---
title: "تفسير سورة الأنفال - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/8/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/8/book/468"
surah_id: "8"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنفال - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/8/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنفال - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/8/book/468*.

Tafsir of Surah الأنفال from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 8:1

> يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [8:1]

قوله تعالى :( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) اختلف فيه ؛ قال بعضهم : الأنفال هي المغانم التي يغنما المسلمون من أهل الحرب، وقال بعضهم : الأنفال هي الفضول عن حقوق أصحاب المغانم. 
**فالسؤال يحتمل وجهين :**
يحتمل أنهم سألوا عن حلها وحرمتها ؛ لأن الغنائم لا تحل في الابتداء. قيل : إنهم كانوا يغنمونها، ويجمعونها\[ في الأصل وم : ويجمعون \]، فتجيء\[ في الأصل وم : فجاءت \] نار، فتحرقها. سألوا عن حلها وحرمتها، فقال :( الأنفال لله والرسول ) أي الحكم فيها لله يجعلها لمن يشاء. 
ويحتمل السؤال عنها عن قسمتها ؛ وهو ما روي في بعض القصة أن الناس كانوا يوم بدر ثلاثة أثلاث : ثلثا \[ في الأصل وم : ثلث \] في نحو العدو وثلثا \[ في الأصل وم : ثلث \] خلفهم ردءا لهم وثلثا\[ في الأصل وم : ثلث \] مع رسول الله يحرسونه. فلما فتح الله عليهم اختلفوا في الغنائم، فقال الذين كانوا في نحر العدو : نحن أحق بالغنائم، نحن ولينا القتال. وقال الذين كانوا ردءا لهم : لستم بأولى منا، وكنا لكم ردءا. وقال الذين أقاموا مع رسول الله : لستم بأحق بها منها ؛ كنا نحن حرسا لرسول الله فتنازعوا فيها إلى رسول الله. 
ونزل \[ قوله تعالى \] \[ ساقطة من الأصل م \] ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول \] وقال أبو أمامة الباهلي : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، قال : فينا نزلت معشر أصحاب بدر حين اختلفنا \[ في النَّقْل \]\[ ساقطة من الأصل وم \] وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسمه على السواء\[ في الأصل وم : السؤال \]. ومجاهد وعكرمة قالا : كانت الأنفال لله والرسول، فنسخها \[ قوله تعالى \]\[ ساقطة م الأصل وم \] :( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول )\[ الأنفال : ٤١ \]. 
وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : الأنفال المغانم ؛ كانت لرسول الله خالصة ليس لأحد فيها شيء ؛ ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حسن منه إبة أو سلكا فهو غلول، فسألوا رسول الله أن يعطيهم منها، فقال ( قل الأنفال لله والرسول ) ليس لكم فيها شيء. 
ويحتمل أن تكون الأنفال هي فضول المغانم على \[ ما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال بعضهم نحو ما روي في الأخبار أن منهم من أخذ كبة، فقال : اجعلها لي يا رسول الله، وأخذ الآخر سيفا، وقال : اجعلها لي، ونحو ذلك فكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال :( قل الأنفال لله والرسول ). 
ويحتمل أن يكون سؤالهم عن التنفيل أن ينفلهم الرسول ما وقع في أيديهم، أو بعد ما انهزم الكفار، وأدبر العدوز وإنما يجوز للإمام التنفيل في حال إقبال الحرب ؛ وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : النفل ما لم يلتق الزحفان أو الصفان، فإذا التقيا فهو مغنم. 
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : نزلت في أربع آيات. . . والثانية : أني كنت أخذت سيفا أعجبني، فقلت : يا رسول الله هب لي هذا، فنزلت ( يسألونك عن الأنفال\[ في الأصل وم : وروي عن مصعب بن سعد قال : نزلت في أرٍبع آيات \]\[ الدر المنثور ج٤/٤ \]. 
وروي عن مصعب بن سعد \[ عن أبيه سعد بن مالك أنه قال :**«أصبت يوم بدر \]\[ في الأصل وم : يرى أنه يوم بدر أصبت \] سيفا، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت نفلنيه، فقال : ضعه من حيث أخذته، فنزلت هذه الآية :( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ورسوله ) ثم قال سعد : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اذهب، فخذ سيفك »**\[ الدر المنثور ج٤/٤ \]. 
فدل حديث سعد أن النبي لم ينفل قبل الحرب أحدا شيئا منه مما لا يأخذه \[ في الحرب \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لأنه لو كان نفلهم لم يمنع سعدا رضي الله عنه السيف الذي جاء به. 
ويدل على أن النبي لم يأمر في الغنيمة بشيء حتى نزلت آية النفل، فرد الله الأمر في الغنيمة إلى رسوله، فأطلق له رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رد \[ إليه \]\[ ساقطة في الأصل وم \] الأمر. 
ويجوز أن يكون النبي \[ صلى الله عليه وسلم \]\[ في الأصل : صلى، ساقطة من م \] لم ينقل أحدا قبل الحرب شيئا، ولكنه كان ينقل مما يؤتى به من يشاء ممن قتل بغير إيجاب متقدم. يبين ذلك قول سعد : أجعل كمن لا علم له ؟ وحديث عبادة ؛ يخبر أن النبي نقل ما يأخذون من أهل الحرب قبل أن يأخذوه. وهذا موضع الاختلاف بين الحديثين. 
والظاهر من ذلك أن الفعل هذا كان وقع في الغنائم ؛ لأن الله قد سماها أنفالا قبل أن يحلها. فلولا أن النبي كان نفَّلهم إياها قبل الحرب أو بعدها لم يسم الله أنفالا، والله أعلم. 
وفي حديث عبادة أن قوله تعالى ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ )\[ الأنفال : ٤١ \] ذكره بعد ذكر النفل، وأنه حكم الناسخ الثابت. وكذلك قول عباس يدل على ذلك، وقد أجمع أهل العلم على ما ذكره عبادة في آخر حديثه، فقالوا جميعا : إن الغنيمة يخرج خمسها للأصناف الذين ذكرهم الله إلا ما اختلفوا فيه من سهم ذي القربى، ثم تقسم أربعة \[ في الأصل وم : الأربع \] الأخماس بين أهل القسمة. وجعلوا للإمام أن ينفل السَّلَبَ وغيره، فيقول : من قتل قتيلا فله سلبه، يحرض بذلك \[ على \]\[ ساقطة من الأصل وم \] المقاتلة، وينفل السرية، يخرج من العسكر شيئا بعد الخمس. 
ومما أجمعوا عليه من قسمة الغنيمة أخماسا نزول القرآن ؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة في الأصل وم \] قال :**«إن الغنيمة لم تحل لأحد قبلنا، وقد أحلت لنا »**\[ مسلم١٧٤٧ \]. 
وروي عن أبي هريرة \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كانت نار تنزل من السماء فتأكلها »**\[ الترمذي٣٠٨٥ \] فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم، فأنزل الله تعالى :( لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا )\[ الأنفال : ٦٨و٦٩ \] ونحو ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( يَسْأَلُونَكَ عن الأنفال ) يحتمل وجوها. 
أحدها :( يسألونك ) عمن له الأنفال، فقال :( قل الأنفال لله ). 
والثاني :( يسألونك عن الأنفال ) على إسقاط ( عن ) وقد كانوا يسألونك الأنفال والمغانم. 
والثالث : يسأل كل عن النفل \[ في الأصل وم : نفل له \] الذي جعل له، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( فاتقوا الله وأصلحوا ) قال أهل التأويل :( فاتقوا الله ) في أخذ الأموال، ولكن في الأنفال وفي غيرها ( فاتقوا ) معصية الله ومخالفته في أمره ونهيه ( وأصلحوا ذات بينكم ) أمر بإصلاح ذات البين لما ذكر من عظيم منته ونعمه التي أنعم عليهم بقوله تعالى :( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا )\[ آل عمران : ١٠٣ \] أخبر أنهم كانوا أعداء، فألف بين قلوبهم \[ في الأصل وم : نفل له \] وذلك من عظيم نعمه عليهم. 
فأمر ههنا بإصلاح ذات البين ليكونوا على النعمة التي أنعمها عليهم مجتمعين غير متفرقين. 
وقوله تعالى :( وأطيعوا الله ورسوله ) أي أطيعوا الله في أمره ونهيه، ورسوله في آدابه وسننه ( إن كنتم مؤمنين ) أو أطيعوا الله في ما دعاكم إليه، ورغبكم فيه، وسوله في ما بين لكم ( إن كنتم مؤمنين ) يعني مصدقين.

### الآية 8:2

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [8:2]

وقوله تعالى :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ/١٩٥-ب/ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) إلى آخر ما ذكر يحتمل وجوها. \[ أحدهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يحتمل قوله تعالى :( إنما المؤمنون الذين ) ظهر صدقهم عندكم بما ذكر من الأفعال من وجل القلب والخشية والثبات واليقين على ما كان عليه، ليس كالمنافقين الذين كانوا مرتابين في إيمانهم كما وصفهم الله في آية أخرى \[ في قوله \]\[ في الأصل وم : حيث قال \] :( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى )\[ النساء : ١٤٢ \] وكانوا إذا أنفقوا أنفقوا كارهين، وكانوا لا يذكرون الله إلا قليلا مراآة للناس. 
وأما المومنون فهم الذين يومون بوفاء ذلك كله حقيقة، فيظهر صدقهم بذلك، وهو ما وصفهم في آية أخرى ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون )\[ الحجرات : ١٥ \]. 
والثاني\[ في الأصل وم : و \] يحتمل أن يكون على الاعتقاد خاصة، ليس على نفس العمل ؛ كأنه قال : إنما المؤمنون الذين اعتقدوا في إيمانهم ما ذكر من وجل القلوب والخشية عند ارتكاب المعصية والتقصير على القيام بما عليه. وما يرتكب المؤمن من المعاصي إنما يرتكب عن جهالة، ثم يتوب عن قريب كقوله تعالى :( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )\[ الحجرات : ١٧ \] يرتكب ذلك إما لغلبة شهوة، وإما يعتقد التوبة من بعده، وإما يرجو رحمة الله من فضله في العفو عن ذلك. 
فيكون قوله تعالى :( إنما المؤمنون الذين ) اعتقدوا إيمانهم من الأفعال، وهو كقوله تعالى :( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم )\[ التوبة : ٥ \] هو الاعتقاد والقبول له أنهم إذا اعتقدوا ذلك، وقبلوا يخلى سبيلهم. وإن لم يقيموا الصلاة وما ذكر فعلى ذلك الأفعال \[ وهو كقوله تعالى \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ( فإن تابوا )\[ التوبة : ٥ \] يحتمل ذلك. 
والثالث\[ في الأصل وم : والرابع \] : يحتمل قوله تعالى :( إنما المؤمنون الذين ) فعلوا هذا، وأتوا بذلك كله. لكنهم أجمعوا أن من آمن بقلبه، وصدق كان مؤمنا، وإن لم يأت بغيره من الأفعال \[ مثل من \]\[ في الأصل وم : نحوان \] يؤمن، ثم يُحترم، ويموت من ساعته، مات مؤمنا. فدل أنه لم يخرج ذلك على الشرط لما ذكرنا، والله أعلم. وقوله تعالى :( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) يخرج على وجوه. 
أحدها : يخبر أن المؤمنين هم \[ في الأصل وم : هو \] على وصف ما ذكر. 
والثاني\[ في الأصل وم : أو \] يقول : إن المؤمنين الذين ينبغي أن يكونوا ما ذكر. 
والثالث\[ في الأصل وم : أو \] يقول : إنما المؤمنون المختارون ما ذكر جعل الله تعالى ما ذكر \[ من \]\[ في الأصل وم : أو \] وجل القلب وغيره علما بين الذين حققوا الإيمان في الظاهر والباطن وبين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر والخلاف. وكذلك ما ذكر في آية أخرى :( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا )\[ النور : ٦٢ \]. 
وقوله تعالى :( وإذا تليت عليهم آيته زادتهم إيمانا ) يحتمل قوله تعالى :( آيته ) حججه وبراهينه ( وإذا تليت عليهم ) ذلك زادهم\[ في الأصل وم : يزداد لهم \] ثباتا وقوة على ما كانوا. 
وأما المنافقون فإن الآيات التي نزلت كانت \[ تزيدهم \]\[ إشارة إلى قوله تعالى :( فزادتهم رجسا إلى رجسهم \]\[ التوبة : ١٢٥ \]، في الأصل وم : تزداد لهم بها \] رجسا وبعدا. 
فإن \[ المؤمنين يزيدهم \]\[ في الأصل وم : المؤمنون يزيد لهم \] ذلك تباتا وقوة. أو ذكر الزيادة لأن\[ من م، في الأصل : لا \] للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وساعة. فإذا كان له حكم الحدوث والتجدد فهو زيادة على ما كان فإن شئت سميتها تباتا. 
وقال أبو حنيفة، رحمه الله : يزيد الإيمان بالتفسير على الإيمان بالجملة فإذا فسروا له\[ في الأصل وم : لهم \]، وقالوا فلان رسول نبي ازداد بذلك له إيمانا وإن كان قد آمن به بالجملة. وكذلك الإيمان بجميع الكتب والأمر، وإن كنا نؤمن بالجملة ( له الخلق والأمر )\[ الأعراف : ٥٤ \] فإذا عرف ذلك الأمر زاد\[ في الأصل وم : ازداد \] له إيمانا له في ذلك، والله أعلم، لأن من آمن بالله وأن ( له الخلق والأمر ) فقد أتى بعقدة الإيمان. فإذا جاء بالتفسير واحدا بعد واحد ازداد له إيمانه بالتفسير على إيمانه بالجملة. 
وقوله تعالى :( وعلى ربهم يتوكلون ) أي على ربهم يتكلون \[ في الأصل و م : يتقون \]، ويعتقدون في كل أمورهم ؛ لا يتكلون \[ في الأصل وم : يكلون \] على غيره. إنما يتوكلون على الله وليسوا \[ في الأصل وم : وليس \] كالمنافقين هم إنما يتوكلون على النعم التي أعطوا لقوله تعالى :( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه )\[ الحج : ١١ \] ونحو ذلك. 
وأما المؤمن فإنه في جميع أحواله يتوكل على الله، ومنه يخاف، وإن كان يصل ذلك إليه ويجري على يدي غيره فهو في الحقيقة من الله.

### الآية 8:3

> ﻿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [8:3]

( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) بحق الله عليهم.

### الآية 8:4

> ﻿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [8:4]

( أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ) يحتمل وجهين :
\[ أحدهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : يحتمل أولئك الذين حققوا إيمانهم. 
والثاني :\[ يحتمل \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أولئك المؤمنين\[ في الأصل وم : المؤمنون \] الذين وعد لهم وعدا حقا ؛ وهو ما وعد لهم من الدرجات والمغفرة حق لهم ذلك الوعد، والله أعلم. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة في الأصل وم \] :( لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ ) قيل : فضائل عند ربهم ( ومغفرة ) أي يستر عليهم ذنوبهم التي كانت لهم في الدنيا \[ وينسيهم إياها \]\[ ينسبونها \] ؛ لأن ذكر ذلك ينغص عليهم نعمهم التي أنعم عليهم ( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) قال \[ في الأصل وم : قيل \] الحسن : ورزق يكرم به أهله.

### الآية 8:5

> ﻿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [8:5]

وقوله تعالى :( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ) لم يخرج لهذا الحرف جواب في الظاهر لأن جوابه أن يقول ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) يفعل بك كذا. 
ثم أهل التأويل اختلفوا في جوابه قال بعضهم : هو صلة قوله ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) يقول تعالى :( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ) ( يُجَادِلُونَكَ ) كما كرهوا الخروج، وجادلوك في قسمة الأنفال جادلوك في أمر الغيب\[ في الأصل وم : الغير \]. 
ومنهم من يقول : جوابه في قوله تعالى :( إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ )\[ الأنفال : ١١ \] يقول : كما أجبتم الله في الخروج للقتال على غير تدبير منكم في ذلك ولا نظر. فعلى ذلك يجيبكم في النعاس ( أمنة منه ) وإنزال الماء من السماء والتطهير به وتثبيت الأقدام على غير علم منكم ولا تدبير. 
ومنهم من يقول :\[ جوابه في \]\[ ساقطة في الأصل وم \] قوله تعالى :( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ) غير متأهبين للقتال ولا مستعدين له كذلك يعدكم النصر والظفر، والله أعلم. 
وقوله تعالى ( بالحق ) يحتمل وجوها : يحتمل ( بالحق ) الذي عليهم من الأمر بالخروج والقتال، ويحتمل ( بالحق ) بالوعد الذي وعد لهم النصر والظفر وقال بعض أهل التأويل ( بالحق ) أي بالقرآن. ولإن \[ في الأصل وم : ولكن \] كان فهو ما ذكرنا بالأمر الذي يأمر القرآن. 
وقوله تعالى :( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ) يحتمل وجهين : يحتمل ( فريقا من المؤمنين ) في الظاهر وهم المنافقون كرهوا الخروج للقتال، و يحتمل أن يكون المؤمنون في الحقيقة كرهوا الخروج للقتال كراهة الطبع لا كراهم الاختيار لم ا أمروا بالقتال \[ غير متأهبين للقتال \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ولا مستعدين، فكرهت أنفسهم ذلك كراهة الطبع لما لم يكن أسباب القتال لا لأنهم \[ في الأصل وم : أنهم \] كرهوا أمر الله كراهة الاختيار. 
وفي هذه الآية دلالة أن الأمر قد يكون في الشيء وإن لم يعلم وقت الأمر في ما يؤمر. وفيه دليل جواز تأخر البيان لأنهم أمروا بالخروج للقتال، ولم يعلموا وقت الخروج على ماذا يؤمرون ؟

### الآية 8:6

> ﻿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [8:6]

وقوله تعالى :( يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ ) قيل في القتال. وقيل قوله تعالى ( في الحق ) الذي أمرت به أن تسير إلى القتال. ويحتمل أن يكون قوله تعالى :( في الحق ) الوعد الذي وعد لهم بالنصر والظفر ( بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ) لهم الوعد الذي وعد لهم الله عز وجل بالنصر ( كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ) فإن كانت /١٩٦-أ/ الآية في المنافقين فهو ظاهر، وهم كذلك وصفوا بالكسل في جميع الخيرات والطاعات كقوله تعالى ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ). 
وإن كانت \[ في الأصل وم : كان \] في المؤمنين الذين حققوا الإيمان فهو لما كانوا غير مستعدين للقتال ولا متأهبين له كانوا كارهين لذلك \]\[ في الأصل وم : كذلك \] كراهة الطبع لا كراهة الاختيار. 
وقال قائلون قوله تعالى :( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ) أي ( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) أجابوا ربهم، وإن كانوا كارهين للخروج من شدة الخوف، وإن كانوا من الخوف ( كأنما يساقون إلى الموت )\[ الأنفال الآية ٦ \] فأجاب الله تعالى لهم بالنصر والظفر وأمنهم من ذلك الخوف، والله أعلم.

### الآية 8:7

> ﻿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [8:7]

وقوله تعالى :( وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ) ذكر في بعض القصة أن عير قريش حين أقبلت من الشام خرج أصحاب رسول الله نحوهم على ما يخرج إلى العير غير متأهبين \[ للحرب ( أنها لكم ) \]\[ في الأصل وم :( أنها لكم ) ذكر في بعض قصة الحرب \] وخرجت قريش من مكة تغيث عيرها، فيه الطائفة الأخرى. وعد لهم أن إحدى الطائفتين لهم إما العير وإما العسكر إنهم ينصرون عليهم ( وتودون أن غير ذات الشوكة ) أي ليس فيها حرب، ثم ( تكون لكم ) العير، وهي أهون شوكة وأعظم غنيمة كانوا يودون ذلك. 
وقوله تعالى :( وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ) لما لم يكونوا معدين للقتال والحرب، وكان بهم ضعف، وفي أولئك قوة وعدة، والله أعلم. 
وقوله\[ في الأصل وم : وقال \] تعالى :( وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) يحتمل، والله أعلم، يريد أن يظهر الحق بآية منه من غير وجود الأسباب منهم، وهو كما ذكر في قوله تعالى :( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ )\[ آل عمران : ١٣ \] أخبر أن في غلبة أولئك مع ضعف أبدانهم وقلة عددهم وقصور أسباب الحرب من السلاح والعدة وغير ذلك وقوة أولئك وكثرة عددهم وعدتهم وتأهبهم واستعدادهم لذلك آية عظيمة. 
فأراد أن يظهر الحق بالآية ليعلم كل منهم أنه إنما كان ذلك بالله لا بهم. وهو ما قال :( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى )\[ الأنفال : ١٧ \] أخبر أنه كان بالله ذلك لا بهم \]. 
ويحتمل قوله تعالى :( بكلماته ) بعلمه وأمره. ويحتمل ( بكلمته ) بحججه أي يوجب، ويظهر بحججه وبراهينه. ويحتمل ( بكلمته ) البشارات التي بشر بها المؤمنين بالنصر والظفر والعداوة التي كانت\[ في الأصل وم : كان \] منهم. ويحتمل ( بكلمته ) ملائكته الذين بعثهم مددا لهم يوم بدر على ما ذكر، فأضافهم إليه تعظيما لهم وإجلالا على ما سمى عيسى روح الله وكلمته \[ إشارة إلى قوله تعالى :( عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه )\[ النساء : ١٧١ \] وموسى كليم الله \[ إشارة إلى قوله تعالى :( وكلم الله موسى تكليما )\[ النساء : ١٦٤ \] \] تعظيما لهم وإجلالا. فعلى ذلك \[ هذا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] والله أعلم. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ( ويقطع دابر الكافرين ) يحتمل آثار الكافرين ؛ يقتلون جميعا، ويستأصلون حتى لا يبقى لهم أثر ويحتمل يقطع ما أدبرهم حتى لا يأتيهم مدد.

### الآية 8:8

> ﻿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [8:8]

وقوله تعالى :( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ) أي ليظهر الحق ويوجب يقال : حق كذا أي وجب. ويحتمل ليظهر حق الحق، ويظهر الباطل، أو أن يقال : قوله تعالى :( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ) ما ذكرنا : ليوجب\[ في الأصل وم : يجب \] الحق، ويذهب الباطل كقوله تعالى :( وقل جاء الحق وزهق الباطل )\[ الإسراء : ٨١ \] أي ذهب. فعلى ذلك هذا ؛ يجيء الحق، ويجب، ويذهب الباطل ( ولو كره المجرمون ). 
فإن قيل في قوله تعالى :( كأنما يساقون إلى الموت )\[ الأنفال : ٦ \] وقوله تعالى :( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم )\[ الأنفال : ٩ \] كيف خافوا كل هذا الخوف حتى وصفهم بشدة الخوف كأنما يساقون إلى \[ الموت \]\[ من م، ساقطة في الأصل \] وقد وعد لهم النصر والظفر بقوله تعالى :( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) ؟ \[ قيل : يمكن أن \]\[ في الأصل : وقد يمكن، في م : وقد يمكن أن \] تصرف الآية إلى المنافقين، وهو قوله تعالى :( كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ). 
غير أنه ذكر في بعض القصة أنه لم يكن ببدر منافق، بل كانوا كلهم مؤمنين حتى افتخر بذلك من شهد بدرا، وإن كان في المؤمنين فهو ما ذكرنا لقلة عددهم أولئك وعدتهم ؛ كانوا كما وصف، والله أعلم. 
لكن الآية تحتمل وجوها. 
أحدها : أمكن أن يكون الوعد لهم بالنصر بيِّن لرسوله، ولم يبين لهم. 
\[ والثاني \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : فألقى في قلوبهم الرعب والخوف لما لم يبين لهم الوقت متى يكون ذلك ؟ ألا ترى أنهم أمروا بالخروج، ولا يدرون إلى ماذا يؤمرون ؟ 
والثالث : يجوز أيضا ان بين لهم الوعد بالنصر، وبلغهم ذلك غير أنهم خافوا ذلك، وكرهوا خوف طبع وكراهة النفس لا كراهة الاختيار. وجائز الخوف في مثل هذا وكراهة الطبع، وإن كانوا على يقين بالنصر والظفر وتحقيق ذلك لهم. 
والرابع : يجوز أن يكون الوعد لهم بالنصر والظفر بالتضرع إليه والاستعانة به على ما يكون في الدعوات يكون شقاوة بعض ودخوله النار بمعاصي يرتكبها، وسعادة آخر ودخوله الجنة بخيرات يأتي بها، فيصير من أهلها. 
والخامس : جائز أن يكون ذلك من الله تعالى لهم محنة، يمتحنهم بها كقوله تعالى :( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) الآية \[ البقرة : ١٥٥ \] يحتمل معنى الآية الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

### الآية 8:9

> ﻿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [8:9]

ثم اختلف في قوله تعالى ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ) الآية وقال بعضهم : هو صلة قوله تعالى :( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة )\[ آل عمران : ١٢٤ \] قالوا : قوله تعالى :( بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) ألفان، وقوله تعالى :( بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين )\[ آل عمران : ١٢٤ \] فيكون ( بخمسة آلاف من الملائكة مسومين )\[ آل عمران : ١٢٥ \]. 
ومنهم من يقول :( بثلاثة آلاف ) كان في أحد، إذ ذكر على إثر قصة أحد فإن كان ما ذكروا، فكان قوله :( من الملائكة مردفين ) إما من إرداف الكفرة، وهو المتتابع تابع أهل بدر المشركين، وهم منهزمون، أو أن يكون الإرداف الإمداد، فيكون ألفين\[ في الأصل وم : ألفان \]. 
وقال بعض أهل التأويل : إن قوله تعالى :( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ) هو رسول الله، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم \[ لما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] رأى كثرة المشركين ببدر علم أنه لا حول ولا قوة لهم إلا بالله، فدعا ربه، وتضرع \[ ولكن قولهم \]\[ في الأصل : ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، في م : ذلك قولهم \] عندنا، والله أعلم، قول المؤمنين ألا ترى أنه قال :( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم )\[ آل عمران : ١٢٤ \] بكذا، والله أعلم بذلك، وليس إلى معرفة ذلك حاجة سوى أن فيه البشارة لهم النصر والطمأنينة بقلوبهم وإنباء أن حقيقة النصر إنما تكون بالله لا بأحد سواه.

### الآية 8:10

> ﻿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:10]

وذلك قوله تعالى :( وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) لا يبذله شيء، ولا يعجزه ( حكيم ) في أمره ونهيه ؛ لا يأمر بشيء، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه حكمة. 
وفائدة ما ذكر من بعث مدد ألف وثلاثة آلاف وما ذكر لطمأنينة قلوب أولئك المؤمنين وإلا فملك\[ في الأصل وم : ملك \] واحد كاف لهم، وإن كثروا لأنه يراهم، ولا يرونه. وإهلاك مثله سهل.

### الآية 8:11

> ﻿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ [8:11]

وقوله تعالى :( إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ذكر النعاس بعد شدة خوفهم، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف، ولا يغشاه إلا بعد الأمن. فذكر لطفه ومنته الأمن بعد شدة الخوف ذكر عظيم ما من عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم. والنعاس إنما يكون بعد الأمن بعد ما كان من حالهم ما ذكر حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ )\[ الأنفال : ٦ \]. 
وقوله تعالى :( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ذكر في بعض القصة أن المشركين سبقوا، فأخذوا الماء، فبقي المسلمون في رمل، لا تثبت أقدامهم، عطاشا\[ في الأصل وم : عطشا \]، فوسوس إليهم الشيطان إنهم لو كانوا على حق ما بلوا بمثل ذلك في رمل، لا تثبت أقدامهم، وعطش\[ في الأصل وم : عطشى \]. فأبدل الله تعال مكان الخوف أمنا يأمنون به، وأنزل عليهم ( مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ويشربوا\[ في الأصل : ويشربون \] /١٩٦-ب/ ويشد به الرمل، فتثبت أقدامهم. 
فذلك قوله تعالى :( إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ). 
قال أهل التأويل : وسوسة الشيطان التي يوسوس إليهم. وقيل : الرجز الإثم، ثم أذهبَ\[ في الأصل وم : ذهب \] ذلك عنهم كقوله تعالى :( رجسا )\[ التوبة : ١٢٥ \] أي\[ في الأصل وم : أو \] فسقا. 
وقوله تعالى :( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ذكر هذا، والله أعلم، على المبالغة ؛ أخبر أنه أنزل من السماء ما فضل عن حوائجهم حتى وجدوا ما يطهروا أنفسهم وأبدانهم، وأذهب\[ في الأصل وم : وذهب \] عنهم رجز الشيطان. ذكر السبب الذي به يذهب الرجز ؛ لأن الرجز هو العذاب. فذكر الرجز والمراد منه سبب الرجز. 
وقوله تعالى :( وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ) أي يشدها ( وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ ) يحتمل حقيقة تثبيت الأقدا، ويحتمل الثبات على ما هو عليه. والربط هو الشد لشيء. فيحتمل قوله ( وليربط على قلوبكم ) أي يشدها حتى لا يزال أحد عما هو فيه ولا يزيغ عن ذلك، وإن ابتلاه الله تعالى بأنواع الشدائد والبلايا. 
ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله :( كذلك لنثبت به فؤادك )\[ الفرقان : ٣٢ \] وقوله :( وليربط على قلوبكم )\[ الأنفال : ١١ \] وقوله :( وربطنا على قلوبهم )\[ الكهف : ١٤ \] وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه، فهو، والله أعلم، عقوبة لهم لما اختاروا ذلك. 
وقوله تعالى :( ويذهب عنكم رجز الشيطان ) قيل : وسوسة الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن المسلمين أصابهم ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم القنوط، \[ يوسوس لهم \]\[ في الأصل وم : يوسوهم \]، ويقول لهم : تزعمون أنكم أولياء اله، وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين، فأمطر الله عيهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون، وتطهروا، وأذهب عنهم رجز الشيطان، ونشف الرمل ؛ حين أصابه المطر مشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأمد الله عز وجل نبيه بألف من الملائكة بقوله :( بألف من الملائكة مردفين )\[ الأنفال : ٩ \].

### الآية 8:12

> ﻿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [8:12]

ثم قال :( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) الوحي كان يسمى وحيا لسرعة قذفه في القلوب ووقوعه فيها. ولذلك سمى، والله أعلم، وساوس الشيطان وحيا بقوله :( إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم )\[ الأنعام : ١٢١ \] أي يقذفون في قلوبهم، ويدعون إلى أشياء من غير أن علموا بذلك أنه ممن جاء ذلك ؟ وما سبب ذلك ؟ لسرعة قذفه ووقوعه في القلوب. وكذلك سمى الإلهام وحيا لسرعة وقوعه. قال تعالى :( وأوحى ربك إلى النحل )\[ النحل : ٦٨ \] وقيل : هو الإلهام ؛ أي ألهم النحل ( إن اتخذي من الجبال بيوتا )\[ النحل : ٦٨ \] وقال عز وجل :( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من واء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء )\[ الشورى : ٥١ \] أخبر \[ أن ليس \]\[ في الأصل وم : الناس \] له ( أن يكلمه الله إلا وحيا ) وهو ما ألهمه سمى وحيا لسرعة وقوعه في القلب وقذفه على غير علم منهم أنه من أين كان ؟ ومم كان ؟ 
وفيه دلالة أن غيره هو الذي أخطر ذلك في القلوب، وقذف فيها، لا أنه يحدث بنفسه على غير إخطار أحد ولا قذفه، فإن كان ما قذف فيه خيرا فهو من الملك، وإن كان شرا فهو من قذف الشيطان ووسوسته، ففيه دليل الملك والشيطان، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( إني معكم ) قيل :( أني معكم ) في النصر والعونة ودفع العدو عنكم. أو يقول ( إني معكم ) في التوفيق. ويحتمل أن يكون قوله :( إذ يوحي ربك إلى الملائكة ) أي أخبروا\[ في الأصل : أخبر \] المؤمنين ( أني معكم ) لما ذكرنا من النصر والمعونة والدفع. وقوله تعالى ( فتبتوا الذين آمنوا ) أمر ملائكته أن يثبتوا الذين آمنوا بالنصر والأمن بعد ما كانوا خائفين \[ فشلا جبناء \]\[ في الأصل وم : فشلين جبنين \] ؛ لما أجابوا ربهم مع ضعف أبدانهم وقلة عددهم أبدلهم\[ في الأصل وم : فأبدلهم \] الله مكان الخوف لهم أمنا ومكان الضعف القوة والنصر ومكان الذل العز، وأبدل المشركين مكان الأمن لهم خوفا ومكان العز الذل ومكان الكثرة الضعف والفشل. فذلك، والله أعلم، \[ معنى قوله \]\[ في الأصل : قوله، ساقطة من م \] :( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) وقوله ( فتبتوا الذين آمنوا ). وجائز أن يكون نفس نزول الملائكة تثبيتهم ؛ لأنهم سبب تثبيتهم، أو يثبتهم من غير أن علم المؤمنون بهم. 
وقوله تعالى :( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) قال قائلون : وقله ( فاضربوا فوق الأعناق ) إذا ظفروا بهم، ووقعوا في أيديهم، فعند ذلك يضرب فوق الأعناق، وهو الفصل الذي يبين الرأس بالضرب لم نهى عن المثلة. وفي الضرب في غير ذلك مثلة. 
ويحتمل قوله :( فاضربوا فوق الأعناق ) أي اضربوا الأعناق وما فوق الأعناق ( واضربوا منهم كل بنان )\[ معناه، والله أعلم، أي اضربوا على ما تهيا لكم من الأطراف وغيرها. وأما قوله ( واضربوا منهم كل بنان ) \]\[ من م، ساقطة في الأصل \] في الحرب لأنه لا سبيل في الحرب إلا\[ في الأصل وم : إلى \] أن يضرب ضرب\[ في الأصل وم : ضربا \] لا يكون مثَلَة. فكأنه قال : فاضربوا فوق الأعناق، إذا قدرتم عليهم، ووقعوا في أيديكم ( واضربوا منهم كل بنان ) كيف ما تقدرون وحيث ما تقدرون، والله أعلم.

### الآية 8:13

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:13]

وقوله تعالى :( ذلك ) يعني، والله أعلم، ذلك الضر والقتل ( بأنهم شاقوا الله ) أي حاربوا الله ( ورسوله ) والمشاقة الخلاف ؛ خالفوا الله ورسوله ( ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) في الآخرة.

### الآية 8:14

> ﻿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ [8:14]

وقوله تعالى :( ذلكم ) أي ذلكم العقاب والعذاب ( فذقوه وأن للكافرين عذاب النار ) بالخلاف لله ورسوله والمحاربة معهم.

### الآية 8:15

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ [8:15]

( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ) كان أول الأمر بالقتال ؛ وفرضه كان يدل الأنفس للهلاك ؛ لأنه ذكر الزحف، والزحف هو الجماعة \[ يزحفون إلى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] العدو الذي لا يجدُّ وليس للواحد القيام للجماعة، فكان فرض القتال بذل\[ في الأصل وم : البذل \] الأنفس للقتال. 
وعلى ذلك يخرج قوله :( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين )\[ الأنفال : ٦٥ \] وليس ي وسع الواحد القيام لعشرة، إذا أحيط به. 
ويجوز أن يفرض بذل الأنفس للقتال كقوله ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم )\[ النساء : ٦٦ \] أخبر أنه لو أمر بذلك امتحانا منهم لهم، فإن احتمل ما ذكرنا، كان قوله ( كأنما يساقون إلى الموت )\[ الأنفال : ٦ \] هو على التحقيق إذ إلى ذلك يساقون. 
ويحتمل وجها آخر، وهو أن الله عز وجل أمر بذلك ليكون آية، ويعرف كل واحد أنه قام بالله لا بقوة نفسه ؛ إذ ليس في وسع أحد القيام لعشرة أو لجماعة بقوته إذا أحيط به، فهو على الآية، إن كان فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

### الآية 8:16

> ﻿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [8:16]

وقوله تعالى :( فلا تولوهم الأدبار ) ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ) والمتحرف للقتال هو المنتقل من مكان إلى مكان للحرب، والمتحيز إلى فئة هو الملتجئ إلى فئة على جهة العود إليهم والحرب ؛ يقال : تحوَّزْتُ، وتَحَيَّزْتُ بالواو والياء جميعا، وهو نحو الحرب. وفي النهي عن الانهزام والتولي عن العدو إلا ما ذكر من التحرف للقتالن والتحيز إلى الفتنة، على جهة العود إليهم. 
ثم أخبر أن من ولى دبره بسوى ما ذكى ( فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) قالت المعتزلة : دل ما أوعد المتحرف بغير قتال والمتحيز إلى غير الفئة بقوله :( فقد باء بغضب من الله ) أن من ارتكب الكبيرة يخلد في النار لأنه ذكر في أول الآية المؤمنين، /١٩٧-أ / ولهم خرج الخطاب بقوله :( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا وحفا ) ثم أوعد لهم الوعيد الشديد ما يوعد أهل النار غير أهل الإيمان بارتكاب الكبيرة، ويخلد في النار. وقالوا : لا يجوز صرف الآية إلى أهل النفاق لما ذكر في القصة أنه لم يكن يوم بدر منافق. 
لكن هذا غلط. قال الله تعالى :( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم )\[ الأنفال٤٩ \] وإنما قالوا ذلك يوم بدر كذلك ذكر، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( إلا متحرفا لقتال أم متحيزا إلى فئة ) فإن كان المستثنى من قوله ( فقد باء بغضب من الله ) لم يكن فيه رخصة التولي، ولكن فيه دفع الوعيد الذي ذكر، وإن كان المستثنى من قوله ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ففيه رخصة التولي إلى ما ذكر. 
ثم الدلالة على أنه مستثنى من هذا دون الأول ما جاء من غير واحد من الصحابة تولية الدبر إلى ما ذكر. وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«أنا فئة لكل مسلم »**\[ أحمد٢ : ٩٩ \]. 
وبعد فإنه لم يكن لأهل الإسلام فئة يوم بدر، يتحيزون إليها، فدل أنها في المنافقين وأهل الكفر، والله أعلم. 
ثم يقال : يجوز أن يكون ما ذكر من الوعيد لمعنى في التولية عن الدين والإعراض لا لنفس التولية عن الدين ؛ إذ قد ذكر التولية عن الدين في آية أخرى والعفو عن ذلك، وهو وقوله تعالى :( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ) الآية\[ آل عمران : ١٥٥ \]. 
فإن قيل : لعل التوبة مضمرة فيه، فعفا عنهم، قيل : إن جاز أن يجعل التوبة مضمرة فيها جاز أن يضمر فيه التولية عن الدين الردة. فليست أولى بإضمار التوبة من هذه بإضمار الردة. 
وفي الآية معان، تدل على الإضمار إضمار ما يوجب الوعيد الذي ذكره، والله أعلم. 
أحدها : ذكر التحيز إلى الفئة، وإن لم يكن للمسلم فئة يتحيز إليها. فإذا تحيز إنما يتحيز ليصير إلى العدو، فهو الردة التي ذكرنا. 
الثاني : ما ذكر في بعض القصة أنه لما اصطف القوم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، فقال :**«يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا »**\[ مسلم١٧٦٣ \] ومن هرب أو ولى الدبر عن مثل تلك الحال لم يول إلا لقصد ألا يعبد الله فقد كفر. 
و الثالث : قد وعد لهم النصر والظفر على العدو، فمن ولى الدبر\[ في الأصل وم : عن الدبر \] لم يول إلا لتكذيب بالوعد الذي وعد لهم.

### الآية 8:17

> ﻿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:17]

وقوله تعالى :( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) قيل فيه بوجوه : يحتمل قوله :( فلم تقتلوهم ) أي لم تكن جراحاتكم التي أصابتهم بمصيبة المقتل، ولا عاملة في استخراج الروح ؛ ولا كانت قاتلة، ولكن الله تعالى صيرها قاتلة مصيبة عاملة في استخراج الروح ؛ لأن من الجراحات ما إذا أصابت لم تصب المقتل ولا تعمل في استخراج الروح. 
وقوله تعالى :( فلم تقتلوهم ) الآية يخرج على وجوه :
أحدها : أن العبد لا صنع له في القتل واستخراج الروح منه، إنما ذلك فعل الله، وإليه ذلك، وهو المالك لذلك، لأن الضربة والجرح قد يكون، ولا موت هنالك. وكذل الرمي ؛ ليس كل من أرسل شيئا من يده، وقد\[ في الأصل وم : وهو \] رمى، إنما يصير رميا بالله، إن شاء، السهم حتى يصل بطبعه المبلغ الذي يبلغ، فكأنه لا صنع له من الرمي. ألا ترى أنه لا يملك رد السهم إذا أرسله، ولو كان فعله ملك رده ؟ ولهذا قال أبو حنيفة، رحمه الله، إن الاستئجار على القتل باطل. 
والثاني : قتلوا بمعونة الله ونصره كما يقول الرجل لآخر : إنك لم تقتله، وإنما قتله فلان ؛ أي بمعونة فلان قتله. فعلى ذلك الأول. وقوله تعالى :( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) أي أصاب المقصد الذي قصدت، ولكن الله بالغ ذلك المقصد الذي قصدت. 
والثالث :\[ في الأصل وم : والثاني \] ( فلم تقتلوهم ) أي لم تطمعوا بخروجكم إليهم قتلهم ؛ لأنهم كانوا بالمحل الذي وصفهم من الضعف وشدة الخوف والذلة ( كأنما يساقون إلى الموت )\[ الأنفال : ٦ \] فإذا كانوا بالمحل الذي ذكر، فيقول، والله أعلم : لم تطمعوا بخروجكم إليه وقصدكم إياهم قتلهم لما كان فيكم من الضعف وقوة أولئك، ولكن الله أذلهم، وألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى قتلوهم. 
وكذلك قوله :( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) لا يطمع الإنسان برمي كف من تراب النكبة بأعدائه ( ولكن الله رمى ) حيث بلغ ذلك، غطى أبصارهم وأعينهم بذلك الكف من التراب على ما ذكر في القصة أنه رمى كفا من تراب، فغشى أبصار المشركين، فانهزموا لذلك. 
ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأفعال إلى نفسه وإضافتها إليه كما نسب، وأضاف كل خير ومعروف إلى نفسه. من ذلك قوله تعالى :( يمنون عليك أن أسلموا )الآية \[ الحجرات : ١٧ \] وقوله تعالى :( ولكن الله يهدي من يشاء )\[ البقرة : ٢٧٢ \] وقوله\[ في الأصل وم، وهو قوله \] تعالى :( اهدنا الصراط المستقيم )\[ الفاتحة : ٦ \] وغير ذلك من الآيات التي فيها إضافة الأفعال التي خلصت إلى الله، وصفت. فعلى ذلك نسب فعلهم إلى نفسه لخلوصه وصفاته. 
وقوله تعالى :( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) أي نعمة عظيمة حين \[ في الأصل وم : حيث ) نصرهم على عدوهم مع ضعف أبدانهم وعدتهم، وهو ما ذكر في هلاك فرعون وقومه أنه بلاء من ربكم عظيم بقوله تعالى :( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم )\[ البقرة : ٤٩ \] فعلى ذلك هذا، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( إن الله سميع ) لدعائكم الذي دعوتم وتضرعكم الذي تضرعتم إليه، وأن يقول :( سميع )، أي مجيب لدعائكم ( عليم ) بأقوالكم وأفعالكم ( ما يسرون وما تعلنون )\[ النحل : ١٩ و التغابن : ٤ \] والله أعلم.

### الآية 8:18

> ﻿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ [8:18]

وقوله تعالى :( ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ) قوله :( ذلكم ) أي ذلك كان بهم من القتل والأسر والهزيمة لما أوهن، وأضعف كيدهم، الله تعالى. 
ويحتمل أن يكون صلة قوله :( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) أي ذلك الإنعام والإبلاء الذي\[ من م، في الأصل : الذين \] من الله إليكم لما أوهن كيدهم. وذلك يكون في جملة المؤمنين ؛ ما من مؤمن إلا وله من الله إليه إبلاء وإنعام في كل حال، لا يوهنه\[ في الأصل وم : يهانه \] كيد الكافرين.

### الآية 8:19

> ﻿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [8:19]

وقوله تعالى :( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) الاستفتاح يحتمل وجوها ثلاثة : يحتمل الاستكشاف وطلب البيان، ويكون طلب الحكم والقضاء بين الحق والباطل ؛ يقال : فتح بكذا أي حكم به، وقضى فهو يخرج على وجهين : على طلب بيان المحق من المبطل وطلب بيان أحق الدينين بالنصر والحكم. فقد بين الله لهم أحق الدينين ما ذكر في القصة أن أبا جهل قال : اللهم اقض بيننا وبين محمد، وقال : اللهم أينا كان أوصل للرحم وأرضى عنك فانصره. ففعل الله ذلك، ونصر المؤمنين، وهزم المشركين، فنزلت هذه الآية. 
وقيل : إنه دعا : اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين فكان ما ذكرنا. فقد بين الله عز وجل أحق الدينين وأعز الجندين لما هزم المشركين مع قوتهم وعدتهم وكثرة عددهم بفئة ضعيفة ذليلة قليلة العدد وضعيفة الأبدان والأسباب. 
دل أنه قد بين لهم الأحق من غيره. 
وقيل : إنهم استفتحوا بالعذاب، وكان استفتاحهم ما ( قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم )\[ الأنفال : ٣٢ \] فجاءهم العذاب يوم بدر، وأخبرهم يوم أحد ( وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ) الآية. والاستفتاح هو ما ذكرنا. 
قال الحسن : الفتح القضاء. وكذلك قال قتادة ؛ قالا\[ في الأصل وم : قالوا \] :( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) القضاء في يوم بدر كقوله :( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) الآية\[ الأعراف : ٨٩ \] وقال /١٩٧-ب/ القتيبي : قوله تعالى ( إن تستفتحوا ) فاسألوا الفتح، وهو النصر ( فقد جاءكم الفتح ) وهو ما ذكرنا. 
وقوله تعالى :( وإن تنتهوا فهو خير لكم ) يحتمل قوله :( وإن تنتهوا ) عما كنتم ( فهو خير لكم ) يغفر لكم كقوله ( وإن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف )\[ الأنفال : ٣٨ \] وقيل :( وإن تنتهوا ) عن قتال محمد ( فهو خير لكم ) من أن ينتهي محمد من قتالكم. 
وقوله تعالى :( وإن تعودوا نعد ) يحتمل ( وإن تعودوا ) إلى قتال محمد نعد إليكم من القتل والقتال والأسر والقهر. ويحتمل ( وإن تعودوا نعد ) إلى البيان والكشف إلى ما كنتم من قبل البيان من التكذيب والكفر لمحمد، نعد إلى الانتقام والتعذيب كقوله ( ون يعودوا فقد مضت سنة الأولين )\[ الأنفال : ٣٨ \]. 
وقوله تعالى :( ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) بالنصر والمعونة. فإن قيل : ذكر أنه لن تغني عنكم فئتكم وكثرتكم، وقد أغناهم كثرتهم وفئتهم يوم أحد حين\[ في الأصل وم : حيث \] ذكر أن الهزيمة كانت على المؤمنين، قيل : هذا لوجهين :
أحدهما : أن عاقبة الأمر كانت للمؤمنين، وإن كانت\[ في الأصل وم : كان \] في الابتداء عليهم فلن يغني عنهم ذلك على ما ذكر، لأنه لو أغناهم ذلك لكان لهم الابتداء والعاقبة. 
والثاني : أنه لم تكن النكبة والهزيمة على المؤمنين إلا لعصيان منهم كقوله :( ولقد صدقكم الله وعده ) الآية\[ آل عمران : ١٥٢ \] فما أصاب المؤمنين من النكبات إنما كان بسبب كان منهم لا بالعدو. لذلك كان الجواب ما ذكر\[ في الأصل وم : ذكروا \] والله أعلم.

### الآية 8:20

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ [8:20]

وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ) أي ( أطيعوا الله ) في أمره ونهيه ( ورسوله ) في بيانه وفي ما دعا إليه. وقيل :( أطيعوا الله ) في فرائضه ( ورسوله ) في سنته وآدابه ( ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ) آياته وحججه.

### الآية 8:21

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [8:21]

\[ وقوله تعالى :( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) \]\[ ساقطة من م \] أي لا تكونوا في الإيمان والتوحيد والآيات ( كالذين قالوا سمعنا ) بذلك ( وهم لا يسمعون ) أي لا يجيبون، ولا يسمعون، ولا يؤمنون. 
ويحتمل أن يكون ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا ) الآيات والحجج ( وهم لا يسمعون ) أي لا ينتفعون بسماعهم، أو لا يعقلون كالدواب وغيرها. 
وقال أبو بكر الأصم : قوله :( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) استثقالا وبغضا أي لا يستمعون إليه، لأن من استثقل شيئا، وأبغض لم يستمع إليه كقوله :( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه )\[ فصلت : ٢٦ \].

### الآية 8:22

> ﻿۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [8:22]

وقوله تعالى :( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) تأويله، والله أعلم، إن الذي هو شر الدواب عند الله هو \[ الأصم الأبكم \]\[ في الأصل وم : الصم البكم \] لا ينتفع بسمعه ولا بلسانه\[ في الأصل بلسانه، في م : والبكم الذي لا ينتفع بلسانه \] ونطقه، وهم\[ في الأصل وم : لأنهم \] لم ينتفعوا بسمعهم لما جعل له السمع ولم ينتفعوا بنطقهم لما جعل له النطق، ولم ينتفعوا بعقلهم لما جعل له العقل ؛ فهم شر الدواب كقوله :( أولئك كالأنعام بل هم أضل )\[ الأعراف : ١٧٩ \] وأشر، لأن الدواب والأنعام انتفعت بهذه الحواس لما جعلت لها هذه الحواس عرفت بهذه الحواس المهالك والمضار، فتوقتها\[ في الأصل وم : فتوقت عنها \]، وعرفت اللاذ والنافع بها، فرغبت\[ في الأصل وم : فترغب \] فيها، فانتفعت\[ أدرج قبلها في الأصل وم : ونفع \] الدواب بالحواس التي جعلت\[ في الأصل وم : جعل \] لها لما جعلت، ولم تجعل لا هذه الحواس إلا للمقدار الذي عرفت، وفهمت، وانتفعت. 
وهؤلاء الكفرة لم ينتفعوال بالحواس التي جعلت لهم لما جعلت \[ وإنما جعلت لهم \]\[ في الأصل : وإنما جعلت لهم ذلك، في م : لهم ذلك \] ليعرفوا المنافع لهم اللاذ في العاقبة، فيعملوا لذلك، ويعرفوا الضار لهم في العاقبة والمهلك، فيتوقوه، فلم ينتفعوا بحواسهم لما جعلت الحواس، والدواب انتفعت بها لذلك كانوا أضل وأشر. 
وقوله تعالى :( إن شر الدواب ) الذين اكتسبوا الصمم الدائم والعمى الدائم، وذلك في الآخرة كقوله ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما )\[ الإسراء : ٩٧ \] وقوله :( اخسؤا فيها ولا تكلمون )\[ المؤمنون : ١٠٨ \] أي تركوا اكتساب البصر الدائم والسمع الدائم والحياة الدائمة. 
والباقي سماهم صما وبكما وعميا لم يكتسبوا بصر القلب ونطق القلب \[ وسمع القلب \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] فهذه هي الحواس التي تكون في الاكتساب، ولم يكتسبوها، إنما لهم الحواس الظاهرة، أو يقول :( إن شر الدواب ) التي لم ينتفع\[ في الأصل وم : ينتفعوا \] بالذي ذكر من الحواس، وتركب\[ في الأصل وم : وتركوا \] استعمالها، والله أعلم.

### الآية 8:23

> ﻿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [8:23]

وقوله تعالى :( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) قيل : نزلت الآية في المردة من الكفرة. وقال ابن عباس : هم نفر من بني \[ عبد \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الدار، كانوا يسألون رسول الله آية بعد آية، وقد أعطاهم \[ الله \]\[ ساقطة من الأصل وم \] آية بعد آية قبل ذلك، فلم\[ الفاء ساقطة من الأصل وم \] يقبلوها، فقال تعالى ( ولو علم الله فيهم خيرا ) أنهم يقبلون جواب المسائل التي سألوا لأوحى إليهم ولأسمعهم، ولكن علم أنه وإن أسمعهم جواب مسائلهم لا يقبلون. 
وقالت المعتزلة : دلت الآية أنه قد كان أعطاهم جميع ما كان عنده، لكنهم لم يقبلوا لأنه قال :( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) فدل أنه لم يكن عنده ما يعطي، وإلا لو كان ذلك عنده ما يقبلون لأسمعهم. 
لكن هذا بعيد لأنه لم يقل : لو عمل الله خيرا لأسمعهم، ولكن قال :( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) فإنما نفى أنه\[ من م، في الأصل : لهم \] ليس عند الله خير. والوجه فيه ما ذكرنا أنه لو علم فيهم خيرا يعلمون به لأوحى إليهم، وأسمعهم، ولكنه علم أنهم لا يقبلون بقوله :( ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) أي مكذبون جواب ما سألوا تعنتا وتمردا منهم، وأخبر أنهم يسألون سؤال تعنت وتمرد لا سؤال استرشاد.

### الآية 8:24

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [8:24]

وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) قال بعضهم : هذه الآية صلة قوله :( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون )\[ الأنفال : ٥ \] يقول، والله أعلم ( استجيبوا لله وللرسول ) إلى ما يدعوكم، وإن كانت أنفسكم تكره الخروج لذلك لقلة عددكم وضعف أبدانكم وكثرة عدد العدو وقوتهم. 
وقوله تعالى :( إذا دعاكم لما يحييكم ) بالذكر والشرف والثناء الحسن في الدنيا والحياة في الآخرة اللذيذة الدائمة، أي\[ في الأصل وم : و \] إن متم، وهلكتم في ما يدعوكم إليه، يكن\[ في الأصل وم : يكون \] لكم في الآخرة حياة الأبد. 
ويحتمل أن تكون الآية في جملة المؤمنين ؛ أي ( استجيبوا لله ) في أموره ونواهيه ( وللرسول ) في ما يدعوكم إليه ؛ وإنما كان يدعو إلى دار الآخرة كقوله تعالى :( والله يدعوا إلى دار السلام )\[ يونس : ٢٥ \] ودار الآخرة هي دار الحياة كقوله تعالى :( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون )\[ العنكبوت : ٦٤ \] كأنه قال، والله أعلم :( استجيبوا لله وللرسول ) فإنه إنما دعاكم إلى ما تَحْيَون فيها ليس كالكافر الذي ( لا يموت فيها ولا يحيى )\[ طه : ٧٤ والأعلى : ١٣ \] بتركه الإجابة. 
وقوله تعالى :( واعلموا أن الله يحول ين المرء وقلبه ) أمكن أن يخرج هذا على الأول ؛ أي اعلموا ( أن الله يحول بين المرء وقلبه ) يجعل القوي ضعيفا والعزيز ذليلا والضعيف قويا والذليل عزيزا والشجاع جبانا والخائف أمينا والآمن خائفا. فأجيبوا الرسول بالخروج للجهاد. وإن كنتم تخافون لضعفكم وقوتهم. 
ويحتمل في جملة المؤمنين : أن من استجاب لله وللرسول إذا دعاه يجعل قلبه هو الغالب على نفسه والحائل بينه وبين ما تدعو إليه \[ النفس، وإذا ترك الإجابة يجعل نفسه هي الحائلة بينه وبين ما يدعو إليه \]\[ من م، ساقطة من الأصل \]، والداعية إلى ذلك ( وأنه إليه تحشرون ) وقيل :( استجيبوا لله وللرسول ) بالطاعة في أمر القتال ( إذا دعاكم ) إلى الحرب ( لما يحييكم ) يعني بالحرب التي أعزكم الله يقول : أحياكم الله بعد الذل، وقواكم بعد الضعف. وكان ذلك حياة. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) يخرج على وجهين : يحول بين قلب المؤمن \[ وبين الكفر \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ويحول بين الكافر وبين الإيمان. 
وقوله تعالى :( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) يخرَّج على وجهين. 
أحدهما : يستعجل التوبة قبل أن ينزل به الموت، \[ كأنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يقول : أجيبوا الله والرسول قبل أن يحال بين المرء وبين التوبة بالموت. 
والثاني :( يحول بين المرء وقلبه ) بالأعمال التي يكتسبها، ينشئ بالفعل\[ في الأصل وم : الفعل \] الذي يفعله طبع قلبه وختمه، وينشئ ظلمة تحول بينه وبين ما يقصده، ويدعى إليه، والله أعلم.

### الآية 8:25

> ﻿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:25]

وقوله تعالى :( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) قال بعضهم :( لا ) صلة زائدة ؛ كأنه قال :/١٩٨-أ/ ( واتقوا فتنة ) تصيب\[ في الأصل وم : تصيبن \] ( الذين ظلموا منكم خاصة ) أي اتقوا فتنة الذين تصيب الظلمة منكم بظلمهم، وهو العذاب كقوله تعالى :( واتقوا النار التي أعدت للكافرين )\[ آل عمران : ١٣١ \] فعلى ذلك قوله ( واتقوا فتنة ) تصيب\[ في الأصل وم : تصيبن \] ( الذين ظلموا ) في الآخرة، وهو العذاب. وذلك جائز في الكلام، نحو ما قرأ بعضهم قوله ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون )\[ الأنعام : ١٠٩ \] بكسر الألف وطرح ( لا )\[ إنها إذا جاءت يؤمنون \]\[ من م، ساقطة من الأصل، انظر معجم القراءات القرآنية ج٢/٣٠٨ وحجة القراءات ص٢٦٥ \] أي إنها وإن جاءت لا يؤمنون. 
وأما على إثبات ( لا ) فإنه يحتمل وجوها. 
قيل :( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ) أي اتقوا أن تكونوا فتنة للذين ظلموا كقوله تعالى :( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) لئلا يقولوا : لو كانوا على حق ما غلبوا، ولا قهروا ولا انتصروا منهم. 
وقيل : قوله تعالى :( واتقو فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ) نهى الأتباع منهم ألا يسعوا\[ في الأصل وم : يسمعون \] في ما بين الظلمة بالفساد، ولا يغري بعضهم على بعض، فيقع في ما بينهم الفساد، فيكون هؤلاء الأتباع فتنة للذين ظلموا بإغراء بعضهم على بعض. وذلك معروف في ما بين الخلق في الظلمة، يغري بالأتباع بعضهم على بعض، فذلك فتنة. 
ويحتمل وجها آخر ؛ هو أن الله تعالى يغير الأحوال في الخلق مرة سعة وخصبا ومرة قحطا وضيقا ومرة غلبة للعدو\[ في الأصل وم : العدو \] على الأولياء، ونحوه. 
ويدفع العذاب عن الظلمة بمن لم يظلم ما لم يشاركوا الظلمة. فإذا شاركوا أولئك يحل بأولئك \[ العذاب \]\[ ساقطة من الأصل وم \] بظلمهم وأهل الصلاح والعدل بتركهم الظلمة وأهل الفساد\[ أدرج بعدها في الأصل : عن الظلم والفساد \]، ولهم قوة المنع لهم عن ذلك. فيقول ( لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ولكن تصيبهم، وتصيبكم، فقال :( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين منكم ) أخذ الظلمة بالعذاب لمشاركة أهل العدل أولئك، فيكونون فتنة لهم كقوله تعالى :( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض )\[ البقرة : ٢٥١ \]، أي\[ في الأصل وم : أو أن \] يدفع عن الظلمة البلاء والعذاب ما دام أهل العدل يأمرونهم بالمعروف ويعيرونهم\[ في الأصل وم : ويغيرون عليهم \] المنكر، فإذا \[ تركوهم، وهم لا يعيِّرونهم \]\[ في الأصل وم : تركوا ولا يغيرون عليهم \] المنكر، ترك بهم البلاء \[ فيعمهم البلاء \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] الظالم وغيره. 
والفتنة على وجهين ؛ فتنة الجزاء جزاء أعمالهم، وذلك يأخذ أهله خاصة، وفتنة المحنة وذلك يعم الخلق، و الله أعلم.

### الآية 8:26

> ﻿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [8:26]

وقوله تعالى :( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ ) الآية، عن أهل الإسلام في ابتداء الأمر كانوا قليلي العدد مستضعفين عند الكفرة حتى كانوا يخافون أن يسلب الكفرة أزواجهم، وكانوا لا يأمنون على أنفسهم بالمقام في البلدان لقلة عددهم وضعفهم خوفا على أنفسهم وإشفاقا، فتركوا المقام بالبلدان، وخرجوا إلى الجبال والغيران، فأقاموا فيها، وأكلوا الحشيش والكلأ طعام الأنعام خوفا على أبدانهم وإشفاقا على دينهم. 
ثم إن الله عز وجل، آواهم، وأنزلهم في البلدان والأمصار، وأيدهم، ونصرهم على عدوهم، ورزقهم الطيبات طعام البشر بعد ما أكلوا الحشيش طعام البهائم\[ من م، في الأصل : البشر \] ( لعلكم تشكرون ) ليلزمهم الشكر على ذلك. ولا يجوز لهم ألا يشكروا بعد ما أصابوا. ذكر هذا، والله أعلم بنا، لنكون نحن من الإشفاق في الدين مثل أولئك حين هربوا منهم، واتخذوا الجبال والغيران بيوتا والحشيش طعاما، وتركوا أموالهم ونعمهم، ورضوا بذلك إشفاقا على دينهم. 
وقال عامة أهل التأويل : نزلت الآية في أهل بدر، وكانوا قليلي\[ في الأصل وم : قليل \] العدد والعدة ضعيفي\[ في الأصل وم : ضعيف \] الأبدان، والعدو كثير العدد وقوي الأبدان، فاشتد عليهم الخروج لذلك كقوله تعالى :( كما أخرجك ربك من بيتك ) الآية\[ الأنفال : ٥ \] فكيف ما كان ففيه ما ذكرنا، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون ) أي إذ كنتم قليلا. وفيه دلالة لقول أبي حنيفة، رحمه الله، في من قال : هذا الشيء لفلان، اشتريه منه، صدق، ويصير كأنه قال : هذا الشيء كان لفلان \[ اشتريه \]\[ من م، ساقطة في الأصل \] منه ؛ دليله قوله تعالى :( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون ) أي إذ كنتم قليلا، وقوله تعالى :( وأيدكم بنصره ) على هذا التأويل بالملائكة ( ورزقكم من الطيبات ) المغانم التي رزقهم، وأحل لهم.

### الآية 8:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [8:27]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ) جعل الله عز وجل، هذه الأمة وسطا عدلا بقوله :( جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس )\[ البقرة : ١٤٣ \] فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا قد جعلكم الله أمة عدلا وسطا، فلا تخونوا الله فيه كقوله :( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ) الآية\[ النساء : ١٣٥ \] وقال تعالى :( ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )\[ المائدة : ٨ \] وقال :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض )\[ الأحزاب : ٧٢ \] أخبر أنه ألزمهم الأمانة ؛ أعني البشر دون ما ذكر من الخلائق. 
ثم منهم من ضيع تلك الأمانة تلك الأمانة من نحو المنافقين والمشركين، وخانوا فيها، فلحقهم الوعيد بالتضييع، وهو قوله تعالى :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات ) الآية\[ الأحزاب : ٧٣ \] فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا قد قبلتم أمانة الله فلا تضيعوها، ولا تخونوا فيها كما قال :( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم )\[ النحل : ٩١ \] \[ وقال \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ( وأفوا بعهدي أوف بعهدكم )\[ البقرة : ٤٠ \] وغيرها من الآيات التي فيها ذكر الأمانات. نهاهم أن يخونوا فيها، فيكونوا\[ في الأصل وم : فيكونون \] كأنهم خانوا أمانتهم. 
ويحتمل قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم ) أن أنفسكم وأموالكم لله، وهي عندكم أمانة، استحفظكم فيها، فلا تستعلموها في غير ما أذن لكم ؛ لأن من استحفظ أحدا في شيء، ووضع عنده أمانة، فاستعملها في غير ما أذن له، صار خائنا فيها مضيعا\[ في الأصل وم : صامنا \] فعلى ذلك أنفسكم وأموالكم لله عندكم أمانة، استحفظكم فيها، فإذا استعملتموها\[ في الأصل وم : استعملتم \] في غير ما أذن لكم فيها خنتم الله والرسول فيها، فتخونون\[ في الأصل وم : فتخونوا \] أماناتكم التي لكم عند الله إذا ضيعتم الأمانة كقوله تعالى :( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم )\[ البقرة : ٤٠ \]. 
وقال بعضهم : قوله :( وتخونوا أماناتكم ) التي في ما بينكم. 
وأصله أن الله عز وجل امتحنهم لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فيصيرون في ما خانوا في ما امتحنهم كأنهم\[ في الأصل وم : كانوا \] خانوا أنفسهم، وخانوا أماناتهم كقوله تعالى :( وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )\[ البقرة : ٥٧ \] وقوله تعالى :( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها )\[ الإسراء : ٧ \] وقوله تعالى :( من عمل صالحا فلنفسه )الآية\[ فصلت : ٤٦ \]. 
ثم خيانة المنافقين والمشركين في الدين، وخيانة المؤمنين في أفعالهم، وعد لهم التوبة عن خيانتهم، ووعد أولئك على ما خانوا بقوله تعالى :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات )\[ الأحزاب : ٧٣ \]. 
وقوله تعالى :( وأنتم تعلمون ) أن أنفسكم وأموالكم ليست لكم، إنما هي لله عندكم أمانة، فلا تخونوا فيها. 
وعن ابن عباس :\[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : الأمانة الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد ؛ يعني الفريضة. يقول : لا تخونوا الله، أي لا تنقضوا. 
ثم اختلف أهل التأويل في نزول الآية : قال بعضهم : نزلت في أبي لبابة \[ ابن عبد المنذر \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ؛ وذلك ما قيل في بعض القصة : إن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة، فسألوا الصلح على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات، فأبى النبي إلا أن ينزلوا على الحكم، فأبوا، وقالوا\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] : فأرسل إلينا أنا لبابة، وكان مناصحهم، فبعثه النبي إليهم. فلما أتاهم قالوا : يا أبا لبابة أننزل على حكم محمد، فأشار أبو لبابة بيده ؛ أي لا تنزلوا على الحكم، فأطاعوا. وكان أبو لبابة، ماله وولده معهم /١٩٨-ب/ن فخان المسلمين. 
\[ وقيل : نزلت \]\[ في الأصل وم : فنزلت \] الآية في شأن حاطب بن \[ أبي \]\[ ساقطة من الأصل وم \] بلتعة، فعل ما فعل أبو لبابة. وقيل : نزلت في شأن قوم، بينهم وبين رسول الله عهد الذين كانوا يعبدون الأصنام. لكنا لا ندري في شأن من نزلت ؟ وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى أن فيه ما ذكرنا من النهي في الخيانة في أمانة الله تعالى والأمر بحفظها، والله أعلم.

### الآية 8:28

> ﻿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [8:28]

وقوله تعالى :( واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي لم يعطهم الأولاد والأموال لعبا وباطلا، أي ليكون\[ من م، في الأصل ليكونوا \] لهم الأموال والأولاد، ولكن أعطاهم محنة وابتلاء. وكذلك جميع \[ ما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أنشأ في الدنيا من الأشياء إنما أنشأه\[ الهاء ساقطة من الأصل وم \] لنا فتنة ومحنة كقوله تعالى :( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع )الآية\[ البقرة : ١٥٥ \] وقوله تعالى :( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون )\[ الأنبياء : ٣٥ \] وقوله\[ في الأصل وم : وقال \] تعالى :( وبلوناهم بالحسنات والسيئات )الآية\[ الأعراف : ١٦٨ \] وغيرها\[ في الأصل وم : أو غيره \] من الآيات يدل أن جميع ما أنشأ فتنة ومحنة، يمتحن به البشر بقوله تعالى :( أنما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي محنة وابتلاء امتحنا به في أنواع التأديب والتعليم والحفظ والحقوق التي جعلها عليهم، وهو كقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم )الآية \[ التحريم : ٦ \] وأوجب في الأموال حقوقا، امحنا بأداء تلك الحقوق التي فيها. وكذلك في جميع ما أمر الله به الخلائق بأمور، ونهاهم. إنما أمر ونهى لمنفعة الخلائق ودفع الضرر عنهم لا لمنفعة نفسه\[ في الأصل وم : أو ضررا أو حاجة دفع به عن نفسه \] ؛ إذ له ملك ما في السموات والأرض، وهو العزيز بذلك بذاته، لا تمسه حاجة، يتعالى عن ذلك. 
وقوله تعالى :( وأن الله عنده أجر عظيم ) لمن \[ لم \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] يخن الله والرسول وعد لهم الأجر العظيم إذا قاموا بوفاء ما امتحنهم الله، وابتلاهم به من الأولاد حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( وأن الله عنده أجر عظيم ).

### الآية 8:29

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [8:29]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ) قال بعض أهل التأويل : إن هذه الآية صلة ما سبق من الأمر بالجهاد ببدر والخروج إليه ؛ كأنه قال :( إن تتقوا الله ) وأطعتم الله، وأجبتم له من ما دعاكم إليه، ( يجعل لكن فرقانا ) أي يجعل خروجكم إليه جهادكم آية عظيمة، يظهر به المحق من المبطل كقوله تعالى :( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته )\[ الأنفال : ٧ \] وقوله\[ في الأصل وم : وقال \] تعالى ( ليحق الحق ويبطل الباطل )\[ الأنفال : ٨ \] أي يظهر الحق من الباطل. 
وقد كان بحمد الله ذلك، وبان الحق من الباطل، والمحق من المبطل. وقيل : قوله تعالى :( فرقانا ) أي مخرجا في الدين من الشبهات. وقيل : مخرجا من الدنيا والآخرة. 
ويحتمل ( فرقانا ) أي بيانا لما ذكرنا : جعل الله تعالى التقوى مشتملا على كل خير وأصلا لكل بر، وصيره مخرجا من\[ في الأصل وم : لمن \] كل ضيق وشدة، وجعله سبيلا، ثم يوصل به إلى كل لذة وسرور، وينال به كل خير وبركة على ما ذكر في غير آية\[ في الأصل وم : أي \] من القرآن. 
وقوله تعالى :( ويكفر عنكم سيئاتكم ) التي سبقت ( ويغفرلكم ) أي يستر عليكم ذنوبكم، لا يطلع أحدا عليها، وذلك من أعظم النعم. وأصل المغفرة الستر. وقوله تعالى :( والله ذو الفضل العظيم ) أي عند الله فضل ؛ يعطيكم خيرا مما تطمعون.

### الآية 8:30

> ﻿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [8:30]

وقوله تعالى :( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) من الناس من يقول بأن هذه الآية صلة قوله تعالى :( إذ أنتم مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس )\[ الأنفال : ٢٦ \] كانوا ضعفاء أذلاء، في ما بين الكفرة خائفين في ما بينهم، فهموا أن يمكروا برسول الله. والمكر به ما ذكر من القتل والإثبات، وهو الحبس أو الإخراج. كأنهم تشاوروا في ما بينهم، واستأمروا ما \[ يفعلون به \]\[ في الأصل وم : يفعل بهم \]. 
فذكر في القصة أن بعضهم أشاروا إلى القتل، وبعضهم إلى الحبس، وبعضهم بالإخراج، فكانت مشاورتهم وأمرهم رجعت إلى أحد هذه الوجوه ؛ إما القتل وإما الحبس \[ وإما الإخراج \]\[ ساقطة من الأصل وم \]. 
ثم أخرج الله رسوله من بين أظهرهم على الوجه الذي يكون مطيعا لله متعبدا له في ما كان خروجه بأمره، فيكون خروجه على غير الجهة التي أرادوا هم به. وسمى خروجه هجرة، ليعلموا أنه إنما \[ علم \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] بكيدهم ومكرهم به بالله ليكون آية من آيات نبوته ورسالته خروجه\[ في الأصل وم : بعد خروجه \] من بين أظهرهم، ومفارقته إياهم كما كان له من الآيات وقت مقامه بين أظهرهم. 
وهو كما كان لعيسى آيات وقت مقامه بين أظهرهم، وآية كانت له بالرفع بعد مفارقته قومه. فعلى ذلك الأول، ولو كانوا يتوافقون\[ في الأصل وم : يتوافقوا \] بما ذكرنا من القتل أو الحبس دون الإخراج لم يكن ليخرج رسوله من بين أظهرهم، وهم قد هموا بإخراجه، واله أعلم. 
وفي قوله تعالى :( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ) إلى آخر ما ذكر تذكير ما أنعم الله على رسوله وأصحابه لأنه آواهم إلى الأمن بعد ما كانوا خائفين فيهم، وأنزلهم المدينة بعد ما كانوا في الغيران في الجبال هاربين منهم، ورزقهم من الطيبات طعام البشر بعدما كانوا يتناولون من طعام البهائم والسباع، يذكر نعمه عليهم باستنقاذه إياهم من بين ظهرانيهم والحيلولة بينه وبين ما قصدوا، وهموا بالمكر به والهلاك. 
\[ وفي قوله تعالى \]\[ في الأصل وم : بقوله \] :( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )\[ وجوه في الاحتجاج \]\[ في الأصل وم : فيه من الوجوه احتجاجا \] عليهم. 
أحدهما : ما ذكرنا أنهم تشاوروا في ما بينهم بالمكر له، ولم\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] يطلعوا أحدا، ثم علم ذلك، فخرج\[ أدرج قبلها في الأصل وم : هو \]، ليعلموا أن الله هو الذي أطلعه على ذلك. 
والثاني :\[ كانوا يخوفون \]\[ في الأصل وم : كان يخوفهم \] الهلاك بمكرهم برسوله، فخرج من بينهم من غير أن أصابه ما هموا به. 
والثالث\[ في الأصل وم : و \] : قد أصابهم من الهلاك الذي \[ كانوا يخوفون به \]\[ في الأصل وم : كان يخوفهم \]، وحل بهم ما كانوا قصدوا\[ في الأصل وم : به وقصدوه \]. وذلك ما ذكر من مكر الله بهم. 
وقوله تعالى :( ويمكر الله والله خير الماكرين ) قال بعضهم : أرادوا بمكرهم شرا، وهو أن يطفئوا هذا النور ليذهب هذا الدين، وتدرس آثاره. وأراد الله أن يسلم منهم نفر ليكونوا أعوانا ونصرا له ليأخذوا بذلك، فهو خير الماكرين. 
وقيل :( ويمكرون ويمكر الله ) أي أرادوا قتله ( ويمكر الله ) أراد قتلهم، فقتلهم ببدر ( والله خير الماكرين ) أي أفضل مكرا منهم، غلب مكره مكرهم. وقال بعضهم قوله ( ويمكرون ويمكر الله ) أي يجزيهم جزاء مكرهم.

### الآية 8:31

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [8:31]

وقوله تعالى :( وإذا تتلى عليهم آياتنا ) يحتمل قوله :( آياتنا ) آيات القرآن التي كان يتلو رسول الله وتحتمل ( آياتنا ) حججه وبراهينه التي توجب التوحيد وتصديق الرسل. 
وقوله تعالى :( قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ) قالوا ذلك متعنتين إذ\[ في الأصل وم : إذا \] كان يقرع أسماعهم قوله تعالى :( لئن اجتمعت الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله )\[ الإسراء : ٨٨ \] وقوله تعالى :( فاتوا بسورة من مثله )الآية\[ البقرة : ٢٣ \] ثم لم يكن يطمع أحد منهم أن يأتي بمثله لو تكلفوا ذلك. دل أن قولهم ( لو شاء لقلنا مثل هذا ) تعنت وعناد ( إن هذا إلا أساطير الأولين ) كذلك كان يقول العرب : إنه أساطير الأولين.

### الآية 8:32

> ﻿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [8:32]

وقوله تعالى :( وإذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ ) الآية ؛ يذكر نهاية سفههم وغاية جرأتهم على الله وبغضهم الحق مع علمهم أن الله هو الإله، وأنه قادر على إنزال العذاب، وله السلطان على إمطار الحجارة بقولهم ( فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) فلم ينالوا هلاك أنفسهم لشدة سفههم وجرأتهم على الله وبغضهم الحق. 
\[ وذكر هذا \]\[ في الأصل وم : وهذا ذكر \] والله أعلم، ليعلم الناس ما لحق رسول الله بدعائه هؤلاء السفهاء إلى دين الله لم ينالوا هلاك أنفسهم لشدة بغضهم الحق وجرأتهم على الله /١٩٩-أ/، وتحمل\[ في الأصل وم : ويتحمل \] منهم من العظيم.

### الآية 8:33

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [8:33]

وقوله تعالى :( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) يحتمل قوله :( وأنت فيهم ) أي في جملة المؤمنين أنه لا يعذب أحدا في الدنيا ما دام هو فيهم، ومادام \[ فيهم مؤمن لقوله تعالى \]\[ في الأصل وم : مؤمن فيهم بقوله \] :( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) أي يؤمنون، وهو\[ في الأصل وم : وهم \] كما ذكر أنه أرسله رحمة بقوله :( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )\[ الأنبياء : ١٠٧ \] ومن رحمته ألا يعذب أحدا من أمته في الدنيا، إنما يؤخر ذلك إلى يوم التنادي بقوله :( إنما نؤخرهم ليوم )\[ إبراهيم : ٤٢ \] كذا وقوله :( والساعة أدهى وأمر )\[ القمر : ٤٦ \]. 
ويحتمل أن يكون قوله :( وأنت فيهم ) في أهل مكة خاصة ؛ إنه لا يعذبهم مادام فيهم أحد من المسلمين من نحو النساء والذراري كقوله ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم )الآية\[ الفتح : ٢٥ \] أي لا نعذبهم وأنت يا محمد فيهم ؛ أي بين أظهرهم حتى نخرجك من بينهم. 
\[ وقيل \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) أي يصلون، وقيل : يؤمنون. 
وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه ولكن يعذبهم تعذيب القتال والجهاد، ولا يعذبهم استئصال على ما أهلك\[ في الأصل وم : هلك \] سائر الأمم. 
ثم إن المعتزلة تعلقت بظاهر قوله تعالى :( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) أي سيؤمنون، أي لا يعذبهم مادام يعلم أن فيهم أحدا يؤمن في آخر عمره، أو من قولهم : ألا يجوز الله أن يهلك أحدا إذا كان في علمه أنه سيؤمن في آخر عمره لقولهم في الأصلح : إن الله لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدين. فعلى ذلك تأولوا ظاهر هذه الآية أنه لا يعذبهم، وهم يستغفرون ؛ أي سيؤمنون. 
لكن لو كان كما قالوا لكان لا يجوز الجهاد معهم أبدا، ويسقط الأمر بالقتال ؛ إذ لعل فيهم من يسلم، فإذن أمره بالجهاد والقتال معهم دل أن ذلك ليس ما توهموا، والله أعلم. 
وقال بعضهم في قوله :( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) أي وهم يدخلون في الإسلام. وقيل : يسلمون. 
وقال بعضهم :( وهم يستغفرون ) بقية من بقي في مكة من المسلمين، فلما خرجوا منها قال :( وما لهم ألا يعذبهم الله )الآية\[ الأنفال : ٣٤ \]. 
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : فيكم أمانان، أحدهما : رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الله :( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) والآخر : الاستغفار لقول الله :( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) قال : فذهب أمان، وهو رسول الله، وبقي أمان، وهو الاستغفار. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : إن الله جعل في هذه الأمة أمانين، لا يزالون معصومين\[ في الأصل وم : معصومون \] من قوارع العذاب مادام بين أظهرهم ؛ فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيهم\[ في الأصل وم : فيكم \]، وهو الاستغفار الذي ذكر. 
وروي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كان ساجدا في آخر سجوده في صلاة \[ آية الكسوف \]\[ في الأصل وم : الآيات \]، فقال : أف أف، فقال : رب ألم تعدني ألا تعذبهم، وأنا فيهم ؟ رب ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون ؟ »**\[ بنحوه أبو داوود١١٩٤ \]. 
وعن بعضهم : أمانان أنزلهما الله ؛ أما أحدهما فمضى، وهو نبي الله، وأما الآخر فأبقاه الله تعالى بين أظهركم، وهو الاستغفار والتوبة. 
وفي إثبات قول السفهاء ودعائهم بإمطار الحجارة عليهم وجعل ذلك \[ الاستغفار \]\[ ساقطة من الأصل وم \] كتابا يتلى في الصلوات أوجه ثلاثة من الحكمة :
أحدها : تعريف لهذه الأمرة المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا\[ في الأصل وم : أنهم إنما \] تمادوا في غيهم، واستقبلوا بالمكروه والأذى، ألا يترك الأمر لهم بالمعروف، ولا ييأس من خيرهم اقتداء بالنبي أنه لم يترك دعاءهم وأمرهم بالمعروف مع شدة سفههم وتمردهم. 
والثاني : ليعلم الخلق أن حجة الله تلزم العباد، وإن كانوا قد جهلوا إذا كان لتضييع جاء من قبلهم في ترك النظر والتفكر ؛ إذ لو علموا حقيقة العلم أنه الحق لم يكونوا ليدعوا على أنفسهم بالهلاك. 
والثالث : يكون فيه بيان.

### الآية 8:34

> ﻿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [8:34]

وقوله تعالى :( وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أي ما لهم من عذر في صرف العذاب عن أنفسهم ؛ إذ قد كان منهم من أنواع ما كان، لو كان واحد من ذلك لكانوا يستوجبون العذاب، من تكذيبهم الرسول والآيات التي أرسلها إليهم وصدهم الناس عن المسجد الحرام، وهو مكان العبادة، وسؤالهم بقولهم :( فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم )\[ الأنفال : ٣٢ \] أي ليس لهم عذر في صرف العذاب عن أنفسهم، والاحتجاج على الله أنه لم يرسل رسولا بقولهم :( لولا أرسلت إلينا رسولا )الآية\[ طه : ١٣٤ \] بل أرسل إليهم الرسول فكذبوه، وبعث إليهم الآيات فكذبوها، وصدوا الناس عن المسجد الحرام. 
قلا عذر لهم في وجه الوجوه أن يصرف العذاب إلا ن الله بفضله ورحمته يصرف العذاب عنهم ببركة النبي صلى الله عليه وسلم واستغفار المؤمنين. وإلا قد كان منهم جميع أسباب العذاب التي يستوجبون الحرام. 
فلا عذر لهم في وجه من الوجوه أن يصرف العذاب إلا أن الله بفضله ورحمته يصرف العذاب عنهم ببركة النبي عليه السلام واستغفار المؤمنين. وإلا قد كان منهم جميع أسباب العذاب التي يستوجبون بها. 
وقوله تعالى :( وهم يصدون عن المسجد الحرام ) أي عن الصلاة فيه. ويحتمل أن يكون صدهم\[ في الأصل وم : صدوا \] الناس عن رسول الله، لكنه ذكر المسجد لما كان رسول الله فيه لئلا يروا رسول الله، فيتبعوا. 
وقوله تعالى :( وما كانوا أولياءه ) أي لم يكونوا ليصرفوا العذاب عن أنفسهم بالولاءة، وهو صلة قوله :( وما لهم ألا يعذبهم ) وهم ليسوا بأوليائه. 
ويحتمل قوله :( وما كانوا أولياءه ) أنهم كانوا يصدون الناس عن المسج الحرام لما ادعوا أنهم أولياؤه، وأنهم أولى بالمسجد الحرام. ثم أخبر أنهم ليسوا أولياءه، إنما أولياؤه المتقون الذين اتقوا لما أتاهم، وأولياؤه الموحدون لا الذين أشركوا غيره في عبادته وألوهيته.

### الآية 8:35

> ﻿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [8:35]

وقوله تعالى :( وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ) قال بعضهم : كان أحسن حالهم التي هم عليها في حال الصلاة. فإذا كانت\[ في الأصل وم : كان \] صلاتهم مكاء وتصدية فكيف حالهم في غير الصلاة ؟ 
وقال بعضهم : قوله :( وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا ضلوا في المسجد الحرام قامت طائفة من المشركين عن يمين النبي وأصحابه، فيصفرون كما يصفر المكاء، وطائفة تقوم عن يساره، فيصفقون بأيديهم ليخلطوا على النبي وأصحابه صلاتهم. فنزل قوله تعالى :( وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ). 
ثم اختلف في المكاء والتصدية. قال بعضهم : المكاء هم مثل نفخ البوق، والتصدية هو طوافهم على الشمال. 
وقال القتبي : المكاء الصفير ؛ يقال : مكا يمكو، وهو مثل ما قيل للطائر : مكا ؛ لأنه يمكو أي يصفر ؛ يعني يصوت والتصدية هي\[ في الأصل وم : هو \] التصفيق ؛ يقال : صدى إذا صفق بيديه. 
وقال أبو عوسجة : المكاء شبه الصفير، والتصدية ضرب باليدين، وهو من الصدى من الصوت. وقيل : المكاء صفير كان أهل الجاهلية يلعبون به، والتصدية الصد عن سبيل الله ودينه. 
وقوله تعالى :( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) قال بعض أهل التأويل ( فذوقوا العذاب ) يوم بدر، وهو الهزيمة والقتل الذي كان عليهم يوم بدر. ويحتمل قوله :( فذقوا العذاب ) في الآخرة بكفركم\[ في الأصل وم : بكفرهم \] في الدنيا.

### الآية 8:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [8:36]

وقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) الآية ؛ يذكرهم، والله أعلم، النعم التي أنعمها عليهم :
أحدها\[ في الأصل وم : أحد \] : ما أنزلهم في بقعة ؛ خصت تلك البقعة، وفصلت على غيرها من البقاع، وهي\[ في الأصل وم : وهو \] مكان العبادة. 
\[ والثانية : ما أعطاهم من الأموال، فأنفقوها في الصد صد الإنسان عن مكان العبادة وإقامة العبادة فيه. 
والثالثة : بعث الرسول منهم فيهم، فكذبوه \]\[ في الأصل وم : ثم صدوا الناس عن الدخول فيها والعبادة ومن ذلك بعث الرسول منهم فيهم فكذبوه وما أعطاهم من الأموار فأنفقوها في الصد صد الإنسان عن مكان العبادة وإقامة العبادة فيه \]. 
ثم اختلف في معنى /١٩٩-ب/ الصد ؛ قال بعضهم : إن كفار قريش استأجروا لقتال بدر رجالا من قبائل العرب عونا لهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سئل عن هذه الآية، فقال : تلك قد خلت ؛ إن أناسا في الجاهلية كانوا يعطون ناسا أموالهم، فيقاتلون نبي الله \[ فما سلموا \]\[ في الأصل وم : فاسلموا \] عليها، فغلبو\[ في الأصل وم : فطلبوا \]، فكانت عليهم \[ حسرة \]\[ ساقطة من الأصل وم \]. 
وعن سعيد بن جبير \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد من الأحابيش من كنانة، فقاتلهم النبي. 
ويحتمل أن يكون \[ قوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ( ثم تكون عليهم ) يوم القيامة ؛ أي النفقة اليت أنفقوها عليهم حسرة في الآخرة لما أنفقوها لصد الناس عن سبيل الله. 
وقوله تعالى :( والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) أي يجمعون إلى جهنم بكفرهم بالله.

### الآية 8:37

> ﻿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [8:37]

وقوله تعالى :( لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ) جعل الله تعالى الخبيث مختلطا بالطيب في الدنيا في سمعهم وبصرهم ونطقهم وجميع جوارحهم ولباسهم وطعامهم وشرابهم وجميع منافعهم من الغنى و الفقر وأنواع المنافع جعل بعضهم ببعض مختلطين\[ من م، في الأصل : مختلفين \] في الدنيا على ما ذكرنا. 
لكنه ميز بين الطيب و الخبيث في الآخرة بأعلام ؛ يعرف بتلك الأعلام الخبيث من الطيب من نحو ما ذكر في الطيب قوله تعالى :( وجوه يومئذ ناظرة ) ( إلى ربها ناظرة )\[ القيامة : ٢٢-٢٣ \] وقوله\[ في الأصل وم : و \] تعالى :( وجوه يومئذ مسفرة ) ( ضاحكة مستبشرة )\[ عبس٣٨و٣٩ \]. وقال تعالى في الكفرة\[ في الأصل وم : الكافر \] ( وجوه يومئذ عليها غبرة ) ( ترهقها قترة )\[ عبس : ٤٠و٤١ \] وقال :( ونحشر المجرمين يومئذ زرقا )\[ طه : ١٠٢ \] وقال\[ في الأصل وم : وقوله \] :( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما )\[ الإسراء : ٩٧ \] وقال :( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا )الآية\[ طه : ١٢٤ \] وغير ذلك من الآيات. 
ميز الله تعالى بين الخبيث و الطيب بالأعلام\[ في الأصل وم : بأعلام \] التي ذكرنا في سمعهم وبصرهم ووجوههم ولباسهم ومأكلهم ومشربهم حتى يعرفوا جميعا بالأعلام. 
ويحتمل ما ذكر من التمييز بين الخبيث والطيب بالمباهلة التي جرت بين أبي جهل وبين النبي صلى الله عليه وسلم حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال أبو جهل : انصر أهدانا سبيلا وأبرنا قسما وأوصل رحما. فأجيب، فنصر الله رسوله وأصحابه، فميز. ويحتمل ما ذكر م التمييز في الآخرة قوله\[ في الأصل وم : كقوله \] تعالى :( فريق في الجنة وفريق في السعير )\[ الشورى : ٧ \]. 
وقوله تعالى :( وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ) هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يجعلهم دركات بعضها أسفل من بعض كقوله تعالى :( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار )\[ النساء : ١٤٥ \]. 
والثاني\[ في الأصل وم : و \] : يحتمل أن يجعل بعضهم على بعض ( مقرنين في الأصفاد )\[ إبراهيم : ٤٩ وص : ٣٨ \]. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( فيركمه جميعا ) قيل : يجمعه جميعا، بعضهم على بعض. ويحتمل ( فيركمه جميعا ) إخبار عن الضيق كقوله تعالى :( وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين )\[ الفرقان : ١٣ \]. 
وقال القتبي :( فيركمه جميعا ) أي يجعله ركاما، بعضه\[ في الأصل وم : بعضها \] فوق بعض، وكذلك قال أبو عوسجة ؛ يقال : ركمت المتاع إذا جعلت بعضه فوق بعض. 
وقوله تعالى :( فيجعله في جهنم ) الجهنم هو المكان الذي يجمع أهل النار للتعذيب.

### الآية 8:38

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [8:38]

وقوله تعالى :( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ) ذكر عز وجل غاية كرمه وجوده بما وعد لهم من المغفرة والتجاوز عما كان منهم من الإشراك في ألوهيته وصرف العبادة إلى غيره وصد الناس عن عبادته وطاعته ونصب الحروب التي نصبوا بينهم وبين المؤمنين وغير ذلك من أنواع الهلاك. 
فمع ما كان منهم وعد لهم المغفرة بالانتهاء من ذلك لتعلم غاية كرمه وجوده. والمغفرة تحتمل التجاوز عنهم ما كان منهم ؛ لا يؤاخذوهم\[ من م، في الأصل يأخذهم \] بذلك، ويحتمل \[ أن يسر \]\[ في الأصل : يسر، في م : يستر \] عليهم معاصيهم التي كانت\[ في الأصل وم : كان \] منهم، فلا يذكرون ذلك ؛ لأنهم لو ذكروا ذلك نغص\[ في الأصل وم : ينغص \] عليهم النعم. 
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة لأنه أخبر أنهم إن انتهوا، وتابوا، غفر لهم ما قد كان منهم، وإنما كانوا منتهين بالإيمان \[ ولم يجعل بين الإيمان \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] والكفر منزلة ثالثة، وهم يجعلون بينهما منزلة ثالثة، ويقولون : إن ارتكب \[ المرء \]\[ ساقطة من الأصل وم \] كبيرة خرج من الإيمان، ويخلد في النار أبدا، وإن\[ في الأصل وم : و \] لم يكن داخلا في الكفر. 
وفيه دليل نقض قول من يقول بأن على الكافر فعل العبادات من نحو الصلاة والزكاة والصيام، لأنه ذكر الانتهاء، والانتهاء عما كان من ترك العبادات القيام بقضائها، وإذا ما تركوا فلما لم يجب عليهم أداء شيء من ذلك. دل أن لم يكن عليهم في حال كفرهم فعل تلك العبادات، إنما عليهم اعتقاد تلك العبادات ؛ إذ لو كانت عليهم لكان الانتهاء عنها بقضاء ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم :**«من نام عن صلاة، فعليه أن يصليها إذا استيقظ، وذلك كفارته »**\[ التمهيد٣/٢٨٩ \] وكذلك قوله تعالى :( فإن تابوا وأقاموا الصلا وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم )\[ التوبة : ٥ \] ليس على الفعل، ولكن في حق الاعتقاد أنه لا سبيل إلى القيام بفعل ما ذكر إلا بعد جول ووقت طويل. 
وفي هذه الآية دلالة على أن لس بين الإيمان منزلة ثالثة على \[ ما \]\[ في الأصل وم : و \] يقوله المعتزلة في صاحب الكبيرة ؛ لأنه أو كان بين الكفر والإيمان منزلة لكانوا دخلوا في الإيمان. 
وقوله تعالى :( وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) قال بعضهم : وإن يعودوا إلى الكفر وقتال محمد بعد أن انتهوا عنه مضى كذا ؛ يعني القتال. ويحتمل أن يكون قوله :( يعودوا ) أي داموا فيه، لا أن كانوا خرجوا منه نحو قوله :( يخرجهم من الظلمات إلى النور )\[ البقرة : ٢٥٧ \] كانوا فيه لا أن كانوا خرجوا منه، ثم دخلوا في غيره. 
**ثم يحتمل وجهن بعد هذا :**
أحدهما : أن للكفر حكم التجدد في كل وقت. 
والثاني : ما ذكرنا أن ذكر العود فيه لدوامهم فيه، وإن لم يخرجوا منه. وذلك جائز في اللسان كقوله تعالى :( يخرجهم من الظلمات إلى النور )\[ البقرة : ٢٥٧ \] ابتداء إخراج من غير أن كانوا فيه، وكقوله تعالى :( رفع السموات بغير عمد )\[ الرعد : ٢ \] ابتداء رفع لا أن كانت موضوعة، فرفعها من بعد فلعى ذلك قوله تعالى :( وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ) يحتمل : أي داموا فيه. 
وقوله تعالى :( فقد مضت سنة الأولين ) يحتمل \[ وجهين :
أحدهما :\]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ما ذكرنا من القتال. 
والثاني :( سنة الأولين ) الهلاك الذي كان.

### الآية 8:39

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [8:39]

وقوله تعالى :( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) \[ قيل : الفتنة : الشرك ؛ أي قاتلوهم حتى لا يكون الشرك ( ويكون الدين كله لله ) \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ويحتمل قوله ( حتى لا تكون فتنة ) أي محنة القتال كأنه قال : قاتلوهم إلى الوقت الذي ترفع \[ فيه \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] المحنة، وهو يوم القيامة. 
وفيه دلالة لزوم الجهاد إلى يوم الدين، والفتنة هي المحنة التي فيها الشدة ( ويكون الدين كله لله ) هو يخرج على وجهين. 
أحدهما :( ويكون الدين ) هو الدين ( كله لله ) لا نصيب لأحد فيه، وهو السبيل إلتي كانت للشياطين ؛ كأنه قال : وتكون الأديان التي يدان بها دينا واحدا، وهو دين الله الذي يدعى الخلق إليه، وبذلك بعث الرسل والكتب، والله أعلم. 
والثاني\[ في الأصل وم : و \] : يحتمل أن يكون الحكم كله لله كقوله تعالى :( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك )\[ يوسف : ٧٦ \] أي في حكم الملك. 
وقوله تعالى :( فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ).

### الآية 8:40

> ﻿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ [8:40]

وقوله تعالى :( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ) قيل : ناصركم، وقيل : المولى المليك ( نعم المولى ونعم النصير ) أي نعم الناصر والمعين ( ونعم النصير ) لأنه لا يعجزه شيء، وقيل :( مولاكم ) أي أولى بكم.

### الآية 8:41

> ﻿۞ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [8:41]

وقوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ /٢٠٠-أ/ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) قال عامة أهل التأويل : إن الغنيمة هي التي أصاب المسلمون من أموال المشركين بالقتال عنوة، والفيء ما يعطون بأيديهم صلحا. والغنيمة : يأخذ الإمام الخمس منها، والباقي يقسم بينهم، والفيء يأخذه الإمام، فيضعه في مصلحة المسلمين، وليس فيه الخمس. وقال بعضهم : الغنيمة والفيء واحد. 
ثم قوله تعالى :( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) إلى آخر ما ذكر ؛ ذكر الخمس، ولم يذكر أربعة\[ في الأصل وم : الأربعة \] الأخماس أنها لمن ؟ لكنها للمقابلة يقول تعالى :( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا )\[ الأنفال : ٦٩ \] فكانت الغنيمة كلها لمن غنمها بظاهر هذه الآية إلا ما استثنى الله منها بالآية الأولى، وهو الخمس. وهذا مما أجمع عليه أهل العلم. وعلى ذلك تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته موقوفة من بعده. 
روي أن اليبي صلى الله عليه وسلم :**«سئل عن المال ؛ يعني الغنيمة، فقال\[ في الأصل وم : قال \] : لي خمسه، وأربعة أخماسه لهؤلاء »**\[ البيهقي في شعب الإيمان٤٣٢٩ \] يعني المسلمين. وروي أنه قسمها بين المقاتلة ؛ يعني أربعة\[ في الأصل وم : الأربعة \] الأخماس. 
وفي بعض الأخبار أن أبا الدرداء، وعبادة بن الصامت، والحارث بن معاوية، كانوا جلوسا، فقال أبو الدرداء :**«أيكم يذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث صلى إلى بعير من المغنم، فلما انصرف، فتناول من وبر البعير، فقال : ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس، ثم هو مردود فيكم »** ؟ \[ النسائي٧/١٣١ \]. 
وعن ابن عمر رضي الله عنه، \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : كانت الغنائم تجزأ خمسة أجزاء، ثم يسهم عليها، فلما صار لرسول الله فهو له. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس ؛ أربعة منها لمن قاتل عليها، وغير ذلك من الأخبار، وعلى ذلك اتفاق الأمة. 
ومنهم من يقول : تقسم على ستة : سهم لله يجعل في ستر الكعبة، وسهم لرسول الله ينتفع به. ومنهم من قال : يقسم على خمسة : سهم لرسول الله، وأربعة أخماس لمن غنم. ومنهم من يقول : تقسم على أربعة : سهم لرسول الله، وثلاثة أرباع\[ في الأصل وم : أرباعه \] لمن غنم. 
ثم قوله تعالى :( فأن لله خمسه وللرسول ) تحتمل إضافة ذلك إلى نفسه وجهين :
أحدهما : لما جعل ذلك لإقامة العبادات وأنواع البر والخير، والقرب التي هي لله، فأضيفت\[ في الأصل وم : فأضيف \] إليه إلى ما أضيفت المساجد إليه بقوله تعالى :( وأن المساجد لله )\[ الجن : ١٨ \] وإن كانت البقاع كلها لله. وكذلك ما سمى الكعبة بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله لما جعلها لإقامة العبادات وأنواع القرب. فأضيف إلى الله ذلك. فعلى ذلك تحتمل إضافة ذلك السهم إلى الله لما جعله لإقامة العبادات والقرب وأنواع البر، والله أعلم. 
والثاني : أضاف ذلك إلى نفسه خصوصية، ولرسول\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] الله إذا كان ذلك لرسوله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله وأموره لله خالصا، لم يكن لنفسه ولا لأحد من الخلق. فعلى ذلك جميع ماله وما تحويه يده لم يكن له، إنما كان ذلك لله خالصا، يصرف ذلك في أنواع القرب والبر في القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل الأحياء منهم والأموات جميعا، والقريب منهم والبعيد جميعا. 
ألا ترى أنه قال :**«يا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة »** ؟ \[ التمهيد٧/١٧٥ \] هذا يدل على أن ما يترك صدقة، لا يورث منه، ولو كان له لتوارث ورثته ما يورث من غيره. دل أن نفسه وماله كان لله خالصا، وكذلك جميع أموره لله. 
ألا ترى أنه روي في الخبر أنه كان يجوع يوما، ويشبع يوما، ويجوع ثلاثا، وكان يربط الحجر على بطنه للجوع ؟ 
فإذا كانت إضافة ذلك الخمس إلى الله لخصوصية له وخلوص نفسه وماله له، وإن كانت جميع الخلائق وما تحويه أيديهم لله حقيقة، لكن لهم فيها الانتفاع وقضاء الحوائج والتدبير لأنواع التصرف في ذلك \[ ومشاركته في غير \]\[ من م، في الأصل : ومشاركة غير \] ذلك، لم يختص\[ من م، في الأصل وم : يخص \] بالإضافة إليه، \[ وإن كان ذلك كله لله حقيقة، ولما \]\[ من م، في الأصل : وإن \] كانت نفس رسول الله وما تحويه يده لله\[ من م، في الأصل : الله \] لا تدبير له في ذلك، \[ ولا شرك لأحد فيه، خص بإضافة\[ في م : بالإضافة \] ذلك \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] إليه \[ لأن ذلك \]\[ ساقطة من الأصل وم \] كله لله حقيقة. 
وهذا كما قال تعالى : والله أعلم ( الملك يومئذ لله )\[ الحج : ٥٦ \] وقال :( لمن الملك اليوم لله )\[ غافر : ١٦ \] وقال :( وبرزوا لله جميعا )\[ إبراهيم : ٢١ \] خص بالذكر ملك ذلك اليوم والبروز له لما ينقطع يومئذ تدبير جميع ملوك الأرض، ويذهب سلطانهم عنهم، ويصفو البروز له، وإن كان الملك في الأحوال كلها والأوقات جميعا وكذلك البروز له، والمصير إليه، وإن كان ذلك راجعا إليه في كل الأحوال فعلى ذلك الأول، والله أعلم. 
ثم ليس في ظاهر الآية دليل أن المراد بقوله تعالى :( ولذي القربى ) قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل في ظاهره دلالة أنه أراد به قرابة أهل السهام في ذلك لأنه خاطب به الكل بقوله تعالى :( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ) وظاهره أنه أراد به قربى من خاطب، وكان الخطاب لهم جميعا. 
ألا ترى أنه لم يفهم من قوله تعالى :( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون )\[ النساء : ٧ \] قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن قرابة المخاطبين ؟ وكذلك لم يرجع قوله تعالى :( إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين )\[ البقرة : ١٨٠ \] إلى قرابة رسول الله بل إلى قرابة المخاطبين به ؟ 
فعلى ذلك الظاهر من قوله تعالى :( ولذي القربى ) إلا أن يقال : أراد قرابة رسول الله بدلالة أخرى سوى ظاهر الآية. 
وهو ما روي \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قسم الخمس بين بني هاشم، وما روي أنه قال :**«مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم »**\[ النسائي٧/١٣٢ \] وما روي أن نجدة \[ ابن عويمر الحروري \]\[ ساقطة من الأصل وم، انظر تفسير الطبري١٣/٥٥٥ \] كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لمن هو ؟ \[ فكتب إليه ابن عباس \]\[ في الأصل وم : و \] : هو لنا أهل البيت. 
وقد كان عمر دعانا إلى أن ننكح منه أيا منا، ونقضي منه مغرمنا، فأبينا إلا أن نسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا. فدل فعل عمر هذا على أن التأويل في الخمس كان عنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصل به قرابته، ويسد بالخمس حاجتهم ؛ إذ كان جعل سبل الخمس ما ذكرنا أنه لله بمعنى أنه يصرف في وجوه القرب إليه. 
فلو كان الخمس حقا لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم، وما يأخذه الأغنياء من الخمس فإنه لا يجري مجرى الصدقة، ولا يجري \[ مجرى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] القربة، فبان بذلك أنه لا يعطى منه أغنياؤهم، بل يصرف\[ ساقطة من م \] إلى فقرائهم على قد رحاجتهم ؛ إذ لم يكن لفقيرهم\[ في الأصل وم : له \] مكاسب سواه يوصل\[ في الأصل وم : يصل \] بها كما يكون لغيره من الناس من المكاسب وأنواع الحرف. 
ومما يدل على أن رسول الله أعطى بعض القرابة دون بعض ما روي عن جبير بن مطعم\[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني \[ عبد \]\[ ساقطة من الأصل وم \] المطلب، أتيت أنا وعثمان، فقلنا : يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم، لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم. أرأيت بني \[ عبد \]\[ ساقطة من الأصل وم \] المطلب، أعطيتهم، ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة ؟ فقال :**«إنهم لم\[ في الأصل وم : لا \] يفارقوني في جاهلية ولا إسلام ؛ بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد، وشبك أصابعه »**\[ أحمد٤/٨١ \]. 
وقوله تعالى :( فأن لله خمسه وللرسول ) إلى آخر ما ذكر، بين أن خمس الغنيمة يصرف في وجوه البر والقرب إلى الله. 
ثم فسر تلك الوجوه، فقال :( وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) فكانت تسمية هذه الأصناف، والله أعلم، تعليما لنا أن الخمس يصرف في من ذكر من أهلها /٢٠٠-ب/ دون غيرهم، وليس إيجابا منه لكل صنف منها شيئا معلوما، ولكن بيان الأهل والموضع، وهو كقوله تعالى :( إنما الصدقات للفقراء والمساكين )الآية\[ التوبة : ٦٠ \]. 
حمل أصحابنا ذلك على أن الصدقة لا تجوز إلا لمن كان من أهل هذه الأصناف دون غيرهم، ولم يحملوا الأمر على أن لكل صنف منهم شيئا معلوما محدودا، ولكن على بيان أهلها. 
وعلى ذلك \[ ما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم عمر وعلي وحذيفة، وابن عباس، وجماعة من السلف ما يكثر عددهم \[ أنهم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قالوا : إذا وضعت الصدقة في صنف واحد أجزأك. فلو كان لأهل كل صنف الثمن منها كان المعطى بها صنفا واحدا مخالفا لما أمر به. 
فعلى ذلك قوله تعالى :( فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ) الآية معناه، والله أعلم : أن الخمس الذي يتقرب به من الغنيمة إلى الله لا يستحقه إلا الرسول ومن كان من الأصناف التي ذكره. فإلى أيهم دفع ذلك الخمس أجزأه. وإذا كان التأويل ما وصفنا لم يكن لأحد من هذه الأصناف أن يدعي منه خمسا أو ربعا، ولكن يعطى كل من حضر منهم بقدر فاقته وحاجته وعلى قدر يراه الإمام. 
فإذا جاء فريق آخرون أعطوا مما يدفع إلى الإمام من ذلك الخمس من المال كفايتهم. وكذلك روي عن ابن عمر أن ابن عباس قال : كان عمر يعطينا من الخمس نحو مما كان يرى أنه لنا، فرغبنا عن ذلك، وقلنا : حق ذي القربى خمس الخمس، فقال عمر : إنما جعل الله الخمس لأصناف سماها. \[ فأسعد به \]\[ في الأصل وم : أسعدهم بها \] أكثرهم عددا وأشدهم فاقة، فأخذ ذلك ناس، وتركه ناس. 
وكذلك فعل عمر لما ولي الأمر، \[ وهو \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ما روي عن ابن عباس ؛ قال : عرض علينا عمر أن يزوج من الخمس أيا منا، ونقضي منه مغرمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا. فدل فعل عمر على أن القرابة يعطون من الخمس قدر حاجتهم، وما يسد به فاقتهم ؛ إذ لو كان الخمس حقا لجميع القرابة أعطي من ذلك غنيهم وفقيرهم لقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم كما قسم أربعة الأخماس بين المقاتلة، بل أعطى منه بعض القرابة، وحرم بعضا لما ذكرنا في جبير بن مطعم. 
ومما يدل أيضا على أن ذلك لأهل الحاجة منهم دون الكل ما روي أن الفضل بن عباس \[ وربيعة بن عبد المطلب \]\[ في الأصل وم : وفلان \] دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، فقال \[ أحدهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد\[ من م، في الأصل : ولو \] بلغنا النكاح، فجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات، فتؤدي إليك ما يؤدي العمال، ونصيب منها ما يصيبون، فسكت طويلا حتى أردنا \[ أن نعلمه ثانيا، قال : وجعلت \]\[ في الأصل وم : ثانيا وم : ثانيا حتى \] زينب تلمح إلينا من وراء الحجاب ألا\[ في الأصل وم : أنه \] تكلماه، ثم قال «ألا إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد ؛ إنما هي أوساخ الناس، ادعوا ل

### الآية 8:42

> ﻿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:42]

وقوله تعالى :( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى ) قال بعضهم : العدوة القصوى : شفير الوادي الأقصى والعدوة الدنيا شفير الوادي الأدنى. وكذلك قال القتبي : العدوة الشفير شفير الوادي. 
وقال أبو عوسجة العدوة ناحية الوادي التي تليهم، وقال : إنما سميت الدنيا، لأنها دنت منها، والآخرة لأنها استأخرت. وقيل في حرف ابن مسعود : إذ أنتم بالعدوة العليا، وهو بالعدوة السفلى. وقال أبو معاذ : العُدْوة والعَدوة لغتان، والركب والركبان والركاب والراكبون لعة. وقال : في حرف حفصة : إذ أنتم بالعدوة القصيا. 
وقال بعضهم : إذ أنتم معشر المؤمنين بالعدوة الدنيا من دون الوادي على الشط مما يلي المدينة ( وهم بالعدوة القصوى ) من الجانب الآخر مما يلي مكة ؛ يعني مشركي مكة. 
\[ وقوله تعالى \]\[ في الأصل : عز وجل، في م : وقوله عز وجل \] :( والركب أسفل منكم ) يعني أصحاب العير على ساحل البحر أو على الماء. وقال قتادة : جمع الله المشركين والمسلمين ببدر على غير ميعاد عند\[ في الأصل وم : هما \] شفير الوادي. كان المسلمون /٢٠١-ب/ بأعلاه، والمشركون بأسفله :( والركب أسفل منكم ) أبو سفيان انطلق بالعير في ركب نحو البحر\[ في الأصل وم : الحرب \]. وقيل : إذ أنتم \[ بأدنى من \]\[ في الأصل وم : باد في \] المدينة، وهم بأقصى مما يلي مكة على ما ذكرنا. 
وقوله تعالى :( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) إما للخروج نفسه وإما للميعاد نفسه ؛ أتخرجون، أو لا تخرجون ؟ أو منكم من يؤخر الخروج عن وقت الميعاد، ومنكم من لا يخرج رأسا ليقضي ذلك. 
وقوله تعالى :( وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ) يحتمل\[ أدرج قبلها في م : لا \] لينجز الله ما كان وعد من الظفر والنصر، أو ليقضي الله أمرا كان في علمه مفعولا، لا أن ( إحدى الطائفتين أنها لكم ) كأنه قال : وعد الله \[ أمرا، كان \]\[ ساقطة من الأصل وم \] مفعولا أي منجزا. 
ولا\[ في الأصل وم : و \] يحتمل القضاء ابتداء إنشاء وخلق، ولكن ليشئ الله ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا والله أعلم. 
وقوله تعالى :( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) قال بعض أهل التأويل : ليكفر من كفر عن بينة وحجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الحق، وكان صادقا، ويؤمن من آمن على مثل ذلك. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه، \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :( ليهلك من هلك عن بينة ) قال : ليموت من مات عن بينة ( ويحيى من حي عن بينة ) يقول : عن بيان وحجة. وهو، والله أعلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان أتاهم بآيات حسية، فسموه ساحرا، وأخبرهم بأنباء ماضية، كانت\[ أدرج قبلها في الأصل وم : التي \] في كتبهم، فقالوا :( إن هذا إلا أساطير الأولين )\[ الأنعام : ٢٥و. . \] وقالوا : إنه معلم ( إنما يعلمه بشر )\[ النحل : ١٠٣ \]. 
وقد كان رسول صلى الله عليه وسلم يخالفهم في جميع صنيعهم : من عبادتهم الأصنام والأوثان دون الله، وكان يخوفهم، ويوعدهم بأشياء، وكان لا يخافهم، وهم كانوا رؤساء كبراء، لا يخالفهم أحد في أمرهم ونهيهم إلا من كان به حنون. 
فلما رأوا رسول الله خالفهم في جميع أمورهم نسبوه إلى الجنون، وقالوا :( ساحر أو مجنون ) \[ الذاريات٣٩و٥٢ \] ( وقالوا معلم مجنون )\[ الدخان : ١٤ \] فأراد الله أن يجعل له آية عظمية حتى لا يقدروا \[ على نسبته \]\[ في الأصل وم : بالنسبة \] إلى شيء مما كانوا ينسبونه من قبل، فوعد لهم النصر والفتح يوم بدر بعد علم أولئك ضعف المؤمنين وقلة عددهم لتكون حياة من حي بعد ذلك عن بينة، وموت من مات على مثل ذلك، وإن كان له من الآيات ما لو لم يعاندوا، ولا كابروا عقولهم لكانت واحدة منها كافية. 
فإن قيل : ما الحكمة من ذكرالقصة من أولها إلى آخرها، وهم قد علموا ذلك كله، وشاهدوا ؟ قيل : يذكرهم الله، والله أعلم، بالحال التي كانوا هم عليها والقوة والأسباب، لئلا\[ في الأصل وم : لكن بالله \] يكلوا إلى الكثرة، ولا يعتمدوا على القوة، ولا يضعفوا، ولا يجبنوا، ولا يخافوا غيره، ليعرفوا أن ما أصابهم من الهزيمة والغلبة أصابهم لمعصية كانت منهم أو إعجابا بالكثرة واعتقادا بالقوة والأسباب، والله أعلم.

### الآية 8:43

> ﻿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [8:43]

وقوله تعالى :( إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ) اختلف فيه ؛ قال بعضهم :( في منامك قليلا ) المنام نفسه ؛ كان الله يري رسوله المشركين في منامه قليلا، فأخبر \[ رسول \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الله بذلك أصحابه بما رأى، فقالوا : رؤيا النبي حق \[ والقوم قليل \]\[ في الأصل : القوم قليل، في م : القوم قليلا \] ليس كما بلغنا أنهم كثير. فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين تصديقا لرؤيا رسول الله. 
وقال الحسن :( إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ) أي في عينيك التي تنام بهما، وهو في اليقظة ؛ لأنه ذكر أنه قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«تنام عيني، ولا ينام قلبي »**\[ البخاري٣٥٦٩ \] وإنما أراه إياهم قليلا في العين \[ التي بها ينام، وهما \]\[ في الأصل وم : الذي به ينام وهو \] عينا الوجه. 
ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود\[ من م، في الأصل : عباس \] رضي الله عنه، \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل و وم \] قال : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحب لي : تراهم سبعين ؟ فقال : أراهم مئة حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه، فقال : كنا ألفا. 
فإن كان التأويل هذا الثاني أنه أراهم ورسوله\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] قليلا في اليقظة بالذي \[ يراه النائم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] فهو ظاهر، فإن أراه إياهم في المنام حقيقة فلقائل أن يقول : إن رؤيا الرسول وحي، فكيف أراه إياهم قليلا، وهم كثير، خلاف ما هو في الحقيقة ؟ قيل : يحتمل أن يكون أراه بعضهم لا الكل، فهو حقيقة ما أره إياهم. فلذلك قيل : والله أعلم، جائز أن يكون أرى أصحابه إياهم قليلا، وإن أضاف ذلك إلى رسول الله. 
دليله ما ذكر في آخره حيث قال :( وإذ يريكموهم إذ التقتيم )\[ الأنفال : ٤٤ \] وذلك كثير في القرآن أن يخاطب به رسوله، والمراد غيره. ألا ترى أنه قال :( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف )\[ الإسراء : ٢٣ \] ومعلوم أن نزول هذه الآية بعد وفاة والديه ؟ 
وقوله تعالى :( ولو أريناكهم كثيرا لفشلتم ) أي لجبنتم، ولتنازعتم في الأمر، أي \[ اختلفتم في أمر \]\[ من م، في الأصل أخلفتم \] القتال والحرب، ( ولكن الله سلم ) قيل :( سلم ) أتم\[ في الأصل وم : وأتم \] للمسلمين أمرهم على عدوهم، فهزمهم، ونصرهم عليهم. 
ويحتمل قوله تعالى :( سلم ) أي أجاب للمسلمين لما استغاثوا، واستنصروه، بالنصر والظفر لهم. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( إنه عليم بذات الصدور ) أي عليم بما في قلوب المؤمنين من الجبن والفشل وأمر عدوهم، والله أعلم.

### الآية 8:44

> ﻿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [8:44]

وقوله تعالى :( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ) يحتمل قوله ( وإذ يريكموهم ) الآية لما رأوا الملائكة لأنفسهم أنصارا وأعوانا ؛ إذ كان قد وعد لهم النصر والإعانة بالملائكة وكان العدو مع الملائكة، فاستقلوا \[ العدو \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لأن العدو، وإن كانوا كثيرا، فهو قليل مع الملائكة، فرأوهم قليلا على ما كانوا وقلل هؤلاء ي أعين أولئك ؛ لأنهم كذلك\[ في الأصل وم : لذلك \] كانوا قليلا، فرأوهم\[ في الأصل وم : فرأوا \] على ما كانوا، ولم يروا الملائكة. وقال بعض أهل التأويل : قلل هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء إذ التقوا ليغري بعضهم على بعض، وليجرئ بعضهم على بعض على القتال، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ليقضي الله أمرا كان ) هو ما ذكرنا أنه لينجز ما كان لهم من النصر والظفر للمؤمنين والغلبة والهزيمة على أولئك. وكذلك ذكر في القصة أن قوله تعالى :( سيهزم الجمع ويولون الدبر )\[ القمر : ٤٥ \] في بدر فيه وعد ذلك كقوله تعالى :( وكان وعدا مفعولا )\[ الإسراء : ٥ \]. 
ويحتمل قوله تعالى :( ليقضي الله ) أي ليخلق الله، وينشيء ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليفصل بين الحق والباطل مما قد علم أنه يكون كائنا. 
وقال بعض أهل التأويل :( ليقضي الله أمرا كان ) في علمه ( مفعولا ) كائنا ؛ يقول، فيوجب أمرا، لا بد \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] كائن ليعز الإسلام وأهله بالنصر، ويذل الشرك وأهله بالقتل\[ من م، في الأصل، بالنصر \] والهزيمة، الله أعلم. وهو قريب مما ذكرنا. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وإلى الله ترجع الأمور ) أي إلى الله يرجع تدبير الأمور وتقديرها\[ في الأصل وم : وتقديره \] ؛ إذ له التدبير في ذلك في الدنيا والآخرة. 
وذكر \[ في \]\[ في الأصل وم : أمر \] بعض القصة أن أبا جهل لما رأى قلة المؤمنين ببذر قال : والله لا يعبد الله بعد اليوم، فأكذبه الله، وقتله، فقال ( وإلى الله ترجع الأمور ) لا إلى الخلق، والله أعلم. 
وأمر بدر من أوله إلى آخره كان آية حتى عرف كل ذلك إلا من عاند، وكابر عقله.

### الآية 8:45

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [8:45]

وقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ) قيل : الفئة اسم جماعة ينحاز إليها، وهو من الفيء والرجوع، يفيئون إليها، ويرجعون. ذكر ههنا الفئة، وذكر في الآية التي تقدمت :( إذا لقيتم الذين كفروا زحفا ) مكان الفئة، ونهى أولئك عن تولية الأدبار بقوله ( فلا تولوهم الأدبار )\[ الأنفال : ١٥ \] وقال ههنا :( فاثبتوا ) ليعلم أن في النهي عن تولية الأدبار أمرا\[ في الأصل وم : أمر \] بالثبات/٢٠٢-أ/ وفي\[ الواو ساقطة من م \] الأمر بالثبات نهيا\[ في الأصل وم : نهي \] عن تولية الأدبار \[ بقوله ( فلا تولوهم الأدبار )\[ الأنفال : ١٥ \] وقال ههنا ( فاثبتوا )\[ من م، ساقطة من الأصل \] فيكون في النهي عن الشيء أمر بضده، و الأمر بالشيء نهي عن ضده، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( واذكروا الله كثيرا ) قال أبو بكر الكيساني : قوله :( واذكروا الله كثيرا ) أي اذكروا الله في ما تعبدكم من طاعته، ووعدكم من نصره، ولا تنظروا إلى الكثرة فتظفروا. 
ويحتمل قوله :( واذكروا الله ) في ما لكم من أنفسكم وأموالكم له، إن شاء أخذها منكم بوجه تتقربون به إلى الله، فاذكروا الله على ذلك، وهو ما ذكر \[ في \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قوله :( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم )الآية\[ التوبة : ١١١ \]. 
ويحتمل :( واذكروا الله كثيرا ) في النعم التي أنعمها عليكم. أو يقول : اذكروا المقام بين يدي رب العالمين، وذلك يمنعكم\[ أدرج قبلها في الأصل وم : بالذي \] من المعاصي والخلاف لأمره وبغض ما يرغبكم عن طاعته، فيكون على هذا التأويل الأمر بذكر الأحوال. 
ويحتمل ذكر الله باللسان، وذلك بعض ما يستعان به من أمر الحرب ( لعلكم تفلحون ) لكي تفلحوا بالنصر والظفر، ( تفلحون ) أي تظفرون.

### الآية 8:46

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [8:46]

وقوله تعالى :( وأطيعوا الله ورسوله ) أطيعوا الله في ما يأمركم بالجهاد والثبات مع العدو ( ورسوله ) في ما يأمركم بالمقام في المكان وا لثبات وترك الاختلاف والتنازع في الحرب، وذلك بعض ما يستعان به في أمر الحرب ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) أي لا تنازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما يأمركم به، وعما ينهاكم كقوله تعالى :( يجادلونك في الحق بعدما تبين )\[ الأنفال : ٦ \] لأنكم إذا تنازعتم اختلفتم، فإذا اختلفتم تفرقتم، فإذا تفرقتم فشلتم، وجبنتم، فلا تنصرون، ولا تظفرون على عدوكم \[ بل يظفر بكم عدوكم \]\[ في الأصل : ظفر بكم عدوكم، في م : بل ظفر بكم \]
أو يقال :( ولا تنازعوا ) لأنكم إذا تنازعتم تباغضتم، فيشغلكم الباغض بأنفسكم، فيبقى الجهاد مع العدو، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ويذهب ريحكم ) قال بعضهم : نصركم وظفركم، وقال بعضهم : يذهب ريح دولتكم، ويحتمل الريح التي بها تنصرون. 
وعلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«نصرت بالصبا وأهلك عادا بالدبور »**\[ البخاري١٠٣٥ \] وهو ما \[ ذكر الله تعالى \]\[ في الأصل وم : ذكرنا \] ( فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها )\[ الأحزاب : ٩ \]. 
وقوله تعالى :( واصبروا ) أي اصبروا للجهاد لقتال عدوكم ( إن الله مع الصابرين ) بالنصر لهم والظفر. 
وفي هذه الآية تأديب من الله المؤمنين، وتعليم منه في ما ذكرنا ؛ أي في أمر الحرب وأسباب القتال والمجاهدة مع العدو ؛ لأنه أمرهم بالثبات، وأمرهم بذكر الله، ونهاهم عن التنازع والاختلاف، وذلك بعض ما يستعان به في الانتصار على عدوهم.

### الآية 8:47

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [8:47]

وقوله تعالى :( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ ) قوله ( بطرا ) أي كفرا بنعم الله كقوله تعالى :( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة )الآية\[ النحل : ١١٢ \] فعلى ذلك خرجوا من ديارهم كفرا بأنعم الله، لأنهم خرجوا إلى قتال محمد، وهو من أعظم نعم \[ الله \]\[ ساقطة من الأصل وم \]، كفرانا وتكبرا ؛ أي خرجوا متكبرين كافرين. 
و\[ قوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( ورئاء الناس ) تحتمل مرآتهم وجهين :
أحدهما : مرآتهم في الدين لأنهم قالوا : اللهم انصر أهدانا سبيلا وأوصلنا رحما وأقرانا ضيفا، وعندهم\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] أنهم على حق، وأن المؤمنين على باطل. 
والثاني\[ في الأصل وم : وتحتمل \] : مراآتهم في الدنيا لأنهم كانوا أهل ثروة وأهل عدة وقوة، خرجوا مرائين الناس ؛ لأنهم\[ أدرج قبلها في الأصل وم : وقوله \] كانوا أهل الشرف عندهم، فخرجوا لمراآة الناس. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ( ويصدون عن سبيل الله ) أي يصدون عن دين الله. أخبر عز وجل عن خروج أولئك الكفرة أنهم خرجوا لما ذكر، فكان فيه أمر للمؤمنين بالخروج على ضد ذلك، كأنه قال : اخرجوا على ضد ما خرجوا هم. 
وقوله تعالى :( والله بما يعلمون محيط ) \[ فيه وجهان :
أحدهما \]\[ في الأصل وم : أي \] : علمه محيط بهم، لا يغيب عنه شيء من مكائدهم وحيلهم والمكر برسول الله للدفع\[ في الأص وم : في الدفع \] عنه والنصر له. 
والثاني : محيط بما يعملون، يجزيهم، ويكافئهم، ولا يفوت عنه شيء على الوعيد، والله أعلم.

### الآية 8:48

> ﻿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:48]

وقوله تعالى :( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) قال بعضهم :( زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) بالوساوس، ( وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ ) وإنما قال لهم هذا، ووسوس لهم لما ألقي إليهم أنكم حرم الله وسكان بيته وحفاظه. فيقول : يدفع عنكم نكبة هؤلاء ؛ يعني أصحاب محمد، كما دفع عنكم في ما كان من قبل. وقوله تعالى :( وإني جار لكم ) قيل : مجير لكم مغيث. فعلى هذا التأويل كان قوله :( وإني جار لكم ) : أنه يخبر عن الله أنه يغيثهم كم أغاثهم من قبل في غير مرة. 
وقال بعضهم : إن الشيطان تمثل في صورة رجل، يقال له سراقة بن مالك بن جعشم، فأتاهم، فقال لهم لا ترجعوا حتى نتسأصلوهم، فإنكم كثير، وعدوكم قليل، فيأمن غيركم، ونحو هذا من الكلام. 
وقال صاحب التأويل الأول : لا يحتمل هذا لأن أهل مكة كانوا جبابرة، وأهل قوة وبطش وبأس، فلا يحتمل أن يصدرو لآراء رجل، هو دونهم، وهم بالوصف الذي ذكرنا. على هذاالتأويل أنه تمثل به فلان يكون قوله ( وإني جار لكم ) ما ذكر في بعض القصة أن أبا جهل وأصحابه اعتزلوا، واستشاروا في ما بينهم، فأتاهم إبليس متمثلا سراقة، فامتنعوا عنه، واستأخروا، فلما رأى ذلك منهم، فقال :( وإني جار لكم ) وكان جارا لهم. فتأويل هؤلاء أشبه بما ذكر في آخر الآية. 
وقوله تعالى :( فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ) أي رجع مستأخرا مقبلا بوجهه\[ الباء ساقطة من الأصل وم \] إليهم ( وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ) إذا عاقب. قيل : رأى جبريل مع الملائكة ينزلون، فخاف منهم. ففيه دلالة أنه كان يخاف الهلاك قبل اليوم\[ في الأصل وم : يوم \] المعلوم.

### الآية 8:49

> ﻿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:49]

وقوله تعالى :( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قال بعضهم : الذين في قلوبهم مرض المشركون ( غر هؤلاء دينهم ). وعن الحسن ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض )\[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين. 
وقال بعض أهل التأويل : إن قوما كانوا أسلموا بمكة، فأقاموا بها مع المشركين، ولم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى بدر خرج هؤلاء معهم. فلما عاينوا قلة المؤمنين وضعفهم شكوا في دينهم، وارتدوا، فقالوا\[ في الأصل وم : قال \] :( غر هؤلاء دينهم ) يعنون أصحاب محمد. 
يقول الله تعالى :( ومن يتوكل على الله ) فيثق بوعده في النصر ببدر \[ رغم قولهم \]\[ في الأصل وم : لقولهم \] ( غر هؤلاء دينهم ) ( فإن الله عزيز حكيم ) لا يعجزه شيء. 
قالوا\[ في الأصل وم : وقوله \] :( غر هؤلاء دينهم ) لأنه لم يكن معهم عدة ولا أسباب الحرب من السلاح وغيره، فلم يكونوا يقاتلون إلا لقوة دينهم. 
وقوله تعالى :( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ) إن\[ في الأصل وم : فإن \] قيل لنا : ما الحكمة في ذكر قول المنافقين في القرآن حتى نتلوه في الصلاة ؟ قيل : ذكره\[ الهاء ساقطة من الأصل وم \] والله أعلم، لنعرف عظيم منزلة الدين وخطير قدره في قلوبهم ؛ أعني قلوب المؤمنين، وذلك أنهم بذلوا أنفسهم للهلاك لخروجهم لقتال عدوهم مع ضعفهم وكثرة أعدائهم وقوتهم رجاء أن يسلم لهم دينهم. يذكر لنا لنعرف عظيم محل الدين في قلوبهم ليكون محل الدين في قلوبنا على مثل قدره. 
وفي قوله تعالى :( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ ) دلالة إثبات رسالة محمد لأنهم إنما قالوا ذلك سرا في ما بينهم، فأطلع الله رسوله على ذلك، ليعلم أنه عرف بالله. 
ثم اختلف في قوله :( والذين في قلوبهم مرض ) قال بعضهم : م/٢٠٢-ب/ المشركون. قال المنافقون والمشركون \[ عن المؤمنين \]\[ في الأصل وم : للمؤمنين \] ( غر هؤلاء دينهم ) وقال بعضهم : هم قوم أسلموا، وقد كانوا ضعفاء في الإسلام و الدين، فلما خرجوا إلى بدر فرأوا ضعف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوة أولئك القوم قالوا عند ذلك :( غر هؤلاء دينهم ). وقد ذكر في بعض القصة أن قوما كانوا أسلموا بمكة، ثم أقاموا مع المشركين، ولم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى قتال بدر خرج هؤلاء معهم. فلما عاينوا قلة المسلمين شكوا في دينهم، وارتابوا، فقالوا مع المنافقين :( غر هؤلاء دينهم ) يعنون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى :( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) من المؤمنين، فيثق به في النصر \[ رغم قولهم \]\[ في الأصل وم : لقولهم \] ( غر هؤلاء دينهم ). 
وقوله تعالى :( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) يجيء أن يكونوا\[ في الأصل وم : يكون \] هم المنافقين\[ في الأصل وم : المنافقون \] على ما فسره في آية أخرى. فإن كان على ذلك فيكون على إسقاط الواو ؛ وكأنه يقال : يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض إلا أن يقال : إن المنافقين هم الذين أضمروا الكفر حقيقة والذين لم يضمروا الكفر، لكنهم ارتابوا، وشكوا، واعترضهم\[ في الأصل وم : واعترض \] شك وارتياب من بعد أن\[ في الأصل وم : إذا \] رأوا تأخر الموعود. 
وقوله تعالى :( غر هؤلاء دينهم ) يخرج على وجهين :
أحدهما : قالوا : غر الموعود الذي وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتوح لهم و النصر في الدنيا. يقولون : غر ذلك الموعود الذي كانوا به من الفتوح الذي وعد لهم. 
والثاني : يقولون : غر هؤلاء الموعود الذي وعدوا في الآخرة من النعيم الدائم والحياة الدائمة. 
فيكون أحد التأويلين بالموعود في الآخرة، وهو بالإسلام يكون، والثاني بالموعود في الدنيا، وهو الفتح والنصر الذي ذكرناه. 
وقوله تعالى :( عن هؤلاء دينهم ) لما رأوا أنهم تركوا آباءهم وجميع شهواتهم، وبذلوا أنفسهم للقتال ليسلم لهم دينهم، لذلك قالوا :( غر هؤلاء دينهم ) لما لم يكن خروجهم وبذلهم أنفسهم لذلك إلا إشفاقا وخوفا على دينهم ؛ وطلبوا لما بذلوا أنفسهم حياة الأبد في الآخرة، فقالوا ( غر هؤلاء دينهم ) والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ومن يتوكل على الله ) أي اعتمد على الله في حرب بدر على ما ذكر أهل التأويل والنصر فيه. 
قوله تعالى :( فإن الله عزيز حكيم ) العزيز في هذا الموضع هو الغالب ( حكيم ) مما أمر بالقتل.

### الآية 8:50

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [8:50]

وقوله تعالى :( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) قال بعضهم : الآية مقابلة قوله تعالى :( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس )\[ الأنفال : ٤٧ \] يقول، والله أعلم، ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ) أي يقبض أرواح الذين كفروا ؛ كيف يقبضون أرواحهم ؟ وكيف ( يضربون وجوههم وأدبارهم ) ؟ كأنه قال : والله أعلم، لو ٍرأيت الحال التي يقبض فيها \[ الملائكة \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أرواحهم وما ينزل \[ بهم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لرأيت أن ما عملوا بأنفسهم لا بالمؤمنين. 
وقوله تعالى :( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) يحتمل ما ذكر من فعل الملائكة يوم بدر ؛ لأن الآية ذكرت في قصة بدر. ويحتمل أن يكون ذلك في كل كافر أن الملائكة يفعلون به ما ذكر كقوله تعالى :( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم )الآية\[ الأنعام : ٩٣ \] هذا في كل كافر. 
وقوله تعالى :( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) ليس على إرادة حقيقة الوجه والدبر، ولكن على إرادة إيصال الألم إليهم بكل ضرب وكل جهة كقوله تعالى :( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل )\[ الزمر : ١٦ \] ليس على إرادة التحت والفوق ولكن على إرادة إحاطة العذاب بهم. فعلى ذلك الأول. 
وقال بعضهم :( يضربون وجوههم ) في إقبالهم \[ على \]\[ ساقطة من الأصل وم \] المؤمنين ( وأدبارهم ) في حال إدبارهم وانهزامهم.

### الآية 8:51

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [8:51]

وقوله تعالى :( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) ذكر تقديم اليد، وإن كان الكفر من عمل القلب، لما باليد يقدم في العرف. 
وقوله تعالى :( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وأن الله ليس بظلام للعبيد ) في\[ في الأصل وم : وفي \] الآية دلالة الرد على المجبرة لأنهم لا يجعلون للعبيد في أفعالهم صنعا، يجعلون حقيقة الأفعال لله. 
وذكر ( ذلك مما قدمت أيديكم ) فلو لم لهم صنع لم يكن لقوله ( بما قدمت أيديكم ) معنى، وكذلك قوله تعالى :( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) فلو لم يكن لهم لكان التعذيب ظلما. دل أن لهم فعلا، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) في ما شرع من القتال والإهلاك والتعذيب في الآخرة، لأنه مكن لهم ما يكسبون به من النجاة والحياة الدائمة، فما لحقهم مما ذكر إنما كان باكتسابهم واختيارهم.

### الآية 8:52

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:52]

وقوله تعالى :( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ) قال بعضهم : صنيع هؤلاء أي صنيع أهل مكة بمحمد كصنيع فرعون وقومه بموسى في التكذيب الكفر بآياته. وقال قائلون : صنع اله بأهل مكة بالعقوبة كصنيعه بفرعون وآله ومن سبق من الأمم من الإهلاك والتعذيب. وقد فعل بأهل مكة يوم بدر بسوء معاملتهم محمدا\[ في الأصل وم : موسى \] \[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) أي لا يضعفه شيء، يمنعه عما يريد.

### الآية 8:53

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:53]

وقوله تعالى :( ذلك ) أي ذلك العذاب والعقاب الذي ذكره ( بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ). 
قال قائلون : النعمة التي أنعمها عليهم هم الرسل الذين \[ في الأصل وم : التي \] بعثهم إليهم والكتب التي أنزلها عليهم ( لم يك مغيرا ) لتلك النعم ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) \[ من التكذيب \]\[ في الأصل وم : بالتكذيب \] والرد وترك القبول، وهو كقوله تعالى :( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )\[ الإسراء : ١٥ \] وقوله تعالى :( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا )الآية\[ القصص : ٥٩ \]. 
وقال قائلون : قوله تعالى :( لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) أي حتى يصرفوا شكر نعمة إلى غير الله، ويعبدوا\[ في الأصل وم : ويعبدون \] دونه ؛ أي يغيروا\[ أدرج قبلها في الأصل وم : لا \] ما بأنفسهم ؛ يعبدون غير الله، ويشكرون غير الذي أنعم عليهم. فعند ذلك يغير\[ في الأصل وم : غير \] الله ما بهم من النعمة. وكذلك قال ابن عباس :\[ تغيير \]\[ ساقطة من الأصل وم \] نعمة من النعم أن يتولوا\[ في الأصل وم : تولوا \] عن شكرها يغيرها الله عليهم، ويأخذها منهم. 
وقوله تعالى :( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) يخرج على وجهين :
أحدهما : النعمة الدنياوية : لا تتغير تلك عليهم إلا بتغيير من قبلهم : إما بترك الشكر\[ في الأصل وم : الشرك \] وإما بصرفه إلى غير الذي أنعمها عليهم، ولو غيرت عليهم ببذل فليس ذلك في الحقيقة تغييرا\[ في الأصل وم : تغيير \]. 
\[ والثاني : تحتمل النعمة\[ النعمة \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الدينية ؛ وهي\[ في الأصل وم : وهو \] تكذيبهم الرسل وردهم الكتب بعدما أقسموا أنهم يكونون ( أهدى من إحدى الأمم )\[ فاطر : ٤٢ \] واختيارهم الشرك والكفر على الإسلام والتوحيد. فإذا اختاروا تغيير\[ في الأصل وم التغيير \] ذلك غير عليهم \]\[ أدرج هذا الوجه في الأصل وم : بعد العبارة : وأخذ منهم \]. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وأن الله سميع عليم ) قيل : أي ( سميع ) لشكر من يشكره، ويحمده ( عليم ) لزيادة النعمة إذا شكر. 
ويحتمل :( سميع ) أي مجيب عليهم بمصالحهم/٢٠٣-أ/ ويحتمل أنه ( سميع ) لما أسروا من القول، وجهروا به ( عليم ) بما أضمروا من العمل والشرور.

### الآية 8:54

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [8:54]

وقوله تعالى :( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ) فإن قيل : ما فائدة تخصيص ذكر آل فرعون من بينهم ؟ وما الحكمة في تكرار قوله ( كدأب آل فرعون ) ؟ قيل : يحتمل ذكر آل فرعون لما كانوا أقرب إلى هؤلاء من غيرهم ممن كان قبلهم. 
ألا ترى أنه قال :( إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) ؟ \[ المزمل : ١٥ \] وأنه\[ في الأصل وم : وإن \] يذكر أهل الكتاب منهم لما كانوا ينكرون بعث الرسل من غيرهم، ويقولون : إن محمدا أمي بعث إلى الأميين مثله ؟ فقال : إن موسى لم يكن من القبط، فبعث رسولا إليهم. فعلى ذلك محمد كان أميا، فبعث إلى الأميين وغيرهم، والله أعلم بذلك. 
وأما فائدة التكرار، والله أعلم، فهو\[ في الأصل وم : وهو \] أنه ذكر في الآية الأولى الأخذ بالذنوب والتعذيب، ولم يبين ما كان ذلك العذاب، فبين في الآية الأخرى أن ذلك العذاب هو الإهلاك والاستئصال حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( فأهلكهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون ). 
ويحتمل قوله تعالى :( فأخذهم الله بذنوبهم )\[ الأنفالك٥٢ \] في الآخرة بكفرهم بآيات الله في الدنيا، وذكر في إحدى\[ من م، في الأصل : أحد \] الآيتين العذاب في الآخرة، وفي الآية الآخرى الإهلاك في الدنيا. 
ولأنه ذكر في الآية الأولى الكفر بآيات الله، ولم يبين ذلك \[ وذكر \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] في الآية الأخرى التكذيب بآياته. فبين أن\[ في الأصل وم : حيث \] الكفر بآياته هو تكذيبها. 
ثم التكذيب إنما يكون في الأخبار، وكذلك التصديق. وفيه دلالة أن الإيمان هوالتصديق لأنه جعل مقابلة وعيده التكذيب. وفيه دلالة أن الإيمان ليس هو المعرفة لأن مقابلة الجهل بالله، ليس هو التكذيب، لكن بالمعرفة يكون التصديق، وبالجهل يكون التكذيب.

### الآية 8:55

> ﻿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [8:55]

وقوله تعالى :( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ذكر ههنا أن ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) وقال في آية أخرى ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون )\[ الأنفال : ٢٢ \] هم شر الدواب حين\[ في الأص وم : حيث \] سمعوا الآيات والحق، وعقلوها، فلم يؤمنوا بها ؛ أي لم ينتفعوا بما عقلوا مما وقع في مسامعهم ومما درسوا كمن لاسمع له، ولا لسان. نفى عنهم ذلك لما لم ينتفعوا بما عقلوا. 
ويحتمل أن يكون في الآخرة ؛ أي\[ أدرج في الأصل قبلها : هم \] يبعثون يوم القيامة عند الله صما بكما لما لم ينتفعوا في الدنيا بهذه كقوله تعالى :( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما )الآية\[ الإسراء : ٩٧ \]. 
وقوله تعالى :( إن شر الدواب عند الله ) أي شر من ( الدواب عند اله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ) وهو كما ذكر في آية أخرى :( الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون\[ الأعراف : ١٧٩ \] أخبر أن الذين كفروا بالله، وكذبوا بآياته أضل من الأنعام. وقد ذكرنا فائدة قوله :( بل هم أضل ) في موضعه. 
ويحتمل قوله :( شر الدواب ) أي شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين ( الذين كفروا فهم لا يؤمنون ) ثم يكونون\[ من م، في الأصل : يكون \] بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك الإيمان. 
ثم اختلف فيه ؛ قال بعضهم : نزل في بني قريظة ؛ عاهدوا رسول الله، ثم أعانوا مشركي مكة على رسول الله بالسلاح وغيرهم، فأقالهم رسول الله، وكانوا يقولون : نسينا، وأخطأنا، ثم عاهدهم ثانية، فنقضوا العهد. فذلك قوله :( ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ )

### الآية 8:56

> ﻿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ [8:56]

( ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ) نقض العهد، أو ( لا يتقون ) الشرك وقال بعضهم : نزل قوله :( إن شر الدواب ) إلى آخر الآية في المردة والفراعنة من الكفر ؛ كانوا عقلوا ما سمعوا، ودرسوا، ولكن غيروها، فلم يؤمنوا به. 
على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية، وإلى ما ذكرنا صرفوا\[ ساقطة من م \]. وإلا صرف الآية إلى أهل النفاق أولى ؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة\[ في الأصل وم : ومرة \] بعد مرة.

### الآية 8:57

> ﻿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [8:57]

وقوله تعالى :( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ) قيل : تأسرنهم في الحرب، وقيل : تلقينهم في الحرب، وقيل : تجدنهم في الحرب. ( فشرد بهم من خلفهم ) قيل : نكل بهم من بعدهم ؛ أي اصنع بهم ما ينكلون من خلفهم، أي يمنعون، وقيل : فعظ بهم من خلفهم أي من سواهم. 
الآية نزلت في قوم ؛ علم الله أنهم لا يؤمنون، وكان من عادتهم نقض العهد، فأمر\[ في الأصل وم : فأمرهم \] عز وجل رسوله أن ينكل بهؤلاء\[ في الأصل وم : هؤلاء \] ليكون ذلك عبرة وزجرا لم بعدهم، إن لم يكن ذلك لهم زجرا، فيكون في تنكيل هؤلاء منفعة لغيرهم إذا رأى غيرهم أنه فعل بهؤلاء ما ذكر. يكون ذلك زجرا لهم عن مثل صنيعهم. 
ولهذا ما قال :( ولكم في القصاص حياة )\[ البقرة : ١٧٩ \] من رأى أنه به امتنع عن قتل آخر، فيكون في ذلك حياة الخلق، وكذلك ما جعل من القتال ونصب الحرب في ما بينهم رحمة ؛ لأن في الطباع النفار عن القتل. فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى الله إشفاقا على نفسه وخوفا على تلف مهجته، فيكون في القتال رحمة. وكذلك جميع ما جعل الله في ما بين الخلق من العقوبات في النقض. وما دون النفس جعل زواجر وموانع عن المعاودة إلى مثله. 
فعلى ذلك قوله ( فشرد به من خلفهم ) عظة وزجر لمن بعدهم ( لعلهم يذكرون ) لكي يذكروا\[ في الأص وم : يذكرون \] النكال فلا ينقضوا العهد. وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب جعل دواعي وزواجر لموعود في النار، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا داعيا لما وعد في الآخرة، وكل كريه وقبيح زاجرا له عن الموعود في الآخرة في النار. وعلى هذا بناء أمر الدنيا. والتشريد قال أبو عبيدة : معناه من التفرقة ؛ أي فرق بينهم. 
وقال القتبي : قوله :( فشرد بهم من خلفهم ) أي افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل، يتفرق به من وراءهم من الأعداء. وقال\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] : ويقال :( فشرد بهم ) سمع بهم بلغة قريش، وقيل :\[ نكل بهم أي اجعلهم \]\[ في الأصل وم : نكلهم أي جعلهم \] عظة لمن وراءهم وهو ما ذكرنا. 
وقال أبو عوسجة : التنكيل : التخويف والرد عما يكره، والنكال العذاب. وقال غيره :( فشرد بهم من خلفهم ) أي اخلفهم بهم بما صنع هؤلاء. 
وقال أبو عبيد : التشريد في كلامهم التبديد والتفريق، وبعضه قريب من بعض. 
قال أبو عوسجة : قوله :( فشرد بهم من خلفهم ) أي نكل بهم حتى يخافك من خلفهم، والشريد الطريد، والشريد أيضا القليل.

### الآية 8:58

> ﻿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [8:58]

وقوله تعالى :( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ) أي لا تفعل بهم مثل ما فعلوا من الخيانة \[ فتكون أنت في الخيانة \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] سواء ؛ لأن عندكم أنكم معاهدون على عهد بعد عهد. ولكن انبذ إليهم، ثم ناصب في ما بينهم الحرب. 
وقال بعضهم : هو على حقيقة الخوف، يقول : إذا خفت منهم النقض أو الخيانة ( فانبذ إليهم ) أي ألق إليهم نقضك لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء. 
وقال أبو عبيدة : قوله :( فانبذ بهم على سواء ) أي أظهر لهم أنك عدو وأنك مناصب حتى يعلموا ذلك، فتصيروا على ذلك سواء. وقال بعضهم :( على سواء ) أي على أمر بين. 
قال أبو عبيد : قال غير واحد من أهل العلم ( فانبذ إليهم على سواء ) أعلمهم أنك تريد أن تحاربهم حتى يصيروا مثلك في العلم، فذلك السواء. 
قال الكسائي : السواء العدل، وقال :( فانبذ إليهم على سواء ) أي سر إليهم، وقد علموا بك، وعلمت بهم، وبعضها\[ في الأصل وم : وبعضهم \] قريب من بعض. 
وحاصل التأويل/٢٠٣-ب/ هو \[ التأويلات اللذان \]\[ في الأصل وم : التأويلين اللذين \] ذكرنهما، والله أعلم. 
وأصل العهد ما ذكر عز وجل في آية أخرى، وهو قوله :( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ )\[ التوبة : ٤ \] أمر عز وجل بإتمام العهد إلى المدة إذا لم ينقضونا شيئا، ولم يخونوا، ولم يظاهروا علينا أحدا منهم. فإذا فعلوا شيئا من ذلك فلنا أن ننقض العهد الذي بيننا وبينهم، إذا سألونا ؛ ليسا للإمام أن يعطي لهم العهد إذا لم يكن في العهد منفعة للمسلمين منفعة ظاهرة، وخير\[ في الأصل وم : وخيرا \] لهم مراعاة ذلك العهد وحفظه. فإذا خاف منهم قلة نقضه، والله أعلم. 
ثم إذا كانت\[ في الأصل وم : كان \] تلك الخيانة من جملتهم أو ممن له منفعة فله أن يناصب معهم الحرب، وإن لم ينبذوا إليهم. وإذا كان ذلك من بعض سبيل التلصص والسرقة فليس له أن يحاربهم إلا بعد النبذ إليهم.

### الآية 8:59

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ [8:59]

وقوله تعالى :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) قال بعضهم : لا تحسبن الذين نجوا قد\[ في الأصل وم : و \] تخلصوا منك يا محمد من المشركين إني لأظفرك بهم في غيره من الحروب والمغازي، وإنهم يقولون، ويعجزون الله عن ذلك. 
وقال بعضهم ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) ويفوتون عن نقمة الله وعذابه. 
وقرأ بعضهم : بنصب\[ انظر معجم القراءات القرآنية٢/٤٥٨ \] الألف : أنهم يعجزون فمن قرأ بالنصب طرح لا، وجعلها صلة، وقال : لا تحسبن أنهم يعجزون وأما قراءة العامة فهي بالخفض ( إنهم لا يعجزون ) وقيل : المعجز السابق.

### الآية 8:60

> ﻿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [8:60]

وقوله تعالى :( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) قال بعضهم :( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) ولا تخرجوا إلى الحروب والمغازي\[ في الأصل وم : من المغازي \] كما خرجتم إلى بدر بلا سلاح ولا قوة لأنه أراد أن يجعل حرب بدر آية ليميز بين المحق والمبطل وبين الحق والباطل. لذلك أمركم بالخروج إليه بلا سلاح ولا عدة. وأما غيرها من الحروب والمغازي فلا تخرجوا إليها إلا مستعدين لها. 
وبعد فإنهم إنما تركوا الاستعداد طاعة لربهم، وفي الاشتغال بالاستعداد ترك للطاعة له. وأمر عز وجل بالإعداد\[ في الأصل وم : بالاعتداد \] لهم ما استطاعوا من الأسباب لما أن ذلك أرهب للعدو من ترك الاستعداد، وإن كن عز وجل قادرا أن ينصرهم على عدوهم بلا أسباب\[ في الأصل وم : سبب \] يجعلها لأنفسهم، وهو كقوله ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله )\[ الحشر : ١٣ \] فأمر الله بالأسباب في الحروب، وإن كان قادرا على نصر أوليائه على عدوه بلا سبب. 
لكنه أمر بالأسباب لما أن جميع أمور الدنيا جعلها بالأسباب من نحو الموت والحياة وجميع الأشياء، وإن كان يقدر على إبقاء الإنسان والخلائق جميعا بلا غذاء ؛ يجعل لهم \[ الحياة \]\[ ساقطة من الأصل وم \] والموت بلا مرض ولا سبب، ولكن فصل بما ذكرنا. 
ثم اختلف في قوله :( من قوة ) قال بعضهم : القوة : الرمي. وعلى ذلك رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) فقال : ألا إن القوة الرمي »** قال ذلك ثلاثا\[ مسلم١٩١٧ \]. 
ويحتمل قوله :( ما استطعتم من قوة ) ما تقوون به. وقال بعضهم : القوة السلاح، وقال غيرهم\[ في الأصل وم : غيره \] : الخيل، وأمكن أن تكون جميع الأسباب للحرب. \[ في الأصل وم : الحرب \]. 
وفيه دلالة أن القوة التي هي أسباب الفعل يجوز أن تتقدم، ويكون قوله ( لو استطعنا لخرجنا معكم )\[ التوبة : ٤٢ \] أراد استطاعة الفعل، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) أمر برباط الخيل و الإعداد للحرب رهبة للعدو ( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) اختلف أهل التأويل فيه :
قال بعضهم : ترهبون برباط الخيل المشركين. وقالوا\[ في الأصل وم : وقال \] ( وآخرين من دونهم ) اليهود والنصارى، وهؤلاء الذين كانوا في ما بينهم، يرهبون\[ في الأصل وم : يرهب \] هؤلاء أيضا. 
وقال بعضهم :( وآخرين من دونهم ) الذين كانوا بينهم لا يعرفونهم كانوا طلائع\[ في الأصل وم : طلائعا \] للمشركين وعيونا لهم، يخبرونهم عن حال المؤمنين، يرهبون\[ في الأصل وم : يرهب \] هؤلاء أيضا. 
وقال آخرون : قوله :( وآخرين من دونهم ) ثم الشياطين، ورووا على ذلك عن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«هم الشياطين »** وقال :**«لن يخبل الشيطان إنسانا في داره فرس عتيق »**\[ ابن حجر في المطالب العالية، ٣٦٣٠ \]. 
ويحتمل أن يكون قوله :( وآخرين من دونهم ) هم الأعداء الذين يكونون من بعد إلى يوم القيامة ( لا تعلمونهم الله يعلمهم ) فإن كان ذلك ففيه دلالة بقاء الجهاد إلى يوم القيامة. 
وقال بعضهم :( وآخرين من دونهم ) هم الشياطين ( لا تعلمونهم الله يعلمهم ) وهو كقوله :( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم )\[ الأعراف : ٢٧ \]. 
فإن قيل : أي رهبة تقع للشياطين في ما ذكرنا من رباط الخيل والسلاح الذي ذكر ؟ قيل : ألا يكون لأوليائهم رهبة في قمع أوليائهم، أو يكون لأوليائهم رهبة نسب ذلك إليهم. وذلك كثير في القرآن. 
وقوله تعالى :( عدو الله وعدوكم ) سمى عدو الله \[ وعدوكم عدوا \]\[ في الأصل وم : وعدوكم سمى عدو الله، في م : وعدوا \] للمؤمنين ليعلم من اعتقد عداوة الله صار عدوا للمؤمنين، ومن اعتقد ولاية الله صار وليا للمؤمنين، ومن كان وليا للمؤمنين كان\[ في الأصل وم : يكون \] وليا لله. 
قوله تعالى :( وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) أخبر أن ما تنفقوا في سبيل الله يوفى إليهم\[ في الأصل وم : عليهم \] ذلك. أما الخلف في الدنيا \[ فهو \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لقوله :( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه )\[ سبإ : ٣٩ \] وأما في الآخرة \[ فهو \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الثواب. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وأنتم لا تظلمون ) \[ فيه وجهان :
أحدهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : في ما يأمركم بالجهاد في سبيل الله واتخاذ العدة والإنفاق فيها ؛ إذ أنفسكم وأموالكم لله ؛ له أن يأخذها منكم. 
والثاني :( وأنتم لا تظلمون ) في الثواب في الآخرة ؛ أي يعطيكم الثواب، أو الخلف في الدنيا، والله أعلم.

### الآية 8:61

> ﻿۞ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [8:61]

وقوله تعالى :( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ) قرئ بالنصب ( للسَّلم ) وقرئ بالخفض للسِّلم وقال\[ انظر معجم القراءات القرآنية ج٢/٤٦٠ \] أهل اللغة : من قرأ بالنصب ( للسلم ) حمل على المصالحة والموادعة، ومن قرأ بالخفض للسلم جعل ذلك في الإسلام العهد على ما ذكرنا في قوله ( الذين عاهدت منهم ثم ينقصون عهدهم في كل مرة )\[ الأنفال : ٥٦ \]. 
يقول : لا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من النقض ونكث العهود ( وتوكل على الله ) ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد فإن الله يطلعك، ويكفيك على ذلك. 
ومنهم من قال : قوله :( وإن جنحوا للسلم ) أي إذا خضعوا، وتوضعوا، للإسلام فأقبل منهم، واخضع لهم. كقوله :( واخفض جناحك للمؤمنين )\[ الحجر : ٨٨ \] أمره بخفض الجناح لهم، وكقول أبي بكر ؛ ذكر ههنا أنهم إذا طلبوا الصلح منا يلزمنا أن \[ نقبل ذلك منهم \]\[ في الأصل وم : نعطيهم \] وإذا لم يطلبوا منا ذلك لنا أن نطلب منهم الصلح إلا أن نضطر إلى ذلك. وهو ما ذكر في آية أخرى \[ حين قال \]\[ في الأصل وم : حيث \] ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون )\[ محمد : ٣٥ \] نهانا أن ندعوهم إلى الصلح، ولنا قوة وعدة للقتال معهم. وأما إذا كانوا طلبوا منا ذلك أولا فيجابون إلى ذلك. ويحتمل ما ذكرنا أي لا يمنعك ما\[ في الأصل وم : لما \] كان منهم من نقض العهد. 
وقوله تعالى :( فاجنح لها ) يحتمل ذكره بالتأنيث ؛ أي للمسالمة والمصالحة. وقال بعضهم :
السلم يأخذه منا ما رضيت به والحرب تكفيك من أنفاسها جرع
فإن قيل : ما المعنى في قول من قال بالإسلام بقوله :( فاجنح لها ) وهو كان يدعو إلى الإسلام، وهو /٢٠٤-أ/ لا شك أنه كان يقبل منهم الإسلام ؟ قيل : يحتمل أن يكون الأمر بالقبول أمرا بترك المؤاخذة لما\[ في الأصل وم : ما \] كان منهم في حال نقض العهد لأن من قولنا : إن ما أصابوا في حال العهد من الجراحات والأخذ يبتغون بها، ويؤاخذون، إذا أسلموا. وإذا نقضوا العهد، ثم أصابوا شيئا من ذلك، ثم أسلموا لم يؤاخذوا بذلك، فيحتمل أن يقول لهم :( فاجنح لها ) ولا يؤاخذهم بما كان منهم في حال نقض العهد. 
وقال الحسن : هذا منسوخ ؛ نسخها قوله :( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله )الآية\[ التوبة : ٢٩ \] وقال بعضهم : نسخها قوله :( وقاتلوا المشركين )الآية\[ التوبة : ٣٦ \] وقال بعضهم :\[ نسخها \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] قوله :( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون )\[ محمد : ٣٥ \]. 
والوجه فيه ما ذكرنا أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة نصرا للمسلمين أجابهم إلى ذلك، وصالحهم. وإذا طلبوا منه الصلح، وبالمسلمين قوة القتال والحرب معهم، لم يجبهم إلى ذلك. وما ذكر هؤلاء من نسخه فذلك لا نعرفه، والله أعلم.

### الآية 8:62

> ﻿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [8:62]

وقوله تعالى :( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ ) في الصلح ( فإن حسبك الله ) أي يطلعك الله على ما في قلوبهم من النفاق ؛ أي وإن خفت منهم أنهم يظهرون لك الإسلام في الظاهر، ويكونون في السر على ما كانوا من قبل فلا يمنعك ذلك عن قبول الإسلام منهم، فإن الله يطلعك \[ على \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ذلك، ويكفيك ذلك\[ في الأصل وم : على ذلك \]، وا لله أعلم. 
وقوله تعالى :( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ) يحتمل قوله :( وبالمؤمنين ) بالملائكة الذين أنزلهم معونة للمؤمنين يوم بدر. ويحتمل ( وبالمؤمنين ) المؤمنين \[ الذين \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] كانوا معه. فأخبر أنه يؤيده بنصره وبنصر المؤمنين. وكان النصر له بالله في الحقيقة. 
فقوله تعالى :( وما النصر إلا من عند الله )\[ آل عمران : ١٢٦ \] النصر من الله يكون مرة في الأسباب : بالمؤمنين وبغير ذلك من الأسباب، ومرة باللطف منه بلا سبب.

### الآية 8:63

> ﻿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:63]

وقوله تعالى :( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ) بالدين الذي اجتمعوا عليه كقوله :( إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار )\[ آل عمران : ١٠٣ \] أخبر أنهم كانوا أعداء ما داموا في الكفر، فلما أسلموا صاروا إخوانا. 
ولكن عندنا الإسلام يوجب التأليف والاجتماع بينهم\[ في الأصل وم : بينهما \]، ولكن يجوز ألا يوجد التأليف، وإن أوجد\[ في الأصل وم : وجد \]، ليعلم أن الله هو الذي يؤلف بينهم بلطفه وفضله بقوله :( ولكن الله ألف بينهم ) وقد يجوز أن يكون ما ذكر من تأليف القلوب، يكون مرة بالدين ومرة باللطف من الله. فإن كان الخلاف والعداوة بينهم بسبب الدين فإنه إذا وجد الوفاق ارتفع الخلاف والعداوة، وإذا كان للأطماع فهو يرتفع باللطف من الله ( إله عزيز حكيم ) ( عزيز ) لا يعجزه شيء ( حكيم ) في أمره وحكمه.

### الآية 8:64

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [8:64]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) قال بعضهم :( حسبك الله ) وحسبك من ( اتبعك من المؤمنين ) أي كفاك الله في العون والنصر لك، وكفاك المؤمنين أيضا في ما ذكرنا. وقال بعضهم ( حسبك الله ) نصرة الله، وحسبك نصر المؤمنين ؛ وهو على ما ذكر ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين )\[ الأنفال : ٦٢ \] والأول أشبه، والله أعلم.

### الآية 8:65

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [8:65]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ) التحريض على القتال يكون بوجهين :
أحدهما : أن يعد لهم من المنافع في الدنيا، ويطمع لهم ذلك من نحو ما جاء من التنفيل أن من فعل كذا فإنه كذا، أو يعد لهم المنافع في الآخرة كقوله :( إن الله اشترى من المؤمنين )الآية\[ التوبة : ١١١ \] وما ذكر من الثواب في الآخرة بالنفقة لهم في الدنيا والآخرة ووعد النصر لهم. 
والثاني : يكون التحريض بضرر يلحق أولئك ولكنه لا تصل إليهم كقوله :( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) إلى قوله :( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ) ( ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء )\[ التوبة : ١٣و١٤و١٥ \]. 
جمع الله عز وجل في هذه الآية جميع أنواع الخير الذي يكون في القتال مع العدو ومن وعد النصر للمؤمنين عليهم وإدخال السرور في صدورهم ونفي الخوف عنهم وتعذيب أولئك بأيديهم. وفيه إغراء على العدو بقوله :( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ) فذلك كله يحرض على القتال، ويرغبهم في الحرب مع العدو، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا )الآية اختلف في معنى هذا. قال بعضهم : قوله :( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ) كذا على الأمر ؛ كأنه قال : ليكن منكم عشرون صابرون يغلبوا كذا ؛ أمر العشرة القيام لئمة، وقال : دليله أنه على الأمر قوله :( آلان خفف الله عنكم )\[ الأنفال : ٦٦ \] ولو لم يكن على الأمر والعزيمة لم يكن لذكر التخفيف معنى. 
وقال آخرون : هو على الوعد\[ في الأصل وم : الوعيد \] أنهم إذا صبروا، وثبتوا لعدوهم، غلبوا عدوهم على ما أخبر ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله )\[ البقرة : ٢٤٩ \] ليس على الأمر لأنه قال ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) أخبر أنهم إذا صبروا غلبوهم، وهو كذلك. والله أعلم، إذ ظاهره وعد وخبر. والأشبه أن يكون على الأمر، ليس على الخبر على ما ذكرنا من قوله :( آلان خفف الله عنكم )\[ الأنفال : ٦٦ \]. 
وقوله تعالى :( بأنهم قوم لا يفقهون ) ما لهم، وما عليهم.

### الآية 8:66

> ﻿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [8:66]

وقوله تعالى :( الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ) \[ فيه وجهان :
أحدهما : إن \]\[ في الأصل وم : فان \] قيل : ما معنى قوله ( وعلم أن فيكم ضعفا ) وقد كان يعلم أن فيهم ضعفا\[ في الأصل وم : ضعف \] وقت ما أمر العشرة القيام لمئة والعشرين لمئتين ؟ قيل : أمر بذلك مع علمه أن فيهم ضعفا، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسهم، وذلك منه عدل، إ ذ له الأنفس، إن شاء أتلفها بالموت، وإن شاء بالقتل بقتل العدو. 
والتخفيف منه رحمة وفضل ؛ أمر الواحد القيام لعشرة على علم منه بالضعف ابتداء الامتحان منه، وله أن يمتحن عباده بما فيه وسعهم وبما لا وسع لهم فيه. وفي الحكمة ذلك، إذ له الأنفس، له أن يتلفها كيف شاء بما شاء ؛ وهو ما ذكر قوله :( ولو أن كتبنا عليهم )\[ النساء : ٦٦ \] ولو لم يكن له في الحكمة ذلك لا يحتمل أن يكتب ذلك عليهم. 
والثاني : يعلم فيهم الضعف، كائنا شاهدا كما علم أنه يكون ؛ وهو ما ذكرنا في قوله ( حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين )\[ محمد : ٣١ \] أي يعلم المجاهد كما علم أنه يجاهد فعلى هذا. 
ثم ذكر العشرة والعشرين يحمل على التحديد، ويحتمل لا على التحديد. ألا ترى أنه ذكر في الناسخ عددا غير العدد الذي في المنسوخ ؛ لأن في المنسوخ ذكر العشرين لمئتين، وفي الناسخ ذكر الألف لا لغير بقوله :( وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ) ؟ 
فإن كان لا على التحديد فيلزم لواحد القيام لاثنين، وفي الأول الواحد لعشرة. 
وعلى ذلك روي عن عمر رضي الله عنه، \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : إذا لقي الرجل رجلين من الكفار، فاستأثر، فلا فداء له علينا، فإذا لقي ثلاثة فأكثر فعلينا فداؤه، ولم يجعل للواحد الفرار من اثنين حين\[ في الأصل وم : حيث \] جعل عليه الفداء. 
وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال ذلك. 
ويحتمل /٢٠٤-ب/ على التحديد، إذا كمل العدد لم يسمح بالفرار، ويلزمهم القيام لهم. وإذا كانوا دون ذلك لم يلزم. 
وكذلك قال الحسن : أمر أن يصبر عشرون لمئتين، إن فروا منهم لم يعذروا، وأن يصبر الألف لألفين، إن فروا منهم لم يعذروا، قال : ثم أنزل الله ( الآن خفف الله عنكم وعلم إن فيكم ضعفا ) فأمر أن يصبر منه لمئتين، وإن فروا منهم لم يعذروا، وأن يصبر الألف للألفين ؛ إن فروا منهم لم يعذروا. فإن كان على التحديد فهو ما يقولون : إنهم لم يكونوا منعة، فإنه يسعهم ألا يقاتلوا. 
وقوله تعالى :( فإن يكن منكم مائة صابرة ) قال بعضهم : الصبر هو حبس النفس على ما أمر الله، وكفها عن جميع شهواتها ولذاتها. فإذا فعل ذلك غلب على العدو، وقهره. 
وقال بعضهم : الصبر هو أن يوطن نفسه في القتال مع العدو، ويحبسها في ذلك والشكر قيل : هو أن يبذل نفسه وما يحويه لله، لا يجعل لغيره، فيكون الشكر والصبر في الحاصل سواء، وإن كانا في العبارة مختلفين لأن الشكر هو بذل النفس وما حوته يده لله، والصبر هو الكف والاحتباس على جميع ما أمر الله وأداء ما فرض عليه فإذا حبسها عن غيره يكون باذلا، ولهذا سمي الصبر إيمانا بقوله ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات )\[ الانشقاق : ٢٥و. . \]. 
وقوله تعالى :( والله مع الصابرين ) في النصر لهم على عدوهم والغلبة عليهم.

### الآية 8:67

> ﻿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:67]

وقوله تعالى :( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) قال أبو بكر الكيساني\[ في الأصل وم : الكيسائي \] : عاتب الله رسوله وأصحابه في أخذ الأسارى بقوله :( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) وبالغ في العتاب في أخذ الفداء من الأسارى بقوله :( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ). 
وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم **«أنه لما استشار أصحابه في الأسارى أشار أبو بكر إلى أخذ الفداء، وعمر إلى القتل، فقال : لو نزل من السماء عذاب ما نجا إلا عمر »**\[ السيوطي في الدر المنثور٤/١٠٨ \] عاتبهم بالأخذ أخذ الأسارى وأشد العتاب في أخذ الفداء، وأمر بالقتل وضرب الرقاب بقوله :( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان )\[ الأنفال : ١٢ \] إنما أمر بضرب الرقاب وضرب البنان. 
وكذلك يخرج قوله :( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) على العتاب إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم. 
وعن ابن عباس \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : لم يكن الأنبياء، صلوات الله عليهم، في ما مضى يكون لهم أسارى حتى يثخنوا في الأرض. 
وعن سعيد بن جبير \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : لا يفادي أسارى المشركين، ولا يمن عليهم حتى يثخنوا بالقتل، ثم تلا :( حتى إذا أتخنتموهم فشدوا الوثاق )\[ محمد : ٤ \] إلى هذا هؤلاء. 
وقوله تعالى :( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) يخرج تأويل الآية على وجهين :
أحدهما : يقول : ما كان النبي أن يأخذ من الأسرى الفداء ( حتى يثخن في الأرض ) أي يغلب ؛ حتى إذا أخذ الفداء، وسرحهم بعد ما غلب في الأرض، يكون رجوعهم إلى غير منعة وشوكة. 
والثاني\[ في الأصل وم : و \] : إذا لم يغلب في الأرض ؛ أي حتى يصير الدين كله لله كقوله :( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله )الآية\[ البقرة : ١٩٣والأنفال : ٣٩ \] هذا لمن كان قبله، فرخص لرسوله.

### الآية 8:68

> ﻿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [8:68]

وقيل في قوله :( لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وجوه :
أحدها : ما قال أبو بكر الأصم : تأويله :( لولا كتاب سبق من الله سبق ) ألا يعذب المخطئين في عملهم على خلاف أمره، وإلا ( لمسكم ) العذاب ( فيما أخذتم ) \[ من الأسارى والفداء منهم \]\[ من م، في الأصل وأسلحتهم \] ( عذاب عظيم ). 
والثاني\[ في الأصل وم : و \] : قل بعضهم :( لولا كتاب من الله سبق ) أنهم يتوبون عما عملوا من الأخذ وغيره، وأنه يتوب عليهم، وإلا ( لمسكم ) العذاب. 
\[ والثالث \]\[ في الأصل وم : و \] التأويل في هذا غير هذا : كان في قوله :( فاضربو فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) دلالة إباحة الأمر ورخصته ؛ لأنه قال :( فاضربوا فوق الأعناق ) وهو\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] الإبانة من المفصل الذي \[ به إبانة \]\[ في الأصل وم : بيان به \] الرؤوس ؛ وذلك قل ما يمكن في القتال، ولا يقدر \[ على \]\[ ساقطة من الأصل وم \] إبانة الرؤوس في الحرب. إنما يمكن ذلك بعدما أخذوا، ودفعوا في أيديهم. 
وأ ما ذكر من ضرب البنان فهو في الحرب ؛ لأنه في الحرب إنما يضرب في ما ظفر، ووجد السبيل إلى ذلك، ففيه دلالة وتأويل قوله :( لولا كتاب من الله سبق لمسكم ) الآية تحتمل أن يكون ملحقا على ما سبق من قوله :( كا أخرجك الله من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) ( يجادلونك في الحق )الآية\[ الأنفال : ٥و٦ \] أي ( لولا كتاب من الله سبق ) أي لولا \[ ما سبق \]\[ ساقطة من الأصل وم \] من حكم الله أن يجل لكم الظفر على \[ إحدى الطائفتين، وإلا لمسكم العذاب بمجادلتكم رسول الله ومخالفتكم إياه في الخروج وإرادتكم العبر، أو أن يقال : لولا \[ ما سبق \]\[ ساقطة من الأصل وم \] من حكم الله ألا يعذب أحدا، ولا يؤاخذ له في الخطإ في العمل بالاجتهاد، وإلا لمسكم كذا. أو أن يكون قوله :( أخذتم ) أي علمتم. 
ثم قالت المعتزلة في قوله :( تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) دلالة على أن الله لا يريد ما أراد العباد إذا أرادوا المعاصي لأنه أخبر أنهم أرادوا عرض الدنيا، وهو يريد الآخرة. فهم أرادوا المعصية، وهو يريد حياة الآخرة وعرضها. 
وبعد فإنه قد أراد لهم الآخرة وحياتها، وهم أرادوا العير وعرض الدنيا. وقد كان ما أراد الله لهم لا ما أرادوا هم، أي اختار لهم غير ما اختاروا هم. 
وأصله أن الله عز وجل أراد الآخرة لأهل البدر، فكان ما أراد، وأراد لأولئك الكفرة النار، فكان ما أراد كقوله :( يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة )\[ آل عمران : ١٧٦ \] والأشبه أن تكون الإرادة ههنا المودة والمحبة ؛ أي تودون، وتحبون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث قال :( وإن يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم )\[ الأنفال : ٧ \] كانوا يودون أن القتال مع غير ذات الشوكة حتى تكون لهم الغنائم. 
والإرادة التي تضاف إلى الله تخرج على وجوه ثلاثة :
أحدها : الرضا كقوله :( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا )\[ الأنعام : ١٤٨ \] كانوا يستبدلون بتركه إياهم، وهم على \[ ظن \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أن الله قد رضي بصنيعهم. 
والثاني : الإرادة الأمر كقوله :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها )\[ الأعراف : ٢٨ \]. 
والثالث : الإرادة في صفة فعل كل قائل يخرج فعله على غير سهو وغفلة ولا طبع بل يخرج على الاختيار. 
وقال بعض أهل التأويل :**«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار في الأسارى يوم بدر أصحابه. فقال لأبي بكر :«ما تقولون فيه، فقال : يا رسول الله قومك وأهلك، فاستبقهم. واستبقاؤهم لعل الله يتوب عليهم. وقال عمر : يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله : انظر واديا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، وأضرمه عليهم نارا. فقال له العباس : قطعت رحمك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم شيئا، ثم قام، فدخل، فقال ناس : يقول بقول أبي بكر، وقال ناس : يقول بقول عمر، وقال \[ ناس \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] : يقول بقول عبد الله. ثم خرج عليهم رسول الله فقال إن لله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد /٢٠٥-أ/ من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( إن تعذبهم فإنهم عبادك )\[ المائدة : ١١٨ \] وإن مثلك يا عمر كمثل موسى حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم )\[ يونس : ٨٨ \] وقال : يا عمر إن مثلك كمثل نوح حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا )\[ نوج : ٢٦ \] ولا \[ ينفكن أحد منهم \]\[ في الأصل وم : يسئلن أحد منكم \] إلا بفداء أو ضربة عنق. قال عبد الله : إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام. فسكت رسول الله، فما رأتيني في يوم أخوف مني أن تقع علي حجارة في ذلك اليوم حتى قال رسول الله : إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) قبلكم، وأما أنتم فقد أحلت لكم الأسارى والغنيمة »**\[ أحمد ١/٣٨٣و٣٨٤ \]. 
ويدل أيضا ما روي من الأخبار والآيات على أنه إذا أثخن في الأرض جاز له الأسر لأنه لو لم يجز له ذلك كما يجوز قبل الإثخان في الأرض لزالت\[ في الأصل وم : زالت \] فائدة الخصوص، وقد بين الله ذلك بقوله :( حتى إذا أتخنتموهم فشدوا )\[ محمد : ٤ \]. 
ثم اختلف أهل العلم في فداء الأسارى بالمال. قال ابن عباس رضي الله عنه، قال : ذلك يوم بدر، والمسلمون قليل، فلما كثروا، واشتد سلطانهم، أنزل الله تعالى : في الأسارى :( فإما منا بعد وإما فداء )\[ محمد : ٤ \] فجعل النبي والمؤمنين بالخيار ؛ إن شاؤوا فدوهم. 
وعن الحسن \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : يصنع به ما صنع رسول الله بأسارى \[ بدر \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : يمن عليه أو يفادي. وقال غيرهما بخلاف ذلك. 
وقال أصحابنا : إن احتاج الإمام إلى مال فاداهم. وقد دل ما ذكرنا من الآيات والأخبار على جواز الفداء بعد الإثخان فيهم. فإن لم يكن إلى المال محتاجا فله قتلهم ؛ لأن ذلك الكافي العدو، وأشد \[ رهبة لهم \]\[ في الأصل وم : رهبتهم \] من المؤمنين. 
وقال\[ الضمير يعود على الحسن \] : فله أن يسترقهم، فهو كما قالوا : إذا كان الأسير من أهل الكتاب أو من العجم. فأماعرب عبدة الأوثان فلا يسترقون لأنا لا تعلم أحدا منهم استرقه النبي لما أسره، ولم يبلغنا أن أبا بكر استرق واحدا من أهل الردة، وكيف يجوز استرقاقهم، وقد قال الله تعالى :( تقاتلونهم أو يسلمون ) ؟ \[ الفتح : ١٦ \]. 
وأما الفداء والقتل فقد ظهر من فعل رسول الله في أسارى بدر ؛ وفي ما روي من الاستشارة النبي أصحابه في الأسارى دلالة العمل بالاجتهاد، وما روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال لأبي بكر وعمر :**«يا أبا بكر ويا عمر إن ربي يوحي \[ إلي \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] أن أشاوركما، ولولا أنكما تختلفان ما عصيتكما، أو عملت بخلاف رأيكما »**. 
فيه أنه لا يجوز لأحد أن يخالفهما، ورسوله الله يقول :**«ولولا أنكما تختلفان ما عصيتكما، أو عملت بخلاف رأيكما »** ثم ما أخذ من الأسارى من الفداء لا يدرى على أي وجه أخذ ؛ على الترك والرد إلى أوطانهم من غير أن تركهم بالجزية ؛ إذ من قولهم : ألا يجوز أخذ الجزية منهم والترك على ذلك، وفي الآية دلالة ذلك، وهو قوله :( تقاتلونهم أو يسلمون ) وفي الخبر : لا يجتمع دينان في جزيرة العرب إلا أن يقال : إن المفاد إلا الذي\[ في الأصل وم : التي \] ذكر. كان هذا، وهذا كان يعمله، والله أعلم.

### الآية 8:69

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [8:69]

وقوله تعالى :( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) قال بعضهم :( حلالا طيبا ) واحد ؛ كل حلال طيب، وكل حرام خبيث. وإنما يطيب إذا حل، ويخبث إذا حرم. ولكن يحتمل قوله :( حلالا طيبا ) \[ حلالا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] بالشرع طيبا في الطبع، وكذلك الحرام هو حرام بالشرع، وخبيث بالطبع. إنما يتكلم بالحل والحرمة من جهة الشرع والطيب والخبيث بالطبع. والطيب هو الذي يتلذذ به، ولا تبعة فيه ؛ لأن خوف التبعة ينغص عليه، ويذهب بطيبه ولذته. 
وجائز ما ذكر من الطيب ههنا لما أن أهل الشرك كانوا يأخذون الأموال، ويجمعونها من وجه لا يحل وبأسباب فاسدة، فيكرهون التناول منها إذا غنموا لتلك الأسباب الفاسدة، فطيب قلوبهم بقوله :( طيبا ). 
وفيه دليل جواز التقليب\[ في م : التغلب \] في البيع الفاسد وطيب التناول منه، وإن كان مكتسبا بأسباب فاسدة بعد أن يكون بإذن. فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا. 
وفيه دلالة أن أهل الكفر لا يؤاخذون بالأفعال التي كانت في الكفر ولا بما من العبادات لما ليست عليهم، إنما يؤاخذون بالاعتقاد. 
وقوله تعالى :( واتقوا الله ) في ما أمركم به، ونهاكم عنه، فلا تعصوه ( إن الله غفور رحيم ) لمن تاب، ورجع عما فعل.

### الآية 8:70

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىٰ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [8:70]

وقوله تعالى :( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتيكم خيرا مما أخذ منكم ). 
قال عامة أهل التأويل : إن الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب وأصحابه، وكذلك يقول ابن عباس : قالوا للنبي : آتنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، فنزل ( إن يعلم الله ) اعتقاد الإيمان والتصديق له ( في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) أي إيمانا وتصديقا، فيخلف عليكم خيرا مما أصيب منكم. 
لكنها فيه وفي غيره : من فعل مثل فعله فهو في ذلك سواء ؛ يكون من الموعود الذي ذكر ما يكون له. 
وقوله تعالى :( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ) وهو الإيمان الذي علم أنهم اعتقدوا في قلوبهم. 
وقوله تعالى :( يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) أي ما آتاكم خير، وهو الإيمان مما أخذ من المال الذي ذكر في القصة. 
ويجوز : يفعل مكان فعل كقوله :( إذ يقول المنافقون )\[ الأنفال : ٤٩والأحزاب١٢ \] أي قال المنافقون، وذلك كثير في القرآن. فعلى ذلك قوله :( يؤتكم خيرا ) أي آتاكم خيرا. 
ويحتمل قوله :( يؤتكم ) أيضا أي يثبكم، ويعطكم أفضل مما أخذ منكم في الآخرة، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ويغفر لكم والله غفور رحيم ) لما كان في الشرك كقوله :( فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم )\[ البقرة : ١٩٢ \] للذنوب، ذو تجاوز ( رحيم ) يرحمهم في الإسلام. 
ويحتمل قوله :( يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) من الفداء أو مما\[ في الأصل : لما، في م : ما \] أخذ منكم\[ في الأصل وم : منهم \] بمكة. أخبر أنه يؤتيهم\[ في الأصل وم : يؤتهم \] خيرا من ذلك في الدنيا من الأموال وغيرها. 
والإثخان : قال ابن عباس : القتل. قال أبو معاذ : يثخنون أي يذللون\[ في الأصل وم : يذللوا \]، المثخن الذليل، قال أبو عوسجة :( حتى يثخن في الأرض ) أي يثخن في أهل \[ الأرض \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ؛ يكثر القتلى والجراحات. يقال : أثخنت في القوم إذا كثرت فيهم القتل والجراحات. ويقال : ضربه حتى أثخنه أي ضربه حتى لا يقدر على القيام، وهو ما ذكر محمد في بعض مسائله : إنه إذ رمى صيدا بسهم، فأصابه، حتى أثخنه، ثم رمى آخر بسهم فأصابه، فإنه للأول لما أنه صيره بالإثخان خارجا من أن يكون صيدا، وهو الضرب الذي وصفناه، وثخن ثخانة، فهو ثخين، ثخن يثخن ثخونة واحد أي غلُظ.

### الآية 8:71

> ﻿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [8:71]

وقوله تعالى :( وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم ) يحتمل أن تكون الآية صلة ما سبق من الآيات، وهو وقوله :( الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة )الآية\[ الأنفال : ٥٦ \] وقوله :( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله )الآية\[ الأنفال : ٦٢ \] وغير ذلك ( وإما تخافن من قوم خيانة )\[ الأنفال : ٥٨ \] ونحوه. فقال :( وإن يريدوا خيانتك ) في نقض العهد وغير ذلك من الأمانات ( فقد خانوا الله من قبل ) في ما عاهدوا\[ في الأصل وم : عهدوا \] أن يوفوا ذلك بقولهم\[ في الأصل وم : قولهم \] :( لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين )\[ يونس : ٢٢ \] كقوله :( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين )\[ التوبة : ٧٥ \] فقد آتاهم الله ذلك، فلم يوفوا ما عاهدوا وغير ذلك من العهود التي عاهدوا\[ في الأصل وم : عهدوا \] والأمانات التي ائتمنوا فيها، فخانوا الله في ذلك، أو ما عهد /٢٠٥-ب/ فيهم في أمر محمد وإظهار بعثه\[ في الأصل وم : نعته \] وصفته في كتبهم فكتموا ذلك، وحرفوه، وأظهروا بعثه\[ في الأصل وم : نعته \] وصفته فذلك منهم خيانة فيقول : إنهم قد ( خانوا الله من قبل فأمكن منهم ) فإذا خانوك يمكنك منهم أيضا. 
وقوله تعالى :( فأمكن منهم ) أي انتقم منهم جزاء خيانتهم. وقال : أمكنك حتى انتقمت منهم. 
وقوله تعالى :( وإن يريدوا خيانتك ) ليس على الإرادة، ولكن على وقوع فعل الخيانة ؛ كأنه قال : وإن خانوك ( فقد خانوا الله من قبل ) لكنه ذكر الإرادة لما هي صفة كل فاعل مختار لما لا تكون الأفعال إلا بإرادة. 
وقوله تعالى :( والله عليم ) بما يسرون، ويضمرون من الخيانة ونقض العهود ( حكيم ) في أمره حكمه حين\[ في الأصل وم : حيث \] أمكنك منهم. 
وقال بعضهم في قوله :( وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل ) أي خانوك بعد إسلامهم بالكفر ( فقد خانوا الله من قبل ) فقد كفروا بالله قبل هذا ؛ يقول : إن خانوك أمكنك منهم، فقتلتهم، وأسرتهم، كما فعلت بهم ببدر ( والله عليم ) بخلقه ( حكيم ) في أمره.

### الآية 8:72

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [8:72]

وقوله تعالى :( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله )، قوله ( آمنوا ) أي صدقوا آيات الله وحججه، أو صدقوا رسوله في جميع ما جاء به، كأنه مقابل قوله ( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله ) ( الأنفال ٥٤ ) وقوله[(١)](#foonote-١) ذكر ههنا التصديق مكان التكذيب في ذلك. 
وقوله تعالى ( وهاجروا ) في إظهار دين الله ونصره ( بأموالهم وأنفسهم ) أي بذلوا ذلك. 
( والذين آووا ) أي ضموا النبي. ( ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ). قال ابن عباس وعامة أهل التأويل : الولاية التي ذكرت في الآية في التوارث ؛ جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام الذين آمنوا ولم يهاجروا إلى المدينة، وكذلك قالوا في قوله :( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ). 
وروي عن عبد الله \[ أنه \][(٢)](#foonote-٢) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة. 
وعن جرير بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \][(٣)](#foonote-٣) قال كذلك. وعن المسعودي عن القاسم \[ أنه \][(٤)](#foonote-٤) قال : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فآخى بين عبد الله بن مسعود والزبير بن العوام، \[ فجعلهم \][(٥)](#foonote-٥) إخوة، يتوارثون بها ؛ لأنهم هاجروا، وتركوا قراباتهم حتى أنزل الله آية المواريث. 
وعن ابن عباس في قوله ( والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) ( النساء ٣٣ ) \[ أنه \][(٦)](#foonote-٦) قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرثون [(٧)](#foonote-٧) الأنصار دون أرحامهم[(٨)](#foonote-٨) بالأخوة التي آخى النبي بينهم، فلما نزل قوله ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ) نسخه ( والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) ( النساء ٣٣ ) من النصر والنصيحة والرفادة، ويوصي له، ولا ميراث. 
وعن الحسن في قوله تعالى ( وأولوا الأرحام أولى ببعض في كتاب الله ) ( الأنفال ٧٥ والأحزاب ٦ ) فكان المسلمون يتوارثون بالهجرة ؛ فكان الأعرابي لا يرثه المهاجر، ولا يرثه الأعرابي، فحرضهم بذلك على الهجرة حتى كثر المسلمون، فأنزل الله تعالى ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) الآية، فورث الأعرابي المهاجر، وتوارثوا بالأرحام، إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل. 
وكانوا يرون أن الهجرة كانت مفترضة، فزال فرضها بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا هجرة بعد الفتح ؛ ولكنه جهاد ونية " \[ البخاري ٢٧٨٣ \] وعن عائشة رضي الله عنها \[ أنها \][(٩)](#foonote-٩) قالت : انقطعت الهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، فإنما كانت الهجرة إلى الله ورسوله، والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يقيموا عنه، وقد أفشى الله الإسلام. 
هذا الذي ذهب \[ إليه \][(١٠)](#foonote-١٠) إليه هؤلاء في قوله[(١١)](#foonote-١١) ( بعضهم أولى ببعض ) في التوارث محتمل. 
ويحتمل غير هذا ؛ وهو أن قوله ( إن الذين آمنوا وهاجروا ) إلى قوله :( والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ) أي بعضهم أولياء بعض في تمام الولاية في التناصر والتعاون والحقوق والديانة، فهم أولى ببعض من الذين آمنوا ولم يهاجروا ؛ لأنهم آمنوا وهاجروا، أي تركوا منازلهم وأهلهم وقراباتهم وبلدهم الذي كانوا فيه مقيمين إشفاقا على دينهم واستسلاما لهم ولأنفسهم، والأنصار آووهم، و أنزلوهم في منازلهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، وتحملوا جميع مؤنهم من غير أن كان سبَقَ منهم إليهم شيء، فصاروا لهم أعوانا وأنصارا، فصار بعضهم أولياء بعض في تمام ما ذكرنا من الولاية. 
\[ وقوله تعالى \][(١٢)](#foonote-١٢) :( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) أي ما لكم من ولايتهم أي من تمام ما ذكرنا من الولاية لهم : ولاية الذين \[ هاجروا، أي \][(١٣)](#foonote-١٣) ليس لهم ولاية التناصر والتعاون والحقوق والمنافع التي تكتسب بالدين. 
وفي قوله :( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ) دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأنه عز وجل أبقى للذين لم يهاجروا اسم الإيمان، وكانت الهجرة عليهم مفترضة، وفي تركهم الهجرة مرتكبون[(١٤)](#foonote-١٤) كبيرة، لا يزول عنهم[(١٥)](#foonote-١٥) اسم الإيمان. 
وقوله تعالى :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ( الأنفال ٧٥ ) مِنْ غيرهم لأنهم آمنوا وهاجروا، ولهم قرابة سابقة ورحم متقدم ؛ كانوا هم أولى من غيرهم الذين[(١٦)](#foonote-١٦) لا قرابة بينهم، ولا رحم ؛ إذا اجتمع فيهم الرحم والمعونة والديانة والحقوق اجتمع فيهم[(١٧)](#foonote-١٧) أشياء أربعة، وفي أولئك ثلاثة، فهم أولى بهم من غيرهم. هذا على التأويل الذي ذكرنا، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وإن استنصروكم في الدين ) يعني الذين لم يهاجروا، ويحتمل وجهين :
أحدهما[(١٨)](#foonote-١٨) : إذا طلبوا منكم المعونة والنصرة على عدوهم فعليكم النصر والمعونة لهم، إذا لم يكن بينكم وبين أولئك ميثاق. 
والثاني : إذا علمتم أنهم يخشون على أنفسهم من عدوهم، ويخافونه، فانصروهم ( إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) فلا تنصروهم ؛ تأويله حتى تنبذوا إليهم العهد. 
يقول : إن استنصركم[(١٩)](#foonote-١٩) يا معشر المهاجرين إخوانُكم المؤمنون الذين لم يهاجروا إليكم، فأتاهم عدوهم من المشركين، فقاتَلوهم ليردوهم عن الإسلام فانصروهم، ثم استثنى فقال :( إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) يقول : إن استنصركم الذين لم يهاجروا إلى المدينة على أهل عهدكم فلا تنصروهم ( والله بما تعملون بصير ) في المعونة والنصرة ونحوهما[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وقوله تعالى :( ما لكم من ولايتهم من شيء ) قرئ[(٢١)](#foonote-٢١) بالخفض : وِلايتهم، وبالنصب جميعا وَلايتهم أي بنصب الواو وخفضها. وكذلك التي في الكهف :( هنالك الولاية لله ) ( الآية ٤٤ ) بالخفض والنصب جميعا[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
قال بعض أهل الأدب : الوَلاية بفتح الواو : النصرة والمعونة، والوِلاية بخفض الواو : السلطان ؛ أي السلطان لله. 
وقال بعضهم : الولاية بالخفض : المعونة والنصرة ؛ والوَلاية : السلطان. وقال آخرون : هما سواء، وهي[(٢٣)](#foonote-٢٣) النصرة والمعونة : الوَلاية في الإمارة والسلطان، والولاية في الدين.

١ ) في الأصل وم: و..
٢ ) ساقطة من الأصل وم..
٣ ) ساقطة من الأصل وم..
٤ ) ساقطة من الأصل وم..
٥ ) ساقطة من الأصل وم..
٦ ) ساقطة من الأصل وم..
٧ ) في الأصل وم: يرث..
٨ ) في الأصل وم: رحمه..
٩ ) ساقطة من الأصل وم..
١٠ ) ساقطة من الأصل وم..
١١ ) في الأصل وم: قول..
١٢ ) ساقطة من الأصل وم..
١٣ ) في الأصل وم: و..
١٤ ) في الأصل وم: مرتكبين..
١٥ ) في الأصل وم: عنه..
١٦ ) من م، في الأصل: الذي..
١٧ ) في الأصل وم: فيه..
١٨ ) في الأصل وم: يحتمل..
١٩ ) في الأصل وم: استنصروا..
٢٠ ) في الاصل وم: ونحوه..
٢١ ) انظر معجم القراءات القرآنية ج٢/ ٤٦٥ وحجة القراءات / ٣١٤..
٢٢ ) انظر معجم القراءات القرآنية ج٣/ ٣٦٩..
٢٣ ) في الأصل وم: وهو..

### الآية 8:73

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [8:73]

وقوله تعالى :( والذين كفروا أولياء/ ٢٠٦- أ /بعض ) على قول ابن عباس وعامة أهل التأويل ( بعضهم أولياء بعض ) في التوراة على ما قالوا في المهاجرين والأنصار ( بعضهم أولياء بعض ) في التناصر والتعاون والدين والحقوق جميعا على ما ذكرنا في المؤمنين. 
وقوله تعالى :( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) قيل فيه بوجوه :
أحدها : إن إخوانكم الذين لم يهاجروا إذا استنصروكم على عدوهم، فلم تنصروهم، تكون ( فتنة في الأرض وفساد كبير ) أي إن لم تكونوا بعضكم أعوانا وأنصارا لبعض على ما كان أهل الكفر بعضهم أنصارا لبعض، غلبكم العدو، وقهركم، فيكون في ذلك فتنة وفساد، ويكون كأنه قال :( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ( الأنفال ٣٩ ). 
والثاني[(١)](#foonote-١) : قوله ( إلا تفعلوه تكن فتنة ) ملحق[(٢)](#foonote-٢) بقوله ( إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) ( الأنفال ٧٢ ) أي إن استنصركم إخوانكم على قوم بينكم وبينهم ميثاق، فنصرتموهم تكن فتنة وفساد كبير. 
والثالث[(٣)](#foonote-٣) : قوله ( إلا تفعلوه ) في ما أمركم به من جعل التوارث في ما بين المؤمنين، وجعلتم الميراث والتوارث في ما بينكم وبين الكفار ( تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) لأن الله عز وجل ذكر المواريث، ثم ذكر في آخر الآية :( تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله ) ( النساء ١٣ ) وما ذكر من ترك حدود الله وطاعة رسوله وجعل الميراث وغير ما أمر عز وجل ( تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ).

١ ) في الأصل وم: وقال بعضهم..
٢ ) في الأصل وم: ملحقا..
٣ ) في الأصل وم: وقال بعضهم..

### الآية 8:74

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [8:74]

وقوله تعالى ( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا ) أي ضموا رسول الله والمهاجرين، ونصروهم ( أولئك هم المؤمنون حقا ) أي المهاجرون والأنصار ؛ الذين ضموا ( أولئك هم المؤمنون حقا ) لما حققوا إيمانهم بأعمالهم لأنهم هاجروا، \[ وتركوا \][(١)](#foonote-١) بلادهم وأهلهم وأموالهم إشفاقا على دينهم واستسلاما له، وأجابوا رسول الله، وأطاعوه في ذلك. 
وأولئك الأنصار ضموهم[(٢)](#foonote-٢) إلى أنفسهم، وأنزلوهم في منازلهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، ونصروهم على عدوهم، فقد حققوا جميعا إيمانهم بأعمالهم التي عملوا. 
ويحتمل قوله :( أولئك هم المؤمنون حقا ) أي صدقا في السر والعلانية، ليس كإيمان المنافقين يكون في العلانية، ولا يكون في السر كقوله :( ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) ( العنكبوت ٣ ) وقوله ( وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) ( العنكبوت : ١١ ). 
ويحتمل قوله :( أولئك هم المؤمنون حقا ) أي وَعَدَ لهم وعدا حقا )، وهو ما ذكر في آية أخرى ( لهم مغفرة ورزق كريم ). ويحتمل ( أولئك هم المؤمنون حقا ) أي أولئك المؤمنون الذين حققوا الإيمان به. 
وقوله تعالى :( لهم مغفرة ورزق كريم ) أي حَسَنٌ يكرم أهله به.

١ ) ساقطة من الأصل وم..
٢ ) في الأصل وم: ضموا..

### الآية 8:75

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [8:75]

وقوله تعالى :( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا معكم ) أي من آمن بعد هؤلاء، وهاجروا بعد مهاجرة أولئك، فإنهم يلحقون أوائلهم في جميع ما ذكر في قوله[(١)](#foonote-١) :( إن الذين آمنوا وهاجروا ) ( الأنفال : ٧٢، و٧٤، و٧٥ ). من قبل، يذكر هذا، والله أعلم، لنعمل نحن على ما عمل أولئك من الهجرة والنصرة وبذل الأنفس والأموال وغير ذلك للدين على ما بذل أولئك، وأشفقوا على دينهم. 
وقوله تعالى :( فأولئك منكم، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) هو ما ذكرنا أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض بالتركة والتوارث من جملة المؤمنين. فإذا لم يكن أولوا الأرحام فجملة المؤمنين أولى. 
وعلى ذلك يُخرَّجُ قولُ أصحابنا : إن أولي الأرحام بالميراث أولى من جملة المؤمنين، مِنْ[(٢)](#foonote-٢) بيت المال. فما دام واحد من هؤلاء فهو أولى بالميراث. وعلى ذلك يُخرَّجُ قولهم في العقل أنه على ذوي الأرحام ما داموا هم. فإذا لم يكن أحد منهم فهو على جملة المؤمنين في بيت المال. 
وقوله تعالى :( إن الله بكل شيء عليم ) بالعباد، وما يكون منهم و( بكل شيء عليم ) بما يحتاجون، وما لا يحتاجون ؛ وهو حرف وعيد، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) أي بعضهم أولى ببعض في حق التوارث من المؤمنين الذين هاجروا، فنَسَخَت[(٣)](#foonote-٣) هذه الآية حكم الميراث الذي ذكر في قوله :( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ) لأنه كان جعل التوارث بينهم بحق الإيمان والهجرة. ثم نسخ ذلك، وجعل الميراث بالرّحم حين[(٤)](#foonote-٤) قال :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وكذلك ما ذكر في سورة الأحزاب حين[(٥)](#foonote-٥) قال :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ) ( الآية ٦ ). فإذا لم يبق من الرحم أحد فبعد ذلك يكون جملة المؤمنين. 
وقوله تعالى :( في كتاب الله ) في حكم الله، أو ( في كتاب الله ) لأنه ذكر في كتاب الله. 
ثم لزوم الهجرة على الذين هاجروا مع رسول الله وعلى الذين تأخرت هجرتهم سواء، قد سوّى بينهم في اللزوم، وجمع بين المهاجرين والأنصار في حق الشهادة لهم بالتصديق والإيمان حين[(٦)](#foonote-٦) قال :( هم المؤمنون حقا ) ( الأنفال ٧٤ ) وجمع بينهم في حق الولاية وما يكتسب بها من المنافع حين[(٧)](#foonote-٧) قال :( أولئك بعضهم أولياء بعض ) ( الأنفال ٧٢ ) وجمع بينهم في الثواب والدرجة حين[(٨)](#foonote-٨) قال :( لهم مغفرة ورزق كريم ) ( الأنفال ٧٤ ) وجمع بينهم في هذه الخصال، وإن قَدَّم ذكر المهاجرين في غير واحدة[(٩)](#foonote-٩) من الآيات لما كانوا مستوين في الأسباب التي استوجبت[(١٠)](#foonote-١٠) ذلك ؛ لأن من المهاجرين تَرْكَ الأوطان والمنازل والخروجَ منها والمفارقةَ عن أهليهم وأموالهم، وكان من الأنصار مقابل ذلك إنزالهم في منازلهم وأوطانهم وبذل أموالهم وقيام أهليهم في خدمتهم، لذلك كان ما ذكر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

١ ) في الأصل وم: أولئك.
٢ ) في الأصل وم: هو..
٣ ) في الأصل وم: فنسخ..
٤ ) في الأصل وم: حيث..
٥ ) في الأصل وم: حيث..
٦ ) في الأصل وم: حيث..
٧ ) في الأصل وم: حيث..
٨ ) في الأصل وم: حيث..
٩ ) في الأصل وم: واحد..
١٠ ) في الأصل وم: استوجبوا..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/8.md)
- [كل تفاسير سورة الأنفال
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/8.md)
- [ترجمات سورة الأنفال
](https://quranpedia.net/translations/8.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/8/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
