وأن »** بفتح الألف، فإما على تقدير وحتم أن. فيقدر على ابتداء محذوف يكون **«أن »** خبره[(١)](#foonote-١)، وإما على تقدير : واعلموا أن، فهي على هذا في موضع نصب، وروى سليمان عن الحسن بن أبي الحسن و **«إن »** على القطع والاستئناف.

١ - جاء في إحدى النسخ بعد هذا زيادة قوله: "وقال سيبويه: التقدير: الأمر ذلكم"..

### الآية 8:15

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ [8:15]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً  الآية،  زحفاً  يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي يزحف بعضهم إلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الألية[(١)](#foonote-١) ثم سمي كل ماش إلى آخر في الحرب رويداً زاحفاً، إذ في مشيته من التماهل والتباطؤ ما في مشي الزاحف، ومن الزحف الذي هو الاندفاع قولهم لنار العرفج[(٢)](#foonote-٢) وما جرى مجراه في سرعة الاتقاد نار الزحفتين[(٣)](#foonote-٣) ومن التباطؤ في المشي قول الشاعر :\[ البسيط \]
كأنهنَّ بأيدي القومِ في كَبدٍ\*\*\* طير تكشف عن جون مزاحيف[(٤)](#foonote-٤)
ومنه قول الفرزدق :\[ البسيط \]
على عمائمنا تُلقى وأرجلنا\*\*\* على مزاحيف تزجى مخها رير[(٥)](#foonote-٥)
ومنه قول الآخر \[ الأعشى \] :\[ الطويل \]
لمن الظعائن سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٦)](#foonote-٦)
ومن التزحف بمعنى التدافع قول الهذلي :\[ الوافر \]
كأن مزاحف الحيّات فيه\*\*\* قبيل الصبح آثار السباط[(٧)](#foonote-٧)

١ - الألية: العجيزة أو ما ركبها من شحم ولحم. قال الأزهري: "وأصل الزحف للصبي وهو أن يزحف على إسته قبل أن يقوم، وإذا فعل ذلك على بطنه قيل: قد حبا، وشُبّه بزحف الصبيان مشي الفئتين تلتقيان للقتال".
٢ - العَرْفَج: شجر أو ضرب من النبات سريع الاتقاد، واحدته بهاء، وقال أبو زياد: العَرْفج طيّب الرائحة أغبر إلى خُضرة وله زهرة صفراء وليس له حب ولا شوك، وقال أبو حنيفة: أخبرني بعض الأعراب أن العرفجة أصلها واسع تنبت لها قضبان كثيرة بقدر = الأصل، وليس لها ورق، إنما هي عيدان دقاق وفي أطرافها َزَمع يظهر في رؤوسها شيء كالشعر أصفر، والإبل والغنم تأكله رطبا ويابسا، ولهبه شديد الحُمرة، ويقال: كأن لحيته ضرام عرفجة. (راجع تاج العروس-عرج)..
٣ - جاء في التاج: "قال الأزهري: ونار العرفج يُسميها العرب نار الزحفتين، لأن الذي يوقدها يزحف إليها، فإذا اتقدت زحف عنها." ونقل في اللسان عن ابن بري: وتُسمّى ناره نار الزحفتين لأنه يسرع الالتهاب فيزحف عنه، ثم لا يلبث أن يخبو فيُزحف إليه، وأنشد أبو العميثل:
 وسوداء المعاصم لم يغادر لها كفلا صلاء الزحفتين.
٤ - البيت لأبي زبيد، وقد ذكر حفر قبر عثمان رضي الله عنه وكانوا قد حفروا له في الحرّة فشبّه المساحي التي يضرب بها في الأرض بطير عائفة على إبل سود قد اسودت من العرق بها دبر، وشبّه سواد الحرّة بالإبل السود، ورواية البيت كما قال ابن بري: "طير تعيف على" بدلا من: "طير تكشف عن". وقد روى البيت بألفاظ أخرى ذكرها صاحب اللسان وهي:
 حتى كأن مساحي القوم فوقهم طير تحوم على جوق مزاحيف..
٥ - قبل هذا البيت يقول الفرزدق:
 مستقبلين شمال الشام تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور
 ورواية البيت في الديوان وفي اللسان كما ذكرها ابن عطية هنا: (على زواحف نُزجيها محاسير)، وقد قال شارع الديوان: "الرواية المشهورة: (تُزجى مُخّها رير)، ولحّنه ابن =معدان وقال: أسأت. الموضع موضع رفع، وإن رفعت أقويت، وألحّ الناس على الفرزدق في ذلك فقلبها فقال: (نُزجيها محاسير)، قال التاريخي: ثم ترك الرواة هذا ورجعوا إلى القول الأول". ومعنى رير: رقيق، يقال: أرار الله مُخّه أي: جعله رقيقا، قال الراجز:
 \*والساق مني باديات الرير\*
 أي: أنا ظاهر الهزال، لأنه دق عظمه ورقّ جلده فظهر مُخّه. (راجع اللسان).
 وفي كتاب التنبيهات على أغلاط الرواة أن عبد الله بن أبي إسحاق النحوي قال: إن الفرزدق لحن في قوله: (تزجى مخّها رير) فبلغ ذلك الفرزدق فقال: أما وجد هذا لبيتي مخرجا في العربية؟ أما إني لو أشاء لقلت: (على زواحف نُزجيها محاسير)، ولكنني والله لا أقوله ولكن هكذا رواه اللغويون، وأصحاب المعاجم ورواة الديوان..
٦ - نسبه في "البحر المحيط" للأعشى، وتمامه كما ذكره:
 .................... منك السفين إذا تقاعس تجرف
 والظعائن: جمع ظعينة وهي المرأة تكون في الهودج، ثم كثر ذلك حتى سموا زوجة الرجل ظعينة، والظعن: سير البادية لنجدة أو طلب ماء. ورواية (التاج) لهذا البيت في شطره الثاني:
 ................... عوم السفين إذا تقاعس يحذف.
٧ - قال المتنخل الهزلي هذا البيت يصف منهلا، وقد ذكره الجوهري بلفظ:
 كأن مزاحف الحيات فيها .................
 وخطأه في اللسان، وقال: الصواب (فيه) كما ذكرناه، وقد ذكره مع بيت قبله هكذا:
 شربت بجمه وصدرت عنه وأبيض صارم ذكر إباطي
 كأن مزاحف الحيّات فيه قبيل الصبح آثار السياط.
 والجم: الماء إذا تراجع وكثر في البئر بعد الأخذ منه. ومعنى قوله إباطي: تحت إبطي، قال السيرافي: أصله: إباطي فخفف ياء النسب، وعلى هذا يكون صفة لصارم، وهو منسوب إلى الإبط..

### الآية 8:16

> ﻿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [8:16]

وأمر الله عز وجل في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في ِمْثَلْي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنة من المشركين فالفرض أن لا يفروا أمامهم، فالفرار هناك كبيرة موبقة بظاهر القرآن والحديث وإجماع الأكثر من الأمة، والذي يراعى العدد حسب ما في كتاب اله عز وجل : وهذا قول جمهور الأمة، وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة : يراعى أيضاً الضعف والقوة والعدة فيجوز على قولهم أن تفر مائة فارس إذا علموا أن عند المشركين من العدة والنجدة والبسالة ضعف ما عندهم، وأمام أقل أو أكثر بحسب ذلك وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا أمام ما زاد على مائتين والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها بشعة على الفار ذامة له، وقرأ الجمهور **«دبُره »** بضم الباء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«دبْره »** بسكون الباء، واختلف المتأولون في المشار إليه بقوله  يومئذ  فقالت فرقة الإشارة إلى يوم بدر وما وليه، وفي ذلك اليوم وقع الوعيد بالغضب على من فر، ونسخ بعد ذلك حكم الآية بآية الضعف[(١)](#foonote-١)، وبقي الفرار من الزحف ليس بكبيرة وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال فيهم يوم حنين :
 ثم وليتم مدبرين [(٢)](#foonote-٢) ولم يقع على ذلك تعنيف. 
قال القاضي أبو محمد : وقال الجمهور من الأمة : الإشارة ب  يومئذ  إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله  إذا لقيتم  وحكم الآية باق لى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ، وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا لكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم وفرارهم عنه، وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف أمام الكثرة، ويحتمل أن عفو الله عمن فر يوم أحد كان عفواً عن كبيرة، و  متحرفاً لقتال  يراد به الذي يرى أن فعله ذلك أنكى للعدو وأعود عليه بالشر، ونصبه على الحال، وكذلك نصب متحيز، وأما الاستثناء فهو من المولين الذين يتضمنهم  من ، وقال قوم : الاستثناء هو من أنواع التولي. 
قال القاضي أبو محمد : ولو كان ذلك لوجب أن يكون إلا تحرفاً وتحيزاً، والفئة ها هنا الجماعة من الناس الحاضرة للحرب، هذا على قول الجمهور في أن الفرار من الزحف كبيرة، وأما على القول الآخر فتكون ( الفئة ) : المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا، روي هذا القول عن عمر رضي الله عنه وأنه قال : أنا فئتكم أيها المسلمون[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا منه على جهة الحيطة على المؤمنين إذ كانوا في ذلك الزمن يثبتون لأضعافهم مراراً، وفي مسند ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجماعة فرت في سرية من سراياه :**«أنا فئة المسلمين »**[(٤)](#foonote-٤) حين قدموا عليه، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«اتقوا السبع الموبقات »** وعدد فيها الفرار من الزحف[(٥)](#foonote-٥)، و  باء  بمعنى نهض متحملاً للثقل المذكور في الكلام غضباً كان أو نحوه، والغضب من صفات الله عز وجل إذا أخذ بمعنى الإرادة فهي صفات ذات، وإذا أخذ بمعنى إظهار أفعال الغاضب على العبد فهي صفة فعل، وهذا المعنى أشبه بهذه الآية، والمأوى الموضع الذي يأوي إليه الإنسان.

١ - هي قوله تعالى في الآية (٦٦) من هذه السورة: الآن خفّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا..
٢ - من الآية (٢٥) من سورة (التوبة)..
٣ - أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم- عن عمر رضي الله عنه قال: "لا تغرنكم هذه الآية فإنها كانت يوم بدر، وإنا فئة لكل مسلم"..
٤ - اخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب المفرد، واللفظ له، وجماعة غيرهم- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا في غزوة فحاص الناس حيصة، قلنا: كيف نلقى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف وبُؤنا بالغضب؟ فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فخرج فقال: (من القوم؟) فقلنا: نحن الفرارون، فقال: (لا، بل أنتم العكارون)، فقبلنا يده فقال: (أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين) ثم قرأ: إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة. (الدر المنثور) قال ابن الأثير في "النهاية": "حاص الناس حيصة: جالوا جولة يطلبون الفرار، والمحيص: المهرب والمحيد"..
٥ - الحديث رواه مسلم في الإيمان، ورواه البخاري في الوصايا وفي الحدود، ولفظه كما في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات). ومعنى الموبقات: المهلكات- والتولي يوم الزحف هو الفرار عن القتال يوم التقاء المحاربين..

### الآية 8:17

> ﻿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:17]

هذه مخاطبة للمؤمنين أعلم الله بها أن القتلة من المؤمنين ليسوا هم مستبدين بالقتل، لأن القتل بالإقدار عليه، والخلق والاختراع في جميع حالات القاتل إنما هي لله تعالى ليس للقاتل فيها شيء، وإنما يشاركه بتكسبه وقصده، وهذه الألفاظ ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق لهم، وسبب هذه الآية فيما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم مما فعل، فقال قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت الآية، وقوله  وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى  يراد به ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله يومئذ، وذلك أنه أخذ قبضات من حصى وتراب، فرمى بها في وجوه القوم وتلقاهم ثلاث مرات فانهزموا عند آخر رمية، ويروى أنه قال يوم بدر : شاهت الوجوه، وهذه الفعلة أيضاً كانت يوم حنين بلا خلاف، وروي أن التراب الذي رمى به لم يبق كافر إلا دخل في عينيه منه شيء، وروي أنه رمى بثلاثة أحجار فكانت الهزيمة مع الحجر الثالث. 
قال القاضي أبو محمد : فيحتمل قوله تعالى : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  ما قلناه في قوله  فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم  وذلك منصوص في الطبري وغيره، وهو خارج في كلام العرب على معنى وما رميت الرمي الكافي إذ رميت، ونحوه قول العباس بن مرداس :\[ المتقارب \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* فلم أعط شيئاً ولم أمنعِ[(١)](#foonote-١)
أي لن أعط شيئاً مرضياً ويحتمل أن يريد، وما رميت الرعب في قلوبهم إذ رميت حصياتك، ولكن الله رماه وهذا أيضاً منصوص في المهدوي وغيره، ويحتمل أن يريد وما أغنيت إذ رميت حصياتك ولكن الله رمى أي أعانك وأظفرك، والعرب تقول في الدعاء : رمى الله لك، أي أعانك وصنع لك. 
وحكى هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز وقرأت فرقة **«ولكنّ الله رمى »** بتشديد النون، وفرقة **«ولكنْ اللهُ »** بتخفيفها ورفع الهاء من **«الله »**  وليبلي  أي ليصيبهم ببلاء حسن، فظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة والظفر والعزة، وقيل أراد الشهادة لمن استشهد يوم بدر وهم أربعة عشر رجلاً، منهم عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ومهجع مولى عمر، ومعاذ وعمرو ابنا عفراء، وغيرهم،  إن الله سميع  لاستغاثتكم،  عليم  بوجه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو، وحكى الطبري : أن المراد بقوله  وما رميت إذ رميت  رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة على أبيّ بن خلف يوم أحد[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لأن الآية نزلت عقب بدر، وعلى هذا القول تكون أجنبية مما قبلها وما بعدها وذلك بعيد، وحكي أيضاً أن المراد السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر فصار في الهويّ حتى أصاب ابن أبي الحقيق فقتله وهو على فراشه[(٣)](#foonote-٣)، وهذا فاسد، وخيبر فتحها أبعد من أحد بكثير، والصحيح في قتل ابن أبي الحقيق غير هذا، فهذان القولان ضعيفان لما ذكرناه.

١ - هذا عجز البيت، وتمامه:
 وقد كنت في القوم ذا ُتْدَرإ فلم أعط شيئا ولم أمنع.
 قال ابن الأثير: ذو تدرإ أي: ذو هجوم لا يتوقى ولا يهاب ففيه قوة على دفع أعدائه، وهو إسم موضوع للدفع، والتاء فيه زائدة كما زيدت في تَتْفُل وتنضب وترتُب، يقال: السلطان ذو تدرأ بضم التاء، أي ذو عُدة وقوة على دفع أعدائه عن نفسه (اللسان)..
٢ - كان أبي بن خلف قد أوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل في مكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل أنا أقتلك)، فمات عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة بموضع يقال له "سرف"، قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: لما كان يوم أحد أقبل أبي مقنعا في الحديد على فرسه يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله، قال موسى بن عقبة: قال سعيد ابن المسيب: فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخّلوا طريقه، فاستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدّرع، فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، قال سعيد: فكسر ضلعا من أضلاعه، قال: ففي ذلك نزل: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى والقصة صحيحة، ولكن القول بأن الآية نزلت فيها هو الذي يصفه ابن عطية وغيره من المفسرين بالضعف لأن الآية نزلت عقب بدر..
٣ - قصة قتل ابن أبي الحقيق فيها روايات كثيرة، والذي يهمنا هنا أنها كانت في فتح خيبر بعيدة تماما عن هذه الآية التي نزلت عقب غزوة بدر..

### الآية 8:18

> ﻿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ [8:18]

وقوله  ذلكم  إشارة إلى ما تقدم من قتل الله ورميه إياهم، وموضع  ذلكم  من الإعراب رفع، قال سيبويه : التقدير الأمر ذلكم، وقال بعض النحويين : يجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير فعل ذلكم  وأن  معطوف على  ذلكم  ويحتمل أن يكون خبر ابتداء مقدر تقديره وحتم وسابق وثابت ونحو هذا، وقرأت فرقة **«وإن »** بكسر الهمزة على القطع والاستئناف، و  موهن  معناه مضعف مبطل، يقال وهن الشيء مثل وعد يعد، ويقال وهن مثل ولي يلي، وقرىء فما وهنوا لما أصابهم [(١)](#foonote-١) بكسر الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ****«موهن كيد »**** من أوهن، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ****«موهن كيد »**** من وهن، وقرأ حفص عن عاصم **«موهن كيدِ »** بكسر الدال والإضافة[(٢)](#foonote-٢)، وذكر الزجّاج أن فيها أربعة أوجه فذكر هذه القراءات الثلاث، وزاد **«موهّن كيد »** بتشديد الهاء والإضافة إلا أنه لم ينص أنها قراءة.

١ - من الآية (١٤٦) من سورة (آل عمران)..
٢ - الحجة لمن قرأ بتشديد الهاء أنه أخذه من وهّن فهو موهّن، والحجة لمن قرأ بتخفيف الهاء أنه أخذ من أوهن- ومن قرأ بالتنوين مع نصب (كيد) أراد الحال أو الاستقبال، ومن قرأ بالإضافة أراد ما ثبت ومضى من الزمان. قال ذلك الإمام ابن خالويه في كتاب "الحجة في القراءات السبع"..

### الآية 8:19

> ﻿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [8:19]

قال بعض المتأولين : هذه الآية مخاطبة للمؤمنين الحاضرين بوم بدر، قال الله لهم : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح  وهو الحكم بينكم وبين الكافرين فقد جاءكم، وقد حكم الله لكم،  وإن تنتهوا  عما فعلتم من الكلام في أمر الغنائم وما شجر بينكم فيها وعن تفاخركم بأفعالكم من قتل وغيره فهو خير لكم  وإن تعودوا  لهذه الأفعال نعد لتوبيخكم، ثم أعلمهم أن الفئة وهي الجماعة لا تغني وإن كثرت إلا بنصر الله تعالى ومعونته، ثم أنسهم بقوله وإيجابه، أنه مع المؤمنين، وقال أكثر المتأولين : هذه الآية مخاطبة للكفار أهل مكة، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يدعو أبداً في محافل قريش، ويقول اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأهلكه واجعله المغلوب، يريد محمداً صلى الله عليه وسلم وإياهم، وروي أن قريشاً لما عزموا على الخروج إلى حماية العير تعلقوا بأستار الكعبة واستفتحوا، وروي أن أبا جهل قال صبيحة يوم بدر : اللهم انصر أحب الفئتين إليك وأظهر خير الدينين عندك، اللهم أقطعنا للرحم فأِحْنه الغداة[(١)](#foonote-١)، ونحو هذا فقال لهم الله، إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم أي كما ترونه عليكم لا لكم. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا توبيخ، ثم قال لهم  وإن تنتهوا  عن كفركم وغيكم  فهو خير لكم  ثم أخبرهم أنهم إن عادوا للاستفتاح عاد بمثل الوقعة يوم بدر عليهم، ثم أعلمهم أن فئتهم لا تعني شيئاً وإن كانت كثيرة، ثم أعلمهم أنه مع المؤمنين. 
وقالت فرقة من المتأولين : قوله  وإن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ، هي مخاطبة للمؤمنين، وسائر الآية مخاطبة للمشركين، كأنه قال وأنتم إن تنتهوا فهو خير لكم، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وأبي عمرو وحمزة والكسائي **«وإن الله »** بكسر الهمزة على القطع، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص **«وأن »** بفتح الألف، فإما أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء محتمل المعنى، وفي قراءة ابن مسعود :**«ولو كثرت والله مع المؤمنين »**. وهذا يقوي قراءة من كسر الألف، من **«إن »**.

١ - الحيْن هو: الهلاك، يقال: حان الرجل أي هلك- وأحانه الله: أهلكه- والفعل أحنه أمر من ذلك بمعنى: أهلكه..

### الآية 8:20

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ [8:20]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله  الآية، الخطاب للمؤمنين المصدقين، جدد عليهم الأمر بطاعة الله والرسول ونهوا عن التولي عنه، وهذا قول الجمهور، ويكون هذا متناصراً مع قول من يقول : إن الخطاب بقوله  وإن تنتهوا  هو للمؤمنين، فيجيء الكلام من نمط واحد في معناه، وأما على قول من يقول إن المخاطبة ب  إن تنتهوا  هي للكفار فيرى أن هذه الآية إنما نزلت بسبب اختلافهم في النفل ومجادلتهم في الحق وكراهيتهم خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاخرهم بقتل الكفار والنكاية فيهم، وقالت فرقة : الخطاب بهذه الآية إنما هو للمنافقين والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان محتملاً على بعد فهو ضعيف جداً لأجل أن الله وصف من خاطب في هذه الآية بالإيمان، والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء، وقيل إن بالفعل المستقبل فحذفت الواحدة، والمحذوفة هي تاء تفعل، والباقية هي تاء العلامة، لأن الحاجة إليها هنا أمس ليبقى الفعل مستقبلاً، وقوله  وأنتم تسمعون  يريد دعاءه لكم بالقرآن والمواعظ والآيات،

### الآية 8:21

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [8:21]

وقوله  كالذين قالوا  يريد الكفار، فإما من قريش لقولهم  سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا [(١)](#foonote-١) وإما الكفار على الإطلاق الذين يقولون سمعنا القرآن وعلمنا أنه سحر أو شعر وأساطير بحسب اختلافهم، ثم أخبر الله عنهم خبراً نفى به أنهم سمعوا أي فهموا ووعوا، لأنه لا خلاف أنهم كانوا يسمعون التلاوة بآذانهم ولكن صدورهم مطبقة لم يشرحها الله عز وجل لتلقي معاني القرآن والإيمان به.

١ - ستأتي في الآية (٣١) من هذه السورة..

### الآية 8:22

> ﻿۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [8:22]

المقصود بهذه الآية أن يبين أن هذه الصنيفة العاتية من الكفار هي شر الناس عند الله عز وجل، وأنها أخس المنازل لديه، عبر ب  الدواب  ليتأكد ذمهم وليفضل عليهم الكلب العقور والخنزير ونحوهما من السبع، والخمس الفواسق وغيرها، و  الدواب  كل ما دب فهو جميع الحيوان بجملته، وقوله  الصم البكم  عبارة عما في قلوبهم وقلة انشراح صدورهم وإدراك عقولهم، فلذلك وصفهم بالصم والبكم وسلب العقل، وروي أن هذه الآية نزلت في طائفة من بني الدار[(١)](#foonote-١) وظاهرها العموم فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بهذه الأوصاف.

١ - في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون قال: هم نفر من بني عبد الدار. هذا والأصل: أشرّ، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وكذا خير، الأصل فيها أخير..

### الآية 8:23

> ﻿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [8:23]

ثم أخبر تعالى بأن عدم سمعهم وهداهم إنما هو بما علمه الله منهم وسبق من قضائه عليهم فخرج ذلك في عبارة بليغة في ذمهم في قوله  ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم  والمراد لأسمعهم إسماع تفهيم وهدى، ثم ابتدأ عز وجل الخبر عنهم بما هم عليه من حتمه عليهم بالكفر فقال  ولو أسمعهم  أي ولو أفهمهم  لتولوا  بحكم القضاء السابق فيهم ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : المعنيّ بهذه الآية المنافقون، وضعفه الطبري وكذلك هو ضعيف.

### الآية 8:24

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [8:24]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول  الآية، هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، و  استجيبوا  بمعنى أجيبوا، ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام ويتعدى أجاب دوم لام، وقد يجيء تعدي استجاب بغير لام والشاهد قول الشاعر :\[ الطويل \]
وداعٍ دعا يا من يجيبُ إلى النِّدا\*\*\* فلم يستجبْه عند ذاك مجيب[(١)](#foonote-١)
وقوله  لما يحييكم  قال مجاهد والجمهور : المعنى للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواه، وهذا إحياء مستعار لأنه من موت الكفر والجهل، وقيل الإسلام وهذا نحو الأول ويضعف من جهة أن من آمن لا يقال له ادخل في الإسلام، وقيل  لما يحييكم  معناه للحرب وجهاد العدو وهو يحي بالعزة والغلبة والظفر، فسمي ذلك حياة كما تقول حييت حال فلان إذا ارتفعت، ويحيي أيضاً كما يحيي الإسلام والطاعة وغير ذلك بأنه يؤدي إلى الحياة الدائمة في الآخرة، وقال النقاش : المراد إذا دعاكم للشهادة. 
قال القاضي أبو محمد : فهذه صلة حياة الدنيا بحياة الآخرة، وقوله  واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه  يحتمل وجوهاً، ومنها أنه لما أمرهم بالاستجابة في الطاعة حضهم على المبادرة والاستعجال فقال : واعلموا أن الله يحول بين المراء وقلبه  بالموت والقبض أي فبادروا بالطاعات، ويلتئم مع هذا التأويل قوله  وأنه إليه تحشرون ، أي فبادروا الطاعات وتزودوها ليوم الحشر، ومنها أن يقصد بقوله  واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه  إعلامهم أن قدرة الله وإحاطته وعلمه والجة بين المرء وقلبه حاصلة هناك حائلة بينه وبين قلبه. 
قال القاضي أبو محمد : فكأن هذا المعنى يحض على المراقبة والخوف لله المطلع على الضمائر، ويشبه على هذا التأويل هذا المعنى قوله تعالى : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [(٢)](#foonote-٢)، حكي هذا التأويل عن قتادة، ويحتمل أن يريد تخويفهم إن لم يمتثلوا الطاعات ويستجيبوا لله وللرسول بما حل بالكفار الذين أرادهم بقوله  ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ، لأن حتمه عليهم بأنهم لو سمعوا وفهموا لم ينتفعوا يقتضي أنه قد كان حال بينهم وبين قلوبهم، فكأنه قال للمؤمنين في هذه الأخرى استجيبوا لله وللرسول ولا تأمنوا إن تفعلوا أن ينزل بكم ما نزل بالكفار من الحول بينهم وبين قلوبهم، فنبه على ما جرى على الكفار بأبلغ عبارة وأعلقها بالنفس، ومنها أن يكون المعنى ترجية لهم بأن الله يبدل الخوف الذي في قلوبهم من كثرة العدو فيجعله جرأة وقوة وبضد ذلك الكفار فإن الله هو مقلّب القلوب كما كان قسم النبي صلى الله عليه وسلم[(٣)](#foonote-٣)، قال بعض الناس ومنه لا حول ولا قوة إلا بالله أي لا حول على معصية ولا قوى على طاعة إلا بالله، وقال المفسرون في ذلك أقوالاً هي أجنبية من ألفاظ الآية حكاها الطبري، منها أن الله يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان ونحو هذا[(٤)](#foonote-٤)، وقرأ ابن أبي إسحاق **«بين المِرء »** بكسر الميم ذكره أبو حاتم، قال أبو الفتح : وقرأ الحسن والزبيدي[(٥)](#foonote-٥) **«بين المَرِّ »** بفتح الميم وشد الراء المكسورة[(٦)](#foonote-٦). 
و  تحشرون  أي تبعثون يوم القيامة، وروي عن طريق مالك بن أنس والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبيّ بن كعب وهو في الصلاة فلم يجب وأسرع في بقية صلاته، فلما جاءه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما سمعت فيما يوحى إلي  يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم  فقال أبيّ : لا جرم يا رسول الله لا تدعوني أبداً إلا أجبتك، الحديث بطوله واختلاف ألفاظه[(٧)](#foonote-٧)، وفي البخاري ومسلم أن ذلك وقع مع أبي سعيد بن المعلى[(٨)](#foonote-٨)، وروي أنه وقع نحوه مع حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق.

١ - البيت لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار، وقد سبق الاستشهاد بهذا البيت في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون. وفي الفعل (أجاب) يمكن أن تقول: أجابه وأجاب عن سؤاله. والمصدر: الإجابة، والاسم: الجابة بمنزلة الطاقة والطاعة، وفي المثل: "أساء سمعا فأساء جابه"، ذكر الزبير بن بكار أنه كان لسهل بن عمر ابن مضعوف، فقال له: أين أمكّ بفتح الهمزة وضم الميم المشددة- بمعنى: أين قصدك؟ فظن أنه يسأله عن أمه فقال: ذهبت تشتري دقيقا، فقال أبوه: "أساء سمعا فأساء جابة". (اللسان)..
٢ - من الآية (١٦) من سورة (ق)..
٣ - روى البخاري في كتاب التوحيد عن سالم بن عبد الله قال: كان أكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف: (لا ومقلب القلوب). وفي مسند الإمام أحمد أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف شاء)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك)..
٤ - الذي اختاره الطبري من الأقوال هو أن الله أخبر أنه أملك لقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئته تبارك وتعالى. وقد أشار إلى ذلك كل من القرطبي وأبي حيان..
٥ - في بعض النسخ: وقرأ الحسن والزبير، والذي في أبي الفتح: الزهري. وكذلك نقله في "البحر المحيط"..
٦ - معنى هذا أن الهمزة حذفت بعد نقل حركتها إلى الراء قبلها، ثم شددت الراء كما تشدد في الوقف، وأُجري الوصل مجرى الوقف، والعرب تفعل ذلك كثيرا- قال أبو حيان: وهذا توجيه شذوذ..
٧ - أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة من طريق أحمد بن المقدام العجلي مرة، ومن طريق أبي كُريب مرة أخرى، وذلك إضافة إلى ما ذكره ابن عطية من طريق مالك بن أنس والنسائي..
٨ - روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلّى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: (ألم يقل الله عز وجل: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم؟. ثم قال: (إني لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد)، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته). قال ابن عبد البر وغيره: أبو سعيد بن المعلى من جلّة الأنصار وسادات الأنصار، تفرد به البخاري واسمه رافع. وقال الشافعي: "هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أتي به في الصلاة لا تبطل لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجابة وإن كان في صلاة". وقد نقل القرطبي ذلك عن الشافعي ثم قال: وفيه حجة لقول الأوزاعي: "لو أن رجلا يصلي فأبصر غلاما يريد أن يسقط في بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن في ذلك بأس". والله أعلم..

### الآية 8:25

> ﻿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:25]

هذه الآية تحتمل تأويلات، أسبقها إلى النفس أن يريد الله أن يحذر جميع المؤمنين من فتنة إن أصابت لم تخص الظلمة فقط، بل تصيب الكل من ظالم وبريء، وهذا التأويل تأول فيها الزبير بن العوام رضي الله عنه، فإنه قال يوم الجمل[(١)](#foonote-١) وما علمت أنَّا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب بها ذلك الوقت، وكذلك تأول الحسن البصري، فإنه قال : هذه الآية في علي وعمار وطلحة والزبير، وكذلك تأول ابن عباس، فإنه قال : أمر الله المؤمنين في هذه الآية أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، وبينه القتبي فيما ذكر مكي عنه بياناً شافياً. 
قال القاضي أبو محمد : فيجيء قوله  لا تصيبن  على هذا التأويل صفة ل  فتنة ، فكان الواجب إذا قدرنا ذلك أن يكون اللفظ لا تصيب وتلطف لدخول النون الثقيلة في الخبر عن الفتنة فقال الزجّاج : زعم بعض النحويين أن الكلام جزاء فيه طرق من النهي، قال ومثله قوله تعالى : ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم [(٢)](#foonote-٢) فالمعنى أن تدخلوا لا يحطمنكم فكذلك هذا إن تتقوا لا تصيبن[(٣)](#foonote-٣)، وقال قوم : هو خبر بمعنى الجزاء فلذلك أمكن دخول النون[(٤)](#foonote-٤)، وقال المهدوي : وقيل هو جواب قسم مقدر تقديره واتقوا فتنة لا تصيبن، ودخلت النون مع لا حملاً على دخولها مع اللام فقط. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا في القول تكره، لأن جواب القسم إذا دخلته ****«لا »**** أو كان منفياً في الجملة لم تدخل النون، وإذا كان موجباً دخلته اللام والنون الشديدة كقوله والله لا يقوم زيد والله ليقومن زيد، هذا هو قانون الباب ولكن معنى هذه الآية يستقيم مع التكره الذي ذكرناه والتأويل الآخر في الآية هو أن يكون قوله  واتقوا فتنة  خطاباً عاماً لجميع المؤمنين مستقلاً بنفسه تم الكلام عنده ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة وأخرج النهي على جهة المخاطبة للفتنة فهو نهي محول. 
والعرب تفعل هذا كما قالوا لا أرينك ها هنا يريدون لا تقم ها هنا فتقع مني رؤيتك، ولم يريدوا نهي الإنسان الرائي نفسه، فكذلك المراد في الآية لا يقع من ظلمتكم ظلم فتقع من الفتنة إصابتهم، نحا إليه، الزجّاج، وهو قول أبي العباس المبرد وحكاه النقاش عن الفراء، ونهي الظلمة ها هنا بلفظ مخاطبة الجمع كما تقول لقوم لا يفعل سفهاءكم كذا وكذا وأنت إنما تريد نهي السفهاء فقط، و  خاصة  نعت لمصدر محذوف تقديره إصابة خاصة، فهي نصب على الحال لما انحذف المصدر من الضمير في  تصيبن  وهذا الفعل هو العامل، ويحتمل أن تكون  خاصة  حالاً من الضمير في  ظلموا  ولا يحتاج إلى تقدير مصدر محذوف والأول أمكن في المعنى، وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو جعفر محمد بن علي والربيع بن أنس وأبو العالية وابن جماز **«لتصيبن »** باللام على جواب قسم، والمعنى على هذا وعيد الظلمة فقط، قال أبو الفتح : يحتمل أن يراد بهذه القراءة ****«لا تصيبن »**** فحذف الألف من ****«لا »**** تخفيفاً واكتفاء بالحركة كما قالوا أم والله[(٥)](#foonote-٥) ويحتمل أن يراد بقراءة الجماعة، ****«لا تصيبن »**** فمطلت حركة اللام فحدثت عنها ألف. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تنطع في التحميل[(٦)](#foonote-٦) وحكى النقاش هذه القراءة عن الزبير بن العوام، وهذا خلاف لما حكى الطبري وغيره من تأويل الزبير رضي الله عنه في الآية، وحكى النقاش عن ابن مسعود أنه قرأ **«واتقوا فتنة أن تصيب »** وقوله  واعلموا أن الله شديد العقاب  وعيد يلتئم مع تأويل الزبير والحسن التئاماً حسناً ويلتئم مع سائر التأويلات بوجوه مختلفة. 
وروي عن علي بن سليمان الأخفش أن قوله  لا تصيبن  هي[(٧)](#foonote-٧) على معنى الدعاء ذكره الزهراوي.

١ - واقعة مشهورة شاركت فيها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكانت سنة ٣٦هـ..
٢ - من الآية (١٨) من سورة (النمل)..
٣ - صاحب هذا الرأي الذي يرويه الزجاج بقوله: "وزعم بعض النحويين" هو الفراء، وهو يرى أن الجملة جواب للأمر نحو قولك: "انزل عن الدابة لا تطرحنك"، ومنه: لا يحطمنكم سليمان- وعقب على التمثيل أبو حيان فقال: ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ليس نظير واتقوا فتنة لا تصيبن لأنه ينتظم من الأولى شرط وجزاء ولا ينتظم ذلك في الثانية، ألا ترى أنه لا يصح تقدير: "إن تتقوا فتنة لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصة" لأنه يترتب على الشرط غير مقتضاه من جهة المعنى. وللزمخشري رأي في الموضوع يناقشه أبو حيان في "البحر المحيط"..
٤ - من رأي الزمخشري أن الجملة صفة وأنها نهي، وقال: وكذلك إذا جعلتها صفة على إٍرادة القول كأنه قيل: "واتقوا فتنة مقولا فيها: لا تصيبن"، ونظيره قول الشاعر:
 حتى إذا جنّ الظلام واختلط جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط؟
 أي بَمْذق مقول فيه هذا القول..
٥ - قال المهدوي موضحا ذلك: كما حذفت من (ما) وهي أخت (لا) في قولهم: "أم والله لأفعلن"- قال أبو حيان: (ما) ليس للنفي، وهذا فرق بينها وبين (لا) فالتنظير في رأيه غير دقيق..
٦ - من رأي أبي حيان أن الإشباع-وهو ما سمي هنا مطلا للحركة- خاص بالشعر، وقال الألوسي ما معناه: إنه لا يعول على القول بحذف الألف تخفيفا، ولا على القول بتمطيط الحركة إشباعا- وابن عطية من رأيهما، بل إنه سمّى مطل الحركة وإشباعها تنطعا في التحميل، ورحم الله علماء النحو فالقرآن في غنى عن هذه الآراء..
٧ - أراد بالضمير (هي) جملة (لا تصيبن)..

### الآية 8:26

> ﻿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [8:26]

وقوله تعالى : واذكروا إذ أنتم قليل  الآية، هذه آية تتضمن تعديد نعم الله على المؤمنين، و  إذ  ظرف لمعمول  واذكروا ، تقديره واذكروا حالكم الكائنة أو الثابتة إذ أنتم قليل، ولا يجوز أن تكون  إذ  ظرفاً للذكر وإنما يعمل الذكر في  إذ  لو قدرناها مفعولة[(١)](#foonote-١)، واختلف الناس في الحال المشار إليها بهذه الآية، فقالت فرقة هي الأكثر : هي حال مكة في وقت بدأة[(٢)](#foonote-٢) الإسلام، والناس الذين يخاف ****«تخطفهم »**** كفار مكة، و ****«المأوى »**** على هذا التأويل المدينة والأنصار، و ****«التأييد بالنصر »**** وقعة بدر وما أنجز معها في وقتها، و  الطيبات  الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالت فرقة : الحال المشار إليها هي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر، والناس الذي يخاف تخطفهم على هذا عسكر مكة وسائر القبائل المجاورة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخوف من بعضهم، والمأوى على هذا والتأييد بالنصر هو الإمداد بالملائكة والتغليب على العدو، و  الطيبات  الغنيمة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذان قولان يناسبان وقت نزول الآية لأنها نزلت عقب بدر، وقال وهب بن منبه وقتادة : الحال المشار إليها هي حال العرب قاطبة، فإنها كانت أعرى الناس أجساماً وأجوعهم بطوناً وأقلهم حالاً ونعماً، والناس الذين يخاف ****«تخطفهم »**** على هذا التأويل فارس والروم، و ****«المأوى »**** على هذا هو النبوءة والشريعة، و ****«التأييد بالنصر »**** هو فتح البلاد وغلبة الملوك، و  الطيبات  هي نعم المآكل والمشارب والملابس. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل يرده أن العرب كانت في وقت نزول هذه الآية كافرة إلا القليل ولم تترتب الأحوال التي ذكر هذا المتأول، وإنما كان يمكن أن يخاطب العرب في هذه الآية في آخر زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن تمثل أحد بهذه الآية لحالة العرب فتمثله صحيح، وأما أن تكون حالة العرب هي سبب الآية فبعيد لما ذكرناه، وقوله  لعلكم تشكرون  ترج بحسب البشر متعلق بقوله  واذكروا .

١ - هذا التخريج أحسن من تخريج الزمخشري فقد جعل \[إذ\] مفعولا للفعل \[اذكروا\] وهي ظرف، والتقدير: واذكروا وقت كونكم أذلة"، ويؤخذ عليه التصرف في (إذ) حين نصبها مفعولة وهي من الظروف التي لا تتصرف إلا إذا أضيف إليها زمان..
٢ - بدأة: مصدر للفعل (بدأ) بمعنى: حدث ونشأ- وفي بعض النسخ كتبت بداءة..

### الآية 8:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [8:27]

هذا خطاب لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخيانات كلها قليلها وكثيرها، قال الزهراوي : والمعنى لا تخونوا بغلول الغنائم، وقال الزهراوي وعبد الله بن أبي قتادة : سبب نزولها أمر أبي لبابة، وذلك أنه أشار لبني قريظة حين سفر إليهم إلى حلقه يريد بذلك إعلامهم أنه ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذبح، أي فلا تنزلوا، ثم ندم وربط نفسه بسارية من سواري المسجد حتى تاب الله عليه، الحديث المشهور[(١)](#foonote-١)، وحكى الطبري أنه أقام سبعة أيام لا يذوق شيئاً حتى تيب عليه، وحكي أنه كان لأبي لبابة عندهم مال وأولاد فلذلك نزلت  واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ، وقال عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله : سببها أن رجلاً من المنافقين كتب إلى أبي سفيان بن حرب بخبر من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية[(٢)](#foonote-٢)، فقوله : يا أيها الذين آمنوا  معناه أظهروا الإيمان، ويحتمل أن يخاطب المؤمنين حقاً أن لا يفعلوا فعل ذلك المنافق، وحكى الطبري عن المغيرة بن شعبة أنه قال : أنزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه. 
قال القاضي أبو محمد : يشبه أن تمثل بالآية في قتل عثمان رحمه الله، فقد كانت خيانة لله وللرسول والأمانات، والخيانة : التنقص للشيء باختفاء، وهي مستعملة في أن يفعل الإنسان خلاف ما ينبغي من حفظ أمر ما، مالاً كان أو سرّاً أو غير ذلك، والخيانة لله تعالى هي في تنقص أوامره في سر وخيانة الرسول تنقص فقد اؤتمن على دينه وعبادته وحقوق الغير، وقيل المعنى وتخونوا ذوي أماناتكم، وأظن الفارسي أبا علي حكاه،  وأنتم تعلمون ، يريد أن ذلك لا يضر منه إلا ما كان عن تعمد. 
وقوله  فتنة  يريد محنة واختباراً وابتلاء ليرى كيف العمل في جميع ذلك، وقوله  وأن الله عنده أجر عظيم  يريد فوز الآخرة فلا تدعوا حظكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإن المدخور للآخرة أعظم قدراً من مكاسب الدنيا. 
وقوله تعالى : وتخونوا  قال الطبري : يحتمل أن يكون داخلاً في النهي كأنه قال : لا تخونوا الله والرسول ولا تخونوا أماناتكم فمكانه على هذا جزم، ويحتمل أن يكون المعنى لا تخونوا الله والرسول فذلك خيانة لأماناتكم فموضعه على هذا نصب على تقدير وأن تخونوا أماناتكم، قال الشاعر :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله\*\*\* عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ[(٣)](#foonote-٣)
وقرأ مجاهد وأبو عمرو بن العلاء فيما روي عنه أيضاً **«وتخونوا أمانتكم »** على إفراد الأمانة.

١ - أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبد الله بن قتادة، وأخرج مثله سنيد، وابن جرير عن الزهري، وأخرجه أيضا عبد بن حميد عن الكلبي. (الدر المنثور)..
٢ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله. (الدر المنثور).
٣ - يروي النحويون هذا البيت شاهدا على جواز النصب عاطفا على اسم مؤول بمعنى أن تكون الواو للمعية، والتقدير: "لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله". أما إعراب الآية الكريمة فيحتمل الأمرين اللذين ذكرهما ابن عطية وهما: أن يكون مجزوما عطفا على \[لا تخونوا\] وأن يكون منصوبا على جواب النهي، وكونه مجزوما هو الراجح، لأن النصب يقتضي النهي عن الجمع، والجزم يقتضي النهي عن كل واحد- وهناك شروط للنصب بعد هذه الواو تجدها في كتب النحو.
 هذا وقد اختلف النحويون في نسبة هذا البيت، فقيل: قائله أبو الأسود الدؤلي، وقيل: هو الأخطل، وقيل: المتوكل الليثي أو سابق البربري، ونسب لحسّان والطرماح، والبيت في حماسة البحتري ١٧٤، والأغاني ١٢/١٥٦، والمؤتلف ٢٧٣، والمستقصى ٢/ ٢٦٠، وسيبويه ١/ ٤٢٤، وابن عقيل ٢/ ١٢٦، والسيوطي ٢٦٤، والخزانة ٣/ ٦١٧..

### الآية 8:28

> ﻿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [8:28]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧:هذا خطاب لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخيانات كلها قليلها وكثيرها، قال الزهراوي : والمعنى لا تخونوا بغلول الغنائم، وقال الزهراوي وعبد الله بن أبي قتادة : سبب نزولها أمر أبي لبابة، وذلك أنه أشار لبني قريظة حين سفر إليهم إلى حلقه يريد بذلك إعلامهم أنه ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذبح، أي فلا تنزلوا، ثم ندم وربط نفسه بسارية من سواري المسجد حتى تاب الله عليه، الحديث المشهور[(١)](#foonote-١)، وحكى الطبري أنه أقام سبعة أيام لا يذوق شيئاً حتى تيب عليه، وحكي أنه كان لأبي لبابة عندهم مال وأولاد فلذلك نزلت  واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ، وقال عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله : سببها أن رجلاً من المنافقين كتب إلى أبي سفيان بن حرب بخبر من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية[(٢)](#foonote-٢)، فقوله : يا أيها الذين آمنوا  معناه أظهروا الإيمان، ويحتمل أن يخاطب المؤمنين حقاً أن لا يفعلوا فعل ذلك المنافق، وحكى الطبري عن المغيرة بن شعبة أنه قال : أنزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه. 
قال القاضي أبو محمد : يشبه أن تمثل بالآية في قتل عثمان رحمه الله، فقد كانت خيانة لله وللرسول والأمانات، والخيانة : التنقص للشيء باختفاء، وهي مستعملة في أن يفعل الإنسان خلاف ما ينبغي من حفظ أمر ما، مالاً كان أو سرّاً أو غير ذلك، والخيانة لله تعالى هي في تنقص أوامره في سر وخيانة الرسول تنقص فقد اؤتمن على دينه وعبادته وحقوق الغير، وقيل المعنى وتخونوا ذوي أماناتكم، وأظن الفارسي أبا علي حكاه،  وأنتم تعلمون ، يريد أن ذلك لا يضر منه إلا ما كان عن تعمد. 
وقوله  فتنة  يريد محنة واختباراً وابتلاء ليرى كيف العمل في جميع ذلك، وقوله  وأن الله عنده أجر عظيم  يريد فوز الآخرة فلا تدعوا حظكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإن المدخور للآخرة أعظم قدراً من مكاسب الدنيا. 
وقوله تعالى : وتخونوا  قال الطبري : يحتمل أن يكون داخلاً في النهي كأنه قال : لا تخونوا الله والرسول ولا تخونوا أماناتكم فمكانه على هذا جزم، ويحتمل أن يكون المعنى لا تخونوا الله والرسول فذلك خيانة لأماناتكم فموضعه على هذا نصب على تقدير وأن تخونوا أماناتكم، قال الشاعر :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله\*\*\* عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ[(٣)](#foonote-٣)
وقرأ مجاهد وأبو عمرو بن العلاء فيما روي عنه أيضاً ****«وتخونوا أمانتكم »**** على إفراد الأمانة. 
١ - أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبد الله بن قتادة، وأخرج مثله سنيد، وابن جرير عن الزهري، وأخرجه أيضا عبد بن حميد عن الكلبي. (الدر المنثور)..
٢ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله. (الدر المنثور).
٣ - يروي النحويون هذا البيت شاهدا على جواز النصب عاطفا على اسم مؤول بمعنى أن تكون الواو للمعية، والتقدير: "لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله". أما إعراب الآية الكريمة فيحتمل الأمرين اللذين ذكرهما ابن عطية وهما: أن يكون مجزوما عطفا على \[لا تخونوا\] وأن يكون منصوبا على جواب النهي، وكونه مجزوما هو الراجح، لأن النصب يقتضي النهي عن الجمع، والجزم يقتضي النهي عن كل واحد- وهناك شروط للنصب بعد هذه الواو تجدها في كتب النحو.
 هذا وقد اختلف النحويون في نسبة هذا البيت، فقيل: قائله أبو الأسود الدؤلي، وقيل: هو الأخطل، وقيل: المتوكل الليثي أو سابق البربري، ونسب لحسّان والطرماح، والبيت في حماسة البحتري ١٧٤، والأغاني ١٢/١٥٦، والمؤتلف ٢٧٣، والمستقصى ٢/ ٢٦٠، وسيبويه ١/ ٤٢٤، وابن عقيل ٢/ ١٢٦، والسيوطي ٢٦٤، والخزانة ٣/ ٦١٧..


---

### الآية 8:29

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [8:29]

وقوله : يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله  الآية، وعد للمؤمنين بشرط الاتقاء والطاعة له، و  ويجعل لكم فرقاناً  معناه فرقاً بين حقكم وباطل من ينازعكم أي بالنصرة والتأييد عليهم، و **«الفرقان »** مصدر من فرق بين الشيئين إذا حال بينهما أو خالف حكمهما، ومنه قوله  يوم الفرقان [(١)](#foonote-١) وعبر قتادة وبعض المفسرين عن الفرقان ها هنا بالنجاة، وقال السدي ومجاهد معناه : مخرجاً، ونحو هذا مما يعمه ما ذكرناه، وقد يوجد للعرب استعمال الفرقان كما ذكر المفسرون فمن ذلك قول مزرد بن ضرار :\[ الخفيف \]
بادر الأفقُ أنْ يَغيبَ فلمّا\*\*\* أَظْلَمَ اللّيلُ لمْ يجدْ فُرْقَانا[(٢)](#foonote-٢)
وقال الآخر :\[ الرجز \]
ما لك من طولِ الأسَى فُرقانُ\*\*\* بعد قطينٍ رحلوا وبانوا[(٣)](#foonote-٣)
وقال الآخر :\[ الطويل \]
وكيف أرجّي الخلدَ والموتُ طالبي\*\*\* وماليَ من كأسِ المنيَّةِ فرقان[(٤)](#foonote-٤)

١ - من الآية (٤١) من هذه السورة (الأنفال)..
٢ - واضح أن يستشهد بهذا البيت والبيتين بعده على أن كلمة (الفرقان) قد تأتي بمعنى: المخرج والنجاة. قال ابن وهب: سألت مالكا عن قوله تعالى: إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا قال: مخرجا، ثم قرأ: ومن يتق الله يجعل له مخرجا. وبادر مُبادرة وبدارا إلى الشيء: أسرع إليه..
٣ - لم نعرف قائل هذا البيت. وقطين الدار: ساكنها وأهلها الذين يقيمون فيها. وقطين الله: سكّان حرمه. وبان: من البين وهو البعد..
٤ - الخُلْد: الدوام والبقاء- طالبي: يبحث عني ويسعى ورائي. وفرقان: نجاة ومخرج. ولم نقف على قائل البيت..

### الآية 8:30

> ﻿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [8:30]

وقوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا  الآية، يشبه أن يكون قوله  وإذ  معطوفاً على قوله  إذ أنتم قليل  \[ الأنفال : ٢٦ \] وهذا تذكير بحال مكة وضيقها مع الكفرة وجميل صنع الله تعالى في جمعها، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام، وهذا كله على أن الآية مدنية كسائر السورة وهذا هو الصواب، وحكى الطبري عن عكرمة ومجاهد أن هذه الآية مكية، وحكي عن ابن زيد أنها نزلت عقب كفاية الله ورسوله المستهزئين بما أحله بكل واحد منهم، الحديث المشهور[(١)](#foonote-١)، ويحتمل عندي قول عكرمة ومجاهد هذه مكية أن أشارا إلى القصة لا إلى الآية، والمكر المخاتلة والتداهي[(٢)](#foonote-٢)، تقول : فلان يمكر بفلان إذا كان يستدرجه ويسوقه إلى هوة وهو يظهر جميلاً وتستراً بما يريد، ويقال أصل المكر الفتل، قاله ابن فورك، فكأن الماكر بالإنسان يفاتله حتى يوقعه، ومن المكر الذي هو الفتل قولهم للجارية المعتدلة اللحم : ممكورة[(٣)](#foonote-٣)، فمكر قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم كان تدبيرهم ما يسوءه وسعيهم في فساد حاله وإطفاء نوره، وتدبير قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الخصال الثلاث لم يزل قديماً من لدن ظهوره لكن إعلانهم لا يسمى مكراً وما استسروا به هو المكر، وقد ذكر الطبري بسند أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد ماذا يدبر فيك قومك، قال : يريدون أن أقتل أو أسجن أو أخرج، قال أبو طالب من أعلمك هذا ؟ قال : ربي، قال : إن ربك لرب صدق فاستوص به خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل هو يا عم يستوصي بي خيراً. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا المكر الذي ذكره الله في هذه الآية هو بإجماع من المفسرين إشارة إلى اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي على ما نص ابن إسحاق في سيره، الحديث بطوله، وهو الذي كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بعد موت أبي طالب، ففي القصة أن أبا جهل قال : الرأي أن نأخذ من كل بطن في قريش فتى قوياً جلداً فيجتمعون ثم يأخذ كل واحد منهم سيفاً ويأتون محمداً في مضجعه فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يقدر بنو هاشم على قتال قريش بأسرها، فيأخذون العقل ونستريح منه، فقال النجدي : صدق الفتى، هذا الرأي لا أرى غيره، فافترقوا على ذلك فأخبر الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وأذن له في الخروج إلى المدينة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ليلته، وقال لعلي بن أبي طالب التفّ في بردي الحضرمي واضطجع في مضجعي فإنه لا يضرك شيء، ففعل علي وجاء فتيان قريش فجعلوا يرصدون الشخص وينتظرون قيامه فيصورون به، فلما قام رأوا علياً فقالوا له أين صاحبك ؟ قال : لا أدري. 
وفي السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم في طريقه فطمس الله عيونهم عنه، وجعل على رأس كل واحد منهم تراباً ومضى لوجهه فجاءهم رجل فقال ما تنتظرون، قالوا محمداً، قال إني رأيته الآن جائياً من ناحيتكم وهو لا محالة وضع التراب على رؤوسكم، فمد كل واحد يده إلى رأسه، وجاؤوا إلى مضجع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدوا علياً فركبوا وراءه حينئذ كل صعب وذلول[(٤)](#foonote-٤) وهو بالغار[(٥)](#foonote-٥)، ومعنى  ليثبتوك  ليسجنوك فتثبت، قاله السدي وعطاء وابن أبي كثير، وقال ابن عباس ومجاهد : معناه ليوثقوك، وقال الطبري وقال آخرون المعنى ليسحروك. 
وقرأ يحيى بن وثاب فيما ذكر أبو عمرو الداني **«ليثبّتوك »** وهذه أيضاً بالتضعيف، وحكى النقاش عن يحيى بن وثاب أنه قرأ **«ليبيتوك »** من البيات، وهذا أخذ مع القتل فيضعف من هذه الجهة، وقال أبو حاتم معنى  ليثبتوك  أي بالجراحة، كما يقال أثبتته الجراحة[(٦)](#foonote-٦)، وحكاه النقاش عن أهل اللغة ولم يسم أحداً، وقوله تعالى : ويمكر الله  معناه يفعل أفعالاً منها تعذيب لهم وعقوبة ومنها ما هو إبطال لمكرهم ورد له ودفع في صدره حتى لا ينجع، فسمى ذلك كله باسم الذنب الذي جاء ذلك من أجله، ولا يحسن في هذا المعنى إلا هذا وأما أن ينضاف المكر إلى الله عز وجل على ما يفهم في اللغة فغير جائز أن يقال، وقد ذكر ابن فورك في هذا ما يقرب من هذا الذي ضعفناه، وإنما قولنا ويمكر الله كما تقول في رجل شتم الأمير فقتله الأمير هذا هو الشتم فتسمى العقوبة باسم الذنب، وقوله  خير الماكرين  أي أقدرهم وأعزهم جانباً. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذه الجهة أعني القدرة والعزة يقع التفضيل لأن مكرة الكفار لهم قدرة ما، فوقع التفضيل لمشاركتهم بها، وأما من جهة الصلاح الذي فيما يعلمه الله تعالى فلا مشاركة للكفار بصلاح، فيتعذر التفضيل على مذهب سيبويه والبصريين إلا على ما قد بيناه في ألفاظ العموم مثل خير واجب ونحو هذا إذ لا يخلو من اشتراك ولو على معتقد من فرقة أو من واحد.

١ -الحديث طويل وهو بنصه في تفسير الطبري، وقد رواه غير الطبري من طرق مختلفة فارجع إليه في الصحاح من كتب السنة..
٢ - التداهي: مصدر ندهّى، ومعنى تدهّى: بصر بالأمر وجاد رأيه فيه، والكلمة في الأصل واوية ويائية، يقال: دهوته ودهيته، قال في التهذيب: الدهو والدهي: لغتان في الدهاء..
٣ - لم نعثر في كتب اللغة التي بين أيدينا على ما يشير إليه من الارتباط بين المكر والفتل، أما قولهم للجارية: ممكورة فقد جاء في اللسان: "المكرة: الساق الغليظة الحسناء، ابن سيدة: والمكر حُسن خدالة الساقين، وامرأة ممكورة: مستديرة الساقين، وقيل: المُدمجة الخلق الشديدة البضعة. وقال غيره: ممكورة مرتوية الساق خدلة، شبهت بالمكر من النبات" (اللسان-مكر)..
٤ -الذلول: هو السهل الانقياد من الإبل وغيرها من الدواب. والصعب بعكسه- ويقال: "ركبوا كل صعب وذلول في أمرهم": اتخذوا كل سبيل..
٥ - الحديث أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما- عن (الدر المنثور- وتفسير ابن كثير)..
٦ - قال عطاء والسدي: ليثخنوك بالجرح والضرب، من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه لا حراك به ولا براح، ورمى الطائر فأثبته، أي أثخنه، قال الشاعر:
 فقلت ويحك ماذا في صحيفتكم؟ قال: الخليفة أمسى مثبتا وجعا.

### الآية 8:31

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [8:31]

الضمير في  عليهم  عائد على الكفار، و **«الآيات »** هنا آيات القرآن خاصة بقرينة قوله  تتلى ، و  قد سمعنا  يريد وقد سمعنا هذا المتلو  لو نشاء لقلنا  مثله وقد سمعنا نظيره على ما روي أن النضر سمع أحاديث أهل الحيرة من العباد فلو نشاء لقلنا مثله من القصص والأنباء فإن هذه إنما هي أساطير من قد تقدم، أي قصصهم المكتوبة المسطورة، و  أساطير  جمع اسطورة، ويحتمل أن يكون جمع أسطار ولا يكون جمع أسطر كما قال الطبري، لأنه كان يجيء أساطر بدون ياء[(١)](#foonote-١)، هذا هو قانون الباب، وقد شذ منه شيء كصيرف قالوا في جمعه صيارف، والذي تواترت به الروايات عن ابن جريج والسدي وابن جبير الذي قال هذه المقالة هو النضر بن الحارث، وذلك أنه كان كثير السفر إلى فارس والحيرة، فكان قد سمع من قصص الرهبان والأناجيل، وسمع من أخبار رستم وإسبنديار، فلما سمع القرآن ورأى فيه من أخبار الأنبياء والأمم، قال : لو شئت لقلت مثل هذا، وكان النضر من مردة قريش النائلين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت فيه آيات من كتاب الله، وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبراً[(٢)](#foonote-٢) بالصفراء منصرفه من بدر في موضع يقال له الأثيل[(٣)](#foonote-٣) وكان أسره المقداد[(٤)](#foonote-٤)، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه قال المقداد : أسيري يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه كان يقول في كتاب الله ما قد علمتم، ثم أعاد المقداد مقالته حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«اللهم أغن المقداد من فضلك »** فقال المقداد : هذا الذي أردت، فضرب عنق النضر، وحكى الطبري عن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل يوم بدر صبراً ثلاثة نفر، المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وهم عظيم في خبر المطعم، فقد كان مات قبل يوم بدر[(٥)](#foonote-٥)، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«لو كان المطعم حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له »**[(٦)](#foonote-٦) يعني أسرى بدر.

١ - الذي في لسان العرب هو أن السطر والسطر: الصف من الكتاب والشّجر والنخل ونحوها، والجمع من كل ذلك: أسطر وأسطار وأساطير، وعن اللحياني: وسطور ثم روى عن اللغويين- بعد ذلك آراء مختلفة..
٢ - الصبر: نصب الإنسان للقتل، فهو مصبور، وصبر الإنسان على القتل: نصبه عليه، يقال: قتله صبرا، وقد صبره عليه. (اللسان)- وفي "المعجم الوسيط": قتله صبرا: حبسه حتى مات..
٣ - الأثيل بالتصغير: موضع قريب من المدينة فيه عين ماء لآل جعفر بن أبي طالب..
٤ - هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الحضرمي، قدم مكة من اليمن فحالف الأسود بن عبد يغوث فقيل له: المقداد بن الأسود، كان طويلا آدم كثيف الشعر واسع العينين، تزوج ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم، هاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، ولم يثبت أنه كان على فرس يوم بدر غيره، أخرج الترمذي وابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: عليّ، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان). وروى المقداد أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. واتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه، قيل: وهو ابن سبعين سنة. (الإصابة).
٥ - الحقيقة التي لا شك فيها أن المطعم بن عدي لم يكن حيا يوم بدر، وقد ذكره ذلك ابن كثير في تفسيره لهذه الآية- قال عن هذا الخبر: "وكذا رواه هشيم عن أبي بشر جعفر ابن أبي رحية عن سعيد بن جبير أنه قال (المطعم بن عدي) بدل (طعيمة بن عدي)، وهو غلط لأن المطعم بن عدي لم يكن حيا يوم بدر." وسر الغلط هو التشابه بين الاسمين، ويؤيد هذا أن السيوطي حين نقل الحديث في (الدر المنثور) لم يذكر فيه المطعم بن عدي، بل ذكر اثنين فقط هما عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث..
٦ - رواه البخاري في كتاب المغازي، ورواه الدارمي في الجهاد، ورواه الإمام أحمد في مسنده (٤/٨٠)، ولكن فيه لفظ "النتنين" بدلا من "النّتْنى"..

### الآية 8:32

> ﻿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [8:32]

وقوله  وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك  الآية، روي عن مجاهد وابن جبير وعطاء والسدي أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث الذي تقدم ذكره، وفيه نزلت هذه الآية. 
قال القاضي أبو محمد : وترتب أن يقول النضر بن الحارث مقالة وينسبها القرآن إلى جميعهم، لأن النضر كان فيهم موسوماً بالنبل والفهم مسكوناً إلى قوله، فكان إذا قال قولاً قاله منهم كثير واتبعوه عليه حسبما يفعله الناس أبداً بعلمائهم وفقهائهم، والمشار إليه بهذا هو القرآن وشرع محمد صلى الله عليه وسلم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحسد، وذلك أنهم استبعدوا أن يكرم الله عليهم محمداً صلى الله عليه وسلم هذه الكرامة، وعميت بصائرهم عن الهدى، وصمموا على أن هذا ليس بحق، فقالوا هذه المقالة كما يقول الإنسان لأمر قد تحقق بزعمه إنه لم يكن، إن كان كذا وكذا ففعل الله بي وصنع[(١)](#foonote-١)، وحكى ابن فورك أن هذه المقالة خرجت مخرج العناد مع علمهم بأنه حق، وكذلك ألزم بعض أهل اليمن معاوية بن أبي سفيان القصة المشهورة في باب الأجوبة، وحكاه الطبري عن محمد بن قيس ويزيد بن رومان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بعيد التأويل ولا يقول هذا على جهة العناد عاقل، ويجوز في العربية رفع  الحق  على أنه خبر  هو  والجملة خبر  كان ، قال الزّجاج : ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائز[(٢)](#foonote-٢) وقراءة الناس إنما هي بنصب **«الحقَّ »** على أن يكون خبر **«كان »** ويكون هو فصلاً، فهو حينئذ اسم وفيه معنى الإعلام بان الذي بعده خبر ليس بصفة. و  أمطر  إنما يستعمل في المكروه ومطر في الرحمة كذا قال أبو عبيدة. 
قال القاضي أبو محمد : ويعارض هذه قوله  هذا عارض ممطرنا [(٣)](#foonote-٣) لأنهم ظنوها سحابة رحمة، وقولهم  من السماء  مبالغة وإغراق وهذان النوعان اللذان اقترحوهما هما السالفان في الأمم عافانا الله وعفا عنا ولا أضلنا بمنّة ويمنه.

١ - في هذه العبارة بعض الاضطراب، وقد جاءت في إحدى النسخ: "كما يقول الإنسان لأمر قد تحقق يزعمه أنه لم يكن إلا كذا وكذا... الخ"..
٢ - ذكر الألوسي في تفسيره أن زيد بن علي، والأعمش قرأ \[الحق\] بالرفع، وعبارة الزجاج تنفي علمه هو ولا تنفي القراءة..
٣ - من الآية (٢٤) من سورة (الأحقاف). وفي (اللسان): "ومطرتهم السماء وأمطرتهم: أصابتهم بالمطر، وناس يقولون: مطرت السماء وأمطرت بمعنى، وأمطرهم الله مطرا أو عذابا، ابن سيدة: أمطرهم الله في العذاب خاصة، كقوله تعالى: وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين، وقوله عز وجل: وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل..

### الآية 8:33

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [8:33]

قالت فرقة : نزلت هذه الآية كلها بمكة، وقالت فرقة : نزلت كلها بعد وقعة بدر حكاية عما مضى، وقال ابن أبزى[(١)](#foonote-١) : نزل قوله  وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  بمكة إثر قولهم  أو ائتنا بعذاب أليم  \[ الأنفال : ٣٢ \] ونزل قوله  وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون  عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة في طريقه إلى المدينة، وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون، ونزل قوله  وما لهم  إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب عليهم. 
قال القاضي أبو محمد : وأجمع المتأولون على أن معنى قوله  وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  أن الله عز وجل لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها، فما كان ليعذب هذه وأنت فيهم، بل كرامتك لديه أعظم، قال : أراه عن أبي زيد[(٢)](#foonote-٢) سمعت من العرب من يقول **«ما كان ليعذبهم »** بفتح اللام وهي لغة غير معروفة ولا مستعملة في القرآن، واختلفوا في معنى قوله  وما كان الله معذبهم وهم مستغفرون  فقال ابن عباس وابن أبزى وأبو مالك والضحاك ما مقتضاه : إن الضمير في قوله  معذبهم  يعود على كفار مكة والضمير في قوله  وهم  عائد على المؤمنين الذين بقوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أي وما كان الله ليعذب الكفار والمؤمنون بينهم يستغفرون. 
قال القاضي أبو محمد : ويدفع في صدر هذا القول أن المؤمنين الذين رد الضمير عليهم لم يجر لهم ذكر، وقال ابن عباس أيضاً ما مقتضاه : أن يقال الضميران عائدان على الكفار، وذلك أنهم كانوا يقولون في دعائهم غفرانك، ويقولون لبيك لا شريك لك، ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار، فجعله الله أمنة من عذاب الدنيا، وعلى هذا تركب قول أبي موسى الأشعري وابن عباس إن الله جعل من عذاب الدنيا َأَمَنَتْين : كون الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي الاستغفار إلى يوم القيامة[(٣)](#foonote-٣)، وقال قتادة : الضمير للكفار، وقوله  وهم يستغفرون ، جملة في موضع الحال أن لو كانت، فالمعنى وما كان الله معذبهم وهو بحال توبة واستغفار من كفرهم لو وقع ذلك منهم، واختاره الطبري، ثم حسن الزجر والتوقيف بعد هذا بقوله  وما لهم ألا يعذبهم الله  وقال الزجّاج ما معناه، إن الضمير في قوله  وهم  عائد على الكفار. 
والمراد به : سبق له في علم الله أن يسلم ويستغفر، فالمعنى : وما كان الله ليعذب الكفار وفيهم من يستغفر ويؤمن في ثاني حال، وحكاه الطبري عن ابن عباس. 
وقال مجاهد في كتاب الزهراوي : المراد بقوله  وهم يستغفرون  ذرية المشركين يومئذ الذين سبق لهم في علم الله أن يكونوا مؤمنين، فالمعنى : وما كان الله ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون، فنسب الاستغفار إليهم، إذ ذريتهم منهم، وذكره مكي ولم ينسبه، وفي الطبري عن فرقة أن معنى  يستغفرون  يصلون، وعن أخرى يسلمون ونحو هذا من الأقوال التي تتقارب مع قول قتادة.

١ - هو عبد الرحمان بن أبزي الخزاعي- الجمهور على أن له صحبة، قال أبو حاتم: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وصلّى خلفه، وهو قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، =وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه ابناه عبد الله وسعيد. وقال البخاري: هو كوفي، وقال ابن السكن: استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على خراسان..
٢ - أُراه بضم الهمزة بمعنى أظنه، والمظنون هو الخبر الآتي: "سمعت... الخ"- فابن عطية يقول: أظن أني سمعت كذا عن أبي زيد. وقد نقل أبو حيان الرواية صريحة عن ابن عطية فقال ما نصه: "قال ابن عطية عن أبي زيد سمعت... الخ "البحر المحيط ٤/ ٤٨٩"..
٣ - قال أبو حيان تعليقا على قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم.. الخ: "انظر إلى حسن مساق هاتين الجملتين. لما كانت كينونته فيهم سببا لانتفاء تعذيبهم أكد خبر (كان) باللام- على رأي الكوفيين-، أو جعل خبر (كان) الإرادة المفنية- على رأي البصريين- وانتفاء الإرادة للعذاب أبلغ من انتفاء العذاب، ولما كان استغفارهم دون تلك الكينونة الشريفة لم يؤكد باللام، بل جاء خبر \[كان\] قوله: \[معذبهم\]، فشتان ما بين استغفارهم وكينونته صلى الله عليه وسلم فيهم". "البحر المحيط ٤/ ٤٩٠"..

### الآية 8:34

> ﻿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [8:34]

وقوله عز وجل : وما لهم ألا يعذبهم الله  توعد بعذاب الدنيا، فتقديره وما يعلمهم أو يدريهم ونحو هذا من الأفعال التي توجب أن تكون **«أن »** في موضع نصب[(١)](#foonote-١)، وقال الطبري : تقديره وما يمنعهم من أن يعذبوا، والظاهر في قوله  وما  أنها استفهام على جهة التقرير والتوبيخ والسؤال، وهذا أفصح في القول وأقطع لهم في الحجة، ويصح أن تكون  ما  نافية ويكون القول إخباراً، أي وليس لهم ألا يعذبوا وهم يصدون، وقوله  وهم يصدون  على التأويلين جملة في موضع الحال، و  يصدون  في هذا الموضع معناه يمنعون غيرهم، فهو متعدٍّ كما قال الشاعر :\[ الوافر \]
صددتِ الكأسَ عنا أمَّ عمرو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\*[(٢)](#foonote-٢)
وقد تجيء صد عير متعدٍّ كما أنشد أبو علي :\[ البسيط \]
صَّدت ُخَلْيَدُة عنّا ما تكلّمُنا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٣)](#foonote-٣)
والضمير في قوله  أولياؤه  عائد على الله عز وجل من قوله  يعذبهم الله ، أو على المسجد الحرام، كل ذلك جيد، روي الأخير عن الحسن، والضمير الآخر تابع للأول وقوله  ولكن أكثرهم لا يعلمون  معناه لا يعلمون أنهم ليسوا بأوليائه بل يظنون أنهم أولياؤه، وقوله  أكثرهم  ونحن نجد كلهم بهذه الصفة، لفظ خارج إما على أن تقول إنه لفظ خصوص أريد به العموم وهذا كثير في كلام العرب، ومنه حكى سيبويه من قولهم : قل من يقول ذلك، وهم يريدون لا يقوله أحد. 
وإما أن يقول : إنه أراد بقوله  أكثرهم  أن يعلم ويشعر أن بينهم وفي خلالهم قوماً قد جنحوا إلى الإيمان ووقع لهم علم وإن كان ظاهرهم الكفر فاستثارهم من الجميع بقوله  أكثرهم  وكذلك كانت حال مكة وأهلها، فقد كان فيهم العباس وأم الفضل[(٤)](#foonote-٤) وغيرهما، وحكى الطبري عن عكرمة قال الحسن بن أبي الحسن : إن قوله  وما لهم ألا يعذبهم الله ، ناسخ لقوله  وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون . 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر، لأنه خبر لا يدخله نسخ.

١ - قال الأخفش: إن \[أن\] زائدة، قال النحاس: لو كان كما قال لرفع \[يعذبهم\] فيكون الفعل في موضع الحال، كقوله تعالى: وما لنا لا نؤمن بالله. ويجوز أن تكون \[أن\] في موضع جر على تقدير (في) وتعلق بما تعلق به \[لهم\] والمعنى: أي شيء كائن أو مستقر لهم في ألا يعذبهم الله؟ أي: لا حظ لهم في انتفاء العذاب، فهم معذبون ولا بد..
٢ -هذا صدر بيت من معلقة عمرو بن كلثوم المشهورة التي بدأها بقوله:
 ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا
 وقد روي (صبنت) بدلا من (صددت)- والصبن هو الصرف، ولكن الرواية المشهورة (صددت) والبيت بتمامه:
 صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا
 والمعنى: صرفت الكأس عني يا أم عمرو، وكان مجرى الكأس على اليمين، فأجريتها على اليسار، أي أنك تعمدت أن تمنعي عني الكأس..
٣ - الواضح أن (صدّ) هنا بمعنى: أعرض، فخليدة قد أعرضت عنه وامتنعت عن تكليمه، ولم نقف على قائل البيت ولا على بقيته..
٤ -أم الفضل هي لُبابة بنت الحارث الهلالية امرأة العباس بن عبد المطلب، وهي لبابة الكبرى، ولها أربع أخوات أخرج فيهن الزبير بن بكار عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الأخوات الأربع مؤمنات: أم الفضل، وميمونة، وأسماء، وسلمى). فأما ميمونة فهي أم المؤمنين، وأما أسماء وسلمى فأختاهما من أبيهما. وكان يقال لوالدة أم الفضل: أكرم الناس أصهارا، ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، والعباس تزوج أختها شقيقتها لبابة، وحمزة تزوج أختها سلمى، وجعفر بن أبي طالب شقيقتها أسماء ثم تزوجها بعده أبو بكر رضي الله عنهم أجمعين، وقد ماتت أم الفضل في خلافة عثمان قبل زوجها العباس. (الإصابة)..

### الآية 8:35

> ﻿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [8:35]

قرأ الجمهور **«وما كان صلاتُهم »** بالرفع **«عند البيت لا مكاءً »** بالنصب **«وتصديةً »** كذلك، وروي عن عاصم أنه قرأ :**«صلاتَهم »** بالنصب **«إلا مكاءٌ وتصديةٌ »** بالرفع، ورويت عن سليمان الأعمش بخلاف عنه فيما حكى أبو حاتم، وذكر أبو علي عن الأعمش أنه قال في قراءة عاصم : أفإن لحن عاصم تلحن أنت ؟ قال أبو الفتح : وقد روي الحرف كذلك عن أبان بن تغلب، قال قوم : وهذه القراءة خطأ لأنه جعل الاسم نكرة والخبر معرفة، قال أبو حاتم : فإن قيل : إن المكاء والتصدية اسم جنس، واسم الجنس معرفاً ومنكراً واحد في التعريف، قيل : إن استعماله هكذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، كما قال حسان :\[ الوافر \]. 
كأنَّ سبيئةً من بيت رأس\*\*\* يكون مزاجها عسلٌ وماءُ[(١)](#foonote-١)
ولا يقاس على ذلك، فأما أبو الفتح فوجه هذه القراءة بما ذكرناه من تعريف اسم الجنس وبعد ذلك يرجح قراءة الناس[(٢)](#foonote-٢). 
قال أبو علي الفارسي : وإنما ذهب من ذهب إلى هذه القراءة لما رأى الفعل أن الصلاة مؤنثة ورأى المسند إليها ليس فيه علامة تأنيث فأراد تعليقه بمذكر وهو المكاء، وأخطأ في ذلك، فإن العرب تعلق الفعل لا علامة فيه بالمؤنث، ومنه قوله تعالى : وأخذ الذين ظلموا الصيحة [(٣)](#foonote-٣) وقوله  فانظر كيف كان عاقبة مكرهم [(٤)](#foonote-٤)  وكيف كان عاقبة المفسدين [(٥)](#foonote-٥) ونحو هذا مما أسند فيه الفعل دون علامة إلى المؤنث، والمكاء على وزن الفعال الصفير[(٦)](#foonote-٦) قاله ابن عباس والجمهور، فقد يكون بالفم وقد يكون بالأصابع والكف في الفم، قال مجاهد وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقد يشارك الأنف، يقال مكا يمكو إذا صفر، ومنه قول عنترة :\[ الكامل \]
وحليل غانية تركت مجدلاً\*\*\* تمكو فريصته كشدق الأعلم[(٧)](#foonote-٧)
**ومنه قول الشاعر :**
فكأنما يمكو بأعصم عاقل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\*[(٨)](#foonote-٨)
يصف رجلاً فر به حيوان
ومنه قول الطرماح :\[ الكامل \]

فنحا لأولاها بطعنة محفظ  تمكو جوانبها من الِإنهار[(٩)](#foonote-٩)ومكت است الدابة إذا صفرت، يقال ولا تمكو إلا است مكشوفة، ومن هذا قيل للاست مكوة[(١٠)](#foonote-١٠) قال أبو علي : فالهمزة في  مكاء  منقلبة عن واو. 
قال القاضي أبو محمد : ومن هذا قيل للطائر المكّاء لأنه يمكو أي يصفر في تغريده، ووزنه فعّال بشد العين كخطاف، والأصوات في الأكثر تجيء على فعال بتخفيف العين كالبكاء والصراخ والدعاء والجؤار والنباح ونحوه، وروي عن قتادة أن المكاء : صوت الأيدي وذلك ضعيف، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ **«إلا مكا »** بالقصر، و ******«التصدية »****** عبر عنها أكثر الناس بأنها التصفيق، وقتادة بأنه الضجيج والصياح، وسعيد بن جبير بأنها الصد والمنع، ومن قال التصفيق قال : إنما كان للمنع عن ذكر الله ومعارضة لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن، و ******«التصدية »****** يمكن أن تكون من صدى يصدى إذا صوت والصدى الصوت، ومنه قول الرماح يصف الأروية[(١١)](#foonote-١١) :\[ الطويل \]
لها كلما ريعت صداة وركدة\*\*\* بمصران أعلى ابني شمام البوائن[(١٢)](#foonote-١٢)
فيلتئم على هذا الاشتقاق قوم من قال : هو التصفيق، وقول من قال الضجيج، ولا يلتئم عليه قول من قال هو الصد والمنع إلا أن يجعل التصويت إنما يقصد به المنع، ففسر اللفظ بالمقصود لا بما يخصه من معناه، ويمكن أن تكون ******«التصدية »****** من صد يصد استعمل الفعل مضعفاً للمبالغة والتكثير لا ليعدى فقيل صدد، وذلك أن الفعل الذي يتعدى إذا ضعف فإنما يضعف للتكثير، إذ التعدي حاصل قبل التضعيف، وذلك نحو قوله  وغلقت الأبواب [(١٣)](#foonote-١٣) والذي يضعف ليعدى هو كقولهم علم وغرم، فإذا قلنا في صد صدد ففعل في الصحيح يجيء مصدره في الأكثر على تفعيل وفي الأقل على تفعلة مثل كمل تكميلاً وتكملة وغير ذلك، بخلاف المعتل فإنه يجيء في الأكثر على تفعلة مثل عزى وتعزية وفي الشاذ على تفعيل، مثل قول الشاعر :\[ الرجز \]
بات ينزي دَلْوَه تنزّيا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\*[(١٤)](#foonote-١٤)
وإذا كان فعل في الصحيح يتسق فيه المثلان رفض فيه تفعلة مثل قولنا تصدية وصير إلى تفعيل لتحول الياء بين المثلين كتخفيف وتشديد، فلما سلكوا مصدر صدد المسلك المرفوض أصلح ذلك بأن إبدال أحد المثلين ياء كبدلهم في تظننت ونحوه[(١٥)](#foonote-١٥)، فجاء **«تصدية »** فعلى هذا الاشتقاق يلتئم قول من قال التصدية الصد عن البيت والمنع، ويمكن أن تكون التصدية من صد يصِد بكسر الصاد في المستقبل إذا ضج، ويبدل أيضاً على هذا أحد المثلين، ومنه قوله تعالى : إذا قومك منه يصِدون [(١٦)](#foonote-١٦) بكسر الصاد، ذكره النحاس، وذهب أكثر المفسرين إلى أن **«المكاء والتصدية »** إنما أحدثها الكفار عند مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقطع عليه يمينه وشماله من يمكو ويصدي حتى تختلط عليه قراءته[(١٧)](#foonote-١٧)، فلما نفى الله تعالى ولايتهم للبيت أمكن أن يعترض معترض بأن يقول، وكيف لا نكون أولياءه ونحن نسكنه ونصلي عنده ؟ فقطع الله هذا الاعتراض بأن قال وما كان صلاتهم إلا المكاء والتصدية، وهذا كما يقول رجل أنا أفعل الخير فيقال له ما فعلك الخير إلا أن تشرب الخمر وتقتل، أي هذه عادتك وغايتك. 
قال القاضي أبو محمد : والذي مر بي من أمر العرب في غير ما ديوان أن المكاء والتصدية كان[(١٨)](#foonote-١٨) من فعل العرب قديما قبل الإسلام على جهة التقرب به والتشرع، ورأيت عن بعض أقوياء العرب أنه كان يمكو على الصفا فيسمع من جبل حراء، وبينهما أربعة أميال، وعلى هذا يستقيم تعييرهم وتنقصهم بأن شرعهم وصلاتهم وعبادتهم لم تكن رهبة ولا رغبة، إنما كانت مُكاء وتصدية من نوع اللعب، ولكنهم كانوا يتزيدون فيها وقت النبي صلى الله عليه وسلم ليشغلوه وأمته عن القراءة والصلاة، وقوله  فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون  إشارة إلى عذابهم ببدر بالسيف قاله ابن جريج والحسن والضحاك، فيلزم من هذا أن هذه الآية الأخيرة نزلت بعد بدر ولا بد. 
قال القاضي أبو محمد : والأشبه أن الكل نزل بعد بدر حكاية عما مضى والله ولي التوفيق برحمته. 
١ - هذا البيت من قصيدة حسان المشهورة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والتي يقول في مطلعها:
 عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء
 والسبيئة: اسم لما سال من الخمر قبل أن تعصر، وذلك أخلصها، وقيل: بل هي الخمر، وقد روي بدلا منها (سُلافة)، وبيت رأس: مكان كانت تعصر فيه الخمر..
٢ - أي: قراءة الجمهور، وابن جني مع اعترافه بقبح تنكير اسم (كان) وتعريف خبرها إلا أنه أجازه معللا الجواز بما أشار إليه ابن عطية هنا من أن اسم الجنس معرفا ومنكرا واحد في التعريف، فكأن المعنى كما وضحه ابن جني: وما كان صلاتهم إلا هذا الجنس، وأيضا فإنه يجوز مع النفي ما لا يجوز في الإثبات. وأبو حيان يؤيد ذلك في تفسيره ="البحر المحيط" ويقول: "وهو نظير قول من جعل \[نسلخ\] صفة لـ \[الليل\] في قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار، وجعل (يسبني) صفة لـ (اللئيم) في قول الشاعر:
 ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني..
٣ - من الآية (٦٧) من سورة (هود)..
٤ - من الآية (٥١) من سورة (النمل)..
٥ - تكررت في آيتين- في قوله تعالى في الآية (٨٦) من سورة (الأعراف): وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين، وفي قوله تعالى في الآية (١٠٣) من سورة (الأعراف) أيضا: فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين..
٦ - قال السدي: المُكاء: الصفير، على نحو طائر أبيض بالحجاز يقال له: المُكّاء
 **قال الشاعر:**
 إذا غرّد المُكاء في غير روضة فويل لأهل الشاء والحمرات.
٧ - البيت من المعلقة، ورقمه فيها السادس والأربعون، ورواه اللسان في (مكا)- والحليل بالحاء المهملة: الزوج، والحليلة: الزوجة، وهما من الحلول تسميا بذلك لأنهما يحلان في مكان واحد وفراش واحد، فهو فعيل بمعنى مفاعل، مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ومنادم. وقيل هما من الحلّ لأن كلا منهما يحل لصاحبه فهو فعيل بمعنى مُفعل، مثل حكيم بمعنى محكم. وقد روي البيت: وخليل بالخاء المعجمة. والغانية: البارعة الجمال المستغنية بجمالها عن الزينة. أو الشابة الحسناء التي تعجب الرجال ويعجبها الرجال، ومجدّلا: مصرووعا على الجدالة وهي الأرض، يقال جدلته فتجدل. والمُكاء: الصفير. والفريصة: لحمة رقيقة تحت الإبط بحذاء القلب ترتجف عند الخوف، والإصابة فيها قاتلة. والأعلم: مشقوق الشفة العليا. يقول: إن فريصة الفارس الذي صرعته تصفر وهو ملقى على الأرض كصفير شدق البعير إذا كان مشقوق الشفة، وذلك بسبب اتساع الطعنة وشدة خروج الدم منها..
٨ - لم نقف على نسبة هذا الشعر ولا على بقيته، والمعنى واضح بتفسير ابن عطية له، فهو يصفر بفمه بحثا عن الحيوان الذي فرّ منه..
٩ - البيت للطرماح بن حكيم يصف الثور وهو يطعن الكلاب في معركة بينه وبينها.
 = ونحا: انحرف وقصد، وأولاها: يريد أول الكلاب. والمُحفظ: المغضب (اسم مفعول)، تمكو: تصفر. والضمير في جوانبها يعود على الطعنة أو أثرها في الكلب، والإنهار: هو توسيع الطعنة، ومنه ول قيس بن الخطيم: "فأنهرت فتقها" أي وسّعت الفتق الذي أحدثته. يقول في وصف الثور الهائج مع كلاب الصيد: إنه قصد أول الكلاب بطعنة مغضب مغيظ من تكاثرها عليه، وسال الدم من هذه الطعنة فأحدث عند سيلانه صفيرا صدر عن جوانب الطعنة الواسعة..
١٠ -مكوة: على وزن زهرة وتمرة..
١١ - الأرويّة: الأنثى من الوعول، والجمع: أراوي. وعن اللحياني الضبط بالكسر فهي: الإروية، قاله في اللسان، وعلى هذا فالطرماح يصف أنثى الوعول في هذا البيت، والضمير في (لها) يعود عليها..
١٢ - ريعت: فزعت وخافت، والصّداة: فعل المتصدي، وهو الذي يرفعه رأسه وصدره يتصدى للشيء ينظر إليه، والركدة: السكوت والثبات والهدوء، والمصران: أعالي الجبال وهي تحجز بين شيئين أو ناحيتين وتكون حرزا لمن يلجأ إليها، والواحد: مصار. وشمام: جبل في بلادي بني قشير، وابنا شمام: يريد بهما هضبتين في هذا الجبل، والبوائن: جمع بائن وهو البعيد ترددت بين الصفير والثبات أو السكون، وقد روى اللسان البيت: "لها كلما صاحت"، وقال: إنه في وصف هامة، فإذا ما صاحت تصدت مرة وركدت أخرى، ورواية "كلما ريعت" جاءت في "التكملة"، وهي أقرب وأوضح..
١٣ - من الآية (٢٣) من سورة (يوسف)..
١٤ -استشهد صاحب اللسان بهذا البيت على أن مصدر أنزاه ونزّاه هو تنزية وتنزيا. والرواية فيه مع بقية البيت:
 باتت تنزّي دلوها تنزيا كما تنزي شهلة صبيا
 والشهلة هي العجوز، وقيل: المرأة النصف العاقلة. أما التنزي فهو التوثب والتسرع، قال نصيب- وقيل، بل هو بشار:
 أقولُ وليلتي تزداد طـــولا أما لليل بعدهم نهار؟
 جفت عيني عن التغميض حتى كأن جفونها عنها قصار 
 كأن فؤاده كرة تنــــزّى حذار البين لو نفع الحذار.
١٥ - وعليه جاء قول العجاج يمدح عمر بن عبيد الله بن يعمر ويشبهه بطائر ضخم يضم جناحيه إلى نفسه وينقض على الصيد:
 إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر دانى جناحيه من الطور فمر
 تقضي البازي إذا البازي كسر
 يريد: تقضض البازي..
١٦ - من قوله تعالى في الآية (٥٧) من سورة (الزخرف): ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون..
١٧ -أخرج الطسّي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: إلا مُكاء وتصدية. قال: المُكاء: صوت القنبرة، والتصدية: صوت =العصافير وهو التصفيق، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة كان يصلي قائما بين الحجر والركن اليماني، فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ويصيح أحدهما كما يصيح المُكاء، والآخر يصفق بيديه تصدية العصافير ليفسدا عليه صلاته، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت حسّان ابن ثابت رضي الله عنه يقول:
 نقوم إلى الصلاة إذا دُعينا همّتك التصدّي والمُكاء.
١٨ - هكذا في جميع الأصول..

### الآية 8:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [8:36]

قال بعض الرواة منهم ابن أبزى وابن جبير والسدي ومجاهد : سبب نزول هذه الآية أن أبا سفيان أنفق في غزوة أحد على الأحابيش وغيرهم أربعين أوقية من الذهب أو نحو هذا، وأن الآية نزلت في ذلك، وقال ابن شهاب ومحمد بن يحيى بن حيان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ : إنه لما قتل من قتل ببدر اجتمع أبناؤهم وقرابتهم وقالوا لمن خلص ماله في العير : إن محمداً قد نال منا ما ترون، ولكن أعينونا بهذا المال الذي كان سبب الواقعة، فلعلنا أن ننال منه ثأراً، ففعلوا فنزلت الآية في ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى القولين فإنما أنفق المال في غزوة أحد، فأخبر الله تعالى في هذه الآية خبراً لفظه عام في الكفار، والإشارة به إلى مخصوصين أنهم ينفقون أموالهم يقصدون بذلك الصد عن سبيل الله والدفع في صدر الإسلام، ثم أخبر خبراً يخص المشار إليهم أنهم ينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، إذ لا تتم لهم إرادة ويذهب المال باطلاً، والحسرة التلهف على الفائت، ويحتمل أن تكون الحسرة في يوم القيامة، والأول أظهر وإن كانت حسرة القيامة راتبة عليهم، ثم أخبر أنه يغلبون بعد ذلك، بأن تكون الدائرة عليهم، وهذا من إخبار القرآن بالغيوب لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر، قال ابن سلام : بين الله عز وجل أنهم يغلبون قبل أن يقاتلوا بسنة، حكاه الزهراوي، ثم أخبر تعالى عن الكافرين أنهم يجمعون إلى جهنم، والحشر جمع الناس والبهائم إلى غير ذلك مما يجمع ويحضر، ومنه قوله  وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً  \[ الأنعام : ١١١ \] ومنه في التفسير : أن السلوى طائر كانت الجنوب تحشره على بني إسرائيل، والقوم الذين جلبهم أبو سفيان وأنفق المال عليهم هم الأحابيش من كنانة، ولهم يقول كعب بن مالك :\[ الطويل \]
وَجِئْنا إلى موجٍ من البحر وسطه\*\*\* أحابيشُ منهم حاسرٌ ومقنعُ
ثلاثة آلاف ونحن قصية\*\*\* ثلاثُ مئين إن كثرن وأربعُ[(١)](#foonote-١)
وقال الضحاك وغيره : إن هذه الآية نزلت في نفقة المشركين الخارجين إلى بدر الذين كانوا يذبحون يوماً عشراً ويوماً تسعاً من الإبل، وحكى نحو هذا النقاش.

١ - الحاسر: الذي لا ردع عليه ولا مغفر. والمقنع: الذي لبس المغفر على رأسه. والنّصيّة: خيار القوم وأشرافهم، وهكذا رواه في اللسان، ولكنّه فسّر النصية بأنها البقية، ونسب ذلك إلى ابن السكيت، وقد روي البيت بروايات أخرى لعلها من أخطاء النساخ، فقد قيل: (بقية)، و(قصية). وعند الألوسي: (ونحن عصابة)..

### الآية 8:37

> ﻿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [8:37]

وقرأ ابن كثير ونافع عاصم وأبو عمرو وابن عامر **«ليَمِيز »** بفتح الياء وكسر الميم، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة بن نصاح وشبل وأبي عبد الرحمن والحسن وعكرمة ومالك بن دينار، تقول مزت الشيء، والعرب تقول مزته فلم يتميز لي، حكاه يعقوب وفي شاذ القراءة وانمازوا[(١)](#foonote-١) اليوم، وأنشد أبو زيد :\[ البسيط \]
لما ثنى الله عني شرَّ عدوتِهِ\*\*\* وانمزت لا منشئاً ذعراً ولا وجلا[(٢)](#foonote-٢)
وهو مطاوع ماز، وقرأ حمزة والكسائي **«ليُمَيّز »** بضم الياء وفتح الميم وشد الياء، وهي قراءة الأعرج وطلحة بن مصرف والأعمش والحسن أيضاً عيسى البصري، تقول ميزت أميز إذا فرقت بين شيئين فصاعداً، وفي القرآن  تميز من الغيظ [(٣)](#foonote-٣) فهو مطاوع ميز ومعناه تتفصل، وقال ابن عباس رضي الله عنه والسدي، المعنيّ ب  الخبيث  الكفار وب  الطيب  المؤمنون. 
قال القاضي أبو محمد : واللام على هذا التأويل من قوله  ليميز  متعلقة ب  يحشرون  \[ الأنفال : ٣٦ \] والمعنى أن الله يحشر الكافرين إلى جهنم ليميز الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعاً فيلقيهم في جهنم، ثم أخبر عنهم أنهم هم الخاسرون أي الذين خابت سعايتهم وتبت أيديهم وصاروا إلى النار، وقال ابن سلام والزجّاج : المعنيّ ب  الخبيث  المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، و  الطيب  هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله. 
قال القاضي أبو محمد : واللام على هذا التأويل من قوله  ليميز  متعلقة ب  يغلبون  \[ الأنفال : ٣٦ \]، والمعنى : الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى على هذا التأويل  ويجعل الخبيث بعضه على بعض  إلى قوله  في جهنم  مترتب على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار، وحكى الزهراوي عن الحسن أن الكفار يعذبون بذلك المال، فهي كقوله  فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم [(٤)](#foonote-٤) وقاله الزجّاج : وعلى التأويلين فقوله  ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً  إنما هي عبارة عن جمع ذلك وضمه وتأليف أشتاته وتكاثفه بالاجتماع، و  يركمه  في كلام العرب يكثفه، ومنه  سحاب مركوم [(٥)](#foonote-٥) وركام، ومنه قول ذي الرمة :\[ البسيط \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* زْع بالزمام وجوز الليلِ مركومُ[(٦)](#foonote-٦)
وقوله  ويجعل الخبيث  بمعنى يلقي، قاله أبو علي،  أولئك هم الخاسرون  على هذه التأويل يراد المنافقون من الكفار، ولفظة الخسارة تليق بهم من جهة المال وبغير ذلك من الجهات.

١ - هي قراءة شاذة في قوله تعالى في الآية (٥٩) من سورة (يس): وامتازوا اليوم أيها المجرمون..
٢ - أخطاء الرواة في هذا البيت كثيرة، فقد روي: "شرّ عذرته" و "شر عدوته" بدلا من **«دعوته»**، وروي **«منسئا»** بدلا من **«منشئا»**، وروي **« رجلا»** بدلا من "وجلا"... وهكذا تختلف الروايات، ويختلف الشراح في توضيح المعنى المراد. والبيت غير منسوب في المراجع التي بين أيدينا..
٣ - من الآية (٨) من سورة (الملك)..
٤ - من الآية (٣٥) من سورة (التوبة)..
٥ - من قوله تعالى في الآية (٤٤) من سورة (الطور): وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم..
٦ - هذا عجز البيت، وهو بتمامه كما جاء في الديوان:
 وخافق الرأس فوق الرحل قلت له زع بالزمام وجوز الليل مركوم
 وقد روي في اللسان: "مثل السيف" بدلا من "فوق الرحل". ورواية الصحاح مثل رواية الديوان. وزع راحلتك أي استحثها، يقال: زاع الناقة بالزمام يزوعها زوعا إذا هيّجها وحركها بزمامها إلى قدّام لتزداد في سيرها. قال في اللسان: "ومن رواه: زع بالفتح فقد غلط لأنه يأمره بأن يكفّ بعيره، قال الليث: الزَّوع: جذبك الناقة بالزّمام لتنقاد". وجوز الليل: وسطه، وفي حديث علي رضي الله عنه "أنه قام من جوز الليل يصلي" (اللسان والتاج والمعجم الوسيط)..

### الآية 8:38

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [8:38]

وقوله  قل للذين كفروا  الآية، أمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى الذي تضمنه ألفاظ قوله  إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  وسواء قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العبارة أو غيرها، ولو كان الكلام كما ذكر الكسائي أنه في مصحف ابن مسعود **«قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لكم »** لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها، هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ، وقوله  إن ينتهوا  يريد به عن الكفر ولا بد، والحامل على ذلك جواب الشرط ب  يغفر بهم ما قد سلف ، ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنتهٍ عن الكفر، وقوله  إن يعودوا  يريد به إلى القتال لأن لفظة عاد يعود إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان الإنسان عليها ثم تنقَّل عنها. 
ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال، ولا يصح أن يتأول  وإن يعودوا  إلى الكفر لأنهم لم ينفصلوا عنه وإنما قلنا في عاد إذا كانت مطلقة لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة على الابتداء والخبر بمنزلة صار، وذلك كما تقول عاد زيد ملكاً تريد صار، ومنه قول أبي الصلت :
تلك المكارم لا قعبان من لبن\*\*\* شبيبا بماء فعادا بعد أبوالا[(١)](#foonote-١)
وهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل، لكنها مقيدة بخبرها لا يجوز الاقتصار دونه، فحكمها حكم صار، وقوله  فقد مضت سنة الأولين  عبارة بجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله حين صد في وجه نبيه وبمن هلك في يوم بدر بسيف الإسلام والشرع، والمعنى قد رأيتم وسمعتم عن الأمم ما حل. 
قال القاضي أبو محمد : والتخويف عليهم بقصة بدر أشد إذ هي القريبة منهم والمعاينة عندهم، وعليها نص ابن إسحاق والسدي.

١ - سبق الاستشهاد بهذا البيت في سورة الأعراف عند تفسير قوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعوذن في ملتنا راجع ص (٣) من هذا الجزء..

### الآية 8:39

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [8:39]

وقوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة  الآية، أمر من الله عز وجل فرض به على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار، و ****«الفتنة »**** قال ابن عباس وغيره معناها الشرك، وقال ابن إسحاق : معناها حتى لا يفتن أحد عن دينه كما كانت قريش تفعل بمكة بمن أسلم كبلال وغيره، وهو مقتضى قول عروة بن الزبير في جوابه لعبد الملك بن مروان حين سأله عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً[(١)](#foonote-١)، وقوله  ويكون الدين كله لله  أي لا يشرك معه صنم ولا وثن ولا يعبد غيره، وقال قتادة حتى تستوسق[(٢)](#foonote-٢) كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه المعاني تتلازم كلها، وقال الحسن : حتى لا يكون بلاء، وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين الفئة الباغية، على سائر ما ذكرناه من الأقوال يكون المعتزل في فسحة، وعلى هذا جاء قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه أما نحن فقد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأما أنت وأصحابك فتزيدون أن نقاتل حتى تكون فتنة. 
قال القاضي أبو محمد : فمذهب عمر أن ****«الفتنة »**** الشرك في هذه الآية وهو الظاهر، وفسر هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله »**[(٣)](#foonote-٣)، ومن قال المعنى حتى لا يكون شرك فالآية عنده يريد بها الخصوص فيمن لا يقبل منه جزية، قال ابن سلام : وهي في مشركي العرب، ثم قال الله تعالى : فإن انتهوا  أي عن الكفر فإن الله بصير بعملهم مجاز عليه، عنده ثوابه وجميل المعاوضة عليه[(٤)](#foonote-٤) وقرأ يعقوب بن إسحاق وسلام بن سليمان **«بما تعملون »** بالتاء أي في قتالكم وجدكم وجلادكم عن دينه.

١ - روى ابن جرير الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: "سلام عليك، فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فأنك كتبت إليّ تسألني عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وسأخبرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله" ثم حدثه كيف بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، وكيف قابله قومه بالتعذيب له ولأصحابه، بالسعي لفتنة المسلمين، وكيف أمرهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بالهجرة إلى الحبشة، فلما فشا الإسلام ودخل فيه من دخل وبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة، وعلموا أن المسلمين صاروا بمأمن فهم لا يفتنون رجعوا إلى مكة، فلما انتشر الإسلام بالمدينة عادت قريش إلى التآمر على فتنة المسلمين. قال عروة في آخر رسالته: "وكانت فتنة الآخرة". إلى أن قال: "فاشتدت عليهم قريش، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وخرج هو، وهي التي أنزل الله فيها وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله اهـ. وكتاب عروة هذا في تفسير الطبري..
٢ - بمعنى: تجتمع، يقال: استوسق الشيء: اجتمع وانضم، واستوسق الأمر: انتظم، واستوسق له الأمر: أمكنه أن يجمع السلطة والكلمة في يده..
٣ - الحديث متواتر، ورواه عن أبي هريرة البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ورمز له السيوطي في (الجامع الصغير) بأنه صحيح..
٤ - جاء في بعض النسخ "المعاوضة" بدلا من "المقارضة"..

### الآية 8:40

> ﻿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ [8:40]

وقوله تعالى : وإن تولوا  الآية، معادل لقوله  فإن انتهوا ، والمعنى انتهوا عن الكفر فالله مجازيهم أو مجازيكم على قراءة **«تعملون »**، وإن تولوا ولم ينتهوا فاعلموا أن الله ينصركم عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظفر، أي فجدوا، و **«المولى »** ها هنا الموالي والمعين، والمولى في اللغة على معان هذا هو الذي يليق بهذا الموضع منها، والمولى الذي هو السيد المقترن بالعبد يعم المؤمنين والمشركين.

### الآية 8:41

> ﻿۞ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [8:41]

موضع ****«أن »**** الثانية رفع، التقدير **«فحكمه أن »**، فهي في موضع خبر الابتداء، والغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي من ذلك قول الشاعر \[ امرؤ القيس \] :\[ الوافر \]
وقد طفت في الآفاق حتى\*\*\* رضيت من الغنيمة بالإياب[(١)](#foonote-١)
وقال آخر :\[ البسيط \]
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه\*\*\* أنّى توجَّهَ والمحروم محروم[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرهن :**«له غنمه وعليه مخرجه »**[(٣)](#foonote-٣) وقوله :**«الصيام في الشتاء هو الغنيمة الباردة »**[(٤)](#foonote-٤) فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف[(٥)](#foonote-٥) الخيل والركاب غنيمة، ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفاً له، والفيء مأخوذ من فاء إذا رجع وهو كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف كخراج الأرض وجزية الجماجم وخمس الغنيمة ونحو هذا. 
قال القاضي أبو محمد : والزكوات أيضاً مال على حدته، أحكامه منفردة دون أحكام هذين، قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب : الغنيمة ما أخذ عنوة والفيء ما أخذ صلحاً، وهذا قريب مما بيناه، وقال قتادة : الفيء والغنيمة شيء واحد فيهما الخمس، وهذه الآية التي في الأنفال ناسخة لقوله في سورة الحشر  وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى [(٦)](#foonote-٦) وذلك أن تلك كانت الحكم أولاً، ثم أعطى الله أهلها الخمس فقط وجعل الأربعة والأخماس في المقاتلين. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ضعيف نص العلماء على ضعفه وأن لا وجه له من جهات، منها أن هذه السورة نزلت قبل سورة الحشر هذه ببدر، وتلك في بني النضير وقرى عرينة، ولأن الآيتين متفقتان وحكم الخمس وحكم تلك الآية واحد لأنها نزلت في بني النضير حين جلوا وهربوا، وأهل فدك حين دعوا إلى صلح ونال المسلمون ما لهم دون إيجاف، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أن في الفيء الخمس، وأنه كان في قرى عرينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أربعة أخماسها كان للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة دون المسلمين يضعها حيث شاء. 
وقال أبو عبيدة : هذه الآية ناسخة لقوله في أول السورة  قل الأنفال لله والرسول  \[ الأنفال : ١ \] ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذه الآية. 
قال القاضي أبو محمد : ويظهر في قول علي بن أبي طالب في البخاري : كانت لي شارف من نصيبي من المغنم ببدر، وشارف أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس حينئذ[(٧)](#foonote-٧) أن غنيمة بدر خمست فإن كان ذلك فسد قول أبي عبيدة، ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكره علي بن أبي طالب من إحدى الغزوات التي كانت بين بدر وأحد، فقد كانت غزوة بني سليم وغزوة السويق وغزوة ذي أَمر وغزوة نجران، ولم يحفظ فيها قتال، ولكن يمكن أن غنمت غنائم. والله أعلم. 
وقوله في هذه الآية  من شيء  ظاهره عام ومعناه الخصوص، فأما الأرض[(٨)](#foonote-٨) والمتاع والأطفال والنساء وما لا يؤكل لحمه من الحيوان ويصح تملكه فليس للإمام في جميع ذلك ما كثر منه وما قل كالخيط والمخيط إلا أن يأخذ الخمس ويقسم الباقي في أهل الجيش، وأما الأرض فقال فيها مالك : يقسمها الإمام إن رأى ذلك صواباً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، ولا يقسمها إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عمر بأرض مصر سواد الكوفة. 
قال القاضي أبو محمد : لأن فعل عمر ليس بمخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ليست النازلة واحدة بحسب قرائن الوقتين وحاجة الصحابة وقلتهم، وهذا كله انعكس في زمان عمر، وأما الرجال ومن شارف البلوغ من الصبيان فالإمام عند مالك وجمهور العلماء مخير فيهم على خمسة أوجه، منها القتل وهو مستحسن في أهل الشجاعة والنكاية، ومنها الفداء وهو مستحسن في ذي المنصب الذي ليس بشجاع ولا يخاف منه رأي ولا مكيدة لانتفاع المسلمين بالمال الذي يؤخذ منه، ومنها المن وهو مستحسن فيمن يرجى أن يحنو على أسرى المسلمين ونحو ذلك من القرائن، ومنها الاسترقاق، ومنها ضرب الجزية والترك في الذمة، وأما الطعام والغنم ونحوهما مما يؤكل فهو مباح في بلد العدو يأكله الناس فما بقي كان في المغنم. 
قال القاضي أبو محمد : وأما أربعة أخماس ما غنم فيقسمه الإمام على الجيش، ولا يختص بهذه الآية ذكر القسمة فأنا أختصره هنا، وأما الخمس فاختلف العلماء فيه، فقال مالك رحمه الله : الرأي فيه للإمام يلحقه ببيت الفيء ويعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه، كما يعطي منه اليتامى والمساكين وغيرهم، وإنما ذكر من ذكر على وجه التنبيه عليهم لأنهم من أهم من يدفع إليه، قال الزجّاج محتجاً لمالك :
قال الله تعالى : يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل [(٩)](#foonote-٩). 
وللإمام بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك، وقالت فرقة : كان الخمس يقسم على ستة أقسام، قسم لله وهو مردود على فقراء المسلمين أو على بيت الله، وقسم للنبي صلى الله عليه وسلم، وقسم لقرابته، وقسم لسائر من سمي، حكى القول منذر بن سعيد ورد عليه، قال أبو العالية الرياحي : كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقبض من خمس الغنيمة قبضة[(١٠)](#foonote-١٠) فيجعلها للكعبة فذلك لله، ثم يقسم الباقي على خمسة، قسم له وقسم لسائر من سمي. وقال الحسن بن محمد وابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة والشافعي : قوله  فأن لله خمسه  استفتاح كلام كما يقول الرجل لعبده : قد أعتقك الله وأعتقتك، على جهة التبرك وتفخيم الأمر، والدنيا كلها لله. وقسم لله وقسم الرسول واحد، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يقسم الخمس على خمسة أقسام كما تقدم. وقال ابن عباس أيضاً فيما روى عنه الطبري : الخمس مقسوم على أربعة أقسام، وسهم الرسول صلة الله عليه وسلم، لقرابته وليس لله ولا للرسول شيء، وقالت فرقة : قسم الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد موته مردود على أهل الخمس القرابة وغيرها، وقالت فرقة : هو مردود على الجيش أصحاب الأربعة الأخماس، وقال علي بن أبي طالب : يلي الإمام منهم سهم الله ورسوله، وقالت فرقة : هو موقوف لشراء العدد وللكراء[(١١)](#foonote-١١) في سبيل الله، وقال إبراهيم النخعي وهو الذي اختاره أبو بكر وعمر فيه، وقال أصحاب الرأي : الخمس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، مقسوم ثلاثة أقسام، قسم لليتامى، وقسم للمساكين وقسم لابن السبيل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يورث، فسقط سهمه وسهم ذوي القربى، وحجتهم فيه منع أبي بكر وعمر وعثمان لذوي القربى. 
قال القاضي أبو محمد : ولم يثبت المنع بل عورض بنو هاشم بأن قريشاً قربى، وقيل لم يكن في مدة أبي بكر مغنم، وقال الشافعي : يعطي أهل الخمس منه ولا بد ويفضل الإمام أهل الحاجة ولكن لا يحرم صنفاً منهم حرماناً تاماً، وقول مالك رحمه الله : إن للإمام أن يعطي الأحوج وإن حرم الغير. 
قال القاضي أبو محمد : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصاً من الغنيمة بثلاثة أشياء : كان له خمس الخمس، وكان له سهم في سائر الأربعة الأخماس، وكان له صفيّ يأخذه قبل القسمة[(١٢)](#foonote-١٢)، دابة أو سيف، أو جارية ولا صفيّ لأحد بعده بإجماع إلا ما قال أبو ثور من أن الصفيّ باق للإمام، وهو قول معدود في شواذ الأقوال، وذوو القربى قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي بن الحسين وعبد الله بن الحسن وعبد الله بن عباس : هم بنو هاشم فقط، فقال مجاهد : كان آل محمد صلى الله عليه وسلم لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس، قال ابن عباس : ولكن أبى ذلك علينا قومنا، وقالوا قريش كلها قربى، وقال الشافعي : هم بنو هاشم وبنو المطلب فقط، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن عفان وجبير بن مطعم في وقت قسمة سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب **«إنمَا بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ما فارقونا في جاهلية ولا في الإسلام »**[(١٣)](#foonote-١٣). 
قال القاضي أبو محمد : كانوا مع بني هاشم في الشعب وقالت فرقة : قريش كلها قربى، وروي عن علي بن الحسين وعبد الله بن محمد بن علي أنهما قالا : الآية كلها في قريش، والمراد يتامى قريش ومساكينها، وقالت فرقة : سهم القرابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم موقوف على قرابته، وقد بعثه إليهم عمر بن عبد العزيز إلى بني هاشم وبني المطلب فقط، وقالت فرقة : هو لقرابة الإمام القائم بالأمر. وقال قتادة : كان سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حياً، فلما توفي جعل لولي الأمر بعده، وقاله الحسن بن أبي الحسن البصري. وحكى الطبري أيضاً عن الحسن أنه قال : اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال قوم : سهم النبي صلى الله عليه وسلم للخليفة، وقال قوم : سهم النبي صلى الله عليه وسلم لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال قوم : سهم القرابة لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة، فكان على ذلك مدة أبي بكر رضي الله عنه، قال غير الحسن وعمر و  اليتامى  الذين فقدوا آباءهم من الصبيان، واليتم في بني آدم من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات،  والمساكين  الذين لا شيء لهم وهو مأخوذ من السكون وقلة الحراك،  وابن السبيل  الرجل المجتاز الذي قد احتاج في سفر، وسواء كان غنيّاً في بلده أو فقيراً فإنه ابن السبيل يسمى بذلك إما لأن السبيل تبرزه فكأنها تلده، وإما لملازمة السبيل كما قالوا : ابن ماء، وأخو سفر. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :
**«لا يدخل الجنة ابن زنى »** وقد تقدم[(١٤)](#foonote-١٤). 
قال القاضي أبو محمد : وقد اقتضبت فقه هذه الآية حسب الاختصار والله المستعان. 
قال القاضي أبو محمد : و  ما  في قوله  ما غنمتم  بمعنى الذي، وفي قوله  غنمتم  ضمير يعود عليها، وحكي عن الفراء أنه جوز أن تكون **«ما »** شرطية بتقدير أنه ما، وحذف هذا الضمير لا يجوز عند سيبويه إلا في الشعر، ومنه
إن من يدخل الكنيسة يوماً . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(١٥)](#foonote-١٥)
وقرأ الجمهور **«فأن لله »**[(١٦)](#foonote-١٦) بفتح الهمزة، وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم وحسين عن أبي عمرو ****«فإن »**** بكسر الهمزة، وقرأ الحسن **«خمْسه »** بسكون الميم، وقوله تعالى : إن كنتم آمنتم بالله  الآية، قال الزجّاج عن فرقة : المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم، ****«فإن »**** متعلقة بهذا الوعد، وقال أيضاً عن فرقة : إنها متعلقة بقوله  واعلموا أنما غنمتم . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الصحيح، لأن قوله  واعلموا  يتضمن بانقياد وتسليم لأمر الله في الغنائم فعلق ****«أن »**** بقوله  واعلموا  على هذا المعنى أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة، وقوله  وما أنزلنا  عطف على قوله  بالله  والمشار إليه ب  ما  هو النصر والظهور الذي أنزله الله يوم بدر على نبيه وأصحابه، أي إن كنتم مؤمنين بالله وبهذه الآيات والعظائم الباهرة التي أنزلت يوم بدر، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى قرآن نزل يوم بدر أو في قصة يوم بدر على تكره في هذا التأويل الأخير. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون المعنى : واعلموا أنما غنمتم يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فإن خمسه لكذا وكذا إن كنتم آمنتم، أي فانقادوا لذل

١ -قائل هذا البيت هو امرؤ القيس، وقد صار الشطر الثاني مثلا يضرب عند القناعة بالسلامة. وطوّف مبالغة في طاف بمعنى دار حول الشيء. والإياب: مصدر آب بمعنى: رجع..
٢ - المُطعم: المرزوق، يقال: فلان مطعم للصيد ومطعم الصيد إذا كان مرزوقا منه، قال ذو الرمة:
 \* ومطعم الصيد هبّال لبغيته\*.
 والمعنى: المرزوق بالخير مرزوق به حيث كان وأنّى توجه، والمحروم محروم مهما فعل..
٣ - هذا جزء في آخر حديث رواه في الموطأ، وأوله: "لا يغلق الرهن.."، وعند الزرقاني شارح الموطإ أن الحديث مرسل، وأن بعض الرواة زاد في آخره: (له غنمه وعليه غُرمه)، واختلف في رفع هذه الزيادة، أو أنها من كلام ابن المسيب..
٤ - نص الحديث كما رواه الترمذي عن عامر بن مسعود" (الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء) هذا ما أثبته السيوطي في "الجامع الصغير". وجاء في لسان العرب: "وفي الحديث: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة" سماه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب..
٥ - المراد: استعمال الخيل وحثّها للحصول على الغنيمة، يقال: أوجف دابته إذا حثّها، والوجيف: ضرب سريع من السير..
٦ - من الآية (٧) من سورة (الحشر)..
٧ - الحديث مروي في البخاري، وقد استشهد ابن عطية في أكثر من مناسبة، والنص في البخاري يؤكد أن ما أخذه عليّ من المغنم كان يوم بدر، إذ جاء فيه أن حسين بن علي أخبره أن عليا قال: "كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني مما أفاء الله من الخمس يومئذ.." إلى آخر الحديث وهو في غزوة بدر ولفظ الحديث يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم خمّس الغنائم يومئذ، وأن الشارف التي أخذها عليّ كانت من المغنم يوم بدر. ولذلك فإن الاحتمال الثاني وهو أن الخمس الذي ذكره علي كان من إحدى الغزوات بين بدر وأحد غير وارد. والله أعلم..
٨ - النّاضّ: الماء الذي يخرج من الحجر قليلا قليلا، أو يرشح من رمل تحته أرض صلبة كلما نضّ منه شيء أي رشح واجتمع أخذ للانتفاع به..
٩ - من الآية (٢١٥) من سورة (البقرة)..
١٠ - القُبضة بضم القاف: ما قبضت عليه باليد من شيء، وهو المراد هاهنا، وأما بالفتح فالمراد المرة من القبض، وقد يكون المعنى مع الفتح هو نفس المعنى مع الضم، وفهم بعض اللغويين هذا من قوله تعالى: فقبضت قبضة من أثر الرسول، وقد قرئت الآية بالضم وبالفتح، وكذلك قرئ بالضم والفتح قوله تعالى: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة. قال ابن الأثير في النهاية: "في حديث حنين: فأخذ قُبضة من التراب، وهو بمعنى المقبوض كالغرفة بمعنى المغروف"..
١١ - الكُراع: اسم يجمع الخيل والسلاح. "المعجم الوسيط"..
١٢ - الصفيّ: ما يأخذه رئيس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة، وقد سبقت الإشارة إلى معناها عند تفسير أول آية من هذه السورة (الأنفال)..
١٣ - أخرجه البخاري، والنسائي، قال البخاري: قال الليث: حدثني يونس، وزاد: (ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا)، قال ابن إسحاق: "وعبد شمس، وهاشم، والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم". وقال النسائي: "وأسهم البني صلى الله عليه وسلم لذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، بينهم الغني والفقير، وقد قيل: إنه للفقير منهم دون الغني، كاليتامى وابن السبيل، وهو أشبه القولين بالصواب. والله أعلم"..
١٤ - تقدم الكلام عن ابن الزنى عند تفسير الآية (١٧٩) من سورة (الأعراف)، وهي قوله تعالى: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لكن نص الحديث هناك يختلف عن نصه هنا..
١٥ - في خزانة الأدب، وفي المغني لابن هشام أن البيت للأخطل، وهو بتمامه:
 إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جآذرا وظباء
 وهو شاهد على أن اسم (إن) ضمير شأن والجملة شرطية بعدها خبرها، ودليل ذلك أن (من) جزمت الفعلين، الشرط له الصدارة في جملته فلا يعمل فيه ما قبله، قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل: هذا البيت للأخطل، وكان نصرانيا فلذلك ذكر الكنيسة، وقال ابن هشام اللخمي: "لم أجده في ديوان الأخطل". وفعلا بحثت في الديوان من رواية السكري فلم أجده، وقد نسبه السيوطي في شواهد المغنى للأخطل ثم قال: وبعده:
 مالت النفس بعدها إذ رأتها فهي ريح وصار جسمي هباء.
١٦ -من اللطائف التي ذكرها المفسرون في قوله تعالى: فأن لله خمسه وللرسول الإشارة إلى هذا التركيب الذي أفرد كينونة الخمس لله، وفصل بين اسمه تعالى وبين المعاطيف بقوله: (خمسه) ليظهر استقلاله وتفرده تعالى بكينونة الخمس له، ثم أشرك المعاطيف معه على سبيل التبعية له، ولم يأت التركيب "فأن لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل خمسه"..

### الآية 8:42

> ﻿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:42]

العامل في  إذ  قوله  التقى  و  العدوة  شفير الوادي وحرفه الذي يتعذر المشي فيه بمنزلة رجا البئر لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادي أي منعته، ومنه قول الشاعر :
عدتني عن زيارتك العوادي\*\*\* وحالت دونها حرب زبون
ولأنها ما عدا الوادي أي جاوزه، وتسمى الضفة والفضاء المساير للوادي عدوة للمجاورة، وهذه هي العدوة التي في الآية[(١)](#foonote-١)، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي **«بالعُدوة »** بضم العين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«بالعِدوة »** بكسر العين، وهما لغتان، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وقتادة وعمرو **«بالعَدوة »** بفتح العين، ويمكن أن تكون تسمية بالمصدر، قال أبو الفتح : الذي في هذا أنها لغة ثالثة كقولهم في اللبن رَغوة ورِغوة ورُغوة، وروى الكسائي : كلمته بحضرة فلان وحضرته إلى سائر نظائر، ذكر أبو الفتح كثيراً منها، وقوله  الدنيا  و  القصوى  إنما بالإضافة إلى المدينة، وفي حرف ابن مسعود **«إذا أنتم بالعدوة العليا وهم بالعدوة السفلى »**، ووادي بدر آخذ بين الشرق والقبلة منحرف إلى البحر الذي هو قريب من ذلك الصقع، والمدينة من الوادي من موضع الوقعة منه في الشرق وبينهما مرحلتان، حدثني أبي بأنه رأى هذه المواضع على ما وصفت وقال ابن عباس : بدر بين مكة والمدينة، و  الدنيا  من الدنو، و  القصوى  من القصو، وهو البعد، وكان القياس أن تكون القصيا لكنه من الشاذ، وقال الخليل في العين : شذت لفظتان وهما القصوى والفتوى، وكان القياس فيهما بالياء كالدنيا والعليا[(٢)](#foonote-٢)، و  الركب  بإجماع من المفسرين غير أبي سفيان، ولا يقال ركب إلا لركاب الإبل وهو من أسماء الجمع، وقد يجمع راكب عليه كصاحب وصحب وتاجر وتجر، ولا يقال ركب لما كثر جداً من الجموع. 
وقال القتبي : الركب الشعرة ونحوها، وهذا غير جيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد قال **«والثلاثة ركب »**[(٣)](#foonote-٣) الحديث وقوله  أسفل  في موضع خفض تقديره في مكان أسفل كذا قال سيبويه، قال أبو حاتم : نصب **«أسفلَ »** على الظرف ويجوز **«الركب أسفل »** على معنى وموضع الركب أسفل أو الركب مستقراً أسفل. 
قال القاضي أبو محمد : وكان الركب ومدبر أمره أبو سفيان بن حرب قد نكب عن بدر حين نذر[(٤)](#foonote-٤) بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ سيف البحر[(٥)](#foonote-٥) فهو أسفل بالإضافة إلى أعلى الوادي من حيث يأتي، وقال مجاهد في كتاب الطبري : أقبل أبو سفيان وأصحابه من الشام تجاراً لم يشعروا بأصحاب بدر ولم يشعر أصحاب محمد بكفار قريش ولا كفار قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى التقوا على ماء بدر من يسقي لهم كلهم، فاقتتلو فغلبتهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأسروهم. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا تعقب، وكان من هذه الفرق شعور يبين من الوقوف على القصة بكمالها، وقوله  ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد  قال الطبري وغيره : لو تواعدتم على الاجتماع ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لخالفتم ولم تجتمعوا معهم، وقال المهدوي : المعنى أي لاختلفتم بالقواطع والعوارض القاطعة بين الناس. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا نيل[(٦)](#foonote-٦) واضح، وإيضاحة أن المقصد من الآية نعمة الله وقدرته في قصة بدر وتيسيره ما يسر من ذلك، فالمعنى : إذ هيأ الله لكم هذه الجمال، ولو تواعدتم لها لاختلفتم إلا مع تيسير الذي تمم ذلك، وهذا كما تقول لصاحبك في أمر سناه الله[(٧)](#foonote-٧) دون تعب كثير : ولو بنينا على هذا وسعينا فيه لم يتم هكذا، ثم بين تعالى أن ذلك إنما كان بلطف الله عز وجل  ليقضي أمراً  أي لينفذ ويظهر أمراً قد قدره في الأول  مفعولاً  لكم بشرط وجودكم في وقت وجودكم، وذلك كله معدوم عنده، وقوله تعالى : ليهلك من هلك عن بينة  الآية، قال الطبري : المعنى ليقتل من قتل من كفار قريش وغيرهم ببيان من الله وإعذار بالرسالة،  ويحي  أيضاً ويعيش من عاش عن بيان منه أيضاً وإعذار لا حجة لأحد عليه، فالهلاك والحياة على هذا التأويل حقيقتان، وقال ابن إسحاق وغيره : معنى  ليهلك  أي ليكفر  ويحيى  أي ليؤمن فالحياة والهلاك على هذا مستعارتان والمعنى أن الله تعالى جعل قصة بدر عبرة وآية ليؤمن من آمن عن وضوح وبيان ويكفر أيضاً من كفر عن مثل ذلك، وقرأ الناس **«ليهلِك »** بكسر اللام الثانية وقرأ الأعمش **«ليهلَك »** بفتح اللام، ورواها عصمة عن أبي بكر عن عاصم، و **«البينة »** صفة أي عن قضية بينة، واللام الأولى في قوله  ليهلك  رد على اللام في قوله  ليقضي . 
وقرأ ابن كثير في رواية قنبل وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص **«من حيّ »** بياء واحدة مشددة، وقرأ نافع وابن كثير في رواية البزي وعاصم في رواية أبي بكر **«من حيِيَ »** بإظهار الياءين وكسر الأولى وفتح الثانية، قال من قرأ ****«حيّ »**** فلأن الياء قد لزمتها الحركة فصار الفعل بلزوم الحركة لها مشبهاً بالصحيح مثل عض وشم ونحوه، ألا ترى أن حذف الياء من جوارٍ في الجر والرفع لا يطرد في حال النصب إذا قلت رأيت جواري لمشابهتها بالحركة سائر الحروف الصحاح، ومنه قوله  كلا إذا بلغت التراقي [(٨)](#foonote-٨)، وعلى نحو ****«حيّ »**** جاء قول الشاعر :\[ مجزوء الكامل \]
عيّوا بأمرهم كما\*\*\* عيّتْ ببيضتها الحمامه[(٩)](#foonote-٩)
ومنه قول لبيد :\[ الرمل \]
سألتني جارتي عن أمتي\*\*\* وإذا ما عيَّ ذو اللب سأل[(١٠)](#foonote-١٠)
وقول المتلمس :\[ الطويل \]
فهذا أوان العرض حيّ ذبابه\*\*\* زنابيره والأزرق المتلمس[(١١)](#foonote-١١)
ويروى جن ذبابه[(١٢)](#foonote-١٢)، قال أبو علي وغيره : هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء مستقبلية[(١٣)](#foonote-١٣) فالإدغام في ماضيه جائز، ألا ترى أن قوله تعالى : على أن يحيي الموتى [(١٤)](#foonote-١٤) لا يجوز الإدغام فيه لأن حركة النصب غير لازمة، ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم، ولا يلتفت إلى ما أنشد بعضهم لأنه بيت مجهول :\[ الكامل \]
وكأنها بين النساء سبيكة\*\*\* تمشي بسدة بيتها فتعي[(١٥)](#foonote-١٥)
قال أبو علي : وأما قراءة من قرأ ****«حيي »****، فبين ولم يدغم، فإن سيبويه قال : أخبرنا بهذه اللغة يونس، قال وسمعنا بعض العرب يقول أحيياء[(١٦)](#foonote-١٦) قال أبو حاتم : القراءة إظهار الياءين والإدغام حسن فاقرأ كيف تعلمت فإن اللغتين مشهورتان في كلام العرب، والخط فيه ياء واحدة. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذه اللفظة استوعب أبو علي القول فيما تصرف من ****«حيي »**** كالحي الذي هو مصدر منه وغيره.

١ - جاء في (اللسان-عدا): "العدى والعٌدوة والعِدوة، كله: شاطئ الوادي"، ونقل عن الفراء: "العُدوة: شاطئ الوادي، الدنيا مما يلي المدينة، والقصوى مما يلي مكة" ونقل عن ابن السكيت: "عدوة الوادي وعِدوته: جانبه وحافته، والجمع عدى وعُدى".
 **هذا وقد جاء بالكسر قول الراعي:**
 وعينان حمر مآقيهمــــا كما نظر العدوة الجــؤذر
 **وكذلك بيت أوس بن حجر:**
 وفارس لو تحل الخيل عدوته وَّلوا سراعا وما هموا بإقبال.
٢ - معظم علماء التصريف فصلّوا في (الفُعلى) مما لامه واو فقالوا: إن كان اسما أبدلت الواو ياء ثم يمثلون بما هو صفة نحو الدنيا والعليا والقصيا، وإن كان صفة أقرّت نحو الحلوى تأنيث الأحلى، ولهذا قالوا: شذ القصوى بالواو وهي لغة الحجاز، والقصيا لغة تميم. وذهب بعض النحويين إلى أنه إن كان اسما أقرت الواو نحو حزوى، وإن كان صفة أبدلت نحو الدنيا والعليا وشذ إقرارها نحو الحلو. راجع "البحر المحيط"..
٣ - كاملا كما رواه في "الجامع الصغير": (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)، أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وأبو داود، والترمذي- عن ابن عمرو..
٤ - نذر بكسر الذال: علم، يقال: نذر بالشيء نذرا ونذارة: علمه فحذره، ويقال: نذروا بالعدو. (المعجم الوسيط)..
٥ - السيف: ساحل البحر، وجمعه: أسياف، وفي حديث جابر: (أتينا سيف البحر) أي ساحله. (اللسان)..
٦ - يعني أنه أنبل من قول الطبري وأشرف. وهو الصواب لما ذكره بعد ذلك، وقوله: "وإيضاحه" يعني: وتوضيح النبل والصحة... الخ..
٧ - سنّاه: أي سهّله ويسّره، يقال: سنّيت الشيء إذا فتحته ويسّرته، وتسنّى لي الشيء أي تيسر لي وتأتى، ومن هذا المعنى قول الشاعر:
 وأعلم علما ليس بالظن أنه إذا الله سنّى عقد شيء تيسرا
 وقد نقل أب حيان في البحر عبارة ابن عطية هكذا: "في أمر شاءه الله" من المشيئة..
٨ - الآية (٢٦) من سورة (القيامة)..
٩ - هذا البيت للشاعر الجاهلي المعروف عبيد بن الأبرص، وهو من قصيدة قالها بعد أن حبسه حجر الكندي والد امرئ القيس هو وأكثر قومه بني أسد حين امتنعوا عن دفع الجزية له في قصة طويل عرف فيها بنو أسد بأنهم "عبيد العصا" لأن حجرا كان يقتلهم بالعصا. والقصيدة تتضمن مفاخر بني أسد، ورواية البيت في الديوان تؤكد ما أشرنا إليه فلفظه فيه: 
 برمت بنو أسد كما برمت ببيضتها الحمامه
 ورواية اللسان هي رواية ابن عطية هنا، وهي شاهد على أن (عيّ) تأتي مشددة الياء مثل (حيّ)..
١٠ - البيت غير موجود في ديوان لبيد، والقصيدة التي يمكن أن يكون واحدا من أبياتها هي التي بدأها بقوله:
 إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل..
١١ -المتلمّس هو جرير بن عبد المسيح الضبيعي، وبيته هذا من قصيدة يتحدث فيها عن إبائه ويسوق فيها الكثير من الحكمة، والعرض: واد في اليمامة، وحيّ ذبابة أ\] عاش فيه بالخصب والحياة. و(زنابيره) بدل من (ذبابه)، والأزرق المتلمّس: نوع آخر من الذباب أخضر اللون كبير الحجم، يقول مخاطبا النعمان: هذا موسم ذلك الوادي المسمى بالعرض وقد حامت فيه أنواع مختلفة من الذباب وذلك دليل على خصبه. وقد سمي المتلمس لقوله هذا..
١٢ -في بعض النسخ: دقّ ذبابه..
١٣ - هي الياء الثانية التي تأتي بعد الياء الأولى وتكون حركتها لازمة. وقد شرح ابن عطية الفرق بين الحركة اللازمة والحركة العارضة التي تزول بزوال العامل..
١٤ - من الآية (٤٠) من سورة (القيامة)..
١٥ - ينسب هذا البيت إلى الحطيئة مع أنه غير موجود في ديوانه. والسبيكة: القطعة من الذهب أو الفضة الخالصة من الخبث المصبوبة في قالب على صورة معينة، والكلام هنا على التشبيه، والسدة: باب الدار، أو الظلة بباب الدار، أو الساحة بين يدي الباب، وقد جاء (تعيّ) بالإدغام مع أن حركة الياء الثانية غير لازمة..
١٦ - على وزن أغنياء..

### الآية 8:43

> ﻿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [8:43]

المهدوي  إذ  نصب بتقدير : واذكر. 
قال القاضي أبو محمد : أو بدل من  إذ  المتقدمة وهو أحسن، وتظاهرت الروايات أن هذه الآية نزلت في رؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى فيها عدد الكفار قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فقويت نفوسهم وحرضوا على اللقاء[(١)](#foonote-١)، فهذا معنى قوله  في منامك  أي في نومك قاله مجاهد وغيره. 
وروي عن الحسن أن معنى قوله  في منامك  أي في عينك إذ هي موضع النوم، وعلى هذا التأويل تكون الرواية في اليقظة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا القول ضعيف، وعليه فسر النقاش وذكره عن المازني، والضمير على التأويلين من قوله  يريكهم  عائد على الكفار من أهل مكة، ومما يضعف ما روي عن الحسن أن معنى هذه الآية يتكرر في التي بعدها ن لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب في الثانية أيضاً، وقد تظاهرت الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم، انتبه وقال لأصحابه **«أبشروا فلقد نظرت إلى مصارع القوم »** ونحو هذا، وقد كان علم أنهم ما بين التسعمائة إلى الألف، فكيف يراهم ببصره بخلاف ما علم، والظاهر أنه رآهم في نومه قليلاً قدرهم وحالهم وبأسهم مهزومين مصروعين، ويحتمل أنه رآهم قليلاً عددهم، فكان تأويل رؤياه انهزامهم، فالقلة والكثرة على الظاهر مستعارة في غير العدد، كما قالوا : المرء كثير بأخيه، إلى غير ذلك من الأمثلة، والفشل الخور عن ألأمر، إما بعد التلبس وإما بعد العزم على التلبس و  لتنازعتم  أي لتخالفتم و  في الأمر  يريد في اللقاء والحرب و  سلم  لفظ يعم كل متخوف اتصل بالأمر أو عرض في وجهه فسلم الله من ذلك كله، وعبر بعض الناس أن قال **«سلم لكم أمركم »** ونحو هذا مما يندرج فيما ذكرناه وقوله  إنه عليم بذات الصدور  أي بإيمانكم وكفركم مجاز بحسب ذلك، وقرأ الجمهور من الناس **«ولكنَّ الله سلم »** بشد النون ونصب المكتوبة[(٢)](#foonote-٢) وقرأت فرقة **«ولكن اللهُ »** برفع المكتوبة.

١ -أكمل أبو حيان في "البحر" الخبر: (وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين انتبه: أبشروا، لقد نظرت إلى مصارع القوم)- هذا والمراد بالقلة هنا قلة القدر والنجدة وأنهم مهزومون، ولا يُحمل على قلة العدد لأن رؤياه صلى الله عليه وسلم حق، وقد كان علم أنهم ما بين تسعمائة وألف، فلا يمكن حمل ذلك على قلة العدد..
٢ - المكتوبة: لفظ الجلالة (الله)..

### الآية 8:44

> ﻿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [8:44]

وقوله  وإذ يريكموهم إذا التقيتم  الآية،  وإذ  عطف على الأولى، وهذه الرؤية هي في اليقظة بإجماع، وهي الرؤية التي كانت حين التقوا ووقعت العين على العين، والمعنى أن الله تعالى لما أراد من إنفاذ قضائه في نصرة الإسلام وإظهاره قلل كل طائفة في عيون الأخرى، فوقع الخلل في التخمين والحزر[(١)](#foonote-١) الذي يستعمله الناس في هذا التجسد كل طائفة على الأخرى وتتسبب أسباب الحرب، وري في هذا عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لقد قلت ذلك اليوم لرجل إلى جنبي أتظنهم سبعين ؟ قال بل هم مائة، قال فلما هزمناهم أسرنا منهم رجلاً فقلنا كم كنتم ؟ قال ألفاً. 
قال القاضي أبو محمد : ويرد على هذا المعنى في التقليل ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأل عما ينحرون كل يوم، فأخبر أنهم يوماً عشراً ويوماً تسعاً، قال هم ما بين التسعمائة إلى الألف، فإما أن عبد الله ومن جرى مجراه لم يعلم بمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن نفرض التقليل الذي في الآية تقليل القدر والمهابة والمنزلة من النجدة، وتقدم في مثل قوله  ليقضي الله أمراً كان مفعولاً  والأمر المفعول المذكور في الآيتين هو للقصة بأجمعها، وذهب بعض الناس إلى أنهما لمعنيين من معاني القصة والعموم أولى، وقوله  وإلى الله ترجع الأمور  تنبيه على أن الحول بأجمعه لله وأن كل أمر فله وإليه، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش **«تَرجِع »** بفتح التاء وكسر الجيم، قال أبو حاتم : وهي قراءة عامة الناس، وقرأ الأعرج وابن كثير وأبو عمرو ونافع وغيرهم **«تُرجَع »** بضم التاء وفتح الجيم.

١ - حزر الشيء: تقديره بالتخمين..

### الآية 8:45

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [8:45]

هذا أمر بما فيه داعية النصر وسبب العز، وهي وصية من الله متوجهة بحسب التقييد التي في آية الضعف[(١)](#foonote-١)، ويجري مع معنى الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا »**[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في ولاية الإمارة والقضاء لا يطلب ولا يتمنى، فإن ابتلي صبر على إقامة الحق، و **«الفئة »** الجماعة أصلها فئوة وهي من فأوت أي جمعت، ثم أمر الله تعالى بإكثار ذكره هنالك إذ هو عصمة المستنجد ووزر[(٣)](#foonote-٣) المستعين، قال قتادة : افترض الله ذكره عند أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ذكر خفي لأن رفع الأصوات في موطن القتال رديء مكروه إذا كان إلغاطاً[(٤)](#foonote-٤)، فأما إن كان من الجمع عند الحملة فحسن فاتٌّ في عضد العدو، وقال قيس بن عباد : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند ثلاث : عند قراءة القرآن وعند الجنازة والقتال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«اطلبوا إجابة الدعاء عند القتال وإقامة الصلاة ونزول الغيث »**[(٥)](#foonote-٥)، وقال ابن عباس يكره التلثم عند القتال. 
قال القاضي أبو محمد : ولهذا والله أعلم يتسنن[(٦)](#foonote-٦) المرابطون بطرحه عند القتال على ضنانتهم به و  تفلحون  تنالون بغيتكم وتبلغون آمالكم، وهذا مثل قول لبيد :\[ الرجز \]
أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضْ\*\*\* ضعف وقد يخدع الأريب[(٧)](#foonote-٧)

١ - هي قوله تعالى في الآية (٦٦) من هذه السورة: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا..
٢ - قال ابن كثير في تفسيره: "ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقل: (يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم). ثم نقل عن عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر مثله. (تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٩، ٣٣٠)..
٣ - الوزر: الملجأ والمعتصم (المعجم الوسيط).
٤ - اضطربت الأصول في هذه الجملة- ففي بعضها:" إذا كان إلغاطا"، وفي بعضها: إذا كان الغايط واحدا، والصواب ما ذكره محقق القرطبي ناقلا عن ابن عطية: "إذا كان الذكر واحدا، فأما إن كان من الجميع... الخ"..
٥ - أخرج الحاكم وصححه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثنتان لا تردان، الدعاء عند النداء وعند البأس، حين يلحم بعضهم بعضا) (الدر المنثور)..
٦ - وأيضا اضطربت الأصول في هذه الجملة، ففي بعضها: "يتسنن"، وفي بعضها "استنّ"- والتصويب عن القرطبي الذي قال: "والتصويب عن تفسير ابن عطية"، والمراد أن المرابطين آثروا التبرك بترك اللثام عند القتال على شدة تمسكهم به..
٧ - المعروف أن البيت لعبيد بن الأبرص، وهو من قصيدته المشهورة- على الرغم مما فيها من اضطراب فني- والتي يقول مطلعها:
 أقفر من أهله ملحوب فالقطيبات، فالذنوب
 وأفلح بما شئت: عش به. والأريب: العاقل. ورواية الديوان: "فقد يدرك"، ويروى: "بالنّوك" بدلا من "بالضعف". والمعنى: عش كما تشاء فلربما نال الضعيف بضعفه مالا يناله القوي بقوته. هذا وقد سبق الاستشهاد به عند تفسير قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا الآية (٢٢) من سورة (الأنعام)..

### الآية 8:46

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [8:46]

وقوله  وأطيعوا الله ورسوله  الآية استمرار على الوصية لهم والأخذ على أيديهم في اختلافهم في أمر بدر وتنازعهم، و  تفشلوا  نصب بالفاء في جواب النهي، قال أبو حاتم في كتاب عن إبراهيم **«فتفشِلو »** بكسر الشين وهذا غير معروف[(١)](#foonote-١) وقرأ جمهور الناس **«وتذهبَ »** بالتاء من فوق ونصب الباء، وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم **«وتذهبْ ريحكم »** بالتاء وجزم الباء، وقرأ عيسى بن عمر **«ويذهبْ »** بالياء من تحت وبجزم يذهب، وقرأ أبو حيوة **«ويذهبَ »** بالياء من تحت ونصب الباء، ورواها أبان وعصمة عن عاصم، والجمهور على أن الريح هنا مستعارة والمراد بها النصر والقوة كما تقول : الريح لفلان إذا كان غالباً في أمر، ومن هذا المعنى قول الشاعر وهو عبيد بن الأبرص :\[ البسيط \]
كما حميناك يوم العنف من شطبٍ\*\*\* والفضل للقوم من ريح ومن عدد[(٢)](#foonote-٢)
وقال مجاهد :**«الريح »** النصر والقوة، وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد، وقال زيد بن علي  وتذهب ريحكم  معناه الرعب من قلوب عدوكم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن بشرط أن يعلم العدو بالتنازع، وإذا لم يعلم فالذاهب قوة المتنازعين فيهزمون، وقال شاعر الأنصار :\[ البسيط \]
قد عوَّدَتْهمْ ظباهم أن تكونَ لهمْ\*\*\* ريحُ القتالِ وأسلابُ الذين لقوا[(٣)](#foonote-٣)
ومن استعارة الريح قول الآخر :\[ الوافر \]
إذا هبت رياحك فاغتنمها\*\*\* فإن لكل عاصفة سكون[(٤)](#foonote-٤)
وهذا كثير مستعمل وقال ابن زيد وغيره : الريح على بابها، وروي أن النصر لم يكن قط إلا بريح تهب فتضرب في وجوه الكفار، واستند بعضهم في هذه المقالة إلى قوله صلى الله عليه وسلم :**«نصرت بالصبا »**[(٥)](#foonote-٥) وقال الحكم  وتذهب ريحكم  يعني الصبا إذ بها نصر محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا إنما كان في غزوة الخندق خاصة، وقوله  واصبروا  إلى آخر الآية، تتميم في الوصية وعدة مؤنسة.

١ - جاء في "التاج": "فشل يفشل ككتب يكتب، وبه قرئ \[فتفشلوا\]، وفشل يفشل كضرب يضرب، وبه قرأ الحسن البصري، وهما لغتان نقلهما الصاغاني. ولهذا عقب أبو حيان في البحر على كلام أبي حاتم فقال: "وقال غيره: هي لغة"..
٢ - شطب: اسم جبل بديار بني أسد، وفي معجم ما استعجم للبكري: "بديار بني تميم"، والنّعف: أسفل الجبل، أو المكان المرتفع في اعتراض، والفضل للقوم: الريح معهم والعدد لهم، ويروى البيت: "من صوت ومن غرد" ويريد بالغرد الصوت، والمعنى- على هذه الرواية الثانية- أن لهم صوتا وجلبة يهزمون بها العدو..
٣ - الظُّبَةُ: حد السيف وما أشبهه، والجمع: ظُبا وظُبات وظبون. وريح القتال: النصر والغلبة فيه. والأسلاب: جمع سلب وهو ما مع القتيل من مال وسلاح ودابة. ولقوا: قابلوهم في الحرب. والمعنى: النصر دائما لهم..
٤ - يروى: "لكل خافقة" بدلا من "لكل عاصفة"، والقافية مرفوعة، واسم (إن) هنا ضمير الشأن، والخبر قوله: "لكل خافقة سكون"، وهذا تصحيح لمن روى البيت: "فإن لكل عاصفة سكونا" بالنصب، فالخطأ واضح، والدليل أن من هذه القصيدة البيت المعروف: 
 ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون..
٥ - (نُصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور)، رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهناك حديث آخر نصه: (نُصرت بالصبا وكانت عذابا على من كان قبلي)، رواه الشافعي عن محمد بن عمر مرسلا، ذكر ذلك الإمام السيوطي في "الجامع الصغير"، ورمز إلى الحديث الأول بالصحة، ورمز إلى الثاني بالضعف. والصبا: ريح مهبّها من مشرق الشمس إذا استوى الليل والنهار (مؤنث)، والدبور: ريح تهب من المغرب وتقابل القبول وهي الصبا..

### الآية 8:47

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [8:47]

وقوله تعالى : ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم  الآية، آية تتضمن الطعن على المشار إليهم وهم كفار قريش، وخرج ذلك على طريق النهي عن سلوك سبيلهم، والإشارة هي إلى كفار قريش بإجماع، و **«البطر »** الأشر وغمط النعمة والشغل بالمرح فيها عن شكرها، و **«الرياء »** المباهاة والتصنع بما يراه غيرك، وهو فعال من راءى يرائي سهلت همزته، وروي أن أبا سفيان لما أحس أنه قد تجاوز بعيره الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بعث إلى قريش فقال :**«إن الله قد سلم عيركم التي خرجتم إلى نصرتها فارجعوا سالمين قد بلغتم مرادكم »**، فأتى رأي الجماعة على ذلك، فقال أبو جهل : والله لا نفعل حتى نأتي بدراً، وكانت بدر سوقاً من أسواق العرب لها يوم موسم، فننحر عليها الإبل ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان ويسمع بنا العرب ويهابنا الناس. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا معنى قوله تعالى : ورئاء الناس ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«اللهم إن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها تحادّك وتكذب رسولك، اللهم فاحنها الغداة »**[(١)](#foonote-١)، وقال محمد بن كعب القرظي : خرجت قريش بالقيان والدفوف، وقوله  ويصدون عن سبيل الله ، أي غيرهم. 
قال القاضي أبو محمد : لأنهم أحرى بذلك من أن يقتصر صدهم على أنفسهم، وقوله  والله بما يعملون محيط  آية تتضمن الوعيد والتهديد لمن بقي من الكفار ونفوذ القدر فيمن مضى بالقتل.

١ - هذا جزء من حديث أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية. وليس فيه الجملة الأخيرة، ومعنى: (فأحنها الغداة): فاجعل حينها وهلاكها غدا، وتخريج الحديث عن (الدر المنثور)..

### الآية 8:48

> ﻿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:48]

التقدير واذكروا إذ، والضمير في  لهم  عائد على الكفار، و  الشيطان  إبليس نفسه، وحكى المهدوي وغيره أن التزيين في هذه الآية وما بعده من الأقوال هو بالوسوسة والمحادثة في النفوس. 
قال القاضي أبو محمد : ويضعف هذا القول أن قوله  وإني جار لكم  ليس مما يلقى بالوسوسة، وقال الجمهور في ذلك بما روي وتظاهر أن إبليس جاء كفار قريش ففي السير لابن هشام أنه جاءهم بمكة، وفي غيرها أنه جاءهم وهم في طريقهم إلى بدر، وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنانة لحروب كانت بينهم، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو سيد من ساداتهم، فقال لهم :**«إني جار لكم »** ولن تخافوا من قومي وهم لكم أعوان على مقصدكم ولن يغلبكم أحد، فسروا عند ذلك ومضوا لطيتهم[(١)](#foonote-١)، وقال لهم أنتم تقاتلون عن دين الآباء ولن تعدموا نصراً. 
فروي أنه لما التقى الجمعان كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما رأى الملائكة نكص فقال له الحارث : أتفر يا سراقة فلم يلو عليه[(٢)](#foonote-٢)، ويروى أنه قال له ما تضمنت الآية. 
وروي أن عمرو بن وهب أو الحارث بن هشام قال له : أين يا سراق ؟ فلم يلو ودفع في صدر الحارث وذهب فوقعت الهزيمة[(٣)](#foonote-٣)، فتحدث أن سراقة فر بالناس، فبلغ ذلك سراقة بن مالك، فأتى مكة فقال لهم : والله ما علمت بشيء من أمركم حتى بلغتني هزيمتكم ولا رأيتكم ولا كنت معكم، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة رجل من بني مدلج، فقال  لا غالب لكم اليوم  الآية، و  اليوم  ظرف، والعمل فيه معنى نفي الغلبة، ويحتمل أن يكون العامل متعلق  لكم  وممتنع أن يعمل  غالب  لأنه كان يلزم أن يكون لا غالباً[(٤)](#foonote-٤)، وقوله  إني جار لكم  معناه فأنتم في ذمتي وحماي، و  وتراءت  تفاعلت من الرؤية أي رأى هؤلاء هؤلاء، وقرأ الأعمش وعيسى بن عمر **«ترأت »** مقصورة، وحكى أبو حاتم عن الأعمش أنه أمال والراء مرققة ثم رجع عن ذلك. وقوله  نكص على عقيبه  معناه رجع من حيث جاء، وأصل النكوص في اللغة الرجوع القهقرى، وقال زهير :
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا\*\*\* لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا[(٥)](#foonote-٥)
كذا أنشد الطبري، وفي رواية الأصمعي إذا ما استلأموا وبذلك فسر الطبري هذه الآية، وفي ذلك بعد، وإنما رجوعه في هذه الآية مشبه بالنكوص الحقيقي، وقال اللغويون : النكوص، الإحجام عن الشيء، يقال أراد أمراً ثم نكص عنه، وقال تأبَّطَ شرّاً :\[ البسيط \]
ليس النكوصُ على الأدبار مكرمةً\*\*\* إن المكارم إقدامٌ على الأسَل[(٦)](#foonote-٦)
قال القاضي أبو محمد : فليس هنا قهقرى بل هو فرار، وقال مؤرج[(٧)](#foonote-٧) : نكص هي رجع بلغة سليم. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله  على عقبيه  يبين أنه إنما أراد الانهزام والرجوع في ضد إقباله، وقوله  إني بريء منكم  هو خذلانه لهم وانفصاله عنهم، وقوله  إني أرى ما لا ترون  يريد الملائكة وهو الخبيث إنما شرط أن لا غالب من الناس فلما رأى الملائكة وخرق العادة خاف وفرَّ، وفي الموطأ وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«ما رئي الشيطان في يوم أقل ولا أحقر ولا أصغر منه في يوم عرفة، لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رأى يوم بدر، قيل وما رأى يا رسول الله ؟ قال : رأى الملائكة يزعها جبريل »**[(٨)](#foonote-٨). 
وقال الحسن : رأى إبليس جبريل يقود فرسه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معتجر ببردة وفي يده اللجام، وقوله  إني أخاف الله  قيل إن هذه معذرة منه كاذبة ولم تلحقه قط مخافة، قاله قتادة وابن الكلبي، وقال الزجّاج وغيره : بل خاف مما رأى من الأمر وهوله وأنه يومه الذي أنظر إليه[(٩)](#foonote-٩)، ويقوي هذا أنه رأى خرق العادة ونزول الملائكة للحرب. 
وحكى الطبري بسنده أنه لما انهزم المشركون يوم بدر حين رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضة من التراب وجوه الكفار أقبل جبريل صلى الله عليه وسلم إلى إبليس، فلما رآه إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده ثم ولى مدبراً، فقال له الرجل أي سراقة تزعم أنك لنا جار ؟ فقال  إني أرى ما لا ترون  الآية، ثم ذهب.

١ - الطّيّة: النيّة، والحاجة..
٢ - يقال: مرّ لا يلوي على أحد: لا يقيم عليه ولا ينتظره..
٣ - اضطربت العبارات في الأصول في هذه الجملة، والتصويب عن كتب السيرة، والمفسرين الذين يأخذون عن ابن عطية كالقرطبي وأبي حيان..
٤ - لأنه يكون اسم (لا) مطولا، والمطوّل يعرب ولا يبنى..
٥ - البيت في الديوان، وهو من قصيدته التي يقول في مطلعها:
 قف بالديار التي لم يعفها القدم بلى، وغيّرها الأرواح والديم
 والبيض: جمع بيضة، ما يوضع على الرأس كالخوذة. وحبيك البيض: طرائقه، والواحدة: حبيكة. ينكصون: يتراجعون ويُحجمون عن القتال، ونكص على عقبيه: رجع عما كان عليه من الخير، ولا يقال ذلك إلا في الرجوع عن الخير خاصة، ونكص ينكص بضم الكاف وبكسرها في المضارع (قال ذلك في اللسان نقلا عن أبي منصور الأزهري)، واستلحموا: أدركوا ولوبسوا في أثناء المعركة. وحموا: اشتد غضبهم. أما استلأموا (على رواية الأصمعي) فمعناها: لبسوا ما عندهم من عدّة، أو لبس كل واحد منهم لأمته وهي أداة الحرب كلها من الرمح والمغفر والبيضة والسيف والدرع..
٦ - الأدبار: جمع دبر- بضم الباء وبسكونها- وهو الظهر والإست. والأسل: الرماح وكل ما رقق من الحديد- على التشبيه بالشوك الطويل، أو بنبات ذي أغصان كثيرة شائكة الأطراف من الفصيلة الأسلية ينبت في الماء أو في الأرض الرطبة وتصنع منه الحصر والحبال- فالنكوص على الأدبار فرار وهزيمة كما قال المؤلف..
٧ - هو مؤرج بن عمرو السدوسي، يكنى أبا فيد، مات سنة ١٩٥هـ..
٨ - الحديث رواه مالك في الموطأ، وقال ابن كثير بعد أن أورده كاملا بسنده: "هذا مرسل من هذا الوجه" ومعنى يزعها: يُرتّبها ويسوّي صفوفها للحرب..
٩ - يعني: وظنّ أنه يوما الذي أنظر إليه فخاف ونكص على عقبيه..

### الآية 8:49

> ﻿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:49]

وقوله تعالى : إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض  الآية، العامل في  إذ   زين  أو  نكص  لأن ذلك الموقف كان ظرفاً لهذه الأمور كلها، وقال المفسرون إن هؤلاء الموصوفين بالنفاق ومرض القلوب إنما هم من أهل عسكر الكفار لما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلتهم وقلة عددهم، قالوا مشيرين إلى المسلمين  غرَّ هؤلاء دينهم  أي اغتروا فأدخلوا نفوسهم فيما لا طاقة لهم به. 
قال القاضي أبو محمد : والنفاق أخص من مرض القلب لأن مرض القلب مطلق على الكافر وعلى من اعترضته شبهة وعلى من بينهما، وكني بالقلوب عن الاعتقادات إذ القلوب محلها، وروي في نحو هذا التأويل عن الشعبي أن قوماً ممن كان الإسلام داخل قلوبهم خرجوا مع المشركين إلى بدر، منهم من أكره ومنهم من داجى وداهن[(١)](#foonote-١)، فلما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلتهم ارتابوا واعتقدوا أنهم مغلوبون، فقالوا  غر هؤلاء دينهم ، قال مجاهد : منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن أمية[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : ولم يذكر أحد ممن شهد بدراً بنفاق إلا ما ظهر بعد ذلك من معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف، فإنه القائل يوم أحد  لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا [(٣)](#foonote-٣) وقد يحتمل أن يكون منافقو المدينة لما وصلهم خروج قريش في قوة عظيمة قالوا عن المسلمين هذه المقالة، فأخبر الله بها نبيه في هذه الآية، ثم أخبر الله عز وجل بأن من توكل على الله واستند إليه، فإن عزة الله تعالى وحكمته كفيلة بنصره وشد أعضاده، وخرجت العبارة عن هذا المعنى بأوجز لفظ وأبلغه.

١ - اختلفت النسخ الخطية في هذه الجملة، فبعضها أسقط كلمة "داجى"، وبعضها أثبتها (جاء)، ومعنى داجى: أخفى ما في نفسه وداراه..
٢ - أثبت هذا الاسم الأخير في بعض النسخ: "العاصي بن أمية"، وآثرنا التي تتفق مع ما في الطبري والبحر المحيط..
٣ - من الآية (١٥٤) من سورة (آل عمران)..

### الآية 8:50

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [8:50]

هذه الآية تتضمن التعجيب مما حل بالكفار يوم بدر، قاله مجاهد وغيره، وفي ذلك وعيد لمن بقي منهم، وحذف جواب،  لو  إبهام بليغ، وقرأ جمهور السبعة والناس **«يتوفى »** بالياء فعل فيه علامة التذكير إلى مؤنث في اللفظ، وساغ ذلك أن التأنيث غير حقيقي، وارتفعت  الملائكة  ب  يتوفى ، وقال بعض من قرأ هذه القراءة إن المعنى إذ يتوفى الله الذين كفروا و  الملائكة  رفع بالابتداء، و  يضربون  خبره والجملة في موضع الحال. 
قال القاضي أبو محمد : ويضعف هذا التأويل سقوط واو الحال فإنها في الإغلب تلزم مثل هذا[(١)](#foonote-١)، وقرأ ابن عامر من السبعة والأعرج **«تتوفى »** بالتاء على الإسناد إلى لفظ **«الملائكة »**، و  يضربون  في موضع الحال، وقوله  وأدبارهم  قال جمهور المفسرين يريد أستاههم، ولكن الله كريم كنى، وقال ابن عباس أراد ظهورهم وما أدبر منهم، ومعنى هذا أن الملائكة كانت تلحقهم في حال الإدبار فتضرب أدبارهم، فأما في حال الإقبال فبين تمكن ضرب الوجوه، وروى الحسن أن رجلاً قال : يا رسول الله رأيت في ظهر أبي جهل مثل الشراك[(٢)](#foonote-٢)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ذلك ضرب الملائكة »**، وعبر بجمع الملائكة، وملك الموت واحد إذ له على ذلك أعوان من الملائكة، وقوله  وذوقوا عذاب الحريق  قيل كانوا يقولون للكفار حينئذ هذا اللفظ فحذف يقولون اختصار، وقيل معناه وحالهم يوم القيامة أن يقال لهم هذا، و  الحريق  فعيل من الحرق.

١ - قال أبو حيان في "البحر": "لا يضعفه إذ جاء بغير واو في كتاب الله وفي كثير من كلام العرب"..
٢ - الشّراك: سير النعل. (المعجم الوسيط)..

### الآية 8:51

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [8:51]

وقوله تعالى : ذلك بما قدمت أيديكم  يحتمل أن يكون من قول الملائكة في وقت توفيتهم لهم على الصورة المذكورة، ويحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً تقريعاً من الله عز وجل للكافرين حيهم وميتهم،  وأن  يصح أن تكون في موضع رفع على تقدير والحكم أن، ويصح أن تكون في موضع خفض عطفاً على ما في قوله  بما قدمت ، وقال مكي والزهراوي : ويصح أن تكون في موضع نصب بإسقاط الباء تقديره **«وبأن »**، فلما حذفت الباء حصلت في موضع نصب. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا غير متجه ولا بيّن إلا أن تنصب بإضمار فعل.

### الآية 8:52

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:52]

وقوله  كدأب آل فرعون  الآية، الدأب : العادة في كلام العرب، ومنه قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
كدأبك من أم الحويرث قبلها\*\*\* وجارتها أم الرباب بمأسل[(١)](#foonote-١)
ويروى كدينك، ومنه قول خراش بن زهير العامري :
فما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت\*\*\* هوازن وارفضَّت سليم وعامر
وهو مأخوذ من دأب على العمل إذا لزمه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، لصاحب الجميل الذي هش إليه وأقبل نحوه وقد ذل ودمعت عيناه :**«إنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه[(٢)](#foonote-٢) »** فكأن العادة ُدؤوب ما. 
وقال جابر بن زيد وعامر الشعبي ومجاهد وعطاء : المعنى كسنن آل فرعون، ويحتمل أن يراد كعادة آل فرعون وغيرهم، فتكون عادة الأمم بجملتها لا على انفراد أمة، إذ آل فرعون لم يكفروا وأهلكوا مراراً بل لكل أمة مرة واحدة، ويحتمل أن يكون المراد كعادة الله فيهم، فأضاف العادة إليهم إذ لهم نسبة إليها يضاف المصدر إلى الفاعل وإلى المفعول، والكاف من قوله  كدأب  يجوز أن يتعلق بقوله  وذوقوا  وفيه بعد، والكاف على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، ويجوز أن تتعلق بقوله  قدمت أيديكم  وموضعها أيضاً على هذا نصب كما تقدم، ويجوز أن يكون معنى الكلام الأمر مثل دأب آل فرعون فتكون الكاف في موضع خبر الابتداء، وقوله  فأخذهم  معناه أهلكهم وأتى عليهم بقرينة قوله  بذنوبهم  ثم ابتدأ الإخبار بقوة الله تعالى وشدة عقابه.

١ - البيت من معلقة امرئ القيس، والدأب: العادة، ومأسل: موضع ماء، وأم الحُويرث وأم الرباب: اسما امرأتين، والخطاب في قوله "كدأبك" لنفسه، فهو يلومها على شغفه وهيامه بالنساء مما يسبب له العذاب والدموع، فبعد حبّه لأم الحويرث ولأم الرباب لم يتعظ، ولم يرعو ويرجع عن الحب، بل دأب عليه معانيا ما فيه من لوعة وشقاء..
٢ - الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه، ولفظه كما في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن جعفر، قال: (أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، فأسرّ إليّ حديثا لا أخبر به أحدا أبدا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل، فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار، فإذا جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم سراته وذفراه فسكن، = فقال: من صاحب الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّككها الله؟ إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه) (المسند ١/٢٠٤)..

### الآية 8:53

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:53]

ذلك  في موضع رفع على خبر الابتداء تقديره عند سيبويه الأمر ذلك، ويحتمل أن يكون التقدير وجب ذلك، والباء باء السبب[(١)](#foonote-١)، وقوله  لم يك مغيراً  جزم ب  لم  وجزمه بحذف النون، والأصل يكون فإذا دخلت لم جاء لم يكن، ثم قالوا **«لم يك مغيراً »** كأنهم قصدوا التخفيف فتوهموا دخول **«لم »** على يكن فحذفت النون للجزم، وحسن ذلك فيها لمشابهتها حروف اللين التي تحذف للجزم كما قالوا لم أبال، ثم قالوا لم أبل فتوهموا دخول لم على أبال ؟ ومعنى هذه الآية الإخبار بأن الله عز وجل إذا أنعم على قوم نعمة فإنه بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغيرها وتكديرها حتى يجيء ذلك منهم بأن يغيروا حالهم التي تراد وتحسن منهم، فإذا فعلوا ذلك وتلبسوا بالتكسب للمعاصي أو الكفر الذي يوجب عقابهم غير الله نعمته عليهم بنقمته منهم، ومثال هذا نعمة الله على قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا ما كان يجب أن يكونوا عليه، فغير الله تلك النعمة بأن نقلها إلى غيرهم من الأنصار وأحل بهم عقوبته. 
وقوله  وأن  عطف على الأولى، و  سميع عليم  أي لكل وبكل ما يقع من الناس في تغيير ما بأنفسهم لا يخفى عليه من ذلك سر ولا جهر. 
١ - يريد الباء في قوله تعالى بأن الله.

### الآية 8:54

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [8:54]

وقوله  كدأب آل فرعون  الآية، الكاف من  كدأب  في هذه الآية متعلقة بقوله  حتى يغيروا ، وهذا التكرير هو لمعنى ليس للأول، إذ الأول دأب في أن هلكوا الآية الأولى، والإشارة بقوله  الذين من قبلهم  إلى قوم هود وصالح ونوح وشعيب وغيرهم.

### الآية 8:55

> ﻿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [8:55]

وقوله تعالى : إن شر الدواب  إلى  يتقون  المعنى المقصود تفضيل الدواب الذميمة كالخنزير والكلب العقور على الكافرين الذين حتم عليهم بأنهم لا يؤمنون، وهذا الذي يقتضيه اللفظ، وإما الكافر الذي يؤمن فيما يستأنفه من عمره فليس بشر الدواب.

### الآية 8:56

> ﻿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ [8:56]

وقوله  الذين عاهدت منهم  يحتمل أن يريد أن الموصوف ب  شر الدواب  هم الذين لا يؤمنون المعاهدون من الكفار فكانوا شر الدواب على هذا بثلاثة أوصاف : الكفر والموافاة عليه والمعاهدة مع النقض، و  الذين  على هذا بدل البعض من الكل، ويحتمل أن يريد بقوله  الذين عاهدت   الذين  الأولى، فتكون بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، والمعنى على هذا الذين عاهدت فرقة أو طائفة منهم، ثم ابتدأ يصف حال المعاهدين بقوله : ثم ينقضون عهدهم في كل مرة  والمعاهدة في هذه الآية المسالمة وترك الحرب، وأجمع المتأولون أن الآية نزلت في بني قريظة وهي بعد تعم كل من اتصف بهذه الصفة إلى يوم القيامة، ومن قال إن المراد ب  الدواب  الناس فقول لا يستوفي المذمة، ولا مرية في أن الدواب تعم الناس وسائر الحيوان، وفي تعميم اللفظة في هذه الآية استيفاء المذمة، وقوله  في كل مرة  يقتضي أن الغدر قد كان وقع منهم وتكرر ذلك، وحديث قريظة هو أنهم عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ألا يحاربوه ولا يعينوا عليه عدواً من غيرهم، فلما اجتمعت الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة غلب على ظن بني قريظة أن النبي صلى الله عليه وسلم، مغلوب ومستأصل، وخدع حيي بن أخطب النضري كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة وعهدهم، فغدروا ووالوا قريشاً وأمدوهم بالسلاح والأدراع، فلما انجلت تلك الحال عن النبي صلى الله عليه وسلم، أمره الله بالخروج إليهم وحربهم فاستنزلوا، وضربت أعناقهم بحكم سعد بن معاذ، واستيعاب القصة في سيرة ابن هشام، وإنما اقتضبت منها ما يخص تفسير الآية.

### الآية 8:57

> ﻿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [8:57]

دخلت النون مع **«إما »** تأكيداً ولتفرق بينها وبين إما التي هي حرف انفصال في قولك جاءني إما زيد وإما عمرو  وتثقفهم  معناه وتحصلهم في ثقافك أو تلقاهم بحال ضعف تقدر عليهم فيها وتغلبهم، وهذا لازم من اللفظ لقوله  في الحرب ، وقيل ثقف أخذ بسرعة ومن ذلك قولهم : رجل ثقف لقف[(١)](#foonote-١)، وقال بعض الناس معناه تصادفنهم إلى نحو هذا من الأقوال التي لا ترتبط في المعنى، وذلك أن المصادف يغلب فيمكن التشريد به، وقد لا يغلب، والثقاف في اللغة ما تشد به القناة ونحوها، ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
إن قناتي لنبع ما ُيَؤِّيسها\*\*\* عض الثقاف ولا دهن ولا نار[(٢)](#foonote-٢)
وقال آخر :\[ البسيط \]
تدعو قعيناً وقد عضّ الحديد بها\*\*\* عض الثقاف على صم الأنابيب[(٣)](#foonote-٣)
وقوله  فشرد  معناه طرد وخوف وأبعده عن مثل فعلهم، والشريد المبعد عن وطن أو نحوه، والمعنى بفعل تفعله بهم من قتل أو نحوه يكون تخويفاً لمن خلفهم أي لمن يأتي بعدهم بمثل ما أتوا به، وسواء كان معاصراً لهم أم لا، وما تقدم الشيء فهو بين يديه وما تأخر عنه فهو خلفه، فمعنى الآية فإن أسرت هؤلاء الناقضين في حربك لهم فافعل بهم من النقمة ما يكون تشريداً لمن يأتي خلفهم في مثل طريقتهم، والضمير في  لعلهم  عائد على الفرقة المشردة، وقال ابن عباس : المعنى نكل بهم من خلفهم، وقالت فرقة **«شرد بهم »** معناه سمع بهم، حكاه الزهراوي عن أبي عبيدة، والمعنى متقارب لأن التسميع بهم في ضمن ما فسرناه أولاً، وفي مصحف عبد الله **«فشرذ »** بالذال منقوطة، وهي قراءة الأعمش ولم يحفظ شرذ في لغة العرب ولا وجه لها إلا أن تكون الذال المنقوطة تبدل من الدال كما قالوا لحم خراديل وخراذيل[(٤)](#foonote-٤)، وقرأ أبو حيوة وحكاها المهدوي عن الأعمش بخلاف عنه :**«مِن خلفهم »** بكسر الميم من قوله  من  وخفض الفاء من قوله  خلفهم  والترجي في قوله  لعلهم  بحسب البشر، و  يذكرون  معناه يتعظون.

١ - عن اللسان: "اللحياني: رجل ثقف لقف وثقف لقف وثقيف لقيف َبِّين الثقافة واللقافة. ابن السكيت: رجل ثقف لقف إذا كان ضابطا لما يحويه قائما به"، والأصل أن يقال: ثقف وثقيف بمعنى حاذق فهم، ثم أتبعوه فقالوا: ثقف لقف..
٢ - القناة: الرمح، والنبع: شجر ينبت في قلة الجبل تُتّخذ منه القسي والسهام، ويقال: فلان صليب النبع، والمراد أنها من نوع فائق الجودة والمتانة، يؤيسها: يذللها ويؤثر فيها، والثقاف: أداة من حديد أو خشب تُثقف بها الرماح لتستوي وتعتدل. يصف رمحه بأنه من شجر جيد أصيل لا يؤثر فيه تثقيف بالحديد ولا دهن ولا نار..
٣ -قُعين على وزن زُبير: بطن من أسد وهو قُعين بن الحارث بن ثعلبة بن داود ابن أسد، سئل بعض العلماء: أي العرب أفصح؟ فقال: نصر قُعين أو قُعين نصر، وقيل: بل هما قُعينان، قُعين في بني أسد، وقُعين في قيس عيلان. والقعن (بالتحريك) قصر في الأنف فاحش، وقد اشتق منه قعين هذا اسما لهذا الحي من العرب، والأنابيب: جمع أنبوبة، وهي كعب القصبة والرمح. والرمح الأصم أمتن من الأجوف..
٤ - خراديل: جمع خُردولة، وهي العضو الوافر من اللحم، والخرذل: لغة في الخردل. (المعجم الوسيط)..

### الآية 8:58

> ﻿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [8:58]

وقوله تعالى : وإما تخافن  الآية قال أكثر المؤلفين في التفسير : إن هذه الآية هي من بني قريظة، وحكاه الطبري عن مجاهد، والذي يظهر من ألفاظ القرآن أمر بني قريظة قد انقضى عند قوله  فشرد بهم من خلفهم  ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة إلى سالف الدهر[(١)](#foonote-١)، وبنو قريظة لم يكونا في حد من تخاف خيانته فترتب فيهم هذه الآية وإنما كانت خيانتهم ظاهره مشتهرة، فهذه الآية هي عندي فيمن يستقبل حاله من سائر الناس غير بني قريظة، وخوف الخيانة بأن تبدو جنادع الشر[(٢)](#foonote-٢) من قبل المعاهدين وتتصل عنه أقوال وتتحسس من تلقائهم مبادىء الغدر فتلك المبادىء معلومة، والخيانة التي هي غايتهم مخوفة لا متيقنة، وحيئنذ ينبذ إليهم على سواء، فإن التزموا السلم على ما يجب وإلا حوربوا، وبنو قريظة نبذوا العهد مرتين[(٣)](#foonote-٣)، وقال يحيى بن سلام : تخاف في هذه الآية بمعنى تعلم. 
قال القاضي أبو محمد : وليس كذلك، وقوله  خيانة  يقتضي حصول عهد لأن من ليس بينك وبينه عهد فليست محاربته لك خيانة، فأمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إذا أحس من أهل عهد ما ذكرنا، وخاف خيانتهم أن يلقي إليهم عهدهم، وهو النبذ ومفعول قوله  فانبذ  محذوف تقديره إليهم عهدهم. 
قال القاضي أبو محمد : وتقتضي قوة هذا اللفظ الحض على حربهم ومناجزتهم إن لم يستقيموا، وقوله  على سواء  قيل معناه يكون الأمر في بيانه والعلم به على سواء منك ومنهم، فتكونون فيه أي في استشعار الحرب سواء، وقيل معنى قوله  على سواء  أي على معدلة أي فذلك هو العدل والاستواء في الحق، قال المهدوي : معناه جهراً لا سراً. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا نحو الأول، وقال الوليد بن مسلم : على سواء  معناه على مهل كما قال تعالى : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتهم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر [(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : واللغة تأبى هذا القول، وذكر الفراء أن المعنى انبذ إليهم على اعتدال وسواء من الأمر أي بيّن لهم على قدر ما ظهر منهم لا تفرط ولا تفجأ بحرب، بل أفعل بهم مثلما فعلوا بك. 
قال القاضي أبو محمد : يعني موازنة ومقايسة، وقوله تعالى : إن الله لا يحب الخائنين  يحتمل أن يكون طعناً على الخائنين من الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يريد فانبذ إليهم على سواء حتى تبعد عن الخيانة، فإن الله لا يحب الخائنين فيكون النبذ على هذا التأويل لأجل أن الله لا يحب الخائنين، والسواء في كلام العرب قد يكون بمعنى العدل والَمْعدلة، ومنه قوله تعالى : إلى كلمة سواء بيننا وبينكم [(٥)](#foonote-٥) ومنه قول الراجز :\[ الرجز \]
فاضرب وجوه الغدر الأعداء\*\*\* حتى يجيبوك إلى السواء[(٦)](#foonote-٦)
وقد يكون بمعنى الوسط، ومنه قوله تعالى : في سواء الجحيم [(٧)](#foonote-٧) ومنه قول حسان بن ثابت :\[ الكامل \]
يا ويح أنصار النبي ورهطه\*\*\* بعد المغيَّب في سواء الملحدِ[(٨)](#foonote-٨)

١ - تأمل أنه يتحدث عن المستقبل ولا يتفق مع هذا قوله: "إلى سالف الدهر"، فإن معنى (سلف) هو تقدم وسبق، والسالف: المتقدم. قال الجوهري وحكاه اللسان: "سلف يسلُف سلفا مثال طلب يطلب طلبا أي: مضى"..
٢ - جنادع الشر: أوائله، والجُندع: جندب أسود له قرنان طويلان، وهو أضخم الجنادب، وكل جُندب يؤكل إلا الجُندع. وجنادع الضّب: جوابّ أصغر من القردان تكون عند حجره، فإذا بدت هي عُلم أن الضب خارج، فيقال حينئذ: بدت جنادعه، ويقال للشرير المنتظر هلاكه: "ظهرت جنادعه والله جادعه"، ويضرب مثلا للرجل الذي يأتي عنه الشر قبل أن يُرى. (عن اللسان)..
٣ - في بعض النسخ: "نبذوا العهد مبتدئين"..
٤ - الآية (١)، وجزء من الآية (٢) من سورة (التوبة)..
٥ - من الآية (٦٤) من سورة (آل عمران)..
٦ - الغدر: نقض العهد، وصفهم بأنهم أعداء لا يوفون بعهودهم، وقد روي: "واضرب"، والسواء والسويّة: العدل والنّصفة، قال زهير:
 أروني خُطة لا عيب فيها يسوّي بيننا فيها السواء
 أي: يسوي فيها العدل بيننا، وقال البراء بن عازب الضبّي:
 أتسألني السويّة وسط زيد؟ ألا إن السوية أن تضاموا
 أي: أتسألني العدل والإنصاف؟.
٧ - من الآية (٥٥) من سورة (الصافات)..
٨ -رواه في اللسان، وفي القرطبي: "أصحاب النبي"، ومثل الآية الكريمة وبيت حسان هذا في أن (سواء) تكون بمعنى (وسط) حديث ابن مسعود: (يوضح الصراط على سواء جهنم)..

### الآية 8:59

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ [8:59]

وقوله تعالى : ولا يحسبنَّ الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون  قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي **«ولا تحسِبن »** بالتاء مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبكسر السين غير عاصم فإنه فتحها، و  الذين كفروا  مفعول أول، و  سبقوا  مفعول ثان، والمعنى فأتوا بأنفسهم وأنجوها **«إنهم لا يعجزون »** بكسر ألف **«إن »** على القطع والابتداء، و  يعجزون  معناه مفلتون ويعجزون طالبهم، فهو ُمَعَّدى ( عجز ) بالهمزة تقول عجز زيد وأعجزه غيره وعجزه أيضاً، قال سويد :\[ الوافر \]
وأعجزنا أبو ليلى طفيل\*\*\* صحيح الجلد من أثر السلاحِ
وروي أن الآية نزلت فيمن أفلت من الكفار في حرب النبي صلى الله عليه وسلم، كقريش في بدر وغيرهم، فالمعنى لا تظنهم ناجين بل هم مدركون، وقيل معناه لا يعجزون في الدنيا، وقيل المراد في الآخرة، قال أبو حاتم وقرأ مجاهد وابن كثير وشبل **«ولا تِحسبن »** بكسر التاء، وقرأ الأعرج وعاصم وخالد بن الياس **«تَحسَبن »** بفتح التاء من فوق وبفتح السين، وقرأ الأعمش **«ولا يَحسَب »** بفتح السين والياء من تحت وحذف النون، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو عبد الرحمن وابن محيصن وعيسى **«ولا يحسِبنّ »** بياء من تحت وسين مكسورة ونون مشددة، وقرأ حفص عن عاصم وابن عامر وحمزة **«ولا يحسبْنَ »** بالياء على الكناية عن غائب وبفتح السين، فإما أن يكون في الفعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون التقدير ولا يحسبن أحد، ويكون  قوله الذين كفروا  مفعولاً أولاً و  سبقوا  مفعولاً ثانياً، وإما أن يكون  الذين كفروا  هم الفاعلون، ويكون المفعول الأول مضمراً و  سبقوا  مفعول ثان، وتقدير هذا الوجه ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا، وإما أن يكون  الذين كفروا  هو الفاعل وتضمر ****«أن »**** فيكون التقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، وتسد أن سبقوا مسد المفعولين، قال الفارسي : ويكون هذا كما تأوله سيبويه في قوله عز وجل قال  أفغير الله تأمروني أعبد [(١)](#foonote-١) التقدير أن أعبد. 
قال القاضي أبو محمد : ونحوه قول الشاعر :\[ الطويل \]
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٢)](#foonote-٢)
قال أبو علي : وقد حذفت ****«أن »**** وهي مع صلتها في موضع الفاعل، وأنشد أحمد بن يحيى في ذلك :\[ الطويل \]
وما راعنا إلا يسير بشرطة\*\*\* وعهدي به قيناً يفش بكير[(٣)](#foonote-٣)
وقرأ ابن عامر وحده من السبعة **«أنهم لا يعجزون »** بفتح الألف من **«أنهم »**، ووجهه أن يقدر بمعنى لأنهم لا يعجزون أي لا تحسبن عليهم النجاة لأنهم لا ينجون، وقرأ الجمهور **«يعْجزون »** بسكون العين، وقرأ بعض الناس فيما ذكر أبو حاتم **«يعَجّزون »** بفتح العين وشد الجيم، وقرأ ابن محيصن **«يعجزونِ »** بكسر النون ومنحاها يعجِزوني بإلحاق الضمير، قال الزجّاج : الاختيار فتح النون ويجوز كسرها على المعنى أنهم لا يعجزونني، وتحذف النون الأولى لاجتماع النونين، كما قال الشاعر :\[ الوافر \]
تراه كالثغام يعل مسكاً\*\*\* يسوء الفاليات إذا فليني[(٤)](#foonote-٤)
قال القاضي أبو محمد : البيت لعمرو بن معد يكرب وقال أبو الحسن الأخفش في قول متمم بن نويرة :\[ الكامل \]
ولقد علمت ولا محالة أنَّني\*\*\* للحادثات فهل تريني أجزع[(٥)](#foonote-٥) ؟
هذا يجوز على الاضطرار، فقال قوم حذف النون الأولى وحذفها لا يجوز لأنها موضع الإعراب، وقال أبو العباس المبرد : أرى فيما كان مثل هذا حذف الثانية، وهكذا كان يقول في بيت عمرو بن معد يكرب، وفي مصحف عبد الله **«ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا أنهم لا يعجزون »** قال أبو عمرو الداني بالياء من تحت وبغير نون في يحسب. 
قال القاضي أبو محمد : وذكرها الطبري بنون.

١ - من الآية (٦٤) من سورة (الزمر)..
٢ - الشاعر هو طرفة بن العبد، والبيت من معلقته، والرواية: "ألا أيهذا اللائمي.."، ورواية "الزاجري" هي التي رواها الشنتمري، والوغى: الحرب، والمعنى: يأيها الذي تزجرني أو تلومني على الاشتراك في الحروب وشهود اللذات، هل تضمن لي الخلود إن =كففت عنها؟ يريد أن أحدا لا يضمن له الخلود في الدنيا ولهذا فإن من حقه أن يتمتع بما يريد قبل الرحيل. و(احضر) هنا يجوز فيها الرفع والنصب..
٣ - يروى: "وما راعني"، والشرطة هو الشرطي، والجمع: شرط، وقد نقل في الصحاح عن الأصمعي أنهم سموا شرطا لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، وقال أبو عبيدة: لأنهم أعدّوا. والقين: الحداد، وجمعه قيون، والكير: كير الحداد وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات، وأما المبني من الطين فهو الكور. وهذا البيت يذكره النحويون غير منسوب في موضوع خلافهم في الفاعل ونائبه: هل يكونانا جملة أم لا؟ فالمشهور المنع، وأجاز ذلك هشام وثعلب مطلقا، وفصل الفراء وجماعة بين الفعل القلبي والمعلق عن العمل وغيره، ودليل هشام وثعلب على الجواز هذا البيت. راجع "مغني اللبيب" لابن هشام..
٤ - البيت كما قال لعمرو بن معد يكرب، هكذا في سيبويه (٢/ ١٥٤)، والخزانة ٢/٤٤٥، والضمير في (تراه) للشيب في الرأس، والثّغام بفتح الثاء المشددة: نبات إذ يبس صار = أبيض كالثلج، وبه يشبه الشيب، والعلّ والعلل هو الشرب ثانية، أو الشرب تباعا، والمعنى هنا: يُسقى المسك مرة بعد مرة، والفاليات: مخرجات القمل من الرأس، وهو مفعول به للفعل (يسوء). قال الأخفش في هذا البيت: "حذف النون الأخير لأن هذه النون وقاية للفعل وليست باسم، فأما النون الأولى فلا يجوز طرحها لأنها الاسم المضمر" هكذا في "الصحاح" عنه، وفي "الصحاح" أيضا: "وعلى هذا قرأ بعض القراء: فبم تبشرون فأذهب إحدى النونين استثقالا، وقال أبو حية النمري:
 أبالموت الذي لا بد أنّي مُلاق لا أباك تخوفيني؟
 أراد: (تخوفينني) فحذف..
٥ - يريد: ترينني. والمعنى أنه لا يجزع أو يخاف من مصائب الأيام مع علمه بأنه معرض لها..

### الآية 8:60

> ﻿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [8:60]

المخاطبة في هذه الآية لجميع المؤمنين، والضمير في قوله  لهم  عائد على الذين ينبذ إليهم العهد، أو على الذين لا يعجزون على تأويل من تأول ذلك في الدنيا، ويحتمل أن يعيده على جميع الكفار المأمور بحربهم في ذلك الوقت ثم استمرت الآية في الأمة عامة، إذ الأمر قد توجه بحرب جميع الكفار وقال عكرمة مولى ابن عباس :**«القوة »** ذكور الخيل و **«الرباط »** إناثها، وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة : القوة الرمي واحتجت بحديث عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال **«ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي[(١)](#foonote-١) »** ثلاثاً، وقال السدي : القوة السلاح، وذهب الطبري إلى عموم اللفظة، وذكر عن مجاهد أنه رئي يتجهز وعنده جوالق[(٢)](#foonote-٢) فقال : هذا من القوة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الصواب، و  الخيل  والمركوب في الجملة والمحمول عليه من الحيوان والسلاح كله والملابس الباهتة والآلات والنفقات كلها داخلة في القوة، وأمر المسلمون بإعداد ما استطاعوا من ذلك، ولما كانت الخيل هي أصل الحروب وأوزارها والتي عقد الخير في نواصيها وهي أقوى القوة وحصون الفرسان خصها الله بالذكر تشريفاً على قوله  من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل [(٣)](#foonote-٣) وعلى نحو قوله  فاكهة ونخل ورمان [(٤)](#foonote-٤) وهذا كثير، ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم **«جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً »**[(٥)](#foonote-٥) هذا في البخاري وغيره، وقال في صحيح مسلم **«جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً »**، فذكرت التراب على جهة التحفي به إذ هو أعظم أجزاء الأرض مع دخوله في عموم الحديث الآخر، ولما كانت السهام من أنجع ما ُيتعاطى في الحرب، وأنكاه في العدو، وأقربه تناولاً للأرواح، خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر والتنبيه عليها، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال **«إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد الثلاثة من المسلمين الجنة، صانعة والذي يحتسب في صنعته والذي يرمي به »**[(٦)](#foonote-٦)، وقال عمرو بن عنبة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«من رمى بسهم في سبيل الله أصاب العدو أو أخطأ فهو كعتق رقبة »**[(٧)](#foonote-٧)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا »**[(٨)](#foonote-٨) و  رباط الخيل  جمع ربط ككلب وكلاب، ولا يكثر ربطها إلا وهي كثيرة، ويجوز أن يكون الرباط مصدراً من ربط كصاح صياحاً ونحوه لأن مصادر الثلاثي غير المزيد لا تنقاس[(٩)](#foonote-٩)، وإن جعلناه مصدراً من رابط فكأن ارتباط الخيل واتخاذها يفعله كل واحد لفعل آخر له فترابط المؤمنون بعضهم بعضاً، فإذا ربط كل واحد منهم فرساً لأجل صاحبه فقد حصل بينهم رباط، وذلك الذي حض في الآية عليه، وقد قال صلى الله عليه وسلم :
**«من ارتبط فرساً في سبيل الله فهو كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها »**[(١٠)](#foonote-١٠)، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقرأ الحسن وعمرو بن دينار وأبو حيوة **«من رُبُط »** بضم الراء والباء وهو جمع رباط ككتاب وكُتُب، كذا نصبه المفسرون وفي جمعه وهو مصدر غير مختلف نظر[(١١)](#foonote-١١). 
و ترهبون  معناه تفزعون وتخوفون، والرهبة الخوف، قال طفيل الغنوي :\[ البسيط \]
ويلُ أم حيّ دفعتم في نحورهمُ\*\*\* بني كلاب غداة الرعب والرهب[(١٢)](#foonote-١٢)
ومنه راهب النصارى، يقال رهب إذا خاف، ف  ترهبون  معدى بالهمزة، وقرأ الحسن ويعقوب **«تُرَهّبون »** بفتح الراء وشد الهاء معدى بالتضعيف، ورويت عن أبي عمرو بن العلاء قال أبو حاتم : وزعم عمرو أن الحسن قرأ **«يرهبون »** بالياء من تحت وخففها، فهو على هذا المعدى بالتضعيف، وقرأ ابن عباس وعكرمة **«تخزون به عدو الله »**. 
قال القاضي أبو محمد : ذكرها الطبري تفسيراً لا قراءة، وأثبتها أبو عمرو الداني قراءة، وقوله  عدو الله وعدوكم  ذكر الصفتين وإن كانت[(١٣)](#foonote-١٣) متقاربة إذ هي متغايرة المنحى، وبذكرهما يتقوى الذم وتتضح وجوه بغضنا لهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي **«عدواً لله »** بتنوين عدو وبلام في المكتوبة[(١٤)](#foonote-١٤)، والمراد بهاتين الصفتين من قرب وصاقب[(١٥)](#foonote-١٥) من الكفار وكانت عداوته متحركة بعد، ويجوز أن يراد بها جميع الكفار ويبين هذا من اختلافهم في قوله  وآخرين من دونهم  الآية، قال مجاهد الإشارة بقوله  وآخرين  إلى قريظة، وقال السدي : إلى أهل فارس، وقال ابن زيد : الإشارة إلى المنافقين، وقالت فرقة : الإشارة إلى الجن، وقالت فرقة : هم كل عدو للمسلمين غير الفرقة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرد بهم من خلفهم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الخلاف إنما ينبغي أن يترتب على ما يتوجه من المعنى في قوله  لا تعلمونهم  فإذا حملنا قوله  لا تعلمونهم  على عمومه ونفينا علم المؤمنين بهذه الفرقة المشار إليها جملة واحدة كان العلم بمعنى المعرفة لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد لم يثبت من الخلاف في قوله  آخرين  إلا قول من قال الإشارة إلى المنافقين وقول من قال : الإشارة إلى الجن، وإذا جعلنا قوله  لا تعلمونهم  محاربين أو نحو هذا مما تفيد به نفي العلم عنهم حسنت الأقوال، وكان العلم متعدياً إلى مفعولين. 
قال القاضي أبو محمد : هذا الوجه أشبه عندي، ورجح الطبري أن الإشارة إلى الجن وأسند في ذلك ما روي من أن صهيل الخيل ينفر الجن وأن الشيطان لا يدخل داراً فيها فرس الجهاد ونحو هذا، وفيه على احتماله نظر، وكان الأهم في هذه الآيات أن يبزر معناها في كل ما يقوي المسلمين على عدوهم من الإنس وهم المحاربون والذين يدافعون على الكفر ورهبتهم من المسلمين على عدوهم من الإنس وهم المحاربون والذين يدافعون على الكفر ورهبتهم من المسلمين هي النافعة للإسلام وأهله ورهبة الجن وفزعهم لا غناء له في ظهور الإسلام، بل هو تابع لظهور الإسلام وهو أجنبي جداً والأولى أن يتأول المسلمين إذا ظهروا وعزوا هابهم من جاورهم من العدو المحارب لهم، فإذا اتصلت حالهم تلك بمن بعد من الكفار داخلته الهيبة وإن لم يقصد المسلمون إرهابهم فأولئك هم الآخرون[(١٦)](#foonote-١٦)، ويحسن أن يقدر قوله  لا تعلمونهم  بمعنى لا تعلمونهم فازعين راهبين ولا تظنون ذلك بهم، والله تعالى يعلمهم بتلك الحالة، ويحسن أيضاً أن تكون الإشارة إلى المنافقين على جهة الطعن عليهم والتنبيه على سوء حالهم وليستريب بنفسه كل من يعلم منها نفاقاً إذا سمع الآية، ولفزعهم ورهبتهم غناء كثير في ظهور الإسلام وعلوه، وقوله  من دونهم  بمنزلة قولك دون أن يكون هؤلاء ف **«دون »** في كلام العرب و **«من دون »** يقتضي عدم المذكور بعدها من النازلة التي هي فيها القول، ومنه المثل :" وأمر دون عبيدة الوذم " [(١٧)](#foonote-١٧) تفضل تعالى بعدة المؤمنين على إنفاقهم في سبيل الله بأن النفقة لا بد أن توفى أي تجازى ويثاب عليها، ولزوم هذا هو في الآخرة، وقد يمكن أن يجازي الله تعالى بعض المؤمنين في الدنيا مجازاة مضافة إلى مجازاة الآخرة.

١ - أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب في كتاب فضل الرمي، والبيهقي في شعب الإيمان. (الدر المنثور)..
٢ - الجوالق بضم الجيم وبسكرها: الغرارة. (المعجم الوسيط)..
٣ - من الآية (٩٨) من سورة (البقرة)..
٤ -من الآية (٦٨) من سورة (الرحمن)..
٥ - رواه ابن ماجة عن أبي هريرة، وأبو داود عن أبي ذر، هكذا قال السيوطي في "الجامع الصغير" ورمز له بالضعف..
٦ - لفظه كما أثبته في "الجامع الصغير" هو: (إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله). وقال إن الإمام أحمد رواه في مسنده، وكذلك رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي. ثم رمز له السيوطي بالضعف..
٧ -رواه في "الجامع الصغير" بلفظ: (من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر) ثم رمز إلى أن رواته هم الترمذي، والنسائي، والحاكم في مستدركه- عن أبي نجيح. ورمز له بعد ذلك بأنه صحيح..
٨ -هذا جزء من حديث رمز له الإمام السيوطي في "الجامع الصغير" بأنه حديث حسن، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي، والبيهقي في شعب الإيمان- عن عقبة بن عامر- والحديث بتمامه هو: (ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رمي الرجل بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته، فإنهن من الحق، ومن ترك الرمي بعدما علمه فقد كفر الذي علمه)..
٩ - قال أبو حيان في "البحر المحيط" تعليقا على ذلك: "ليس بصحيح، بل لها مصادر منقاسة ذكرها النحويون"..
١٠ - هذا جزء من حديث طويل رواه الدارمي في (اللباس)، ورواه الإمام أحمد في مسنده عن سهل بن الحنظلية، قال الراوي عن سهل وكان جليسا لأبي الدرداء: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: ابن الحنظلية... إلى أن قال: ثم مرّ بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك: قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المتفق على الخيل في سبيل الله كباسط يديه بالصدقة لا يقبضها)..
١١ -عقب أبو حيان في "البحر" على ذلك بقوله: "ولا يتعين كونه مصدرا، ألا ترى إلى قول أبي زيد: إنه من الخيل الخمس فما فوقها"..
١٢ -هذا البيت واحد من ثلاثة أبيات قالها طفيل الغنوي يمدح بها بني جعفر بن كلاب، وهو يصفهم بالشجاعة وبأن من عاداهم فلأمه الويل والثكل. ويُروى: "لله قوم دفعتم في جنوبهم"، وأشار محقق الديوان إلى أن هذه الرواية الثانية في النقائض، وقال محقق تفسير الطبري: "ورأيناها ثمة"- والويل هو الهلاك والعذاب..
١٣ - يريد: وإن كانت الصفات متقاربة فإنها متغايرة في المعنى، وظاهر اللفظ يقتضي التثنية ولكنا وجدنا النص هكذا في الأصول..
١٤ - المكتوبة هي لفظ الجلالة..
١٥ - صاقبه صقابا ومصاقبة: قاربه وواجهه، يقال: جار مصاقب..
١٦ - قال القرطبي بعد نقل هذه الآراء: "ولا ينبغي أن يقال فيهم شيء، لأن الله سبحانه قال: وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم فكيف يدعي أحد علما بهم، إلا أن يصح حديث جاء في ذلك"..
١٧ - تقدمت الإشارة إلى هذا المثل عند تفسير قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين الآية (٢٨) من سورة (آل عمران). وأمرّ: أحكم، والوذم: سير تشدّ به أذن الدلو، وجمعه أوذم وأوذام. ويضرب هذا المثل لمن يحكم الأمر دونه. (مجمع الأمثال للميداني ٢/٢٨٥).

### الآية 8:61

> ﻿۞ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [8:61]

وقوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها  الآية، الضمير في  جنحوا  هو للذين نبذ إليهم على سواء، وجنح الرجل إلى الأمر إذا مال إليه وأعطى يده فيه، ومنه قيل للأضلاع جوانح لأنها مالت على الحشوة[(١)](#foonote-١) وللخباء جناح وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها في السير وقال ذو الرمة :
إذا مات فوق الرحل أحييت روحه\*\*\* بذكراك والعيس المراسيل جنح[(٢)](#foonote-٢)
وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه[(٣)](#foonote-٣) على الأرض ومنه قول النابغة :\[ الطويل \]
جوانح قد أيقنَّ أن قبيله\*\*\* إذا ما التقى الجمعان أول غالب[(٤)](#foonote-٤)
أي موائل، وقال لبيد :\[ الوافر \]
جنوح الهالكيِّ على يديه\*\*\* مكبّاً يجتلي نُقَبَ النصال[(٥)](#foonote-٥)
وقرأ جمهور الناس **«للسَّلم »** بفتح السين وشدها وقرأ عاصم في رواية بكر **«للسِّلم »** بكسرها وشدها هما لغتان في المسالمة، ويقال أيضاً **«السَّلَم »** بفتح السين واللام ولا أحفظها قراءة، وقرأ جمهور الناس **«فاجنَح »** بفتح النون وهي لغة تميم، وقرأ الأشهب العقيلي **«فاجنُح »** وهي لغة قيس بضم النون، قال أبو الفتح وهذه القراءة هي القياس، لأن فعل إذا كان غير متعد فمستقبله[(٦)](#foonote-٦) يفعل بضم العين أقيس قعد يقعد أقيس من جلس يجلس، وعاد الضمير في  لها  مؤنثاً إذ السلم بمعنى المسالمة والهدنة، وقيل السلم مؤنثة كالحرب ذكره النحاس، وقال أبو حاتم يذكر السلم، وقال قتادة والحسن بن أبي الحسن وعكرمة وابن زيد : هذه الآية منسوخة بآيات القتال في براءة[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : وقد يحتمل ألا يترتب نسخها بأن يعني بهذه من تجوز مصالحته وتبقى تلك في براءة في عبدة الأوثان وإلى هذا ذهب الطبري وما قالته الجماعة صحيح أيضاً إذا كان الجنوح إلى سلم العرب مستقراً في صدر الإسلام فنسخت ذلك آية براءة ونبذت إليهم عهودهم، وروي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون [(٨)](#foonote-٨). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول بعيد من أن يقوله ابن عباس رضي الله عنه، لأن الآيتين مبينتان، وقوله  وتوكل على الله  أمر في ضمنه وعد.

١ - الحُشوة بضم الحاء وبكسرها: الأمعاء..
٢ - الرّحل: ما يوضع فوق ظهر البعير للركوب عليه. والعيس: الإبل البيض، والمراسيل: سهلة السير التي تعطيك ما عندها عفوا دون إجهاد لها أو لك، وجنّح: مائلة صدورها إلى الأرض، وقيل: مائلة في سيرها من النشاط، يريد أنه يغني بأشعاره فيحي روحه..
٣ - الإطناب: جمع طنب بضمتين، والطنب: حبل الخباء، يقال: خباء مطنب ورواق مطنّب، أي مشدود بالأطناب..
٤ - البيت في وصف الطيور التي تتبع الجيش، ويوضح هذا البيت الذي قبله، وفيه يقول:
 إذا ما غزا بالجيش أبصرت فوقه عصائب طير تهتدي بعصائب
 والقبيل: الجماعة من قوم شتى تكون من الثلاثة فصاعدا، وقد فسر ابن عطية رحمه الله كلمة "جوانح"..
٥ - البيت مع الأبيات السابقة عليه في وصف ثور وحشي ناشط كثير الحركة ضلّ عن القطيع الذي كان يرعى معه، وبات في حمى بعض الأشجار يحرك قرنه كلما تحركت أغصان الشجر أو قطرت على ظهره، وقد أكبّ كما يكبّ الصيقل الذي يشحذ السيوف، ومعنى جنوح: إكباب، أي أكبّ مثل إكباب، والهالكي: الصيقلي الذي يشحذ السيوف على يديه أو يصنعها، ويجلتى: يجلو، والنقب: الصدأ الذي ظهر في النصال. والصورة التي عرضها لبيد في هذه الأبيات وما تبعها من معركة بين الثور والكلاب من روائع الصور في الشعر العربي..
٦ - أي: مضارعه..
٧ - كقوله تعالى في الآية (٥): فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله في الآية (٣٦): وقاتلوا المشركين كافة..
٨ - من الآية (٣٥) من سورة (محمد)..

### الآية 8:62

> ﻿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [8:62]

الضمير في قوله  وإن يريدوا  عائد على الكفار الذين قيل فيهم،  وإن جنحوا  \[ الأنفال : ٦١ \] وقوله : وإن يريدوا أن يخدعوك  يريد بأن يظهروا له السلم ويبطنوا الغدر والخيانة، أي فاجنح وما عليك من نياتهم الفاسدة،  فإن حسبك الله  أي كافيك ومعطيك نصرة وإظهاراً، وهذا وعد محض، و  أيدك  معناه قواك،  وبالمؤمنين  يريد بالأنصار بقرينة قوله  وألف بين قلوبهم  الآية، وهذه إشارة إلى العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في حروب بعاث فألف الله تعالى قلوبهم على الإسلام وردهم متحابين في الله، وعددت هذه النعمة تأنيساً لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي كما لطف بك ربك أولاً فكذلك يفعل آخراً، وقال ابن مسعود : نزلت هذه الآية في المتحابين في الله إذا تراءى المتحابان فتصافحا وتضاحكا تحاتت خطاياهما، فقال له َعْبَدة بن أبي لبابة إن هذا ليسير، فقال له لا تقل ذلك فإن الله يقول  لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم  قال عبدة : فعرفت أنه أفقه مني. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله تمثل حسن بالآية لا أن الآية نزلت في ذلك بل تظاهرت أقوال المفسرين أنها في الأوس والخزرج كما ذكرنا، ولو ذهب إلى عموم المؤمنين في المهاجرين والأنصار وجعل التأليف ما كان من جميعهم من التحاب حتى تكون ألفة الأوس والخزرج جزءاً من ذلك لساغ ذلك، وكل تآلف في الله فتابع لذلك التآلف الكائن في صدر الإسلام، وقد روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال :**«المؤمن مألفة، لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف »**[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : والتشابه هو سبب الألفة فمن كان من أهل الخير ألف أشباهه وألفوه.

١ - لفظه في "الجامع الصغير" للإمام السيوطي: (المؤمن يألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)، ثم قال: رواه الإمام أحمد في مسنده عن سهل بن سعد، وذكر السيوطي أنه حديث صحيح. ولكن الرواية في مسند الإمام أحمد: (المؤمن مألف..) كما ذكر ابن عطية. (راجع المسند ٥-٣٣٥). وبلفظ (مألف) ذكره في "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي"..

### الآية 8:63

> ﻿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:63]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٢:الضمير في قوله  وإن يريدوا  عائد على الكفار الذين قيل فيهم،  وإن جنحوا  \[ الأنفال : ٦١ \] وقوله : وإن يريدوا أن يخدعوك  يريد بأن يظهروا له السلم ويبطنوا الغدر والخيانة، أي فاجنح وما عليك من نياتهم الفاسدة،  فإن حسبك الله  أي كافيك ومعطيك نصرة وإظهاراً، وهذا وعد محض، و  أيدك  معناه قواك،  وبالمؤمنين  يريد بالأنصار بقرينة قوله  وألف بين قلوبهم  الآية، وهذه إشارة إلى العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في حروب بعاث فألف الله تعالى قلوبهم على الإسلام وردهم متحابين في الله، وعددت هذه النعمة تأنيساً لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي كما لطف بك ربك أولاً فكذلك يفعل آخراً، وقال ابن مسعود : نزلت هذه الآية في المتحابين في الله إذا تراءى المتحابان فتصافحا وتضاحكا تحاتت خطاياهما، فقال له َعْبَدة بن أبي لبابة إن هذا ليسير، فقال له لا تقل ذلك فإن الله يقول  لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم  قال عبدة : فعرفت أنه أفقه مني. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله تمثل حسن بالآية لا أن الآية نزلت في ذلك بل تظاهرت أقوال المفسرين أنها في الأوس والخزرج كما ذكرنا، ولو ذهب إلى عموم المؤمنين في المهاجرين والأنصار وجعل التأليف ما كان من جميعهم من التحاب حتى تكون ألفة الأوس والخزرج جزءاً من ذلك لساغ ذلك، وكل تآلف في الله فتابع لذلك التآلف الكائن في صدر الإسلام، وقد روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال :****«المؤمن مألفة، لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف »****[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : والتشابه هو سبب الألفة فمن كان من أهل الخير ألف أشباهه وألفوه. 
١ - لفظه في "الجامع الصغير" للإمام السيوطي: (المؤمن يألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)، ثم قال: رواه الإمام أحمد في مسنده عن سهل بن سعد، وذكر السيوطي أنه حديث صحيح. ولكن الرواية في مسند الإمام أحمد: (المؤمن مألف..) كما ذكر ابن عطية. (راجع المسند ٥-٣٣٥). وبلفظ (مألف) ذكره في "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي"..


---

### الآية 8:64

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [8:64]

وقوله تعالى : يا أيها النبي أحسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  قال النقاش : نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، وحكي عن ابن عباس أنها نزلت في الأوس والخزرج خاصة، قال ويقال إنها نزلت حين أسلم عمر وكمل المسلمون أربعين، قاله ابن عمر وأنس، فهي على هذا مكية، و  حسبك  في كلام العرب و شرعك [(١)](#foonote-١) بمعنى : كافيك ويكفيك، والمحسب الكافي، وقالت فرقة : معنى هذه الآية يكفيك الله ويكفيك من اتبعك من المؤمنين، ف  من  في هذا التأويل رفع عطفاً على اسم الله عز وجل، وقال عامر الشعبي وابن زيد : معنى الآية حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، ف  من  في هذا التأويل في موضع نصب عطفاً على موضع الكاف، لأن موضعها نصب على المعنى ليكفيك التي سدَّت  حسبك  مسدَّها، ويصح أن تكون  من  في موضع خفض بتقدير محذوف كأنه قال وحسب وهذا كقول الشاعر :\[ المتقارب \]
أكلُّ امرىءٍ تحسبين امرأً\*\*\* ونار توقَّدُ بالليلِ نارا[(٢)](#foonote-٢)
التقدير وكل نار، وهذا الوجه من حذف المضاف مكروه بابه ضرورة الشعر[(٣)](#foonote-٣)، ويروى البيت وناراً، ومن نحو هذا قول الشاعر :\[ الطويل \]
إذا كانت الهيجاءُ وانشقَّت العصا\*\*\* فحسبُك والضحَّاكُ سيف مهند[(٤)](#foonote-٤)
يروى ****«الضحاك »**** مرفوعاً والضحاك منصوباً والضحاك مخفوضاً فالرفع عطف على قوله سيف بنية التأخير كما قال الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* عليك ورحمة الله السلام[(٥)](#foonote-٥)
ويكون ****«الضحاك »**** على هذا محسباً للمخاطب[(٦)](#foonote-٦)، والنصب عطفاً على موضع الكاف من قوله **«حسبك »** والمهند على هذا محسب للمخاطب، والضحاك على تقدير محذوف كأنه قال فحسبك الضحاك.

١ - يقال في المثل: "شرعك ما بلّغك المحلّ"، أي: يكفيك من الزاد ما بلّغك مقصدك. (مجمع الأمثال للميداني)..
٢ - نُسب هذا البيت لجارية بن الحجاج، وحارثة بن حمران، وعدي بن زيد العبادي، وأبي دؤاد- وهو في كتاب سيبويه ١-٣٣، وابن عقيل ٢-٢٠، والكامل ٢٤٧، ٨٢٥، والسيوطي ٢٣٩..
٣ - قال أبو حيان في "البحر المحيط" تعقيبا على ذلك: "وليس بمكروه ولا ضرورة، وقد أجازه سيبويه في الكلام وخرّج عليه البيت وغيره من الكلام الفصيح". (البحر المحيط ٤-٥١٦)..
٤ - لم نقف على قائل البيت، و"كان" هنا تامة، والهيجاء: الحرب، وانشقت العصا: تفرقت الجماعة، وقد ذكر ابن عطية بالتفصيل الأوجه الثلاثة في إعراب كلمة "الضحاك"، وقد روي بها البيت. وذكر صاحب اللسان البيت دليلا على أن الكاف في (حسبك) في موضع نصب كما هي في الآية الكريمة، وذكر أن (من) في موضع نصب أيضا..
٥ - هذا عجز بيت للأحوص، والبيت بتمامه:
 ألا يا نخلة من ذات عرف عليك ورحمة الله السلام
 هكذا ذكره في الخزانة ١-١٩٢، ٣١٢- وفي مجالس ثعلب ١-١٩٨ روي الشطر الثاني: "برود الظل شاعكم السلام"، وعلى هذا فلا شاهد فيه على العطف، وتقدير العطف بنيّة التأخير كما في رواية الخزانة وابن عطية: "عليك السلام ورحمة الله"، فـ (رحمة) معطوفة على (السلام) على نية التأخير. والنخلة كناية عن امرأة، ومعنى "شاعكم": عمّكم وصحبكم..
٦ - أي: هو الكافي للمخاطب..

### الآية 8:65

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [8:65]

قوله  حرض  معناه حثهم وحضهم، قال النقاش وقرئت **«حرص »** بالصاد غير منقوطة والمعنى متقارب والحارض الذي هو القريب من الهلاك لفظة مباينة لهذه ليست منها في شيء[(١)](#foonote-١)، وقالت فرقة من المفسرين : المعنى حرض على القتال حتى يبين لك فيمن تركه أنه حرض. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول غير ملتئم ولا لازم من اللفظ، ونحا إليه الزجّاج، و  القتال  مفترض على المؤمنين بغير هذه الآية، وإنما تضمنت هذه الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بتحريضهم على أمر قد وجب عليهم من غير هذا الموضع، وقوله  إن يكن  إلى آخر الآية في لفظ خبر ضمنه وعد بشرط لأن قوله  إن يكن منكم عشرون صابرون  بمنزلة أن يقال إن يصبر منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصبر وكسرت العين من **«عِشرون »** لأن نسبة عشرين من عشرة نسبة اثنين من واحد فكما جاء أول اثنين مكسوراً كسرت العين من عِشرين ثم اطرد في جموع أجزاء العشرة، فالمفتوح كأربعة وخمسة وسبعة فتح أول جمعه، والمكسور كستة وتسعة كسر أول جمعه، هذا قول سيبويه، وذهب غيره إلى أن عشرين جمع عشر الإبل وهو وردها للتسع[(٢)](#foonote-٢)، فلما كان في عشرة وعشرة ِعشر وِعشر، ويومان من الثالث جمع ذلك على عشرين، كما قال امرؤ القيس :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* ثلاثون شهراً في ثلاثة أحوال[(٣)](#foonote-٣)
لما كان في الثلاثين حول وحول وبعض الثالث، وتظاهرت الروايات عن ابن عباس وغيره من الصحابة بأن ثبوت الواحد للعشرة كان فرضاً من الله عز وجل على المؤمنين ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو النسخ لأنه رفع حكم مستقر بحكم آخر شرعي، وفي ضمنه التخفيف، إذ هذا من نسخ الأثقل بالأخف، وذهب بعض الناس إلى أن ثبوت الواحد للعشرة إنما كان على جهة ندب المؤمنين إليه، ثم حط ذلك حين ثقل عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين، وروي أيضاً هذا عن ابن عباس، قال كثير من المفسرين : وهذا تخفيف لا نسخ إذ لم يستقر لفرض العشرة حكم شرعي، قال مكي : وإنما هو كتخفيف الفطر في السفر وهو لو صام لم يأثم وأجزأه. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر، ولا يمتنع كون المنسوخ مباحاً من أن يقال نسخ، واعتبر ذلك في صدقة النجوى، وهذه الآية التخفيف فيها نسخ للثبوت للعشرة، وسواء كان الثبوت للعشرة فرضاً أو ندباً هو حكم شرعي على كل حال، وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه أو غير عدده فجائز أن يقال له نسخ لأنه حينئذ ليس بالأول وهو غيره، وذكر في ذلك خلافاً. 
قال القاضي أبو محمد : والذي يظهر في ذلك أن النسخ إنما يقال حينئذ على الحكم الأول مقيداً لا بإطلاق واعتبر ذلك في نسخ الصلاة إلى بيت المقدس[(٤)](#foonote-٤)، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم **«إن يكن منكم مائة »** في الموضعين بياء على تذكير العلامة، ورواها خارجة عن نافع. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بحسب المعنى لأن الكائن في تلك المائة إنما هم رجال فذلك في الحمل على المعنى كقوله تعالى : من جاء بالحسنة له عشر أمثالها [(٥)](#foonote-٥) إذ أمثالها حسنات، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر **«إن تكن منكم مائة »** في الموضعين على تأنيث العلامة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بحسب اللفظ والمقصد كأنه أراد إن تكن عددها مائة وقرأ أبو عمرو بالياء في صدر الآية وبالتاء في آخرها، ذهب في الأولى إلى مراعاة  يغلبوا  وفي الثانية إلى مراعاة  صابرة  قلا أبو حاتم : وقرأ **«إن تكن »** بالتاء من فوق منكم **«عشرون صابرون »** الأعرج وجعلها كلها على **«ت »**. 
قال القاضي أبو محمد : إلا قوله  وإن يكن منكم ألف  فإنه لا خلاف في الياء من تحت، قوله  لا يفقهون  معناه : لا يفهمون مراشدهم ولا مقصد قتالهم لا يريدون به إلا الغلبة الدنياوية، فهم يخافون إذا صبر لهم، ومن يقاتل ليغلب أو يستشهد فيصير إلى الجنة أثبت قدماً لا محالة.

١ - يقال: حرض يحرض ويحرض حرضا وحروضا: هلك، ومنه قوله تعالى: حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين، وهذا معنى آخر غير معنى حرّض أي حثّ وحضّ. (اللسان)..
٢ -إذا مُنعت الإبل من الماء تسعا ثم وردت في العاشر فهو "عشر الإبل"..
٣ - هذا عجز بيت، والبيت بتمامه:
 وهل ينعمن من كان أقرب عهده ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال؟
 وهو في الديوان، ورواية الأصمعي: يعمن، ورواية الطوسي والسكري وأبي سهل: أقرب عهده، والبيت في "معاني القرآن" لابن النحاس، ورقة ١٢٩ وروايته: آخر عهده، وفي الخصائص ٢/ ٣١٣: أحدث عهده..
٤ - من أسرار الفصاحة في التعبير القرآني هنا ما ذكره المفسرون عن التقييد بالصبر، إذ جاء هذا التقييد في أول كل شرط عشرون صابرون ومائة صابرة، ثم حذف من الشرط الثاني وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين، وسبب الحذف من الشرط الثاني دلالة الأول عليه، وفي المقابل قيّد الشرط الثاني بقوله: من الذين كفروا على حين حذف من الشرط الأول في قوله يغلبوا مائتين. فالقيد المذكور في الجملة الأولى يحذف من الثانية، والقيد المذكور في الثانية يحذف من الأولى ليحدث في الآيتين توازن..
٥ - من الآية (١٦٠) من سورة (الأنعام)..

### الآية 8:66

> ﻿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [8:66]

وروى المفضل عن عاصم **«وعُلِمَ »** بضم العين وكسر اللام على البناء للمفعول، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وابن عمرو والحسن والأعرج وابن القعقاع وقتادة وابن أبي إسحاق **«ضُعْفاً »** بضم الضاد وسكون العين، وقرأ عاصم وحمزة وشيبة وطلحة **«ضَعْفاً »** بفتح الضاد وسكون العين، وكذلك اختلافهم في سورة الروم[(١)](#foonote-١)، وقرأ عيسى بن عمر **«ضُعُفاً »** بضم الضاد والعين وذكره النقاش، وهي مصادر بمعنى واحد، قال أبو حاتم : من ضم الضاد جاز له ضم العين وهي لغة، وحكى سيبويه الضَّعْف والضُّعْف لغتان بمنزلة الفَقْر والفُقر، حكى الزهراوي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال : ضم الضاد لغة أهل الحجاز وفتحها لغة تميم ولا فرق بينهما في المعنى، وقال الثعالبي في كتاب فقه اللغة له : الضَّعف بفتح الضاد في العقل والرأي، والضُّعف بضمها في الجسم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ترده القراءة وذكره أبو غالب بن التياني غير منسوب، وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع أيضاً **«ضعفاء »** بالجمع كظريف وظرفاء، وحكاها النقاش عن ابن عباس، وقوله  والله مع الصابرين  لفظ خبر في ضمنه وعد وحض على الصبر، ويلحظ منه وعيد لمن لم يصبر بأنه يغلب.

١ - في قوله تعالى في الآية (٥٤): الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير..

### الآية 8:67

> ﻿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:67]

هذه الآية تتضمن عندي معاتبة من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، والمعنى ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي أسرى قبل الإثخان، ولهم هو الإخبار ولذلك استمر الخطاب ب  تريدون ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ولا أراد قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب، وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية مشيراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم في العتب حين لم ينه عن ذلك حين رآه من العريش، وأنكره سعد بن معاذ ولكنه صلى الله عليه وسلم شغله بغت الأمر وظهور النصر فترك النهي عن الاستبقاء ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت هذه الآية، ومر كثير من المفسرين على أن هذا التوبيخ إنما كان بسبب إشارة من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع أسرى بدر استشار فيهم أصحابه، فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله هم قرابتك ولعل الله أن يهديهم بعد إلى الإسلام ففادهم واستبقهم ويتقوى المسلمون بأموالهم، وقال عمر بن الخطاب لا يا رسول الله بل نضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر، وقال عبد الله بن رواحة بل نجعلهم في وادٍ كثير الحطب ثم نضرمه عليهم ناراً، وقد كان سعد بن معاذ قال وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وقد رأى الأسر : لقد كان الإثخان في القتل أحب إليَّ من استبقاء الرجال، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ومال إليه، فنزلت هذه الآية مخبرة أن الأولى والأهيب على سائر الكفار كان قتل أسرى بدر، قال ابن عباس نزلت هذه الآية والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم نزل في الأسر  فإما منّاً بعد وإما فداء [(١)](#foonote-١) وذكر الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تكلم أصحابه في الأسرى بما ذكر دخل ولم يجبهم ثم خرج، فقال : إن الله تعالى يلين قلوب رجال ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال  فمن يتبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [(٢)](#foonote-٢) ومثل عيسى قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [(٣)](#foonote-٣) ومثلك يا عمر مثل نوح قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً [(٤)](#foonote-٤) ومثل موسى قال : ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم [(٥)](#foonote-٥) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، **«أنتم اليوم فلا يفلتن منهم رجل إلا بفدية أو ضرب عنق »**[(٦)](#foonote-٦)
وفي هذا الحديث قال عمر : فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه حجة على ذكر الهوى في الصلاح، وقرأت فرقة **«ما كان للنبيّ »** معرفاً، وقرأ جمهور الناس **«لنبي »**، وقرأ أبو عمرو بن العلاء وحده **«أن تكون »** على التأنيث العلامة مراعاة للفظ الأسرى، وقرأ باقي السبعة وجمهور الناس **«أن يكون »** بتذكير العلامة مراعاة لمعنى الأسرى، وقرأ جمهور الناس والسبعة **«أسرى »**، وقرأ بعض الناس **«أسارى »** ورواها المفضل عن عاصم، وهي قراءة أبي جعفر، والقياس والباب أن يجمع أسير على أسرى، وكذلك كل فعيل بمعنى مفعول وشبه به فعيل وإن لم يكن بمعنى مفعول كمريض ومرضى، إذا كانت أيضاً أشياء سبيل الإنسان أن يجبر عليها وتأتيه غلبة، فهو فيها بمنزلة المفعول، وأما جمعه على أسارى فشبيه بكسالى في جمع كسلان وجمع أيضاً كسلان على كسلى تشبيهاً بأسرى في جمع أسير، قاه سيبويه : وهما شاذان، وقال الزجّاج : أسارى جمع أسرى فهو جمع الجمع[(٧)](#foonote-٧)، وقرأ جمهور الناس **«يثْخن »** بسكون الثاء، وقرأ أبو جعفر ويحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب **«يَثخّن »** بفتح الثاء وشد الخاء، ومعناه في الوجهين يبالغ في القتل، والإثخان إنما يكون في القتل والجارحة وما كان منها، ثم أمد[(٨)](#foonote-٨) مخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال  تريدون عرض الدنيا  أي مالها الذي يعن ويعرض، والمراد ما أخذ من الأسرى من الأموال،  والله يريد الآخرة  أي عمل ألآخرة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقرأ ابن جماز **«الآخرةِ »** بالخفض على تقدير المضاف، وينظر ذلك لقول الشاعر :\[ المتقارب \]
أكل امرىء تحسبين امرأً\*\*\* ونار توقّدُ بالليلِ نارا[(٩)](#foonote-٩)
على تقدير وكل نار، وذكر الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس :**«إن شئتم أخذتم فداء الأسرى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم، وإن شئتم قتلوا وسلمتم »** فقالوا نأخذ المال ويستشهد منا سبعون، وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى الروايتين فالأمر في هذا التخيير من عند الله فإنه إعلام بغيب، وإذا خيروا فكيف يقع التوبيخ بعد بقوله تعالى : لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم  والذي أقول في هذا إن العتب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله  ما كان لنبي  إلى قوله  عظيم  إنما هو على استبقاء الرجال وقت الهزيمة رغبة في أخذ المال منهم وجميع العتب إذا نظر فإنما هو للناس، وهناك كان عمر يقتل ويحض على القتل ولا يرى الاستبقاء، وحينئذ قال سعد بن معاذ : الإثخان أحب إليَّ من استبقاء الرجال، وبذلك جعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجيين من عذاب أن لو نزل، ومما يدل على حرص بعضهم على المال قول المقداد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط :**«أسيري يا رسول الله »**، وقول مصعب بن عمير للذي يأسر أخاه :**«شد يدك عليه فإن له أماً موسرة »**، إلى غير ذلك من قصصهم، فلما تحصل الأسرى وسيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في النضر وعقبة والمنّ في أبي عزة وغيره، وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله تعالى فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ، فمر عمر رضي الله عنه على أول رأيه في القتل، ورأى أبو بكر رضي الله عنه المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء، ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر، وكلا الرأيين اجتهاد بعد تخيير، فلم ينزل على شيء من هذا عتب، وذكر المفسرون أن الآية نزلت بسبب هذه المشورة والآراء، وذلك معترض بما ذكرته، وكذلك ذكروا في هذه الآيات تحليل المغانم لهذه الأمة ولا أقول ذلك، لأن حكم الله تعالى بتحليل المغنم لهذه الأمة قد كان تقدم قبل بدر وذلك في السرية التي قتل فيها عمرو بن الحضرمي وإنما المبتدع في بدر استبقاء الرجال لأجل المال، والذي منَّ الله به فيها إلحاق فدية الكافر بالمغانم التي قد تقدم تحليلها، ووجه ما قال المفسرون أن الناس خيروا في أمرين، أحدهما غير جيد على جهة الاختبار لهم، فاختاروا المفضول فوقع العتب، ولم يكن تخييراً في مستويين، وهذا كما أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بإناءين فاختار الفاضل[(١٠)](#foonote-١٠)، و  عزيز حكيم  صفتان من قبل الآية لأن بالعزة والحكمة يتم مراده على الكمال والتوفية، وقال أبو عمرو بن العلاء : الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطاً. 
قال القاضي أبو محمد : وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب، وقد ذكره أيضاً أبو الحسن الأخفش، وقال : العرب لا تعرف هذا وكلاهما عندهم سواء.

١ - من الآية (٤) من سورة (محمد)..
٢ - من الآية (٣٦) من سورة (إبراهيم)..
٣ - من الآية (١١٨) من سورة (المائدة)..
٤ - من الآية (٢٦) من سورة (نوح)..
٥ - من الآية (٨٨) من سورة (يونس)..
٦ - الحديث مروي من طرق كثيرة، وقد أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه، وأخرج مثله أحمد عن أنس رضي الله عنه، وكذلك أخرج مثله ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، والمضمون واحد، ولكن توجد اختلافات يسيرة في الألفاظ. (الدر المنثور)..
٧ - أسارى تكون بضم الهمزة وتكون بفتحها، وكانوا يشدون الأسير بالقد وهو الإسار، فسمي كل أخيذ وإن لم يؤسر أسيرا، قال الأعشى:
 وقيّدني الشعر في بيته كما قيد الآسرات الحمارا
 وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى: هم غير الموثقين عندما يؤخذون، والأسارى: هم الموثوقون ربطا، وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب..
٨ - تأتي (أمدّ) بمعنى (مدّ)، يقال: أمدّ الشيء ومده: زاد فيه، والمعنى المراد هنا أن الله زاد في مخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم..
٩ - سبق الاستشهاد بهذا البيت والتعليق عليه عند تفسير قوله تعالى في هذه السورة: يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين..
١٠ - حديث الإسراء حديث طويل، وقد رواه البخاري، وفيه مما يشير إليه ابن عطية هنا: (ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة، أنت عليها وأمتك)..

### الآية 8:68

> ﻿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [8:68]

وقوله تعالى : لولا كتاب من الله سبق  الآية، قالت فرقة : الكتاب السابق هو القرآن، والمعنى لولا الكتاب الذي سبق فآمنتم به وصدقتم لمسكم العذاب لأخذكم هذه المفاداة، وقال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن أيضاً وابن زيد : الكتاب السابق هو مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم أو تأخر، وقال الحسن وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم : الكتاب هو ما كان الله قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته وكانت في سائر الأمم محرمة، وقالت فرقة : الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب معيناً، وقالت فرقة : الكتاب هو أن الله عز وجل قضى أن لا يعاقب أحداً بذنب أتاه بجهالة، وهذا قول ضعيف تعارضه مواضع من الشريعة، وذكر الطبري عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أن الكتاب السابق هو أن لا يعذب أحداً بذنب إلا بعد النهي عنه ولم يكونوا نهو بعد، وقالت فرقة : الكتاب السابق هو ما قضاه الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر، وذهب الطبري إلى دخول هذه المعاني كلها تحت اللفظ وأنه يعمها، ونكب[(١)](#foonote-١) عن تخصيص معنى دون معنى، واللام في  لمسكم  جواب  لولا ، و  كتاب  رفع بالابتداء والخبر محذوف، وهكذا حال الاسم الذي بعد لولا، وتقديره عند سيبويه لولا كتاب سابق من الله تدارككم، وما من قوله  فيما  يراد بها إما الأسرى وإما الفداء، وهي موصولة، وفي  أخذتم  ضمير عائد عليها، ويحتمل أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى العائد، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو نزل في هذا الأمر عذاب لنجا منه عمر بن الخطاب[(٢)](#foonote-٢)، وفي حديث آخر وسعد بن معاذ، وذلك أن رأيهما كان أن يقتل الأسرى[(٣)](#foonote-٣).

١ - نكّب عن الشيء: عدل عنه وتنحّى..
٢ - أخرجه ابن مردويه، ولفظه فيه: (لو نزل العذاب ما أفلت إلا ابن الخطاب). ورواية ابن جرير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك)..
٣ - يرى بعض المفسرين أن معنى هذه الآية هو: لولا كتاب من الله سبق بنصركم وتأييدكم حتى استوليتم عليهم قتلا وأسرا على قلة عددكم لمسّكم فيما أخذتم من غنائمهم وفدائهم عذاب عظيم منهم لكونهم أكثر منكم عددا، ولكنه تعالى سهّل عليكم ونصركم فلم ينلكم هذا العذاب منهم، وينظر أصحاب هذا الرأي إلى قوله تعالى: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وقوله تعالى: فإنهم يألمون كما تألمون.

### الآية 8:69

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [8:69]

وقوله تعالى : فكلوا مما غنمتم  الآية، نص على إباحة المال الذي أخذ من الأسرى وإلحاق له بالغنيمة التي كان تقدم تحليلها، قوله  حلالاً طيباً  حال في قوله، ويصح أن يكونا من الضمير الذي في  غنمتم  ويحتمل أن يكون  حلالاً  مفعولاً ب **«كلوا »**،  واتقوا الله  معناه في التشرع حسب إرادة البشر وشهوته في نازلة، أخرى، وجاء قوله  واتقوا الله  اعتراضاً فصيحاً في أثناء الكلام، لأن قوله  إن الله غفور رحيم  هو متصل بالمعنى بقوله  فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً .

### الآية 8:70

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىٰ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [8:70]

روي أن الأسرى ببدر أعلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لهم ميل إلى الإسلام وأنهم يؤملونه وأنهم إن فدوا ورجعوا إلى قومهم التزموا جلبهم إلى الإسلام وسعوا في ذلك ونحو هذا الغرض، ففي ذلك نزلت هذه الآية، وقال ابن عباس  الأسرى  في هذه الآية عباس وأصحابه، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم آمنا بما جئت به ونشهد إنك لرسول الله لننصحن لك على قومنا فنزلت هذه الآية، وقرأ جمهور الناس :**«من الأسرى »** وقرأ أبو عمرو وحده من السبعة **«من الأسارى »** وهي قراءة أبي جعفر وقتادة ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق، واختلف عن الحسن بن أبي الحسن وعن الجحدري وقرأ ابن محيصن **«من لسرى »** بالإدغام، ومعنى الكلام إن كان هذا عن جد منكم وعلم الله من نفوسكم الخير والإسلام سيجبر[(١)](#foonote-١) عليكم أفضل مما أعطيتم فدية وسيغفر لكم جميع ما اجترحتموه، وقرأ الأعمش **«يثيبكم خيراً »** وقرأ جمهور الناس **«أُخِذ »** بضم الهمزة وكسر الخاء وقرأ شيبة بن نصاح وأبو حيوة **«أَخذ »** بفتحها، وروي أن أسرى بدر افتدوا بأربعين أوقية أربعين أوقية إلا العباس فإنه افتدي بمائة أوقية. 
قال القاضي أبو محمد : والأوقية أربعون درهماً، وقال قتادة فادوهم بأربعة آلاف أربعة الآف، وقال عبيدة السلماني كان فداء أسرى بدر مائة أوقية، والأوقية، والأوقية أربعون درهماً، ومن الدنانير ستة دنانير، وروي أن العباس بن عبد المطلب قال «فيَّ وفي أصحابي نزلت هذه الآية، وقال حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال البحرين ما قدر أن يقل، هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجوا أن يغفر الله لي وأسند الطبري أيضاً إلى العباس أنه قال فيّ نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى وقال :( ذلك فيء )[(٢)](#foonote-٢) فأبدلني الله من ذلك عشرين عبداً كلهم تاجر بمالي، وروي عن العباس أنه قال : ما أود أن هذه الآية لم تنزل ولي الدنيا بأجمعها، وذلك أن الله قد آتاني مما أخذ مني وأنا أرجو أن يغفر لي.

١ - أي: يعوضكم ما ذهب ويعطيكم أفضل منه، وفي حديث الدعاء: (واجبرني واهدني)..
٢ - وأخرج مثله أبو نعيم في الدلائل من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، في حديث طويل عن هذا..

### الآية 8:71

> ﻿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [8:71]

وقوله تعالى : وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله  الآية، قول أمر أن يقوله للأسرى ويورد معناه عليهم، والمعنى إن أخلصوا فعل بهم كذا وإن أبطنوا خيانة ما رغبوا أن يؤتمنوا عليه من العهد فلا يسرهم ذلك ولا يسكنوا إليه، فإن الله بالمرصاد لهم الذي خانوا قبل بكفرهم وتركهم النظر في آياته وهو قد بينها لهم إدراكاً يحصلونها به فصار كعهد متقرر، فجعل جزاؤهم على خيانتهم إياه أن مكن منهم المؤمنين وجعلهم أسرى في أيديهم، وقوله  عليم حكيم  صفتان مناسبتان، أي عليم بما يبطنونه من إخلاص أو خيانة حكيم فيما يجازيهم به. 
قال القاضي أبو محمد : وأما تفسير هذه الآية بقصة عبد الله بن أبي سرح فينبغي أن يحرر[(١)](#foonote-١)، فإن جلبت قصة عبد الله بن أبي سرح على أنها مثال كما يمكن أن تجلب أمثلة في عصرنا من ذلك فحسن، وإن جلبت على أن الآية نزلت في ذلك فخطأ، لأن ابن أبي سرح إنما تبين أمره في يوم فتح مكة، وهذه الآية نزلت عقيب بدر.

١ - تتلخص قصة ابن أبي سرح هذا فيما رواه قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا كتب لنبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم عمد فنافق، فلحق بالمشركين بمكة، ثم قال: ما كان محمد يكتب إلا ما شئت، فلما سمع ذلك رجل من الأنصار نذر: لئن أمكنه الله منه ليضربنه بالسيف، فلما كان يوم الفتح أمّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس ابن ضبابة، وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبي صلى الله عليه وسلم كل صباح، فجاء عثمان بابن أبي سرح وكان رضيعه أو أخاه من الرضاعة- فقال: يا رسول الله هذا فلان أقبل تائبا نادما، فأعرض نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع به الأنصاري أقبل متقلدا سيفه، فأطاف به، وجعل ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يومئ إليه، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّم يده فبايعه، فقال: أما والله لقد تلوّمتك فيه لتوفي نذرك، فقال: يا نبي الله إني هبتك فلولا أومضت إليّ، فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن يومض. (رواه ابن جرير)..

### الآية 8:72

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [8:72]

مقصد هذه الآية وما بعدها تبيين منازل المهاجرين والأنصار والمؤمنين الذين لم يهاجروا، والكفار والمهاجرين بعد الحديبية، وذكر نسب بعضهم من بعض، فقدم أولاً ذكر المهاجرين وهم أصل الإسلام، وانظر تقديم عمر لهم في الاستشارة و **«هاجر »** معناه أهله وقرابته وهجروه،  وجاهدوا  معناه أجهدوا أنفسهم في حرب من أجهد نفسه في حربهم،  والذين آووا ونصروا  هم الأنصار، وآوى معناه هيأ مأوى وهوالملجأ والحرز، فحكم الله على هاتين الطائفتين بأن  بعضهم أولياء بعض ، فقال كثير من المفسرين : هذه الموالاة هي المؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي، وعليه فسر الطبري الآية، وهذا الذي قالوا لازم من دلالة اللفظ، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وكثير منهم إن هذه الموالاة هي في الميراث، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت بين الأنصار أخوة النسب وكانت أيضاً بين بعض المهاجرين فكان المهاجريّ إذا مات ولم يكن له بالمدينة ولي مهاجريّ وورثه أخوه الأنصاري، وإن كان له ولي مسلم لم يهاجر، وكان المسلم الذي لم يهاجر لا ولاية بينه وبين قريبه المهاجري لا يرثه، قال ابن زيد : واستمر أمرهم كذلك إلى فتح مكة، ثم توارثوا بعد ذلك لما لم تكن هجرة. 
قال القاضي أبو محمد : فذهبت هذه الفرقة إلى أن هذا هو مقصد الآية، ومن ذهب إلى أنها في التآزر والتعاون فإنما يحمل نفي الله تعالى ولايتهم عن المسلمين على أنها صفة الحال لا أن الله حكم بأن لا ولاية بين المهاجرين وبينهم جملة، وذلك أن حالهم إذا كانوا متباعدي الأقطار تقتضي أن بعضهم إن حزبه حازب لا يجد الآخر ولا ينتفع به فعلى هذه الجهة نفي الولاية، وعلى التأويلن ففي الآية حض للأعراب على الهجرة، قاله الحسن بن أبي الحسن، ومن رأى الولاية في الموارثة فهو حكم من الله ينفي الولاية في الموارثة، قالوا : ونسخ ذلك قوله تعالى  وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض [(١)](#foonote-١)، وقرأ جمهور السبعة والناس ****«وَلايتهم »**** بفتح الواو والوَلاية أيضاً بفتح الواو[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ الكسائي ****«وَلايتهم »**** بفتح الواو والوِلاية بكسر الواو، وقرأ الأعمش وابن وثاب **«وِلايتهم »** والوِلاية بكسر الواو وهي قراءة حمزة، قال أبو علي والفتح أجود لأنها في الدين، قال أبو الحسن الأخفش والكسر فيها لغة وليست بذلك ولحن الأصمعي والأعمش[(٣)](#foonote-٣) وأخطأ عليه لأنها إذا كانت لغة فلم يلحن. 
قال القاضي أبو محمد : لا سيما ولا يظن به إلا أنه رواها، قال أبو عبيدة : الوِلاية بالكسر هي من وليت الأمر إليه فهي من السلطان، والولاية هي من المولى، يقال مولى بين الوَلاية بفتح الواو، وقوله  وإن استنصروكم  يعني إن استدعى هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا نصركم على قوم من الكفرة فواجب عليكم نصرهم إلا إن استنصروكم على قوم كفار قد عاهدتموهم أنتم وواثقتموهم على ترك الحرب فلا تنصروهم عليهم لأن ذلك عذر ونقض للميثاق وترك لحفظ العهد والوفاء به، والقراءة **«فعليكم النصرُ »** برفع الراء، ويجوز **«فعليكم النصر »** على الإغراء، ولا أحفظه قراءة، وقرأ جمهور الناس **«والله بما تعملون »** على مخاطبة المؤمنين، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والأعرج **«بما يعملون »** بالياء على ذكر الغائب.

١ - ستأتي بعد ثلاث آيات، فهي الآية (٧٥) من هذه السورة..
٢ - يريد \[الولاية\] في قوله تعالى في الآية (٤٤) من سورة (الكهف): هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا..
٣ - هكذا في جميع النسخ المخطوطة، ولكن من الواضح أنها "الأخفش" فالكلام عنه، ويؤيد ذلك ما قاله في "البحر" ونصه: "ولحن الأصمعي الأخفش في قراءته بالكسر وأخطأ في ذلك لأنها قراءة متواترة"، وكلام ابن عطية يؤيد هذا حين يقول: "لأنها إذا كانت لغة فلم يلحن"، والذي قال إنها لغة هو الأخفش..

### الآية 8:73

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [8:73]

هذا حكم بأن الكفار ولايتهم واحدة، وذلك بجمع الموارثة والمعاونة والنصرة، وهذه العبارة ترغيب وإقامة للنفوس، كما تقول لمن تريد أن يستضلع[(١)](#foonote-١) : عدوك مجتهد، أي فاجتهد أنت، وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن قتادة أنه قال : أبى الله أن يقبل إيمان من آمن ولم يهاجر، وذلك في صدر الإسلام، وذلك أيضاً مذكور مستوعب في تفسير قوله عز وجل : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً [(٢)](#foonote-٢). 
والذي يظهر من الشرع أن حكم المؤمن التارك للهجرة مع علمه بوجوبها حكم العاصي لا حكم الكافر، وقوله تعالى : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم  \[ النساء : ٩٧ \] إنما هي فيمن قتل مع الكفار، وفيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«أنا بريء من مسلم أقام بين المشركين لا تراءى ناراهما »** الحديث[(٣)](#foonote-٣) على اختلاف ألفاظه وقول قتادة إنما هو فيمن كان يقوم متربصاً يقول من غلب كنت معه، وكذلك ذكر في كتاب الطبري والكشي، والضمير في قوله  إلا تفعلوه  قيل هو عائد على الموارثة والتزامها. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا لا تقع الفتنة عنه إلا عن بعد وبوساطة كثيرة، وقيل هو عائد على المؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي، وهذا تقع الفتنة عنه عن قرب فهو آكد من الأول، ويظهر أيضاً عوده على حفظ العهد والميثاق الذي يتضمنه  إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق  \[ الأنفال : ٧٢ \] وهذا إن لم يفعل فهي الفتنة نفسها، ويظهر أن يعود الضمير على النصر للمسلمين المستنصرين في الدين، ويجوز أن يعود الضمير مجملاً على جميع ما ذكر، والفتنة المحنة بالحرب وما أنجز معها من الغارات والجلاء والأسر، و **«الفساد الكبير »** ظهور الشرك، وقرأ جمهور الناس **«كبير »** بالباء المنقوطة واحدة، وقرأ أبو موسى الحجازي عن الكسائي بالثاء منقوطة مثلثة وروى أبو حاتم المدني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ **«وفساد عريض »**، وقرأت فرقة **«والذين كفروا بعضهم أولى ببعض »**.

١ - استضلع وتضلّع بمعنى واحد، إذ يراد بهما: امتلأ من العلوم وشبع..
٢ - من الآية (٩٧) من سورة (النساء)..
٣ - أخرج أبو داود في سننه عن جابر بن عبد الله في كتاب الجهاد قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: لا تراءى نارهما). والمعنى كما جاء في "النهاية" لابن الأثير: يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموقع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم، وإنما كره مُجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان، وحثّ المسلمين على الهجرة، والترائي: تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا، وتراءى لي الشيء: أي ظهر حتى رأيته، وإسناد الترائي إلى النارين مجاز، من قولهم: داري تنظر إلى دار فلان، أي تقابلها، يقول: ناراهما مختلفان، هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف يتّفقان؟ والأصل في تراءى: تتراءى، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا..

### الآية 8:74

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [8:74]

وقوله تعالى : والذين آمنوا وهاجروا  الآية، آية تضمنت تخصيص المهاجرين والأنصار وتشريفهم بهذا الوصف العظيم، و  حقاً  نصب على المصدر المؤكد لما قبله، ووصف الرزق بالكريم معناه أنه لا يستحيل نجواً[(١)](#foonote-١)، والمراد به طعام الجنة، كما ذكر الطبري وغيره ولازم اللفظ نفي المذمات عنه، وما ذكروه فهو في ضمن ذلك، وقوله  من بعد  يريد به من بعد الحديبية وبيعة الرضوان وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهجرة الثانية، لأن الحرب وضعت أوزارها نحو عامين، ثم كان فتح مكة وبه قال صلى الله عليه وسلم
**«لا هجرة بعد الفتح »**[(٢)](#foonote-٢)، وقال الطبري : المعنى من بعد ما بينت لكم حكم الولاية. 
قال القاضي أبو محمد : فكان الحاجز بين الهجرتين نزول الآية، فأخبر الله تعالى في هذه الآية بأنهم من الأولين في المؤازرة وسائر وأحكام الإسلام.

١ - النجو: ما يخرج من البطن، ويقال: أنجى، أي أحدث، والمعنى الذي يقصده المؤلف: لا يتغير في أجوافهم فيصير نجوا، ولكنه يصير رشحا كرشح المسك على ما وضحه الطبري في تفسيره..
٢ - رواه البخاري عن مجاشع بن مسعود، ولفظه فيه: (لا هجرة بعد فتح مكة)، ورمز له السيوطي بأنه صحيح. (الدر المنثور)..

### الآية 8:75

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [8:75]

وقوله تعالى : وجاهدوا معكم  لفظ يقتضي أنهم تبع لا صدر، قوله  فأولئك منكم  كذلك، ونحوه قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«مولى القوم منهم[(١)](#foonote-١) وابن أخت القوم منهم »**[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  وأولو الأرحام [(٣)](#foonote-٣) إلى آخر السورة، قال من تقدم ذكره هي في المواريث وهي ناسخة للحكم المتقدم ذكره من أن يرث المهاجري الأنصاري، ووجب بهذه الآية الأخيرة أن يرث الرجل قريبه وإن لم يكن مهاجراً معه، وقالت فرقة منها مالك بن أنس رحمه الله : إن الآية ليست في المواريث، وهذا ِفرار عن توريث الخال والعمة ونحو ذلك، وقالت فرقة : هي في المواريث إلا أنها نسخت بآية المواريث المبينة، وقوله  في كتاب الله ، معناه القرآن أي ذلك مثبت في كتاب الله، وقيل المعنى في كتاب الله السابق في اللوح المحفوظ، و  عليم  صفة مناسبة لنفوذ هذه الأحكام، كمل تفسير سورة الأنفال.

١ - رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه، ولفظه فيه: (مولى القوم من أنفسهم)، وقد رمز له الإمام السيوطي بالصحة في "الجامع الصغير"..
٢ - أخرج الإمام أحمد في مسنده، والشيخان، والترمذي، والنسائي عن أنس، وأبو داود عن أبي موسى، والطبراني عن جبير بن مطعم، وعن ابن عباس، وعن أبي مالك الأشعري. ورمز له الإمام السيوطي بالصحة في "الجامع الصغير"..
٣ - الرّحم مؤنثة، والجمع: أرحام، والمراد بها ها هنا العصبات دون المولود بالرحم، والواحد: ذو رحم، ومما يبين أن المراد بالرحم العصبات قول العرب: وصلتك رحم، لا يريدون قرابة الأم.
 والخلاف في توريث ذوي الأرحام معروف من أيام السلف رضوان الله عليهم. فقال قوم: لا يرث من لا فرض له من ذوي الأرحام، روي ذلك عن أبي بكر، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وروي عن علي، وهو قول أهل المدينة، وروي عن مكحول والأوزاعي، وبه قال الإمام الشافعي رضي الله عنه. وقال بتوريثهم عمر بن الخطاب، وابن مسعود، ومعاذ، وأبو الدرداء، وعائشة، وعلي في رواية عنه، وهو قول الكوفيين وأحمد، واحتجوا بهذه الآية، ولكن أصحاب الرأي الأول قالوا: هذه آية مجملة جامعة، والظاهر بكل رحم قرب أو بعد، وآيات المواريث مفسرة، والمفسر قاض على المجمل ومبين..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/8.md)
- [كل تفاسير سورة الأنفال
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/8.md)
- [ترجمات سورة الأنفال
](https://quranpedia.net/translations/8.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/8/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
