---
title: "تفسير سورة الأنفال - أيسر التفاسير - أسعد محمود حومد"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/8/book/54.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/8/book/54"
surah_id: "8"
book_id: "54"
book_name: "أيسر التفاسير"
author: "أسعد محمود حومد"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنفال - أيسر التفاسير - أسعد محمود حومد

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/8/book/54)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنفال - أيسر التفاسير - أسعد محمود حومد — https://quranpedia.net/surah/1/8/book/54*.

Tafsir of Surah الأنفال from "أيسر التفاسير" by أسعد محمود حومد.

### الآية 8:1

> يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [8:1]

يَسْأَلُونَكَ
 (١) - الأنفالُ هِيَ المَغَانِمُ التِي يَغْنَمُها المُقَاتِلُونَ فِي الحَرْبِ. وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي بَدْرٍ حِينَ اخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ، بَعْدَ نَصْرِهِمْ عَلَى قُرَيْشٍ، حَوْلَ الطَّرِيقَةِ التِي تُقْسَمُ بِمُوجِبِهَا الغَنَائِمُ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي الفَضْلَ فِي نَصْرِ المُسْلِمِينَ، وَهَزِيمة أعْدَائِهِمْ، فَانْتَزَعَها اللهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَجَعَلَها إلى اللهِ، وَإلى رَسُولِهِ، لِيَقْسِمَها الرَّسُولُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
 وَيَقُولُ تَعَالَى: يَسْألُكَ المُسْلِمُونَ عَنِ الأَنْفَالِ. قُلْ: هِيَ للهِ يَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمِهِ، وَلِلرَّسُولِ يَقْسِمها وَفْقاً لِمَا شَرَعَهُ اللهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي أُمُورِكُمْ، وَاجْتَنِبُوا مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الخِلافِ حَوْلَ قِسْمَتِها، وَأَصْلِحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَلا تَخْتَصِمُوا وَلا تَتَظَالَمُوا، وَلاَ تَتَشَاتَمُوا، وَلاَ يُعَنِّفُ بَعْضُكُمْ بَعضاً، فَمَا آتَاكُمُ اللهُ مِنَ الهُدى خَيْرٌ مِمَّا تَخْتَصِمُونَ فِيهِ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي قِسْمَتِهَا، فَإِنَّ الرَّسُولَ إِنَّمَا يَقْسِمُها وَفْقاً لِمَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ، مِنْ عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ، وَالمُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ، ذَوُو الإِيمَانِ الكَامِلِ، هُمُ الذِينَ يُطِيعُونَ اللهَ فِيمَا حَكَمَ، وَيُطِيعُونَ رَسُولَهُ فِيمَا قَسَمَ.
 الأَنْفَالِ - غَنَائِمِ الحَرْبِ.
 للهِ وَالرَّسُولِ - مُفَوَّضٌ إِلَيْهِمَا أَمْرُها.
 ذَاتَ بَيْنِكُمْ - أَحْوَالَكُمْ التِي يَحْصُلُ بِهَا اتِّصَالُكُمْ.

### الآية 8:2

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [8:2]

آيَاتُهُ إِيمَاناً
 (٢) - يُعَرِّفُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمُ: الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ فَزِعَتْ قُلُوبُهُمْ وَخَافَتْ (وَجِلَتْ)، وَعَمِلَتْ بِمَا أَمَرَ اللهُ، وَتَرَكَتْ مَا نَهَى عَنْهُ. فَالمُؤْمِنُونَ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَهُمُّوا بِمَعْصِيَةٍ أَوْ يَظْلِمُوا، وَقِيلَ لَهُمْ: اتَّقُوا اللهَ، ارْتَدَعُوا عَمَّا هَمُّوا بِهِ خَوْفاً مِنَ اللهِ. وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ رَسَّخَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ وَزَادَ فِيهِ، وَهُمْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ، لاَ يَرْجُونَ سِوَاهُ، وَلاَ يَلُوذُونَ إِلاَّ بِجَناَبِهِ، وَلاَ يَسْأَلُونَ غَيْرَهُ.
 وَجِلْتْ - فَزِعَتْ وَرَقَّتِ اسْتِعْظَاماً وَهَيْبَةً.
 يَتَوكَّلُونَ - يَعْتَمِدُونَ عَلَى اللهِ وَإِلَيهِ يُفَوِّضُونَ أمُورَهُمْ.

### الآية 8:3

> ﻿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [8:3]

الصلاة رَزَقْنَاهُمْ
 (٣) - وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ تَعَالَى إِيمَانَ المُؤْمِنِينَ وَاعْتِقَادَهُم، أَشَارَ هُنَا إلَى أعْمَالِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ يُؤَدُّونَ الصَّلاَةَ حَقَّ أَدَائِها، بِخُشُوعٍ وَحُضُورِ قُلُوبٍ، وَيُنْفِقُونَ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مِنْ جِهَادٍ، وَزَكَاةٍ، وَصَدَقَاتٍ، وَيَفْعَلُونَ الخَيْرَاتِ كُلَّهَا.

### الآية 8:4

> ﻿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [8:4]

أولائك دَرَجَاتٌ
 (٤) - وَالمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصَّفَاتِ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقَّ الإِيمَانِ، لَهُمْ دَرَجَاتٌ مِنَ الكَرَامَةِ وَالزُّلْفَى عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَهُمْ مَنَازِلُ وَمَقَامَاتٌ فِي الجَنَّاتِ، وَيَغْفِرُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ، وَيَشْكُرُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ، وَيَرْزُقُهُمْ رِزْقاً طَيِّباً وَافِراً كَرِيماً.

### الآية 8:5

> ﻿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [8:5]

لَكَارِهُونَ
 (٥) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّكُمْ كَمَا اخْتَلَفْتُمْ حَوْلَ قِسْمَةِ المَغَانِمِ، فَأَخَذَهَا اللهُ مِنْكُمْ، وَجَعَلَهَا لِرَسُولِهِ، يَقْسِمُهَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ المُسْلِمِينَ، كَذَلِكَ كَرِهْتُمُ الخُرُوجَ إلَى الأَعْدَاءِ، وَفَضَّلْتُمُ الاتِّجَاهَ نَحْوَ عِيرِ قُرَيشٍ، لِتَفُوزُوا بِالمَغْنَمَ، دُونَ التَّعَرُّضِ إلَى مَخَاطِرِ الحَرْبِ، وَلَكِنَّ اللهَ قَدَّرَ لِقَاءَكُمْ بِالمُشْرِكِينَ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، وَعَلَى غَيْرِ انْتِظَارٍ، فَأَخْرَجَكُمْ رَبُّكُمْ إِلَيْهِمْ، وَكَثيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَارِهُونَ لِلْحَرْبِ، وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ.

### الآية 8:6

> ﻿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [8:6]

يُجَادِلُونَكَ
 (٦) - خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ بِالمُسْلِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ إلَى بَدْرٍ لِيَعْتَرِضَ سَبيلَ قَافِلَةٍ لِقُرَيشٍ قَادِمَةٍ مِنَ الشَّامِ إلَى مَكَّةَ، وَعَلِمَ أَبُو سُفْيَانَ - وَكَانَ عَلَى رَأسِ القَافِلَةِ - بِخُرُوجِ المُسْلِمِينَ فَأْرَسَل إلَى قُرَيشٍ خَبَراً لِيَخْرُجُوا لِمَنْعِ المُسْلِمِينَ مِنَ الاسْتِيلاَءِ عَلَى القَافِلَةِ. وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ بِخُرُوجِ قُرَيشٍ، وَكَانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يُفَضِّلُونَ العِيْرَ، وَيَكْرَهُونَ القِتَالَ، وَيُرِيدُونَ المَغْنَمَ السَّهْلَ. وَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ إِنَّهُمْ سَيَلْقُونَ حَرْباً لاسْتَعَدُّوا لَهَا. وَأَخَذُوا يُجَادِلُونَ النَّبِيَّ فِي أَمْرِ القِتَالِ، مَعَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُمْ بِأنَّ اللهَ وَعَدَهُ النَّصْرَ، وَكَانَ وَعْدُ اللهِ حَقّاً، فَهُمْ فِي ذَهَابِهِمْ إلَى القِتَالِ كَأنَّمَا يُسَاقُونَ إلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيهِ.

### الآية 8:7

> ﻿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [8:7]

الطائفتين بِكَلِمَاتِهِ الكافرين
 (٧) - خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إلَى بَدْرٍ وَهُمْ فِي حَوَالَي أَلَفِ رَجُلٍ، وَانْحَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ بِالقَافِلَةِ إلَى طَرِيقِ البَحْرِ، وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ حَتَّى وَصلوا بَدْراً، وَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بِوُجُودِ قُرْيَشٍ بِالقُرْبِ مِنْهُمْ. وَلَمَّا عَلِمَ الرَّسُولُ ﷺ بِوُجُودِ قُرَيشٍ قَريباً مِنْهُمْ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا حَوَاليِ ٣١٧ رَجُلاً، فِيمَا يَفْعَلُ. وَكَانَ يُرِيدُ مَعْرفَةَ رَأي الأَنْصَارِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا الكَثْرَةَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَتَكَلَّمَ المُهَاجِرُونَ يُفَوِّضُونَ الأَمْرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَالأَنْصَارُ سَاكِتُونَ، فَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُكَرِّرُ طَلَبَ المَشُورَةِ، يَقُولُ: أَشيرُوا عَلَيَّ أَيُّها النَّاسُ. وَفَطِنَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ سَعْدُ بْنُ معَاذٍ، رِضْوَانَ الله عَلَيْهِ - وَهُوَ سَيِّدُ الأَوْسِ -، إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ إِنَّمَا يُرِيدُ مَعْرِفَةَ رَأْي الأنْصَارِ وَمَوْقِفَهُمْ، فَقَالَ قَوْلاً كَرِيماً، وَفَوَّضَ الأَمْرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَكَّدَ لَهُ أَنَّهُمْ لَنْ يَتَخَلَّفُوا بِنُفُوسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ.
 وَوَعَدَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنَّهُ سَيُظْفِرُهُ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَينِ، فَإِمَّا أَنْ يَنْصُرَهُ عَلَى قُرَيشٍ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، وَإِمَّا أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الاسْتِيلاَءِ عَلَى القَافِلَةِ وَكَانَ كَثيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ - وَأَكْثَرُهُمْ فُقَرَاءُ - يُرِيدُونَ العِيرَ، لأَنَّهَا تُصْلِحُ حَالَهُمْ مِنْ دُونِ تَعَرُّضٍ إلَى مَخَاطِرَ الحَرْبِ.
 وَبَيْنَمَا كَانَ المُسْلِمُونَ يَتَشَاوَرُونَ اقْتَرَبَتْ قُرَيْشٌ كَثِيراً مِنْ مَوَاقِعِ المُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، وَدُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِمَكَانِ الآخَرِ، فَلَمْ يَتْرُكِ اللهُ خِيَاراً لأَحَدٍ مِنَ الجَانِبَيْنِ، فَكَانَتِ الحَرْبُ. وَكَانَ النَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَبِذَلِكَ ثَبَّتَ اللهُ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ المُنَزَّلَةِ عَلَى رَسُولِهِ، وَسَحَقَ قُوَّةَ المُشْرِكِينَ، وَقَضَى عَلَى رُؤُوسِ الكُفْرِ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، وَأَذَلَّ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَأَعَزَّ الإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ.
 الطَّائِفَتَينِ - العِيرِ وَالقَافِلَةِ أَوْ النَّفِيرِ.
 ذَاتِ الشَّوْكَةِ - ذَاتِ السِّلاَحِ وَالقُوَّةِ وَهِيَ النَّفِيرُ.
 دَابِرَ الكَافِرِينَ - آخِرَهُمْ، وَمَتى قُطِعَ الدَّابِرُ قُطِعَ الأوَّلُ وَهَلَكَ.

### الآية 8:8

> ﻿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [8:8]

الباطل
 (٨) - وَقَدْ وَعَدَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِمَا وَعَدَهُمْ، وَأَرَادَ أَنْ يَلْتَقِي المُؤْمِنُونَ بِالقُوَّةِ الحَرْبِيَّةِ لِقُرَيشٍ لِيَكْسِرَ شَوْكَةَ الشِّرْكِ، وَيُثَبِّتَ الإِسْلاَم، َ وَيَرْفَعَ رَايَتَهُ (يُحِقَّ الحَقَّ)، وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ المُعْتَدُونَ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالاسْتِيلاَءِ عَلَى العِيرِ، وَإِنَّما بِالقَضَاءِ عَلَى رُؤُوسِ الشِّرْكِ وَقَادَتِهِ.

### الآية 8:9

> ﻿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [8:9]

الملائكة
 (٩) - حِينَمَا التَقَتِ الفِئَتَانِ، المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ فِي سَاحَةِ المَعْرَكَةِ، وَجَدَ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ كَثِيرِي العَدَدِ، فَاسْتَغَاثَ الرَّسُولُ بِرَبِّهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أنْجِزْنِي وَعْدَكَ الذِي وَعَدْتَنِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ. وَفِيهَا يُعْلِمُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ أَنَّهُ اسْتَجَابَ لِدُعَائِهِ وَدُعَاءِ المُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ سَيَمُدُّهُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ يَأْتُونَهُمْ مَدَداً يُرْدِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، أَيْ يَأتي بَعْضُهُمْ إِثْرَ بَعْضٍ.
 مُرْدِفِينَ - يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.

### الآية 8:10

> ﻿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:10]

وَلِتَطْمَئِنَّ
 (١٠) - وَيَذْكُرُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ إِرْسَالَ المَلاَئِكَةِ لإِمْدَادِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ إلاَّ بُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَطْمِيناً لِقُلُوبِهِمْ، بِأنَّهُمْ سَيَنْتَصِرُونَ، وَتَثْبِيتاً لأَقْدَامِهِمْ أَثْنَاءَ القِتَالِ، لأنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نَصْرِهِمْ بِدُونِ ذَلِكَ، لأنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ العَزِيزُ الجَانِبِ، الحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ.

### الآية 8:11

> ﻿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ [8:11]

الشيطان
 (١١) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإلْقَائِهِ النُّعَاسَ عَلَيْهِمْ لِيُؤمِّنَهُمْ بِهِ مِنَ الخَوْفِ الذِي اعْتَرَاهُمْ مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، كَمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِأنْ أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ فَمَلأَ المُسْلِمُونَ أَوْعِيَتَهُمْ، وَشَرِبُوا وَتَطَهَّرُوا، فَارْتَاحَتْ نُفُوسُهُمْ، وَكَانَ بَيْنَ مَوَاقِعِهِمْ وَمَوَاقِعِ المُشْرِكِينَ أَرْضٌ رَمْلِيَّةٌ، فَلَمَّا نَزَلَ المَطَرُ ثَبَتَ رَمْلُها تَحْتَ الأَقْدَامِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَوْناً لِلْمُسْلِمِينَ فِي المَعْرَكَةِ.
 يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ - يَجْعَلُهُ غَاشِياً عَلَيْكُمْ كَالغِطَاءِ.
 أمَنَةً مِنْهُ - أمْناً مِنَ اللهِ وَتَقْوِيَةً لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
 رِجْزَ الشَّيْطَانِ - وَسْوَسَتَهُ وَتَخْوِيفَهُ إِيَّاكُمْ.
 لِيَرْبِطَ - لِيَشُدَّ وَيُقَوِّي بِاليَقِينِ وَالصَّبْرِ.

### الآية 8:12

> ﻿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [8:12]

الملائكة آمَنُواْ
 (١٢) - وَهَذِهِ نِعْمَةٌ خَفيّةٌ أَظْهَرَهَا اللهُ تَعَالَى لِلمُسْلِمِينَ لِيَشْكُرُوهُ عَلَيْها، فَقَدْ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إلَى المَلاَئِكَةِ الذِينَ أَرْسَلَهُمْ لِنَصْرِ المُسْلِمِينَ، بِأَنْ يُثَبِّتُوا المُسْلِمِينَ وَيُقَوُّوا قُلُوبَهُمْ، فَيُلْهِمُوهُمْ تَذَكُّرَ وَعْدِ اللهِ لِرَسُولِهِ بِالنَّصْرِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ، وَأنَّهُ تَعَالَى سَيَجْعَلُ الرَّعْبَ يَسْتَوْلي عَلَى قُلوبِ المُشْرِكِينَ فَيُصِيبُهُمُ الفَزَعُ.
 ثُمَّ أمَر اللهُ المَلاَئِكَةِ بِأنْ يَضْرِبُوا رِقَابَ المُشْرِكِينَ وَيَقْطَعُوهَا، وَبِأَنْ يَقْطَعُوا الأَيْدِي ذَاتِ البَنَانِ التِي هِيَ أَدَاةُ الضَّرْبِ فِي الحَرْبِ.
 (وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فاضربوا فَوْقَ الأعناق، هُوَ أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لاَ لِلْمَلاَئِكَةِ، وَالأوَّلُ أَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ).
 أَنِّي مَعَكُم - أَنِّي مُعِينُكُمْ عَلَى تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ.
 الرُّعْبَ - الخَوْفَ وَالفَزَعَ.
 كُلَّ بَنَانِ - كُلَّ الأَطْرَافِ أَيْ كُلَّ مِفْصَلٍ.

### الآية 8:13

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:13]

(١٣) - وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ بِذَلِكَ لأنَّ الكَافِرِينَ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ، وَخَالَفُوا أَمْرَهُما، وَابْتَعَدُوا عَنْهُمَا، وَتَرَكُوا شَرْعَ اللهِ. وَمَنْ يُخَالِفْ شَرْعَ اللهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الغَالِبُ لِمَنْ خَالَفَهُ، وَلاَ أحَدَ أَجْدَرُ بِالعِقَابِ مِمَّنْ يُخَالِفُ اللهَ وَرَسُولَهُ.
 شَاقُّوا اللهَ - خَالَفُوا وَعَصَوْا وَعَانَدُوا.

### الآية 8:14

> ﻿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ [8:14]

لِلْكَافِرِينَ
 (١٤) - إِنَّ هَذا العِقَابَ نَزَلَ بِكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، أَيُّهَا الكَافِرُونَ المُشَاقُّونَ للهِ وَرَسُولِهِ: مِنِ انْكِسَارٍ وَذِلَّةٍ وَخِزْيٍ... إِنَّمَا هُوَ عِقَابُ الدُّنْيَا الذِي عَجَّلَهُ اللهُ لَكُمْ فِيهَا، وَاعْلَمُوا أنَّ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابَ النَّارِ، إِنْ أَصْرَرْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَهُوَ أَشَدُّ وَأدْهَى مِنْ عَذَابِ الدُّنْيا.

### الآية 8:15

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ [8:15]

يَآأَيُّهَا آمنوا
 (١٥) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالثَّبَاتِ فِي المَعْرَكَةِ، وَبِمُوَاجَهَةِ الكَافِرِينَ بِقُلُوبٍ مُؤْمِنَةٍ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى عَدَمِ الفِرَارِ وَتَوْلِيَةِ الظُّهُورِ لِلأَعْدَاءِ، وَإِنْ كَانَ الكَافِرُونَ أَكْثَرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَدَداً، لأنَّ الفِرَارَ يُحْدِثُ الوَهَنَ فِي الجَيْشِ الإِسْلاَمِي المُقَاتِلِ.
 زَحْفاً - جَيْشاً زَاحِفاً نَحْوَكُمْ.

### الآية 8:16

> ﻿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [8:16]

يَوْمَئِذٍ وَمَأْوَاهُ
 (١٦) - وَلَكِنَّهُ تَعَالَى سَمَحَ لِلْمُقَاتِلِ بِحُرِّيَّةِ الحَرَكَةِ أَثْنَاءِ المَعْرَكَةِ، كَأنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَكَانٍ فِي المَعْرَكَةِ إلى مَكَانٍ آخَرَ، لِنُصْرَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، أَوْ لِسَدِّ ثَغْرَةٍ نَفَذَ مِنْهَا العَدُوُّ، فَالمُهِمُّ هُوَ أَنْ يَكُونَ هَدَفُ المُقَاتِلِ المُسْلِمِ النَّصْرَ أَوِ الشَّهَادَةِ، وَإِطَاعَةِ أَمْرِ القِيَادَةِ. أَمَّا الذِينَ يَتْرُكُونَ المَعْرَكَةَ فِرَاراً وَهَرَباً مِنَ المَوْتِ، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى يَتَوَعَّدُهُمْ بِالعَذَابِ الألِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
 (وَعَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّولِيَّ يَوْمَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبَائِرِ) (أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ).
 مُتَحَرِّفاً - مُظْهِراً الفِرَارَ خُدْعَةً ثُمَّ يَكُرُّ.
 مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ - مُنْضَمّاً إلَى فِئَةٍ لِيُقَاتِلَ العَدُوَّ مَعَهَا.
 بَاءَ بِغَضَبٍ - رَجَعَ مُتَلَبِّساً بِهِ، مُسْتَحقّاً لَهُ.

### الآية 8:17

> ﻿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:17]

(١٧) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ أَنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ العِبَادِ، وَأَنَّهُ المَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ: إِنَّكُم لَمْ تَقْتُلُوا الكُفَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ بِحَوْلِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ، بَلِ اللهُ هُوَ الذِي أَظْفَرَكُمْ بِهِمْ، وَأَظْهَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ الذِي قَتَلَهُمْ بِأَيْدِيكُمْ. وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَبْلَ بَدْءِ المَعْرَكَةِ قَدْ أخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلاَّ أَصَابَهُ شَيءٌ مِنْهَا فِي عَيْنَيْهِ أَوْ فِي حَلْقِهِ أَوْ فِي مُنْخَرِهِ.. فَكَانَتْ مِمَّا سَاعَدَ عَلَى إِلْقَاءِ الذُّعْرِ فِي نُفُوسِ قُرَيشٍ وَخِذْلاَنِهِمْ. وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى، فَالرَّمْيَةُ لَمْ تَكُنْ لِتَبْلُغَ قُرَيْشاً لَوْلاَ إِرَادَةُ اللهِ. وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لأنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ المُؤْمِنِينَ القَلِيلِي العَدَدِ بِإِظْهَارِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ، الذِي يَفُوقُهُمْ عَدَداً وَعُدَّةً، اخْتِبَاراً حَسَناً، وَلِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ وَلِيَشْكُرُوهَا، وَاللهُ تَعَالَى سَمِيعٌ لاسْتِغَاثَةِ الرَّسُولِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ.
 لِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ - لِيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ وَالأَجْرِ.

### الآية 8:18

> ﻿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ [8:18]

الكافرين
 (١٨) - وَهَذِهِ بِشَارَةٌ أُخْرَى لِلْمُسْلِمِينَ تُضَافُ إلَى نَصْرِ اللهِ لَهُمْ، فَقَدْ أَعْلَمَهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُ مُضْعِفٌ كَيْدَ الكُفَّارِ، وَمُوهِنٌ تَدْبِيرَهُمْ وَمَكْرَهُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَبِالمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ مُصَغِّرٌ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَجَاعِلُهُمْ إلى تَبَارٍ وَبَوَارٍ.
 مُوهِنٌ - مُضْعِفٌ.

### الآية 8:19

> ﻿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [8:19]

(١٩) - قَالَ أَبُو جَهْلٍ فِي بِدْءِ المَعْرَكَةِ: (اللَّهُمَّ أقْطَعُنَا لِلرَّحْمِ، وَآتَانَا بِمَا لاَ نَعْرِفُ، فَأَحِنْهُ الغَدَاةَ). فَكَانَ هُوَ المُسْتَفْتِحَ بِاللهِ وَالمُسْتَنْصِرَ بِهِ. وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ قُرَيْشاً، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إلَى بَدْرٍ، طَافَتْ بِالكَعْبَةِ وَأَخَذَتْ بِأَسْتَارِهَا، فَاسْتَنْصَرُوا بِاللهِ وَقَالُوا: (اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعَلَى الجُنْدَينِ، وَأَكْرِمَ الفِئَتَينِ، وَخَيْرَ القَبْلَتَيْنِ). فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وَمَعْنَاهَا: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا بِاللهِ، وَتَسْتَحْكِمُوهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِكُمُ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ جَاءَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ. وَإِنْ تَنْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ، وَالتَّكْذِيبِ لِرَسُولِهِ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ عُدْتُمْ إلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ وَمُحَارَبَةِ النَّبِيِّ وَالمُؤْمِنينَ وَعَدَاوَتِهِمْ، نَعُدْ لَكُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ، وَلَنْ تَنْفَعَكُمْ وَلَنْ تُفِيدَكُمْ (تُغْنِي عَنْكُمْ) جُمُوعُكُمْ شَيْئاً، وَلَنْ تُحَقِّقَ لَكُمُ النَّصْرَ، فَإِنَّ اللهَ مَعَ رَسُولِهِ وَمَعَ المُؤْمِنِينَ، وَمَنْ كَانَ مَعَ اللهِ فَلاَ غَالِبَ لَهُ.
 إِنْ تَسْتَفْتِحُوا - إِنْ تَطْلُبُوا النَّصْرَ لإِحْدَى الفِئَتَينِ.

### الآية 8:20

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ [8:20]

ياأيها آمنوا
 (٢٠) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِإِطَاعَةِ اللهِ، وَإِطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَبِالاسْتِجَابَةِ لِلْرَّسُولِ إِذَا دَعَاهُمْ إلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَتَرْكِ طَاعَتِهِ، وَرَفْضِ الاسْتِجَابَةِ لَهُ إِذَا دَعَاهُمْ إلَى الجِهَادِ، لأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ الذِي يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ وَمُوَالاَتِهِ وَنَصْرِهِ، وَيَعْقِلُونَهُ.

### الآية 8:21

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [8:21]

(٢١) - وَلا تَكُونُوا كَالمُنَافِقِينَ وَكَالمُشْرِكِينَ الذِينَ قَالُوا: سَمِعْنَا مَا قُلْتَهُ يَا مُحَمَّدُ، وَلَكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ لَمْ يَسْمَعُوا شَيْئاً، وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، فَكَانُوا كَغَيرِ السَّامِعِينَ (وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ).

### الآية 8:22

> ﻿۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [8:22]

(٢٢) - وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَِسْمَعُونَ، هُمْ شَرُّ المَخْلُوقَاتِ التِي تَدِبُّ عَلَى سَطْحِ الأَرْضِ، وَأَسْوَؤُهَا لأَنَّهُمْ صُمٌّ لاَ يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ، وَبُكْمٌ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَهُ، وَكُلُّ الدَّوَابِّ مُطِيعَةٌ لِخَالِقِهَا، أَمَّا هَؤُلاَءِ فَقَدْ خَلَقَهُمُ اللهُ لِعِبَادَتِهِ فَكَفَرُوا، فَهُمْ شَرٌّ مِنَ الدَّوَابِّ.
 الدَّوَابِّ - كُلَّ مَا دَبَّ عَلَى الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ وَقَلَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلإِنْسَانِ، وَاسْتِعْمَالُهَا هُنَا لِلْمُشْرِكِينَ نَوْعٌ مِنَ التَّحْقِيرِ لِشَأْنِهِمْ.

### الآية 8:23

> ﻿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [8:23]

(٢٣) - إِنَّ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ لاَ تَفْهَمُ فَهْماً صَحِيحاً، وَلَيْسَ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي عَمَلِ خَيْرٍ صَالِحٍ، وَلَوْ كَانَ اللهُ يَعْلَمُ فِيهِمْ اسْتِعْدَاداً لِلإِيمَانِ وَالاهْتِدَاءِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ لأَسْمَعَهُمْ وَأَفْهَمَهُمْ، وَلَكِنَّهُم لاَ خَيْرَ فِيهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْمَعَهُمْ، لأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا عَنِ القَبُولِ قَصْداً وَعِنَاداً، وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهُ.

### الآية 8:24

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [8:24]

ياأيها آمَنُواْ
 (٢٤) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالاسْتِجَابَةِ إلَى دَعْوَتِهِ تَعَالَى، وَإِلَى دَعْوَةِ رَسُولِهِ ﷺ التِي أَمَرَهُ اللهُ بِإِبْلاَغِهَا إِلَيْهِمْ، لأَنَّهَا تُزكِّي نُفُوسَهُمْ وَتُطَهِّرُهَا، وَتُحْيِيها بِالإِيمَانِ، وَتَرْفَعُها إلَى مَرَاتِبِ الكَمَالِ فَتَحْظَى بِرِضَا اللهِ، ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ قَائِمٌ عَلَى قُلُوبِ العِبَادِ يُوَجِّهُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، فَيَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَبَيْنَ قَلْبِهِ، فَيُمِيتُ الإِحْسَاسَ وَالوِجْدَانَ وَالإِدْرَاكَ فِيهِ، فَتُشَلُّ الإِرَادَةِ، وَيَفْقِدُ الإِنْسَانَ سَيْطَرَتَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَيَتْبَعُ هَوَاهُ، فَلاَ تَعُودُ تَنْفَعُ فِيهِ المَوَاعِظُ وَالعِبَرُ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِمَّا تَرَدَّوْا فِيهِ، إِذَا اتَّجَهُوا إلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ.
 ثُمَّ يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهَا بِمَا يَسْتَحِقُّونَ.
 يُحْيِيكُمْ - يُورِثُكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً فِي نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ.

### الآية 8:25

> ﻿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:25]

(٢٥) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ وُقُوعِ البَلاَءِ وَالفِتَنِ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يَقُومُوا بِوَاجِبِهِمْ نَحْوَ دِينِهِم وَجَمَاعَتِهِمْ فِي الجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَفِي الضَّرْبِ عَلَى أَيْدِي المُفْسِدِينَ، وَفِي النُّصْحِ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي إِطَاعَةِ أُوْلِي الأَمْرِ. وَيُنَبِّهُهُمْ تَعَالَى إِلَى أَنَّ العِقَابَ الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ بِالأُمَمِ المُقَصِّرَةِ بِالقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهَا لاَ يُصِيبُ السَّيِّىءَ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يَعُمُّ بِهِ المُسِيءَ وَغَيْرَهُ، وَيُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ لِلأُمَمِ التِي تُخَالِفُ سُنَنَهُ وَهُدَى دِينِهِ، وَتُقَصِّرُ فِي دَرْءِ الفِتَنِ، وَفِي التَّعَاوُنِ عَلَى دَفْعِهَا، وَالقَضَاءِ عَلَيْهَا.
 (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَنْ لاَ يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ).

### الآية 8:26

> ﻿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [8:26]

فَآوَاكُمْ الطيبات
 (٢٦) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ إِلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعَمِ الوَفِيرَةِ، فَقَدْ كَانُوا قَلِيلِي العَدَدِ، مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ، يَعْتَدِي عَلَيْهِمُ النَّاسُ، خَائِفِينَ مِنْ مُجْرِمِي قُرَيْشٍ، فَقَوَّاهُمْ وَآوَاهُمْ، وَنَصَرَهُمْ وَرَزَقَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ النَّعَمِ التِي أَنْعَمَ بِهَا اللهُ عَلَيْهِمْ تَسْتَحِقُّ مِنْهُمْ أَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَيْهَا، فَاللهُ تَعَالَى مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُكْرَ مِنْ عِبَادِهِ.
 يَتَخَطَّفَكُمْ - يَسْتَلِبُوكُمْ وَيَصْطَلِمُوكُمْ بِسُرْعَةٍ.

### الآية 8:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [8:27]

ياأيها آمَنُواْ أَمَانَاتِكُمْ
 (٢٧) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَبِي لُبَابَةَ حِينَ بَعَثَهُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، فَاسْتَشَارَ اليَهُودُ أَبَا لُبَابَةَ - وَكَانَ حَلِيفاً لَهُمْ - فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ، أَيْ أَنَّه الذَّبْحَ. ثُمَّ شَعَرَ أَنَّهُ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ فِي سَارِيَةِ المَسْجِدِ تِسْعَةِ أَيَّامٍ لاَ يَذُوقُ طَعَاماً حَتَّى تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَطْلَقُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ. (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، الذِي أَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى قُرَيْشٍ مَعَ امْرَأَةٍ يُعْلِمُهَا فِيهَا بِأَنَّ الرَّسُولَ تَجَهَّزَ لِغَزْوِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ). وَالآيَةُ عَامَّةٌ.
 يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنْ لاَ يَخُونُوا اللهَ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ، وَأَنْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ سُنَنِهِ، وَارْتِكَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَأنْ لاَ يَخُونُوا أَمَانَاتِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ التِي ائْتَمَنَ اللهُ العِبَادَ عَلَيهَا: يَعْنِي الفَرَائِضَ، وَهِيَ تَشْمَلُ أَمَانَةَ الإِنْسَانِ نَحْوَ النَّاسِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَهُمْ: كَالمِكْيَالِ وَالمِيْزَانِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالحَقِّ وَالصِّدْقِ، وَكِتْمَانِ السِّرِّ.. إلخ. فَالأَمَانَةُ وَاحِدَةُ وَلاَ تَبْعِيضَ فِيهَا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مَسَاوِىَء الخِيَانَةِ، وَسُوءَ عَاقِبَتِهَا.

### الآية 8:28

> ﻿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [8:28]

أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ
 (٢٨) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَاكُمُ الأَمْوَالَ وَالأَوْلاَدَ لِيَخْتَبِرَ إِيمَانَكُمْ، وَلِيَرَى هَلْ تَشْكُرُونَ رَبَّكُمْ عَلَيْها، وَتُطِيعُونَهُ فِيهَا، أَمْ تَشْتَغِلُونَ بِهَا عَنْهُ، وَتَعْتَاضُونَ بِهَا مِنْهُ؟ وَثَوابُ اللهِ وَعَطَاؤُهُ وَجَنَّاتُهُ خَيْرٌ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، فَالأَوْلاَدُ قَدْ يَكُونُ مِنْهُمْ عَدُوٌّ لَكُمْ، وَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ لاَ يُغْنُونَ عَنِ الإِنْسَانِ شَيْئاً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَدَى اللهِ الثَّوَابُ الجَزِيلُ الذِي يُغْنِي الإِنْسَانَ عَنِ المَالِ وَالوَلَدِ.
 فِتْنَةٌ - اخْتِبَارٌ وَابْتِلاَءٌ.

### الآية 8:29

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [8:29]

يِا أَيُّهَا آمنوا
 (٢٩) - يُخْبِرُ تَعَالَى النَّاسَ أَنَّهُمْ إِذَا آمَنُوا بِهِ وَاتَّقُوا، فَاتَّبَعُوا أَوَامِرَهُ، وَانْتَهُوا عَنْ زَوَاجِرِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ فَرَجاً، وَمِنْ ضِيقِهِمْ مَخْرَجاً، وَجَعَلَ لَهُمْ نُوراً وَهُدًى (فُرْقَاناً) يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَبَيْنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَكَفَّر عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَغَفَرَ ذُنُوبَهُمْ، وَاللهُ عَظِيمُ الفَضْلِ وَالإِحْسَانِ، جَزِيلُ الثَّوَابِ، يُثيبُ عَلَى القَلِيلِ، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ الكَثِيرِ.
 فُرْقَاناً - هِدَايَةً وَنُوراً، أَوْ نَجَاةً وَمَخْرَجاً.

### الآية 8:30

> ﻿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [8:30]

الماكرين
 (٣٠) - تآمَرَ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، يُرِيدُونَ سَجْنَهُ أَوْ قَتْلَهُ أَوْ إِخْرَاجَهُ مِنْ مَكَّةَ، فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِخِطَّتِهِمْ. وَجَاءَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَأَمَرَهُ بِأَلاَّ يَبيتَ فِي مَكَانِهِ الذِي يَبِيتُ فِيهِ، فَدَعَا الرَّسُولُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَبِيتَ فِي فِرَاشِهِ، وَيَتَسَجّى بِبُرْدِهِ فَفَعَلَ. ثُمَّ خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ وَالقَوْمُ الذِينَ كُلِّفُوا بِقَتْلِهِ وَاقِفُونَ بِالبَابِ، وَكَانَ مَعَهُ حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابٍ، فَجَعَلَ يَذْرُوهَا عَلَى رُؤُوسِهِمْ، وَأَخَذَ اللهُ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْهُ وَهُوَ يَقْرَأ سُورَة (يس).
 وَذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ أَنَّهُمْ يُخَطِّطُونَ وَيَمْكُرُونَ وَيُدَبِّرُونَ لإِيقَاعِ الأَذَى بِكَ وَبِالمُؤْمِنِينَ، وَاللهُ يَمْكُرُ بِهِمْ، وَيُدَبِّرُ مَا يُفْسِدُ تَدْبِيرَهُمْ، وَيُعَطِّلُ مَكْرَهُمْ، وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ لأنَّ مَكْرَهُ نَصْرٌ لِلْحَقِّ، وَإِعْزَازٌ لأَهْلِهِ، وَخُذْلاَنٌ لِلْبَاطِلِ وَحِزْبِهِ.
 يَمْكُرُ اللهُ - أَيْ أَنَّ اللهَ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ المَاكِرِينَ.

### الآية 8:31

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [8:31]

آيَاتُنَا أَسَاطِيرُ
 (٣١) - حِينَمَا كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَتْلُو القُرْآنَ عَلَى كُفّارِ قُرَيشٍ كَانُوا يَقُولُونَ: قَدْ سَمِعْنا، لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنا مِثْلَهُ. وَلَكِنَّ أَحَداً مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَوْلَ شَيءٍ مِنْهُ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى تَحَدَّاهُمْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ أَنْ يَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِهِ مَجْلِسِهِ الذِي يَقْرَأ فِيهِ القُرْآنَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إلى رَبِّهِمْ، يَأْتِي النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ فَيَجْلِسُ مَكَانَ الرَّسُولِ، وَيُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَسَاطِيرِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَقَصَصِهِمْ القَدِيمَةِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: بِاللهِ أيُّنَا أَحْسَنُ قَصَصاً أَنَا أَوْ مُحَمَّدٌ؟
 أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ - أَكَاذِيبُهُمُ المَسْطُورَةُ فِي كُتُبِهِمْ.

### الآية 8:32

> ﻿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [8:32]

(٣٢) - يُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا قَالَ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ: إِنَّ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ: وَيلَكَ إِنَّهُ كَلاَمُ رَبِّ العَالَمِينَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ.. وَمَعْنَى الآيَةِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا القُرْآنُ، وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ لِتَهْدِيَ بِهِ عِبَادَكَ، كَمَا يَدَّعِي مُحَمَّدٌ، فَارْجُمْنَا بِحِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ أَنْزَلَ بِنَا عَذَابَكَ الأَليمَ. وَهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ عُتُوَّ قُرَيْشٍ كَانَ كَبِيراً، وَعِنَادَها كَانَ بَالِغاً، إِذْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ هَذا القَوْلَ، وَهُوَ مِمَّا عِيبَ عَلَيهِمْ. وَلَوْ أنَّهُم قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَاهْدِنَا إِليهِ، وَوَفِّقْنَا لاتِّبَاعِهِ، لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ.

### الآية 8:33

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [8:33]

(٣٣) - وَمَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ، وَلاَ مِنْ مُقْتَضَى رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ، وَأَنْتَ أَيًُّهَا الرَّسُولُ فِيهِمْ، لأنَّ اللهَ إِنَّمَا أَرْسَلَكَ رَحْمَةً وَنِعْمَةً، لا عَذاباً وَنَقْمَةً، وَأنَّ سُنَّتَهُ جَرَتْ ألاَّ يُعَذِّبَ المُكَذِّبِينَ إلاَّ بَعْدَ أنْ يَخْرُجَ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَظْهِرِهِمْ.
 وَرَوَى ابْنُ جُريرٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَأَنْزَلَ اللهُ: وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ. ثُمَّ خَرَجَ رَسُولَ اللهِ إلَى المَدِينَةِ، فَأَنْزَلَ تَعَالَى قَوْلَهُ: وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فَكَانَ قَدْ بَقِيَ فَي مَكَّةَ جَمَاعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَلَمَّا خَرَجُوا أَنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام فَأَذِنَ اللهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِفَتْحِ مَكَّةَ.
 (وَقِيلَ فِي مَعْنى: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ الحَرَامِ وَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ لبَّيْكَ، وَيَقُولُونَ: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ).

### الآية 8:34

> ﻿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [8:34]

(٣٤) - إنَّهُمْ أَهْلٌ لأنْ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ لأنَّهُمْ يَصُدُّونَ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَنِ الصَّلاةِ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالطَّوَافِ بِالكَعْبَةِ، وَلكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ بِهِم العَذَابَ لِبَرَكَةِ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، أَوْقَعَ اللهُ بَأْسَهُ فِيهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
 ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: وَهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ الذِينَ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، لَيْسُوا هُمْ أَهْلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ، فَهُمْ دَنَّسُوهُ بِالشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الأصْنَامِ، وَإِنَّمَا أَهْلُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، الذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الوَلاَيَةِ عَلَيهِ، هُمُ النَّبِيُّ وَالمُسْلِمُونَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ المُشْرِكِينَ لاَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ.

### الآية 8:35

> ﻿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [8:35]

(٣٥) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ قُرَيْشاً كَانَتْ تَطُوفُ بِالبَيْتِ عُراةً تُصَفِّرُ وَتُصَفِّقُ، وَقِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَخْلِطُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلاَتَه. ُ وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهُ سَيُذِيقُهُمُ العَذَابَ الأَلِيمَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَجَعْلِهِمِ الصَّلاَةَ وَالطَّوَافَ لِلْعَبَثِ وَاللَّهْوِ وَالسُّخْرِيَةِ.
 مُكَاءً - صَفِيراً، مِنَ المُكَاءِ وَهُوَ التَّصْفِيرُ.
 تَصْدِيَةً - تَصْفِيقاً.

### الآية 8:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [8:36]

أَمْوَالَهُمْ
 (٣٦) - لَمَّا أصِيبَتْ قُرَيْشُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ قَادَةُ الشِّرْكِ وَزُعَمَاؤُهُ، رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِالعِيرِ إلَى مَكَّةَ، وَهِيَ العِيرُ التِي أَنْقَذَتْهَا مَعْرَكَةُ بَدْرٍ، فَمَشَى أَبْنَاءُ مَنْ قُتِلُوا فِي بَدْرٍ وَإِخْوَتُهُمْ وَأَقْرِبَاؤُهُمْ إلى أَبِي سُفْيَانَ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُمْ فِي العِيرِ تِجَارَةٌ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ وَتَرَكُمْ فَأَعِينُونَا بِهَذَا المَالِ عَلَى حَرْبِهِ لَعَلَّنَا نُدْرِكُ مِنْهُ ثَأْراً، بِمَنْ أُصِيبَ مِنَّا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ.
 وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ إِنْفَاقَكُمْ المَالَ فِي سَبِيلِ قِتَالِ المُسْلِمِينَ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْعِ النَّاسِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ لَنْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ إلاّ حَسْرَةً، وَلَنْ يُجْدِيَكُمْ نَفْعاً، فَإِنَّكُمْ سَتُغْلَبُونَ مَرَّةً أُخْرَى، وَسَيَحْشُرُكُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إلَى جَهنَّمَ، إِذَا مَا أَصْرَرْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَعَلَى مُعَانَدَةِ الرَّسُولِ وَالمُؤْمِنِينَ.
 حَسْرَةً - نَدَماً وَتَأسُّفاً.

### الآية 8:37

> ﻿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [8:37]

أولئك الخاسرون
 (٣٧) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ لِعِبَادِهِ النَّصْرَ، وَكَتَبَ الحَسْرَةَ وَالخُذْلاَنَ لأَعْدَائِهِمْ وَلِمَنْ يُقَاتِلُهُمْ مِنَ الكُفَّارِ لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَذَلِكَ لِيَمِيزَ اللهُ الكَافِرَ الخَبِيثَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ، عَنِ المُؤْمِنِ الطَّيِّبِ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَلِيَجْمَعَ الكُفْرَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَيَقْذِفَهُ فِي جَهَنَّمَ، وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقْذِفُهُمْ فِي جَهَنَّمَ هُمُ الخَاسِرُونَ.
 فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً - فَيَجْعَلَهُ مُلْقىً بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.

### الآية 8:38

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [8:38]

سُنَّةُ
 (٣٨) - قُلْ، أيُّها الرَّسُولُ، لِهَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ: إِنَّهُمْ إِنْ يَنْتَهُوا عَنْ أَعْمَالِهِمِ السَّيِّئَةِ، وَعَما هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالمُشَاقَّةِ وَالعِنَادِ، وَيَدْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ وَالطَّاعَةِ، يَغْفِرِ اللهُ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ، أمَّا إذا اسْتَمَرُّوا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ، وَعَادُوا إلى المُشَاقَّةِ وَالحَرْبِ وَالخِصَامِ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي الكُفَّارِ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ الأُمَمِ بِأنَّ مَصِيرَهُمْ سَيَكُونُ إلى الدَّمَارِ وَالخِذْلانِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ، وَإِلَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ فِي الآخِرَةِ.
 سُنَّةُ الأَوَّلِينَ - عَادَةُ اللهِ فِي المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِ.

### الآية 8:39

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [8:39]

وَقَاتِلُوهُمْ
 (٣٩) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ حَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَطِيعُ فِتْنَةَ المُؤْمِنِينَ، عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذَابِ وَالإِيذَاءِ وَالتَّهْدِيدِ، وَحَتَّى يَكُونَ الدَّينُ كُلُّهُ للهِ. فَإذا انْتَهَى المُشْرِكُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَكَفُّوا عَنْهُ (وَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا بِوَاطِنَهُمْ) فَكُفُّوا عَنْهُمْ، وَكِلُوا بِوَاطِنَهُمْ إلَى اللهِ، فَهُوَ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.
 فِتْنَةٌ - شِرْكٌ أَوْ بَلاءٌ.

### الآية 8:40

> ﻿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ [8:40]

مَوْلاَكُمْ
 (٤٠) - وَإِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى خِلاَفِهِمْ لَكُمْ، وَمُحَارَبَتِهِمْ إِيَّاُكْم فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَكُمْ وَنَاصِرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِهِ وَأَعْدَائِكُمْ، وَهُوَ نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّاصِرُ، فَأيْقِنُوا بِنَصْرِ اللهِ لَكُمْ، وَهُوَ مُتَوَلِّي أُمُورِكُمْ، فَلاَ تُبَالُوا بِهِمْ، وَلاَ تَخْشَوْهُمْ.

### الآية 8:41

> ﻿۞ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [8:41]

اليتامى والمساكين آمَنْتُمْ
 (٤١) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَةَ قِسْمَةِ المَغَانِمِ التِي يَغْنَمُها المُسْلِمُونَ فِي الحَرْبِ. وَالغَنِيمَةِ هِيَ المَالُ المَأْخُوذُ مِنَ الكُفَّارِ بِإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ. أَمَّا الفَيْءُ فَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ (أَيْ بُدُونِ حَرْبٍ أَوْ بِدُونِ خُرُوجِ جُيُوشِ المُسْلِمِينَ إلَى الأَعْدَاءِ: كَالأَمْوَالِ التِي يُصَالِحُونَ عَلَيْهَا، أَوْ يَمُوتُونَ عَنْهَا دُونَ وَارِثٍ لَهُمْ، وَالخَرَاجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ).
 يَقُولُ تَعَالَى: اعْلَمُوا يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ أَنَّ كُلَّ مَا غَنِمْتُمُوهُ مِنَ الكُفَّارِ المُحَارِبِينَ فَاجْعَلُوا أوَّلاً خُمْسَهُ للهِ تَعَالَى لِيُنْفِقَ فِيمَا يُرْضِيهِ مِنْ مَصَالِحِ الدَّينِ العَامَّةِ: كَالدَّعْوَةِ لِلإِسْلاَمِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِهِ، وَعِمَارَةِ الكَعْبَةِ وَكِسْوَتِها، ثُمَّ أعْطُوا مِنْهُ لِلرَّسُولِ كِفَايَتَهُ لِنَفْسِهِ وَنِسَائِهِ مُدَّةَ سَنَةٍ، ثُمَّ أعْطُوا مِنْهُ ذَوِي القُرْبَى مِنْ أهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ نَسَباً وَوَلاءً (وَقَدْ خَصَّ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ بِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أَخِيهِ المُطَّلِبِ المُسْلِمِينَ)، ثُمَّ المُحْتَاجِينَ مِنْ سَائِرِ المُسْلِمِينَ، وَهُمُ اليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ، وَابْنُ السَّبِيلِ (وَهُوَ المُجْتَازُ الذِي نَفِدَتْ نَفَقَتُهُ). وَهَذا الخُمْسُ يُدْفَعُ لِلإمَامِ (بَعْدَ الرَّسُولِ) لِيَصْرِفَهُ فِي الوُجُوهِ المُبَيَّنَةِ فِي الآيَةِ.
 وَاليَتَامَى - هُمْ أَيْتَامُ المُسْلِمِينَ - وَقِيلَ: إِنَّ النَّصَّ عَامٌّ يَعُمُّ الأَغْنِيَاءَ مِنَ الأَيْتَامِ وَالفُقَرَاءَ.
 المَسَاكِينِ - هُمُ المُحْتَاجُونَ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَسُدُّونَ بِهِ خَلَّتَهُمْ.
 وَابْنِ السَّبِيلِ - هُوَ المُسَافِرُ أَوْ المُريدُ السَّفَرَ مَسَافَةَ القّصْرِ (أَيْ المَسَافَةُ التِي يُبَاحُ فِيهَا قَصْرُ الصَّلاَةِ) وَلَيْسَ لَهُ مَا يُنْفِقُهً فِي سَفَرِهِ.
 أَمَّا الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ البَاقِيَةُ فَهِيَ لِلْمُقَاتِلِينَ فَاعْلَمُوا ذَلِكَ، وَاعْمَلُوا بِهِ، إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ حَقّاً، وَآمَنْتُمْ بِمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ آيَاتِ التَّثْبِيتِ وَالمَدَدِ يَوْمَ الفُرْقَانِ الذِي فَرَقْنَا فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَالإِيمَانِ وَالكُفْرِ، وَهُوَ اليَوْمُ الذِي الْتَقَى فِيهِ جَمْعُكُمْ مَعْ جَمْعِ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، وَاللهُ عَظِيمُ القُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيءٍ.
 يَوْمَ الفُرْقَانِ - يَوْمَ بَدْرٍ الذِي فَرَقَ اللهُ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.

### الآية 8:42

> ﻿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:42]

الميعاد
 (٤٢) - فَإِذَا كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ، وَبِمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ كُنْتُمْ مُرَابِطِينَ فِي أَقْرَبِ الجَانِبَيْنِ مِنَ الوَادِي إلَى المَدِينَةِ (العُدْوَةِ الدُّنْيَا - وَالعُدْوَةِ هِيَ طَرَفُ الوَادِي)، وَكَانَتْ قُرَيشٌ تُرَابِطُ فِي أَبْعَدِ جَانِبَيْ الوَادِي مِنَ المَدِينَةِ، وَكَانَتْ قَافِلَةُ قُرَيْشٍ (العِيرُ أَوْ الرَّكْبُ) أَسْفَلَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِمَّا يَلِي البَحْرَ. وَلَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَاعَدْتُمْ مَعَ قُرَيشٍ عَلَى هَذا اللِّقَاءِ، فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، وَفِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِلْقِتَالِ، لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ، وَلَمَا كَانَ هَذا التَّوَافُقُ فِي الزَّمَانِ وَالمَكَانِ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى هَذا المَقْطَعِ مِنَ الآيَةِ هُوَ: لَوْ كَانَ اللِّقَاءُ عَنْ مَوْعِدٍ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ، وَعَلِمْتُم بِقِلَّتِكُمْ وَكَثْرَتِهِمْ لِمَا لَقيتُمُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ هَيَّأَ ظُرُوفَ اللِّقَاءِ لِيَقْضِيَ بِقٌدْرَتِهِ إِعزَازَ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلاَلَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِلُطْفٍ مِنْهُ).
 وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِيَتَرَتَّبَ عَلَى قَضَاءِ هَذا الأَمْرِ أَنْ يَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ مِنَ الكُفَّارِ عَنْ حَجَّةٍ مُبَيّنَةٍ مُشَاهَدَةٍ بِالبَصَرِ عَلَى صِحَّةِ الإِسْلاَمِ، وَصِدْقِ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، إِذْ أَنْجَزَ وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنِينَ، لِتَنْتَفِي الشُّبْهَةُ، وَلاَ يَكُونَ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلاعْتِذَارِ عَنْ عَدَمِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَيَعِيشَ مَنْ يَعِيشُ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُجَّةٍ شَاهِدَةٍ، فَيَزْدَادَ يَقيناً بِالإِيمَانِ، وَنَشَاطَاً فِي الأَعْمَالِ. وَاللهُ سَمِيعٌ لِدُعَائِكُمْ وَتَضَرُّعِكُمْ إِلَيْهِ، عَلِيمٌ بِأنَّكُمْ صَادِقُونَ تَسْتَحِقُّونَ النَّصْرَ.
 العُدْوَةِ - طَرَفٍ الوَادِي أَوْ ضِفَّتِهِ.
 الرَّكْبُ - العِيرُ أَوِ القَافِلَةُ وَكَانَتْ أَمْوَالُ قُرَيْشٍ فِيهَا.

### الآية 8:43

> ﻿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [8:43]

أَرَاكَهُمْْ وَلَتَنَازَعْتُمْ
 (٤٣) - أَرَى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ المُشْرِكِينَ فِي مَنَامِهِ قَلِيلِي العَدَدِ فَأَخْبَرَ جَمَاعَتَهُ فَاسْتَبْشَرُوا، وَكَانَ ذَلِكَ تَثْبِيتاً لَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، وَلَوْ أَرَى اللهُ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ كَثِيرِي العَدَدِ لَجَبُنُوا، وَلاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ حَوْلَ لِقَاءِ العَدُوِّ، وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ، وَنَجَّى مِنْ عَوَاقِبِهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا تُكِنُّهُ الضَّمَائِرُ، وَتَنْطَوِي عَلَيْهِ النُّفُوسُ وَالسَّرَائِرُ.
 لَفَشِلْتُمْ - لَجَبُنْتُمْ عَنِ القِتَالِ وَهِبْتُمُوهُ.

### الآية 8:44

> ﻿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [8:44]

(٤٤) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّهُ أَظْهَرَ كُلَّ فِئَةٍ لِخُصُومِهَا أَنَّ عَدَدَهَا قَلِيلٌ، لِيَطْمَعُوا فِيهَا، وَلِيَدْفَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى لِقَاءِ بَعْضٍ، لِيُنَّفِذَ أَمْرَهُ، وَلِيَقْضِيَ عَلَى الكُفْرِ، وَيَنْصُرَ دِينَهُ، وَمَرْجِعُ الأمُورِ كُلِّهَا إلَى اللهِ، فَلاَ يَنْفُذُ إلاَّ مَا قَضَاهُ وَهَيَّأ أَسْبَابَهُ. وَحِينَ التَقَيْتُمْ بِالمُشْرِكِينَ ثَبَّتَكُمْ وَثَبَّطَهُمْ فَانْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ.

### الآية 8:45

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [8:45]

ياأيها آمنوا
 (٤٥) - يَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى الثَّبَاتِ عِنْدَ لِقَاءِ الأَعْدَاءِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، وَيَأمُرُهُمْ بِذِكِرِ اللهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، لِتَقْوَى قُلُوبُهُمْ، وَتَثْبُتَ نُفُوسُهُمْ، وَهَذَانِ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الفَوْزِ وَالنَّصْرِ عَلَى الأَعْدَاءِ فِي الدُّنْيا، وَمِنْ أَسْبَابِ الفَوْزِ بِالفَلاَحِ وَبِرِضْوَانِ اللهِ فِي الآخِرَةِ.

### الآية 8:46

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [8:46]

وَلاَ تَنَازَعُواْ الصابرين
 (٤٦) - وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ تَعَالَى فِي الثَّبَاتِ عِنْدَ لِقَاءِ الأَعْدَاءِ المُشْرِكِينَ، وَبِالإِخْلاَصِ لَهُ، وَبِبَذْلِ الجُهْدِ فِي القِتَالِ، وَبِذِكْرِ اللهِ كَثِيراً لِتَطْمَئِنَّ النُّفُوسُ وَتَهْدَأَ، وَيُزَايلَهَا الخَوْفُ وَالتَّرَدُّدُ وَالقَلَقُ، كَمَا أمَرَهُمْ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ، وَالتِزَامِ أَوَامِرِهِ، إِنْجَاحاً لِلْخُطَّةِ العَامَّةِ لِلْجَيْشِ فِي المَعْرَكَةِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِألاَّ يَتَنَازَعُوا، وَلاَ يَخْتَلِفُوا، لأنَّ فِي التَّنَازُعِ وَالاخْتِلاَفِ الفَشَلَ وَالخُذْلاَنَ وَضَيَاعَ مَا حَقَّقَهُ المُسْلِمُونَ فِي المَعْرَكَةِ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. ثُمَّ يُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتِزَامِ الصَّبْرِ، لأنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
 تَذْهَبَ رِيحُكُمْ - تَتَلاشَى قُوَّتُكُمْ أَوْ دَوْلَتُكُمْ.

### الآية 8:47

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [8:47]

دِيَارِهِم
 (٤٧) - وَعَلَيْكُمْ، أَيُّها المُؤْمِنُونَ، أَنْ تَمْتَثِلُوا لِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ مِنْ طَاعَتِهِ تَعَالَى، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ الكَرِيمِ ﷺ، وَالتِزَامِ أَوَامِرِهِمَا، وَلاَ تَكُونُوا كَأَعْدَائِكُمْ المُشْرِكِينَ الذِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ بَطَراً بِمَا أوتُوا مِنَ النَّعْمَةِ، وَمُرَاءَاةً لِلنَّاسِ لِيُعْجَبُوا بِهِمْ، وَيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالغِنَى وَالقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ.. وَهُمْ إِنَّمَا يَقْصِدُونَ بِخُرُوجِهِم الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْعَ النَّاسِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، وَالحَدَّ مِنْ انْتِشَارِ الإِسْلاَمِ، وَاللهُ مُحِيطٌ بِأَعْمَالِهِمْ، وَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ، وَسَوْفَ يُجَازِيهِمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
 بَطَراً - طُغْيَاناً وَفَخْراً وَأشَراً.

### الآية 8:48

> ﻿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:48]

الشيطان أَعْمَالَهُمْ
 (٤٨) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إِذْ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ أَعْمَالَهُمْ بِوَسْوَسَتِهِ، وَإِذْ حَسَّنَ فِي أَعْيُنِهِمْ مَا جَاؤُوا لَهُ، وَمَا هَمُّوا بِهِ، وَأَطْمَعَهُمْ بِأنَّهُمْ مَنْصُورُونَ، وَأَنَّهُمْ لاَ غَالِبَ لَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَطَمْأَنَهُمْ إلَى أَنَّهُمْ لَنْ يُؤْتَوْا فِي دِيَارِهِمْ أَثْنَاءَ غَيْبَتِهِمْ فِي قِتَالِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، لأَنَّهُ جَارٌ لَهُمْ وَمُجِيرٌ، فَلَمَّا التَقَى المُسْلِمُونَ بِالمُشْرِكِينَ، وَرَأَى الشَّيْطَانُ مَلاَئِكَةَ اللهَ يَحْمُونَ المُسْلِمِينَ، وَلَّى هَارِباً نَكَصَ على عَقِبَيْهِ، وَقَالَ لأَوْلِيَائِهِ مِنَ الكُفَّارِ: إِنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ يَرَوْنَ، إِنَّهَ يَرَى المَلاَئِكَةَ يِنْصُرُونَ المُسْلِمِينَ، وَإِنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ وَقُوَّتِهِ وَسَطْوَّتِهِ، مَا لاَ يَعْلَمُهُ أَوْلِيَاؤُهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَخَافُ اللهَ، وَيَعْرِفُ أَنَّهَ تَعَالَى شَدِيدُ العِقَابِ.
 إنِّي جَارٌ لَكُمْ - مُجِيرٌ وَمُعِينٌ وَنَاصِرٌ لَكُمْ.
 نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ - رَجَعَ القَهْقَرَى وَوَلَّى مُدْبِراً.

### الآية 8:49

> ﻿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:49]

المنافقون
 (٤٩) - لَمَّا اقْتَرَبَ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلاَحَظَ المُشْرِكُونَ قِلَّةَ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، اسْتَخَفُّوا بِهِمْ، وَظَنَّوا أَنَّهُمْ هَازِمُوهُمْ لاَ مَحَالَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينَهُمْ حَتَّى أَقْدَمُوا عَلَى قِتَالِ قُرَيْشٍ مَعْ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ. وَلكنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ، فَإِنَّ مَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ، وَيُسَلِّمُ أَمْرَهُ إِلَيهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدِ الْتَجَأَ إِلَى جَانِبٍ عَزِيزٍ مَنيعٍ لاَ يُضَامُ. وَاللهُ حَكِيمٌ يَعْرِفُ وَضْعَ الأمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا، فَيَنْصُرُ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ.

### الآية 8:50

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [8:50]

الملائكة وَأَدْبَارَهُمْ
 (٥٠) - وَلَوْ عَايَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الكُفَّارَ حِينَمَا تَأْتِي المَلاَئِكَةُ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، إِذاً لَرَأَيْتَ أَمْراً عَظِيماً مَهُولاً، إِذْ يَضْرِبُونَ (يَوْمَ بَدْرٍ) وُجُوهَهُمْ بِالسُّيُوفِ إِذَا أَقْدَمُوا، وَيَضْرِبُونَ أَدْبَارَهُمْ إذا وَلَّوا، وَيَقُولُونَ لَهُمْ: ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ، بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ وَسُوءِ أَعْمَالِكُمْ.
 (وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَشْمَلُ أَيْضاً حَالَةَ مُوَافَاةِ المَلاَئِكَةِ الكُفَّارَ وَهُمْ عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَنُفُوسُهُمْ تَرْفُضُ الخُرُوجَ، لِما تَعْلَمُهُ مِمَّا ارْتَكَبَتْهُ مِنْ شُرورٍ وَمَآثِمَ فِي الدُّنْيا، وَلِما تَعْلَمُهُ مِمَّا يَنْتَظِرُهَا مِنْ عَذَابِ اللهِ الشَّدِيدِ فِي الآخِرَةِ، كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت والملائكة باسطوا أَيْدِيهِمْ أخرجوا أَنْفُسَكُمُ.

### الآية 8:51

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [8:51]

بِظَلاَّمٍ
 (٥١) - وَيُتَابِعُ المَلاَئِكَةُ حَدِيثَهُمْ مَعَ الكُفَّارِ وَهُمْ يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَهُمْ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا العَذَابُ الذِي يَنْزِلُ بِكُمْ إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَمَا عَمِلْتُمْ مِنْ سَيِّئَاتٍ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ الحَكَمُ العَدْلُ الذِي لاَ يَجُوزُ أَبَداً.

### الآية 8:52

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [8:52]

آلِ بِآيَاتِ
 (٥٢) - هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ، يَا مُحَمَّدُ، إِنَّمَا يَفْعَلُونَ مَا فَعَلَهُ قَبْلَهُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ (آل فِرْعَوْنَ)، وَنَحْنُ نَفْعَلُ بِهِمْ مَا كَانَ مِنْ دَأْبِنَا وَعَادَتِنَا أَنْ نَفْعَلَهُ بِأَمْثَالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ الذِينَ سَبَقُوهُمْ، فَقَدْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ.
 الدَّأبُ - العَادَةُ.

### الآية 8:53

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [8:53]

(٥٣) - يُخْبِرُ اللهَ تَعَالَى عَنْ تَمَامِ عَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ فِي أُمُورِ العِبَادِ، وَأَنَّهَ تَعَالَى لاَ يُغَيِّرُ نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِسَبَبِ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ. وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ قُرَيْشاً - بِكُفْرِهَا بِنِعَمِ اللهِ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ رَبِّهِمْ، فَكَذَّبَهُ الكُفَّارُ مِنْهُمْ وَأَخْرَجُوهُ وَحَارَبُوهُ - كَمَا أَخَذَ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ قَبْلَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.

### الآية 8:54

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [8:54]

آلِ فِرْعَوْنَ بآيَاتِ فَأَهْلَكْنَاهُمْ آلَ فِرْعَونَ ظَالِمِينَ
 (٥٤) - فَإِذَا كَفَرَتِ الأُمَمُ بِأَنْعُمِ رَبِّهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ فِيهِمْ فِعْلَهُ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَأَمْثَالِهِمْ حِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ: أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَجَرَائِمِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ رَبِّهِمْ وَآيَاتِهِ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ إِذْ أَغْرَقَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ.

### الآية 8:55

> ﻿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [8:55]

(٥٥) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، زَعِيمُهُمْ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ، وَهُوَ مِنْ طَوَاغِيتِ الكُفْرِ وَالكُرْهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَلِلإِسْلاَمِ، وَفِيهَا يُطَمْئِنُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ إِلَى أَنَّهُ آمِنٌ مِنْ عَاقِبَةِ كَيْدِهِمْ، وَيُبَيِّنُ فِيهَا مَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ الرَّسُولُ مَعَ أَمْثَالِهِمْ مِنَ الخَوَنَةِ المُتَرَبِّصِينَ.
 يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ شَرَّ المَخْلُوقَاتِ التِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، فِي حُكْمِ اللهِ وَعَدْلِهِ، هُمُ الكَافِرُونَ الذِينَ اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ صِفَتَانِ:
 (أ) - الإِصْرَارُ عَلَى الكُفْرِ، وَالرُّسُوخُ فِيهِ حَتَّى لاَ يُرْجَى لَهُمْ إِيمَانٌ.
 (ب) - نَقْضُ العَهْدِ.
 وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ حِينَ هِجْرَتِهِ إلَى المَدِينَةِ، عَقَدَ مَعَ اليَهُودِ عُقُوداً، أَمَّنَهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَنَقَضُوا هَذِهِ العُهُودَ، وَتَآمَرُوا عَلَى الرَّسُولِ وَالمُسْلِمِينَ.

### الآية 8:56

> ﻿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ [8:56]

عَاهَدْتَّ
 (٥٦) - الذِينَ كُلَّمَا عَاهُدُوا عَهْداً نَقَضُوهُ، وَكُلَّمَا أَكَّدُوا بِالأَيْمَانِ نَكَثُوهُ، وَهُمْ لاَ يَخَافُونَ عِقَابَ اللهِ عَلَى شَيءٍ مِنَ الآثَامِ ارْتَكَبُوهُ.

### الآية 8:57

> ﻿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [8:57]

(٥٧) - فَإِذَا مَا لَقِيتَهُم يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ فِي الحَرْبِ، وَظَفِرْتَ بِهِمْ، فَنَكِّلْ بِهِمْ، وَأَثْخِنْ فِيهِمْ قَتْلاً، لِيَخَافَ سِوَاهُمْ مِنَ الأَعْدَاءِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، وَليَكُونُوا عِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ، لَعَلَّهُمْ يُحَاذِرُونَ أَنْ يَنْكُثُوا أَيْمَانَهُمْ، وَيَخُونُوا عُهُودَهُمْ، فَيَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ.
 تَثْقَفَنَّهُمْ - تُصَادِفُهُمْ وَتَظْفَرُ بِهِمْ.
 فَشَرِّدْ بِهِمْ - فَفَرِّقْ وَبَدِّدْ وَخَوِّفْ بِهِمْ.

### الآية 8:58

> ﻿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [8:58]

الخائنين
 (٥٨) - وَإِذَا خِفْتَ مِنْ قَوْمٍ عَاهَدْتَهُمْ، خِيَانَةً وَنَقْضاً لِلْعَهْدِ الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَأَعْلِمْهُمْ بِأَنَّكَ نَقَضْتَ عَهْدَهُمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ لاَ عَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، فَتَسْتَوِي أَنْتَ وَإِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ بِدُونِ خِدَاعٍ وَلاَ اسْتِخْفَاءٍ. وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الخِيَانَةُ مُوَجَّهَةً لِلْكُفَّارِ.
 رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " ثَلاثٌ، المُسْلِمُ وَالكَافِرُ فِيهِنَّ سَواءٌ: مَنْ عَاهَدْتَهُ فُوُفَّ بِعَهْدِهِ مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً، فَإِنَّمَا العَهْدُ للهِ، وَمَنْ كَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَحمٌ فَصِلْهَا، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً. وَمَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَى أَمَانَةٍ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً " (رَوَاهُ البَيْهَقِي).
 مِنْ قَوْمٍ - مِنْ قَوْمٍ عَاهَدُوكَ.
 فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ - فَاطْرَحْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ وَحَارِبْهُمْ.
 عَلَى سَوَاءٍ - عَلى اسْتِوَاءٍ فِي العِلْمِ بِنَبْذِ العَهْدِ.

### الآية 8:59

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ [8:59]

(٥٩) - وَلاَ يَحْسَبُ الذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ فَاتُونَا وَسَبَقُونَا، وَنَجَوا مِنْ عَاقِبَةِ خِيَانَتِهِمْ وَغَدْرِهِمْ، فَلاَ نَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ تَحْتَ قَهْرِنَا وَقُدْرَتِنَا، وَفِي قَبْضَةِ مَشِيئَتِنَا، فَلا يُعْجِزُونَنَا عَنْ إِدْرَاكِهِمْ، وَسَنَجْزِيهِمُ الجَزَاءَ الأَوْفَى.
 سَبَقُوا - خَلَصُوا وَأَفْلَتُوا مِنَ العَذَابِ.

### الآية 8:60

> ﻿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [8:60]

وَآخَرِينَ
 (٦٠) - يَأْمُرُ اللهُ المُسْلِمِينَ باِلاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ، وَبِإِعْدَادِ آلاتِهَا لِمُقَاتَلَةِ الكُفَّارِ، وَدَفْعِ العُدْوَانِ، وَحِفْظِ الأَنْفُسِ، وَالحَقِّ وَالفَضِيلَةِ، حَسَبَ الطَّاقَةِ وَالاسْتِطَاعَةِ: مِنْ خَيْلٍ وَسِلاَحٍ وَعُدَدٍ وَمُؤَنٍ وَتَدْرِيبٍ وَعِلْمٍ وَكُلَّ مَا يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ القُوَّةِ التِي تُمَكِّنُ الأُمَّةَ مِنْ مُقَاوَمَةِ خُصُومِهَا، بِحَسَبِ مَفْهُومِ العَصْرِ، وَذَلِكَ لإِرْهَابِ الكُفَّارِ - مِنْ قُرَيْشٍ وَمِنْ غَيْرِهِمْ - أَعَدَاءِ اللهِ، وَأَعْدَاءِ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ، وَلإِرْهَابِ الأَعْدَاءِ الآخَرِينَ مِنْ مُنَافِقِينَ وَيَهُودٍ يُجَاوِرُونَ المُسْلِمِينَ فِي المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ لاَ يَعْلَمُهُمْ رَسُولُ اللهِ وَالمُسْلِمُونَ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُهُمْ. وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ أَنَّ كُلَّ نَفَقَةٍ يُنْفِقُونَهَا فِي الجِهَادِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ، سَتُوَفَّى إِلَيْهِمْ بِالتَّمَامِ وَالكَمَالِ، وَلاَ يَبْخَسُ اللهُ أَحَداً مِنْهُمْ شَيْئاً.
 قُوَّةٍ - كُلَّ مَا يُتَقَوَّى بِهِ فِي الحَرْبِ.
 رِبَاطِ الخَيْلِ - حَبْسِها لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.

### الآية 8:61

> ﻿۞ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [8:61]

(٦١) - وَإِذَا جَنَحَ الأَعْدَاءُ إِلَى السَّلْمِ، وَمَالُوا إلَى المُهَادَنَةِ وَالمُصَالَحَةِ، فَمِلْ أَنْتَ إِليها، وَاقْبلْ مِنْهُمْ ذَلِكَ، لأنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ غَرَضاً مَقْصُوداً لِذَاتِهِ عِنْدَكَ، وَإِنَّمَا تَقْصِدُ بِهَا أَنْتَ دَفْعَ خَطَرِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ، وَلأَنَّكَ أَوْلَى بِالسِّلْمِ مِنْهُمْ، وَفَوِّضِ الأَمْرَ للهِ، وَلاَ تَخَفْ غَدْرَهُمْ وَمَكْرَهُمْ، فَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ لِمَا يَقُولُونَ، العَلِيمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ مِنَ الكَيْدِ وَالخِدَاعِ، وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْكَ.
 (وَلِذَلِكَ قَبِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّلْحَ فِي الحُدَيْبِيَةِ لَمَّا طَلَبَهُ المُشْرِكُونَ).
 \[وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ وَقَدْ جَاءَ فِيهَا: قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب. جَنَحُوا لِلْسِّلْمِ - مَالُوا لِلْمُسَالَمَةِ وَالمُصَالَحَةِ.

### الآية 8:62

> ﻿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [8:62]

(٦٢) - وَإِنْ يُرِدِ الكَافِرُونَ - بِجُنُوحِهِمْ لِلسِّلْمِ - خِيَانَتَكَ وَخِدَاعَكَ، وَالمَكْرَ بِكَ، وَانْتِظَارَ الفُرْصَةِ وَالغِرَّةِ لِلْغَدْرِ بِكَ، أَوِ اغْتِنَامِ حَالَةِ السِّلْمِ لِلاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ حِينَمَا تَسْنَحُ لَهُمُ الفُرْصَةُ المُوَاتِيَةُ... فَإِنَّ اللهَ كَافِيكَ أَمْرَهُمْ، وَنَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ؛ وَمِنْ دَلاَئِلِ عِنَايَتِهِ بِكَ أَنَّهُ أَيَّدَكَ بِالمُؤْمِنِينَ وَنَصَرَكَ.
 حَسْبَكَ اللهُ - كَافِيكَ فِي دَفْعِ خَدِيعَتِهِمْ.

### الآية 8:63

> ﻿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:63]

(٦٣) - وَهُوَ الذِي أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وَجَمَعَهَا عَلَى الإِيمَانِ بِكَ، وَعَلَى طَاعَتِكَ وَمُنَاصَرَتِكَ، وَلَمْ تَكُنْ أَنْتَ لِتَسْتَطِيعَ التَّأْلِيفَ بِيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ جَمِيعَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ، لَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ قَبْلاً مِنْ عَدَاوَاتٍ وَضَغَائِنَ وَأَحْقَادٍ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ.. وَلَكِنَّ اللهَ جَمَعَ قُلُوبَهُمْ عَلَى الهُدَى وَالتَّقْوَى، وَاللهُ عَزِيزُ الجَانِبِ لاَ يُضَامُ، حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ، لا يَخِيبُ رَجَاءُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.

### الآية 8:64

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [8:64]

ياأيها
 (٦٤) - يُحَرِّض اللهُ تَعَالَى النَّبِيُّ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ وَمُنَاجَزَةِ الأَعْدَاءِ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ حَسْبُهُمْ وَكَافِيهِمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَإِنْ كَثُرَتِ أَعْدَادُهُمْ، وَتَتَابَعَتْ إِمْدَادَاتُهُمْ، وَلُوْ قَلَّ عَدَدُ المُؤْمِنِينَ عَنْ عَدَدِ الكُفَّارِ.

### الآية 8:65

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [8:65]

ياأيها صَابِرُونَ
 (٦٥) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِحَثِّ المُؤْمِنِينَ، وَتَحْرِيضِهِمْ عَلَى القِتَالِ، لِدَفْعِ عُدْوانِ الكَافِرِينَ عَلَى الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، وَلإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ وَالحَقِّ وَالعَدْلِ وَأَهْلِهَا، عَلَى كَلِمَةِ البَاطِلِ وَالظُّلْمِ وَأَنْصَارِهِمَا. وَيُخْبِرُ اللهُ نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عِشْرُونَ مُعْتَصِمُونَ بِالإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّهُمْ يَغْلِبُونَ مِئَتَيْنِ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الكُفَّارِ، لأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ مَا تَفْقَهُونَهُ أَنْتُمْ مِنْ حِكْمَةِ الحَرْبِ، وَمَا يُرَادُ بِهَا مِنْ مَرْضَاةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلاَ يَنْتَظِرُونَ هُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ أَنْتُمْ مِنَ الحَرْبِ: نَصْراً مِنَ اللهِ أَوْ فَوْزاً بِالشَّهَادَةِ وَرِضْوَانِ اللهِ.
 وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَخَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ.
 حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ - بَالِغْ فِي حَثِّهِمْ.

### الآية 8:66

> ﻿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [8:66]

الآن الصابرين
 (٦٦) وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُخَفِّفُ اللهُ تَعَالَى عَنِ المُؤْمِنِينَ، وَيَجْعَلُ المُسْلِمَ الوَاحِدَ فِي مُقَابَلَةِ اثْنَيْنِ مِنَ الكُفَّارِ (بَيْنَمَا كَانَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ الوَاحِدُ بِعَشَرَةٍ)، فَإِذَا كَانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ نِصْفُ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ، لَمْ يَسُغْ لَهُم التَّرَدُّدُ فِي لِقَاءِ العَدُوِّ، وَإِذَا كَانُوا دُونَ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِم القِتَالُ، وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا، فَالعَشَرَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصَّابِرِينَ يَغْلِبُونَ العِشْرِينَ بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ الصَّابِرِينَ وَيَنْصُرُهُمْ، فَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبِالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَلَيْسَ بِالعَدَدِ وَالعُدَّةِ.

### الآية 8:67

> ﻿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:67]

الآخرة
 (٦٧) - أَسَرَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ عَدَداً مِنْ رُؤُوسِ الشِّرْكِ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَسَأَلَ الرَّسُولُ أَصْحَابَهُ مَا يَفْعَلُ بِالأَسْرَى، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بِقَتْلِهِمْ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ الأَنْصَارِيُّ بِإِيقَادِ نَارٍ عَظِيمَةِ فِي الوَادِي وَإِحْرَاقِهِمْ فِيهَا، وَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِمُفَادَاتِهِمْ. وَقَالَ لِلْرَسُولِ ﷺ: هُمْ الأَهْلُ وَالعَشِيرَةُ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ثُمَّ قَبِلَ الفِدَاءَ.
 فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، وَفِيهَا يَلُومُ الرَّسُولَ وَالمُسْلِمِينَ عَلَى قُبُولِ الفِدَاءِ، وَتَفْضِيلِ عَرَضِ الحَيَاةُ الدُّنْيا عَلَى مَصْلَحَةِ الإِسْلاَمِ العُلْيَا، وَهِيَ إِبَادَةُ الكُفْرِ وَقَادَتِهِ، حَتَّى يَتَضَعْضَعُ الكُفْرُ، وَيَنْهَارُ بُنْيَانُهُ، وَتَتَقَطَّعُ أَوْصَالَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض، أَيْ إِنَّهَ لاَ يَنْبَغِي لِلْنَّبِيِّ وَالمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْدِلُوا عَنْ قَتْلِ أَعْدَائِهِمْ إَلَى أَسْرِهِمْ إلاَّ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الغَلَبَةُ التَّامَةُ، وَالسَيْطَرَةُ الكَامِلَةُ، وَأَنْ تَكُونَ قُوَّتُهُمْ فِي مَوْضِعِ التَّفَوُّقِ المُطْلَقِ عَلَى الأَعْدَاءِ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ هؤُلاَءِ الأَعْدَاءُ الثَّأْرَ وَالعَوْدَةَ إِلى القِتَالِ إِذَا سَنَحَتْ لَهُمُ الفُرْصَةُ. فَإِذَا كَانَتْ لَهُم القُوَّةُ وَالسُّلْطَانُ بَعْدَ أَنْ أَنْهَكُوا الأَعْدَاءَ قَتْلاً، جَازَ لَهُمُ العُدُولُ عَنِ القَتْلِ إلَى الأَسْرِ. وَقَدْ نَبَّهَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ إِلَى أَنَّهُمْ فَضَّلُوا بِعُدُولِهِمْ إِلى الأَسْرِ، عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيا، أَمَّا هُوَ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ، وَاللهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ، حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
 الإِثْخَانُ - الشِّدَّةُ وَالغَلَبَةُ أَوْ هُوَ المُبَالَغَةُ فِي القَتْلِ لِيَتِمَّ إِذْلاَلُ الكُفْرِ وَأَهْلِهِ.
 عَرَضَ الدُّنْيا - حُطَامَهَا - وَذلِكَ بِأَخْذِ الفِدْيَةِ.

### الآية 8:68

> ﻿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [8:68]

كِتَابٌ
 (٦٨) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَوْلاَ كِتَابٌ سَبَقَ مِنْهُ لَمَسَّهُمْ فِي أَخْذِهِم الفِدَاءَ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
 وَقِيلَ: إِنَّ عِبَارَةَ (كِتَابُ مِنَ اللهِ سَبَقَ) تَحْتَمِلُ أَقْوَالاً:
 - أَوَّلَها: لَوْلاَ أَنَّ اللهَ لاَ يُعَذِّبُ مَنْ عَصَاهُ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيهِ بِالإِعْذَارِ، لَعَاقَبَ المُسْلِمِينَ عَلَى أَخْذِهِم الفِدَاءَ.
 - وَثَانِيها - أَنَّهُ لَوْلاَ كِتَابُ مِنَ اللهِ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ الأَزَلِيِّ ألاَّ يُعَذِّبَكُمْ وَالرَّسُولُ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ تَسْتَغْفِرُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ لَمَسَّكُمْ بِسَبَبِ أَخْذِكُم الفِدَاءَ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
 - وَثَالِثَهَا - أَنَّهُ لَوْلاَ أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ سَبَقَ مِنْهُ الوَعْدُ لِلْمُسْلِمِينَ الذِينَ شَهِدُوا بَدْراً بِالمَغْفِرَةِ لَمَسَّهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
 وَرَابِعَها - لَوْلاَ حُكْمٌ سَابِقٌ مِنَ اللهِ بِالعَفْوِ عَنِ المُجْتَهِدِ المُخْطِىءِ لأَصَابَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ كَبِيرٌ.

### الآية 8:69

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [8:69]

حَلاَلاً
 (٦٩) - أَمَا وَإِنَّكُمْ قَدْ قَبِلْتُمُ الفِدَاءَ، وَأَطْلَقْتُمُ الأَسَارَى، فَكُلُوا مَا أَخْذْتُمْ مِنَ الفِدَاءِ حَلاَلاً طَيِّباً، وَلاَ تَتَحَرَّجُوا مِنْ ذَلِكَ، وَاتَّقُوا اللهَ الغَفُورَ الرَّحِيمَ.

### الآية 8:70

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىٰ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [8:70]

ياأيها
 (٧٠) - وَقَعَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسِيراً فِي أَيْدِي أُنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ. فَحَزِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أَأَذْهَبُ إِلَيْهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَذَهَبَ عُمَرُ إِلَيْهِم، وَلَكِنَّهُمْ رَفَضُوا تَسْلِيمَهُ إِلَيهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَوَلَوْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ رِضاً فِي ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَضِيَ فَخُذْهُ. فَعَرَضَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ أَنْ يَفْدِي نَفْسَهُ، وَيَفْدِي ابْنَيْ أَخِيْهِ نَوْفَلاً وَعَقِيلاً، وَحَلِيفاً لَهُ. فَتَعَلَّلَ العبَّاسُ بِأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ مَا يَكْفِي مِنَ المَالِ.
 فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ: أَلَمْ تَتْرُكْ عِنْدَ زَوْجَتِكَ أُمَّ الفَضْلِ مَالاً دَفَنْتُمَاهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ نَعَمْ. وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. فَدَفَعَ عِشْرِينَ أُوْقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ. وَقَالَ لِلرَّسُولِ كُنْتُ مسلماً. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: اللهَ أَعْلَمُ بِإِسْلاَمِكَ، فَإِنْ يَكُنْ كَمَا تَقُولُ، فَإِنَّ اللهَ يَجْزِيكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَيَقُولُ العَبَّاسُ: إِنَّ اللهَ آتَاهُ خَيْراً مِمَّا أَخَذَ مِنْهُ مِئَةَ ضِعْفٍ، وَإِنَّهُ لَيَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ غَفَرَ لَهُ.
 وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنْ يَكُنْ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرٌ يَعْلَمُهُ اللهُ، يُعَوِّضْكُمْ خَيراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ، وَيَغْفِرْ مَا كَانَ مِنْكُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالسَيِّئَاتِ.

### الآية 8:71

> ﻿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [8:71]

(٧١) - وَقَالَ بَعْضَ أُسْرَى بَدْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: آمَنَّا بِمَا جِئْتَ بِهِ وَنَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَلَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلَى قَوْمِنَا. فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ كَانُوا يُرِيدُونَ خِيَانَتَكَ فِيمَا أَظْهَرُوهُ لَكَ مِنَ الأَقْوَالِ، فَقَدْ خَانُوا اللهَ قَبْلَ بَدْرٍ بِكُفْرِهِمْ بِهِ، فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ، وَأَظْفَرَكُمْ بِهِمْ، وَجَعَلَهُمْ فِي جُمْلَةِ الأَسْرَى، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُ، حَكِيمٌ فِيهِ.
 فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ - فَأَقْدَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

### الآية 8:72

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [8:72]

آمَنُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ آوَواْ أولئك وَلاَيَتِهِم مِّيثَاقٌ
 (٧٢) - إِنَّ المُهَاجِرِينَ الذِينَ تَرَكُوا دِيَارَهُمْ، وَجَاهَدُوا مَعَ الرَّسُولِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالأَنْصَارِ الذِينَ آوَوُا الرَّسُولَ وَنَصَرُوهُ، هَؤُلاَءِ جَمِيعاً بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ أَحَقُّ بِالآخَرِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ. لِذَلِكَ آخَى الرَّسُولُ ﷺ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، كُلَّ اثْنَيْنِ أَخَوَانِ فِي اللهِ، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ إِرْثاً مُقَدَّماً عَلَى القَرَابَةِ، حَتَّى نَسَخَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِآيَةِ المَوَارِيثِ.
 أمَّا الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، بَلْ أَقَامُوا فِي أَمَاكِنِهِمْ فَهَؤُلاَءِ لاَ يَثْبُتُ لَهُمْ شَيءٌ مِنْ وَلاَيَةِ المُسْلِمِينَ وَنُصْرَتِهِمْ، إِذْ لاَ سَبِيلَ إِلَى وَلاَيَتِهِمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ المَغَانِمِ نَصِيبٌ وَلاَ فِي خُمْسِهَا إِلاَّ مَا حَضَرُوا فِيهِ القِتَالَ. وَإِذَا اسْتَنْصَرَ هَؤُلاَءِ، الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، إِخْوَانَهُمُ المِسْلِمِينَ فِي قِتَالٍ دِيني عَلَى عَدُوٍ لَهُمْ، فَعَلَيْهِمْ نَصْرَهُمْ، لأَنَّهُمْ إِخْوَانٌ فِي الدِّينِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الاسْتِنْصَارُ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ مِيثَاقٌ وَمُهَادَنَةٌ إلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَيَجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ الاَّ يَخْفِرُوا ذِمَّتَهُمْ وَلاَ أَنْ يَنْقُضُوا أَيْمَانَهُم مَعَ الذِينَ عَاهَدُوهُمْ.

### الآية 8:73

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [8:73]

(٧٣) - المُؤْمِنُونَ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَبِذَلِكَ قَطَعَ اللهُ المُوَالاَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الكُفَّارِ، وَمَنَعَ بَيْنَهُمُ المِيرَاثَ (لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ).
 وَالذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فَهُمْ يَتَنَاصَرُونَ عَلَى البَاطِلِ، وَيَتَعَاوَنُونَ عَلَى عَدَاوَةِ المُسْلِمِينَ، فَلا تُوَالُوهُمْ يَا أَيُّها المُسْلِمُونَ وَإِذَا لَمْ تَجْتَنِبُوا المُشْرِكِينَ، وَتُوَالُوا المُؤْمِنِينَ كَانَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَالتِبَاسٌ لِلأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، وَاخْتِلاَطِ المُؤْمِنِينَ بِالكَافِرِينَ.

### الآية 8:74

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [8:74]

آمَنُواْ وَجَاهَدُواْ آوَواْ أولئك
 (٧٤) - فِي الايَاتِ السَّابِقَةِ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ المُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيا، ثُمَّ عَطَفَ فِي هَذِهِ الآيَةِ عَلَى ذِكْرِ مَا لَهُمْ فِي الآخِرَةِ فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ بِحَقِيقَةِ الإِيمَانِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى سَيَجْزِيهِمْ بِالصَّفْحِ وَالمَغْفِرَةِ عَنِ الذُّنُوبِ، وَبِالرِّزْقِ الكَرِيمِ الحَسَنِ الطَّيِّبِ، الذِي لاَ يَنْقَطِعُ وَلاَ يَنْقَضِي، وَلاَ يُسْأَمُ وَلاَ يُمَلُّ حُسْنُهُ.

### الآية 8:75

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [8:75]

آمَنُواْ وَجَاهَدُواْ فأولئك وَأْوْلُواْ كِتَابِ
 (٧٥) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الذِينَ يَتَّبِعُونَ المُؤْمِنِينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ إِيمَانٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَكُونُونَ مَعَ السَّابِقِينَ فِي الآخِرَةِ. وَذَوُو الأَرْحَامِ مِنَ الأَقَارِبِ جَمِيعاً لَهُمْ وَلاَيَةُ القَرَابَةِ، وَبَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي المَوَدَّةِ وَالمَالِ وَالنُّصْرَةِ كَمَا شَرَعَ اللهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ فِي هَذَا الوُجُودِ.
 أُوْلُو الأَرْحَامِ - ذَوُو القَرَابَةِ.
 أَوْلَى - بِالمِيْرَاثِ مِنَ الأَجَانِبِ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/8.md)
- [كل تفاسير سورة الأنفال
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/8.md)
- [ترجمات سورة الأنفال
](https://quranpedia.net/translations/8.md)
- [صفحة الكتاب: أيسر التفاسير](https://quranpedia.net/book/54.md)
- [المؤلف: أسعد محمود حومد](https://quranpedia.net/person/2464.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/8/book/54) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
