---
title: "تفسير سورة التوبة - تفسير السمعاني - أبو المظفر السمعاني"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/134.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/134"
surah_id: "9"
book_id: "134"
book_name: "تفسير السمعاني"
author: "أبو المظفر السمعاني"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة التوبة - تفسير السمعاني - أبو المظفر السمعاني

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/134)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة التوبة - تفسير السمعاني - أبو المظفر السمعاني — https://quranpedia.net/surah/1/9/book/134*.

Tafsir of Surah التوبة from "تفسير السمعاني" by أبو المظفر السمعاني.

### الآية 9:1

> ﻿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [9:1]

قوله تعالى :( برآءة من الله ورسوله ) قوله :( براءة ) هذه براءة، والبراءة : نقض العصمة، ومعنى الآية : تبرؤ من الله ورسوله. 
( إلى الذين عاهدتم من المشركين ) وقال بعضهم : برىء الله ورسوله من المشركين.

### الآية 9:2

> ﻿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [9:2]

قوله تعالى :( فسيحوا في الأرض ) معناه : أقبلوا وأدبروا واذهبوا وجيئوا ( أربعة أشهر ) اختلفوا في الأشهر الأربعة :
قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة : ابتداؤه من يوم النحر، وآخره العاشر من شهر ربيع الآخر. وقال الزهري : هو شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. 
والقول الأول هو الصواب. 
قوله تعالى :( واعلموا أنكم غير معجزي الله ) أي : غير فائتي الله، ومعناه : أنه وإن أجلكم هذه المدة فلا يعجز عن عذابكم، كما يعجز من يفوته الشيء ( وأن الله مخزي الكافرين ) أي : مذل الكافرين. 
وسبب نزول الآية :**«أنه كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهود ومدد، فلما غزا غزوة تبوك أرجف المنافقون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فجعل المشركون ينقضون العهود - وقيل : إن هذا كان قبل غزوة تبوك - فلما كانت سنة تسع من الهجرة بعث أبا بكر - رضي الله عنه - للحج بالناس، وبعث عليا - رضي الله عنه - ليقرا على الناس هذه الآيات من أول هذه السورة. ويروى أنه بعث أبا بكر أولا، ثم إنه بعث عليا في إثره، وقال :«لا يبلغ هذه الآيات إلا رجل منى »**( [(١)](#foonote-١) ) يعني : من رهطي فكان أبو بكر أميرا على الموسم، وكان علي ينادي في الناس بهذه الآيات. 
وروى أن عليا سئل : بم بعثك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : بعثني بأربعة أشياء : أولها : من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فمدته إلى أربعة أشهر، والثاني : لا يحجن بعد هذا العام مشرك، والثالث : لا يطوفن بالبيت عريان، والرابع : لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة »( [(٢)](#foonote-٢) ). 
فإن قال قائل : كيف بعث أبا بكر بهذه الآيات ثم عزله وبعث عليا، وقال :**«لا يبلغ عني إلا رجل مني »**، فإن كان لا يبلغ هذا إلا رجل من رهطه، فكذلك سائر الأشياء ؟
والجواب عنه : ذكر العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعزل أبا بكر عن الموسم، وكان هو الأمير، وإنما بعث عليا لينادى بهذه الآيات ؛ لأن العرب كانوا تعارفوا أنه لا يعقد على القوم إلا سيدهم، ولا ينقض إلا سيدهم أو رجل من أهله، فبعث عليا على ما تعارفوا ؛ ليزيح العلل بالكلية، فلا تبقى لهم علة، فكان المعنى هذا، والله أعلم.

١ - رواه أحمد في المسند (١/٣) عن أبي بكر، وصحح الشيخ أحمد شاكر إسناده في تحقيق المسند (١/١٥٦) وروى عن أنس، رواه الترمذي (٥/٢٥٦ رقم ٣٠٩٠)، وقال: حسن غريب، والنسائي في الكبرى (٥/١٢٨ رقم ٨٤٦٠)، ورواه ابن حبان –الإحسان- (١٥/١٦-١٧ رقم ٦٦٤٤) على الشك في الصحابي هل هو أبو هريرة أم أبو سعيد ؟ وروى عن علي، رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/١٥١)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٣٢): وفيه محمد بن جابر السحيمي، وهو ضعيف وقد وثق. وروى عن غير واحد من الصحابة...
٢ - رواه الترمذي (٥/٢٥٧ رقم ٣٠٩٢) وحسنه، وأحمد (١/٧٩) وصححه الشيخ شاكر في تحقيق المسند (٢/٣٢)..

### الآية 9:3

> ﻿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:3]

قوله تعالى :( وأذان من الله ورسوله ) معناه : إعلام من الله ورسوله، قال الحارث بن حلزة :

آذنتنا بينهما أسماء  رب ثاوٍ يملُّ منه الثواءمعناه : أعلمتنا. 
قوله تعالى :( إلى الناس يوم الحج الأكبر ) اختلفوا في يوم الحج الأكبر على أقوال :
روى يحيى بن ( الجزار ) ( [(١)](#foonote-١) ) أن عليا - رضي الله عنه - خرج يوم العيد على دابة، فأخذ رجل بلجام دابته، وقال : ما يوم الحج الأكبر ؟ فقال : هو اليوم الذي أنت فيه، خل عنها. 
وروى مثل هذا عن ابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن أبي أوفى. 
والقول الثاني : قول ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : هو يوم عرفة. وهو قول مجاهد والشعبي والنخعي وجماعة. 
وقال ابن سيرين - وهو القول الثالث - : يوم الحج الأكبر هو اليوم الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتفق فيه حج أهل المل كلها. 
والصحيح هو أحد القولين الأولين. 
**واختلفوا في الحج الأكبر :**
فأحد القولين : أن الحج الأكبر هو القرآن، والحج الأصغر هو الإفراد. 
والقول الثاني : أن الحج الأكبر : هو الحج، والأصغر هو العمرة. 
قوله :( أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) معناه : ورسوله بريء أيضا. 
١ - في "ك": الجوزاء وهو سبق قلم. وهو العَرنِّى الكوفي من رجال التهذيب..

### الآية 9:4

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:4]

( إلا الذين عاهدتم من المشركين ) وقع الاستثناء على قوم من بني ضمرة أمر الله رسوله أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر ؛ والسبب في الإتمام : أنهم لم ينقضوا العهد، وهذا معنى قوله تعالى :( ثم لم ينقصوكم شيئا )، وقرأ عطاء بن يسار :" ثم لم ينقضوكم شيئا " بالضاد المعجمة. 
قوله تعالى :( ولم يظاهروا عليكم أحدا ) ومعناه : ولم يعاونوا عليكم أحدا ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ) يعني : المتقين عن نقض العهد. وروى عن الحسن البصري - رحمه الله - أنه قال : المتقي : من يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس.

### الآية 9:5

> ﻿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:5]

قوله تعالى :( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ) روي في التفاسير **«أن النبي صلى الله عليه وسلم أجل المشركين الذين كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد أربعة أشهر، وأجل الذين لم يكن بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم عهد باقي ذي الحجة والمحرم وهو خمسون ليلة »**( [(١)](#foonote-١) ) فهذا معنى الآية. 
فإن قيل : قال تعالى :( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) وما ذكرتم بعض الأشهر الحرم. 
قلنا : هذا القدر كان متصلا بما مضى ؛ فأطلق عليه اسم الجميع، ومعناه : هو مضى المدة المعروفة التي تقع بعد انسلاخ الأشهر الحرم. 
قوله تعالى :( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) معناه معلوم. 
قوله ( وخذوهم ) ظاهر. أي : خذوهم أسرا ؛ والعرب تسمي الأسير أخيذا، وفي المثل : أكذب من أخيذ. 
قوله تعالى :( واحصروهم ) يعني : واحبسوهم، يعني : حولوا بينهم وبين المسجد الحرام، هذا هو معنى الحبس هاهنا. 
وقوله :( واقعدوا لهم كل مرصد ) قال أبو عبيدة : المرصد : الطرق. يعني اقعدوا لهم بطرق مكة حتى لا يصلوا إلى المسجد الحرام قال الشاعر :

ولقد علمت \[ ولا أخالك ناسيا \] ( [(٢)](#foonote-٢) )  أن المنية للفتى بالمرصدقوله :( فإن تابوا ) يعني : آمنوا ( وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) يعني : خلوا سبيلهم ليصلوا إلى المسجد الحرام( إن الله غفور رحيم ) معلوم. 
١ - عزاه السيوطي في الدر (٣/٢٢٨) لابن المنذر، وابن أبي حاتم..
٢ - في "الأصل، وك": ولا أخاك سواه وما أثبته من تفسير القرطبي، وعزاه لعامر بن الطفيل..

### الآية 9:6

> ﻿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [9:6]

قوله تعالى :( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) الإستجارة : طلب الأمان. ومعنى الآية : وإن أحد من المشركين طلب منك الأمان فأجره، أي : أمنه ( حتى يسمع كلام الله ) يعني : فيما له وعليه من العقاب والثواب والوعد والوعيد ( ثم أبلغه مأمنه ) يعني : الموضع الذي يأمن فيه ( ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) ومعناه : أنهم يحتاجون إلى أن يسمعوا كلام الله تعالى لجهلهم.

### الآية 9:7

> ﻿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:7]

قوله تعالى :( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) قال الفراء : كلمة " كيف " هاهنا كلمة استفهام بمعنى الجحد، ومعناه : لا يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، يعني : ولا عند رسوله. 
قوله تعالى :( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) هؤلاء قوم من بني ضمرة على ما ذكرنا. 
قوله تعالى :( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) يعني : إذا وفوا بعهدكم وفوا بعهدهم ( إن الله يحب المتقين ) قيل معناه : إن الله يحب المؤمنين، وقيل : يحب المتقين نقض العهد.

### الآية 9:8

> ﻿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [9:8]

قوله تعالى :( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) يعني : كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ؟ اختلفت الأقوال في " إلا " :
روي عن مجاهد أن " إلا " هو الله تعالى. وفي الشاذ قرئ :" لا يرقبوا فيكم إيلا ولا ذمة "، وإيل : هو الله. 
وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال في كلمات مسيلمة الكذاب - لعنه الله - حين سمع أنه يقول : يا ضفدع نقي نقي، كم تنقين، لا الماء تكدرين ولا الشراب تمنعين. فقال أبو بكر : إن هذا كلام لم يخرج من إل يعني : من الله. 
والقول الثاني قول أبي عبيدة : الإل هو العهد، والذمة : التذمم. 
والثالث : قول الضحاك - وهو أولى الأقاويل وأحسنها - قال : إن الإل هو القرابة، والذمة : العهد، قال حسان بن ثابت :

لعمرك إن إلك من قريش  كإل السقب من رأل النعامقوله تعالى :( يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ) يعني : يعدون الوفاء بالقول، وتأبى قلوبهم إلا الغدر ( وأكثرهم فاسقون ) فإن قال قائل : هذا في المشركين وهم كلهم فاسقون، فكيف قال :( وأكثرهم ) ؟
قلنا : الفسق هاهنا : نقض العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده ؛ فلهذا قال ( وأكثرهم فاسقون ).

### الآية 9:9

> ﻿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:9]

قوله تعالى :( اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ) الآية. قال الحسن البصري : الدنيا بحذافيرها ثمن قليل. ومعنى الآية : أنهم اختاروا الدنيا على رضا الله وعلى الإيمان بآيات الله ( فصدوا عن سبيله ) يعني : منعوا الناس عن سبيله ( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) ظاهر المعنى.

### الآية 9:10

> ﻿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [9:10]

قوله تعالى :( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) المراقبة : الحفظ، والإل والذمة قد ذكرنا معناهما ( وأولئك هم المعتدون ) المجاوزون للحدود.

### الآية 9:11

> ﻿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [9:11]

وقوله تعالى :( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون ) ظاهر المعنى.

### الآية 9:12

> ﻿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [9:12]

قوله تعالى :( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ) هذا في العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فنقضوا العهد، وكان نقضهم : أنهم عاونوا بني بكر على خزاعة، وكانت بنو بكر حلفاء قريش، وخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من خزاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأنشده :

لاهم إني ناشد محمدا  حلف أبينا وأبيه الأتلداوإن قريشا نقضوك الموعدا  وبيتونا بالوثير هجدا\*\*\* وقتلونا ركعا وسجدا \*\*\*
في أبيات كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لا نُصِرت إن لم أَنْصُركم »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وروى أنه رأى سحابة تبرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إن هذه السحابة لتستهل بنصر خزاعة »**( [(٢)](#foonote-٢) )، وكان هذا ابتداء القصد لفتح مكة. 
قوله تعالى :( وطعنوا في دينكم ) هذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد، ويجوز قتله. 
قوله :( فقاتلوا أئمة الكفر ) يعني : رءوس الكفر، ورءوس الكفر هم : أبو سفيان، وسهيل بن عمرو، وأمية بن صفوان، وعكرمة بن أبي جهل ( إنهم لا أيمان لهم ) يعني : لا عهود لهم. وقرأ الحسن البصري :" إنهم لا إيمان لهم " وهو اختيار ابن عامر( [(٣)](#foonote-٣) )، ويجوز أن تكون الأيمان هاهنا بمعنى الإيمان، تقول العرب : أمنته إيمانا، فذكر المصدر وأراد به الاسم ( لعلهم ينتهون ). 
١ - رواه الطبراني في الصغير (٢/١٦٧-١٦٩ رقم ٩٦٨)، وفي الكبير (٢٣/٤٣٣-٤٣٥ رقم ١٠٥٢) عن ميمونة أم المؤمنين – رضي الله عنها- وقال في الصغير: لم يروه عن جعفر إلا محمد بن نضلة، تفرد به يحيى ابن سليمان، ولا يروى عن ميمونة إلا بهذا الإسناد.
 وقال الهيثمي في المجمع (٦/١٦٧): تفرد به يحيى بن نضلة، وهو ضعيف.
 ورواه البيهقي في الدلائل (٥/٥-٧) عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة. ورواه الوافدي في المغازي عن ابن عباس، انظر تخريج الكشاف للزيلعي (٢/٥٥-٥٦)..
٢ - هو في الحديث الذي قبله..
٣ - انظر النشر (٢/٢٧٨)..

### الآية 9:13

> ﻿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [9:13]

قوله تعالى :( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) معناه معلوم. 
قوله ( وهموا بإخراج الرسول ) معلوم ( وهم بدءوكم أول مرة ) أراد به أنهم بدءوا بالقتال في حرب بدر. قال أبو جهل - لعنه الله - : لا نرجع حتى نستأصل محمدا وأصحابه ( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ) معناه : ظاهر.

### الآية 9:14

> ﻿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [9:14]

قوله تعالى :( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ) معنى الآية ظاهر. 
وقوله :( ويشف صدور قوم مؤمنين ) يعني : خزاعة.

### الآية 9:15

> ﻿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:15]

( ويذهب غيظ قلوبهم ) أي : خزاعة ( ويتوب الله على من يشاء والله عليم
حيكم ) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة :**«ارفعوا السيف إلا خزاعة عن بني بكر إلى العصر »**( [(١)](#foonote-١) ).

١ - رواه أحمد في مسنده (٢/١٧٩، ٢٠٧، ٢١٣)، وابن أبي شيبة (١٤/٤٨٧ رقم ١٨٧٥٠)، وأبو عبيد في الأموال (ص ١٤٥ رقم ٣٠٠) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقصر الهيثمي في المجمع (٦/١٨٠-١٨١) فعزاه للطبراني فقط، وقال: ورجاله ثقات. وصحح إسناده الشيخ شاكر في تحقيقه للمسند (١٠/١٥٨ رقم ٦٦٨١)..

### الآية 9:16

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [9:16]

قوله تعالى :( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) الآية، قال أهل التفسير : لما أمر الله تعالى نبيه بالقتال ظهر المنافقون، فأنزل الله تعالى هذه الآية ( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) والمراد من العلم هاهنا : العلم الذي يقع الجزاء عليه، وهو العلم بعد الوجود لا علم الغيب الذي لا يقع الجزاء عليه ( ولما يعلم الله ) يعني : ولم يعلم الله ( ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ) قال الفراء : الوليجة : البطانة، وهو خاصة الإنسان الذي يفشي سره إليه، فصار معنى الآية ( ولما يعلم الله ) ولم يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ولم يعلم الذين امتنعوا أن يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ( والله خبير بما تعملون ) ظاهر.

### الآية 9:17

> ﻿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [9:17]

قوله تعالى :( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) معنى الآية : نفي أهلية عمارة المسجد الحرام عن المشركين. 
قوله ( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) و " شاهدين " نصب على الحال، وأما شهادتهم على أنفسهم بالكفر : هي سجودهم للأصنام، وقولهم في التلبية : لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملكك. 
وفيه قول آخر : أن معنى قوله :( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) هو أنك تقول لليهودي : ما أنت ؟ فيقول : يهودي، وتقول للنصراني : ما أنت ؟ فيقول : نصراني، وكذلك المجوسي والمشرك. 
قوله تعالى :( أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ) الحبوط : هو البطلان، وخالدون : دائمون.

### الآية 9:18

> ﻿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [9:18]

قوله تعالى :( إنما يعمر مساجد الله ) سبب نزول الآية : أن العباس - رضي الله عنه - لما أسر يوم بدر عيره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك الإسلام والهجرة، فقال : نحن عمار المسجد الحرام وسقاة الحجيج. 
وفي رواية : أنه لما أسلم قال للمسلمين : لئن سبقتمونا بالإسلام فقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحجيج، فأنزل الله تعالى هذه الآية ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ) معناه : لم يترك الإيمان بالله من خشية أحد ( فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) وعسى من الله واجب. فإن قال قائل : أتقولون : إن كل من عمر مسجدا بكون هكذا على ما قال الله تعالى ؟
قلنا : معنى الآية - والله أعلم - أن من كان بهذه الأوصاف كان أهل عمارة المسجد الحرام، ولا يعمر المسجد الحرام إلا من استجمع هذه الأوصاف، وعمارة المسجد الحرام بذكر الله، والرغبة إليه، والدعاء، والصلاة وغيره.

### الآية 9:19

> ﻿۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:19]

قوله تعالى :( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ) أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في علي والعباس - رضي الله عنهما - وكان الذي عير العباس بترك الإسلام والهجرة هو علي - رضي الله عنه - فقال العباس : نحن عمار المسجد الحرام، وسقاة الحجيج، فقال الله تعالى ( أجعلتم سقاية الحاج ) ومعناه : أجعلتم أهل سقاة الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله. وقرىء :" أجعلتم سُقَاة الحاج وعَمَرة المسجد الحرام " ( [(١)](#foonote-١) ) وعلى هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير الأهل ( لا يستوون عند الله ) معناه : لا يستوي من عبد الله وهو مؤمن، ومن عمر المسجد وهو مشرك ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) وقد وردت أخبار في الترغيب في عمارة المساجد :
روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«من رأيتموه يعتاد المساجد ؛ فاشهدوا له بالإيمان، ثم قرأ قوله تعالى :( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ) »** ( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«من غدا أو راح إلى المسجد أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وروى جابر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«المسجد سوق من أسواق الجنة، من دخله كان ضيف الله، قراه : المغفرة، وتحيته : الكرامة ؛ فإذا دخلتم فارتعوا. قيل : يا رسول الله، وما الرتاع ؟ قال : الابتهال إلى الله والرغبة »**( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وفي رواية عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة ؛ بنى الله له بيتا في الجنة »**( [(٦)](#foonote-٦) ).

١ - انظر النشر (٢/٢٧٨)..
٢ - رواه الترمذي (٥٠/١٤ رقم ٢٦١٧) وقال: غريب حسن، و(٥/٢٥٨ رقم ٣٠٩٣) وقال: حسن غريب، وابن ماجة (١/٢٦٣ رقم ٨٠٢)، وأحمد (٣/٦٨، ٧٦)، والدارمي (١/٣٠٢ رقم ١٢٢٣)، وابن خزيمة (٢/٣٧٩ رقم ١٥٠٢)، وابن حبان (٥/٦ رقم ١٧٢١)، والحاكم (١/٢١٢-٢١٣) وقال: هذه ترجمة للمصريين لم يختلفوا في صحتها، وصدق رواتها، وتعقبه الذهبي فقال: دراج صاحب مناكير، ورواه (٢/٣٣٢) وقال: صحيح الإسناد، وكلهم رووه من طريق دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. ورواه البيهقي (٣/٦٦)..
٣ - متفق عليه. رواه البخاري (٢/١٧٣ رقم ٦٦٢)، ومسلم (٥/٢٣٨-٢٣٩ رقم ٦٦٩)..
٤ - في وفوائده، والحاكم في تاريخه، والخطيب..
٥ - متفق عليه من حديث جابر، رواه البخاري (١/٦٤٨ رقم ٤٥٠)، ومسلم (٥/٢٠ رقم ٥٣٣)..
٦ - رواه أبو عبيد في غريب الحديث (٢/٥٦٦ رقم ٢٩٦) بإسناده عن عائشة.
 وروى من حديث أبي ذر، رواه أبي شيبة (١/٣٠٩-٢٣١٠)، والطيالسي وأوقفه (ص ٦٢ رقم ٤٦١)، والبزار (١/٢٠٩-٢١٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/٤٨٥)، والطبراني في الصغير (٢/٢٤٦ رقم ١١٠٥)، وابن حبان (٤/٤٩٠ رقم ١٦١٠) والقضاعي في مسند الشهاب (١/٢٩١ رقم ٤٧٩)، والبيهقي (٢/٤٣٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/٤٩٠ رقم ١٦١٠).
 وقال الهيثمي في المجمع (٢/١٠): رواه البزار والطبراني في الصغير، ورجاله ثقات. وروى من حديث جابر أيضا، رواه ابن ماجة (١/٢٤٤ رقم ٧٣٨) وقال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
 وابن خزيمة في صحيحه (٢/٢٦٩ رقم ١٢٩٢) وقال المنذرى في الترغيب (١/١٩٤): بإسناد صحيح..

### الآية 9:20

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [9:20]

قوله تعالى :( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ) فإن قال قائل : كيف يستقيم قوله :( أعظم درجة عند الله ) وليس للمشركين درجة أصلا ؟ الجواب من وجهين :
أحدهما : أعظم درجة من درجتهم على تقديرهم في أنفسهم ؛ وهذا مثل قوله تعالى :( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) ( [(١)](#foonote-١) ) ومعناه : على تقديرهم في أنفسهم. 
والثاني : أن هؤلاء الصنف من المؤمنين أعظم درجة عند الله من غيرهم. 
ثم قال تعالى :( وأولئك هم الفائزون ) الفائز : الذي ظفر بأمنيته.

١ - الفرقان: ٢٤..

### الآية 9:21

> ﻿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [9:21]

ثم قال تعالى :( يبشرهم ربهم برحمة ) الآية. والبشارة : خبر سار صدق ؛ يسمى بشارة لأنه تتغير به بشرة الوجه. 
قوله ( برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ) النعيم هو العيش اللذيذ، والمقيم : الدائم، وهو من لا يظعن أبدا

### الآية 9:22

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [9:22]

( خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ) معناه ظاهر.

### الآية 9:23

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [9:23]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ) الآية : نزلت الآية في قو م أسلموا بمكة، فلما هاجر المسلمون لم يهاجروا. قال ابن عباس : كان الرجل إذا أراد أن يهاجر تعلق به أهله وولده، وقالوا : أتضيعنا وتتركنا، فيقيم شفقة عليهم ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
قوله تعالى :( إن استحبوا الكفر على الإيمان ) معناه : أي : اختاروا الكفر على الإيمان. 
قوله :( ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ) وكان في ذلك الوقت لا يقبل الإيمان إلا من مهاجر ؛ فهذا معنى قوله تعالى :( فأولئك هم الظالمون ).

### الآية 9:24

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:24]

قوله تعالى :( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ) روي أن الآية الأولى لما نزلت قال أولئك الذين أسلموا ولم يهاجروا : إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وخربت دورنا، وقطعنا أرحامنا ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
قوله تعالى :( وعشيرتكم ) قرئت بقراءتين :" عشيرتكم " و " عشيراتكم " ( [(١)](#foonote-١) ) والأصح :" عشيرتكم " فإن جمع العشيرة هو عشائر، والعشيرات قالوا : ضعيف في اللغة. 
قوله تعالى :( وأموال اقترفتموها ) أي : اكتسيتموها، ومثله قوله تعالى :( ومن يقترف حسنة ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) يعني : يكتسب. 
قوله :( وتجارة تخشون كسادها ) معناه ظاهر. 
وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال في قوله :( وتجارة تخشون كسادها ) قال : هي الأخوات والبنات إذا لم يوجد لهن خاطب. حكاه النقاش في تفسيره. 
قوله :( ومساكن ترضونها ) يعني : تستطيبونها. 
قوله :( أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ) معناه : فانتظروا. 
قوله ( حتى يأتي الله بأمره ) أكثر المفسرين على أن المراد منه : فتح مكة، وهذا أمر تهديد وليس بأمر حتم ولا ندب ولا إباحة. 
قوله :( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) معناه ظاهر.

١ - قرأ أبو بكر بالألف على الجمع، وقرأ الباقون بغير ألف انظر النشر (٢/٢٧٨-٢٧٩)..
٢ - الشورى: ٢٣..

### الآية 9:25

> ﻿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [9:25]

قوله تعالى :( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) الآية. حنين واد بين مكة والطائف ( إذ أعجبتكم كثرتكم ) روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في اثني عشر ألفا، والمشركون أربعة آلاف، عليهم مالك بن عوف النصري( [(١)](#foonote-١) )، فقال رجل من الأنصار يقال له : سلمة بن سلامة وقش : لن نغلب اليوم عن قلة، فلم يرض الله تعالى قوله، ووكلهم إلى أنفسهم، فحمل المشركون حملة انهزم المسلمون كلهم سوى نفر يسير بقوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب »( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وذكر البخاري في " الصحيح " برواية البراء بن عازب :**«أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا برأس بغلة النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد الله بن عبد المطلب »**، ثم إن العباس - رضي الله عنه - نادى المسلمين بأمر رسول الله - وكان رجلا صيتا - فجعل ينادي يا أصحاب سورة البقرة، يا أنصار الله وأنصار رسول الله، يا أصحاب الشجرة، هذا رسول الله، فرجعوا وقاتلوا ووقعت الهزيمة على الكفار. . . القصة إلى آخرها »( [(٣)](#foonote-٣) ) فهذا معنى قوله :( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ) يعني : أن الظفر ليس بالكثرة، بل بنصرة الله تعالى. 
قوله تعالى :( وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) قال الفراء : الباء هاهنا بمعنى " في " معناه : في رحبها وسعتها. وقيل المعنى : برحبها وسعتها. 
قوله تعالى :( ثم وليتم مدبرين ) أي : متفرقين، أي : منهزمين.

١ - في "ك": النضرى، بالضاء المعجمة، وهو تصحيف، وصوابه بالصاد المهملة، كذا ضبطه ابن ماكولا في الإكمال (١/٣٩٠)..
٢ - رواه الطبري في التفسير بمعناه (١٠/٧٠) عن قتادة، و(١٠/٧١) عن السدي..
٣ - رواه البخاري (٦/٨١ رقم ٢٨٦٤)، ومسلم (١٢/١٦٥-١٧٠ رقم ١٧٧٦) بدون ذكر نداء العباس، وأما قصة النداء فرواها مسلم (١٢/١٦٠-١٦٥ رقم ١٧٧٥) عن العباس..

### الآية 9:26

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [9:26]

قوله تعالى :( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) الآية. السكينة : الرحمة. وقيل : السكينة : الآمنة، وهي فعيلة من السكون، وهاهنا هي بمعنى النصر، قال الشاعر :

لله قبر بالبسيطة غالها  ماذا أجن سكينة ووقارا( [(١)](#foonote-١) )وقوله تعالى :( وأنزل جنودا لم تروها ) يعني : الملائكة، ونزلت لا للقتال، ولكن لتجبين الكفار وتشجيع المسلمين، فإن المروي أن الملائكة لم تقاتل إلا في يوم بدر. 
قوله تعالى :( وعذب الذين كفروا ) يعني : بالقتل والأسر، ( وذلك جزاء الكافرين ) معناه ظاهر. 
١ - كذا "بالأصل، وك" والبيت لأبي عريف الكليبي، أورده ابن منظور في لسان العرب (مادة: سكن) ولفظه: 
 لله قبر غالها ماذا يجـ ـن لقد أجَنَّ سكينة ووقاراً.

### الآية 9:27

> ﻿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:27]

قوله تعالى :( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) معناه ظاهر وهذا في الذين كفوا عن القتل.

### الآية 9:28

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:28]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ) معنى قوله ( نجس ) قذر، فإذا ضم إلى غيره قيل : ِرجْسٌ نِجْسٌ، وإذا أفرد قيل : نجس. 
روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : نجاستهم كنجاسة الكلب والخنزير. 
وعن الحسن البصري قال : إذا صافح مسلم كافرا يجب عليه غسل يده. 
والصحيح أن المراد من الآية : أنه يجب الاجتناب منهم كما يجب الاجتناب من النجاسات. وقيل إن معنى قوله ( نجس ) : أنهم يجنبون فلا يغتسلون، ويحدثون فلا يتوضئون. 
قوله تعالى :( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) هذا خبر بمعنى أمر، ومعناه : لا تخلوهم أن يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا. 
ومذهب المدنيين : أن المسجد الحرام هو جميع الحرم، ولا يترك كافر يدخله، وإن كان معاهدا أو عبدا، وهذا قول عمر بن عبد العزيز وجماعة. 
ومذهب الكوفيين : أنه يجوز أن يدخله المعاهد والعبد، وهذا مروي عن جابر. 
وقوله :( وإن خفتم عيلة ) يعني : فقرا. وفي مصحف عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - :" وإن خفتم عائلة " يعني : أمرا شاقا، يقال : عالني الأمر، أي : شق علي. 
وسبب نزول الآية : أن أهل مكة إنما كانت معايشهم من التجارات والأرباح، فلما أمر الله تعالى المسلمين أن لا يخلوا الكفار أن يدخلوا المسجد الحرام، قالوا : فكيف أمر معايشنا ؟ وخافوا الفقر وضيق العيش، فقال الله تعالى لهم :( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) فروي أنه أسلم أهل جُرَش - بالجيم معجمة - وصنعاء، وسائر نواحي اليمن، وجلبوا المِيرَة الكثيرة إلى أهل مكة، ووسع الله عليهم ( إن الله عليم حكيم ) ومعناه ظاهر.

### الآية 9:29

> ﻿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [9:29]

قوله تعالى :( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ) فإن قال قائل : إن أهل الكتابين يؤمنون بالله واليوم الآخر، فكيف معنى الآية ؟
**الجواب من وجهين :**
أحدهما : أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر كإيمان المؤمنين ؛ فإنهم قالوا : عزير ابن الله، وقالوا : المسيح ابن الله، وقالت اليهود : لا أكل ولا شرب في الجنة. 
والجواب الثاني : أن كفرهم ككفر من لا يؤمن بالله واليوم الآخر في عظم الجرم. 
قوله تعالى :( ولا يدينون دين الحق ) قال أبو عبيدة : ولا يطيعون الله كطاعة أهل الحق. 
قوله :( من الذين أوتوا الكتاب حتى يطعوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) قال قتادة :" عن يد " : عن قهر وذل. وقال غيره :" عي يد " أي يعطي بيده. وفيه قول ثالث :" عن يد " أي : عن إقرار بإنعام أهل الإسلام عليهم ( وهم صاغرون ) روي عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال : معناه : وهم مذمومون. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : يؤخذ ويوجأ في عنقه، فهذا معنى الصغار. وقال غيره : يؤخذ منه وهو قائم، والآخذ جالس. وقيل : إنه يلبب ويجر إلى موضع الإعطاء بعنف. وعند الشافعي - رضي الله عنه - معنى الصغار : هو جريان أحكام الإسلام عليهم. وهذا معنى حسن.

### الآية 9:30

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [9:30]

قوله تعالى :( وقالت اليهود عزير ابن الله ) هذا في قوم بأعيانهم كانوا بالمدينة أفناهم السيف، منهم : سلام بن مِشْكم، ومالك بن " الضيف " ( [(١)](#foonote-١) )، وفنحاص اليهودي، وأما الآن فلا يقول منهم أحد هذا. ويقال : إن القائلين لهذه المقالة قوم من سلفهم ومتقدميهم. 
وكان السبب في ذلك أن اليهود لما بدلوا وخالفوا شريعة التوراة نسخ الله تعالى التوراة من صدورهم، فخرج عزير يسيح في الأرض يطلب العلم، فلقيه جبريل - عليه السلام - فعلمه التوراة. وروي أنه نزل نور فدخل جوفه فقرأ التوراة عن ظهر قلبه، فرجع وأملى التوراة على اليهود، فقال جماعة منهم هذه المقالة يعني : عزير ابن الله. 
( وقالت النصارى المسيح ابن الله ) هم على ذلك الآن. 
قوله :( ذلك قولهم بأفواههم ) فإن قال قائل : الإنسان لا يقول قولا إلا بفمه، فكيف يكون معنى هذا الكلام ؟
الجواب : أن معناه : أنهم قالوا هذا القول بلا حجة ولا بيان ولا برهان، وإنما كان مجرد قول بلا أصل. 
قوله تعالى :( يضاهئون ) قرئ بقراءتين، و( يضاهئون ) يعني : يشابهون، والمضاهاة : المشابهة والمماثلة، تقول العرب : امرأة ضهياء إذا كانت لا تحيض، فهي تشبه الرجال. 
قوله تعالى :( قول الذين كفروا من قبل ) فيه معنيان :
أحدهما : قول الذين أشركوا من قبل ؛ فإن المشركين كانوا يقولون : مناة واللات والعزى بنات الله. 
والقول الثاني : أن النصارى قالوا في المسيح ما قالت اليهود في عزير، فهذا معنى قوله :( يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ). 
( قاتلهم الله ) قال أبو عبيدة : لعنهم الله، وقيل : قتلهم الله، كما تقول العرب : عافاه الله، أي : أعفاه الله. 
وفيه قول ثالث : أن هذه كلمة تعجب، قال الشاعر :

فيا قاتل الله ليلى كيف تعجبنى  وأخبر الناس أنى لا أباليهاوليس المعنى تحقيق المقاتلة ؛ ولكنه كلمة تعجب. 
قوله تعالى :( أنى يؤفكون ) معناه : أنى يصرفون، يقال : أرض مأفوكة إذا صرف عنها المطر، وقول مأفوك إذا كان مصروفا عن الحق. 
١ - في "ك": الصيف..

### الآية 9:31

> ﻿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [9:31]

قوله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) يقال : الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، وقد بينا فيها أقوالا من قبل. فإن قال قائل : إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان، فأيش معنى قوله ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) ؟
قلنا : معناه : أنهم استحلوا ما أحلوا، وحرموا ما حرموا ؛ فهذا معنى عباداتهم لهم. وقد صح هذا المعنى برواية عدي بن حاتم، عن النبي صلى الله عليه وسلم( [(١)](#foonote-١) ). 
قوله :( والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) معناه ظاهر.

١ - رواه الترمذي (٥/٢٥٩-٢٦٠ رقم ٣٠٩٥)، والطبري (١٠/٨٠-٨١)، والطبراني في الكبير (١٧/٩٢ رقم ٢١٨-٢١٩)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص ٥٤١ رقم ١١٦٢).
 وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. وعزاه السيوطي في الدر (٣/٢٥٠) لابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي.
 وقد روى هذا المعنى من حديث حذيفة، وابن عباس رضي الله عنهما..

### الآية 9:32

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [9:32]

قوله تعالى :( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ) معناه : يريدون أن يخمدوا نور الله، والمراد من النور : القرآن، وقيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم. 
وقوله :( بأفواههم ) معناه : بتكذيبهم. 
قوله :( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) ظاهر المعنى.

### الآية 9:33

> ﻿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [9:33]

قوله تعالى :( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) قال المفسرون : هذا عند نزول عيسى ابن مريم - عليه السلام لا يبقى في الأرض أحد إلا أسلم. 
وفي قوله :( ليظهره على الدين كله ) قول آخر : وهو أنه الإظهار بالحجة ؛ فدين الإسلام ظاهر على كل الأديان بالدليل والحجة.

### الآية 9:34

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:34]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) الآية، وقد بينا معنى الأحبار والرهبان من قبل. وقوله :( ليأكلون أموال الناس بالباطل ) قال أهل التفسير : إن المراد منه أخذ الرشاء في الأحكام والمآكل التي كانت لعلمائهم على سفلتهم، ( ويصدون عن سبيل الله ) معناه : أنهم يمنعون الناس عن الإسلام، وقوله :( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) الكنز هو المال المجموع، قال الشاعر :

لا دَرَّ دَرِّى إن أطعمتُ نازلهم( [(١)](#foonote-١) )  قِرْف الحَتِىِّ وعندي البُرُّ مكنوزُوالحَتِىِّ قالوا : هو المُقْل. 
واختلف أهل العلم في من نزلت هذه الآية، قال بعضهم : نزلت في أهل الكتاب، والأكثرون أنها نزلت في الكل. 
واختلفوا في الكنز، روي عن ابن عمر، وجماعة : أن الكنز كل مال لم تؤد زكاته، وأما الذي أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا. وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال : أربعة آلاف درهم نفقة وما فوقها كنز. وقال بعضهم : ما فضل عن الحاجة فهو كنز. 
وقوله :( ولا ينفقونها في سبيل الله ) فإن سأل سائل وقال : إنه تقدم ذكر الذهب والفضة جميعا، فكيف قال : ولا ينفقونها، ولم يقل : ولا ينفقونهما ؟
**الجواب عنه من وجهين :**
أحدهما : أن المعنى : ولا ينفقون الكنوز في سبيل الله. 
والثاني : أن معنى الآية : يكنزون الذهب ولا ينفقونه، ويكنزون الفضة ولا ينفقونها، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، قال الشاعر :نحن بما عندنا وأنت بما  عندك راض والرأي مختلفمعناه : نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض. وفي مثل هذا قول الشاعر :إن شرخَ الشباب والشعرَ الأس  وَدَ ما لم يعاضَ كان جُنُوناَيعني : ما لم يعاضيا. 
قوله :( فبشرهم بعذاب أليم ) معناه : ضع هذا الوعيد موضع البشارة، وإلا فالوعيد لا يكون بشارة حقيقة. 
١ - كذا "بالأصل، وك" وفي لسان العرب (مادة: كنز): نازلَكُم. وفي تفسير القرطبي: جائعهم..

### الآية 9:35

> ﻿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [9:35]

قوله تعالى :( يوم يحمى عليها في نار جهنم ) أي : يوقد عليها حتى تصير نارا. 
قوله تعالى :( فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) قال أهل التفسير : لا يوضع درهم مكان درهم، ولا دينار مكان دينار ؛ ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضعه. وفي حديث أبي أمامة الباهلي ( رضي عنه ) :**«أن رجلا من أهل الصفة مات وترك دينارا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كيه. ومات آخر وترك دينارين فقال صلى الله عليه وسلم : كيتان( [(١)](#foonote-١) ) »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«يجعل الذهب والفضة صفائح، فيكوى بها في كل يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وروى ثوبان :**«أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية شق على المسلمين مشقة شديدة فقالوا : يا رسول الله، أي المال نتخذ، وقد أنزل في المال ما أنزل ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة تعينه على دينه »**( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وفي الأخبار - أيضا - عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«أن الكنز يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبع سائر جسده »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - أنه قال : الآية منسوخة بآية الزكاة. وقال سائر العلماء : ليست بمنسوخة. وعن أبي بكر الوراق - رحمه الله - أنه قال : إنما ذكر الجبهة والجنب والظهر ؛ لأن الغني إذا رأى الفقير قبض جبهته، وزوى ما بين عينيه، وولاه ظهره، وأعرض عنه كشحه. 
قوله تعالى :( هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) وعيد وتهديد.

١ - في "ك": كيتين..
٢ - رواه أحمد (٥/٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٨)، والطبري (١٠/٨٤)، والطبراني في الكبير (٨/١٢٦ رقم ٧٥٧٣، ٧٥٧٤). وقال الهيثمي في المجمع (٣/١٢٥): رواه الطبراني في الكبير، وبعض طرقه رجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وهو ثقة وفيه كلام. وقال في (١٠/٢٤٣): رواه أحمد بأسانيد بعضها رجال الصحيح غير شهر بن حوشب وقد وثق..
٣ - رواه مسلم (٧/٨٩-٩٧ رقم ٩٨٧)، وأبو داود (٢/١٢٤-١٢٥ رقم ١٦٥٨، ١٦٥٩)، والنسائي (٥/١٢-١٤ رقم ٢٤٤٢)، وأحمد (٢/٢٦٢) من حديث أبي هريرة..
٤ - رواه الترمذي (٥/٢٥٩ رقم ٣٠٩٤) وقال: هذا حديث حسن، سألت محمد بن إسماعيل فقلت له: سالم ابن أبي الجعد سمع من ثوبان ؟ فقال: لا. وابن ماجة (١/٥٩٦ رقم ١٨٥٦)، وأحمد (٥/٢٨٢)، والطبري (١٠/٨٤)، والطبراني في الصغير (٢/١٢١-١٢٢ رقم ٨٩٠)، والواحدي في أسباب النزول (ص ١٨٤) وقال الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/٧١): الحاصل أنه حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب..
٥ - رواه ابن خزيمة في صحيحه (٤/١١ رقم ٢٢٥٥)، والطبراني في الكبير (٢/٩١ رقم ١٤٠٧)، والبزار (١/٣٧٠-٣٧١ رقم ٦٠٥ المختصر) وحسن إسناده، وابن حبان في صحيحه –الإحسان- (٨/٤٩ رقم ٣٢٥٧)، والحاكم (١/٣٨٨-٣٨٩) وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي: على شرطهما. وأبو نعيم في الحلية (١/١٨١) من حديث ثوبان.
 وقال الهيثمي في المجمع (٣/٦٧): رواه البزار، وقال: إسناده حسن. قلت ورجاله ثقات، ورواه الطبراني في الكبير..

### الآية 9:36

> ﻿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:36]

قوله تعالى :( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ) قال أهل التفسير : معنى الآية : هو أن الشهور التي تعبد بها المسلمون في صيامهم وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم، هي الشهور بالأهلة، وقد كان أهل الجاهلية يحسبون السنة بالشهور الشمسية، ويجعلون السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم. وأما في الشريعة فالسنة ما بينا، ولهذا يكون الصوم تارة في الشتاء وتارة في الصيف. 
قوله :( في كتاب الله ) أي : في حكم الله، وقيل : في اللوح المحفوظ. ( يوم خلق السموات والأرض ) ظاهر المعنى. 
قوله :( منها أربعة حرم ) هي : ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. واحد فَرْد وثلاثة سَرْدٌ. 
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم برواية أبي بكرة أنه قال :**«ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، السَّنَةُ اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم. . . »** الخبر( [(١)](#foonote-١) ). 
قوله :( ذلك الدين القيم ) أي : ذلك الحساب الصحيح. 
قوله :( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) اختلفوا في هذا على قولين :
أحدهما : أن قوله :( فلا تظلموا فيهن ) ينصرف إلى الأشهر الأربعة. 
والثاني أنه منصرف إلى جميع أشهر السنة، وهذا محكي عن ابن عباس. 
وأما الظلم في هذا الموضع : فهو ترك الطاعة وفعل المعصية. 
وقوله :( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلوكم كافة ) أي : قاتلوا جميع المشركين كافة كما قاتلوا جميعكم. 
قوله :( واعلموا أن الله مع المتقين ) من الظلم بالنصرة والظفر.

١ - تقدم تخريجه في سورة البقرة..

### الآية 9:37

> ﻿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [9:37]

قوله تعالى :( إنما النسيء زيادة في الكفر ) قرىء بغير الهمز، والمشهور بالهمزة. قال أهل العربية : وهو الأصح، والنسيء : هو التأخير، يقال نسأ الله في أجلك أي : أخر. 
وسبب نزول الآية : أن أهل الجاهلية كانوا يجعلون المحرم مرة حلالا ومرة حراما، فإذا أحلوا المحرم أبدلوا الصفر بالتحريم، وكان السبب في ذلك أن عامة معايشهم كانت بالغارات والقتال والسيوف، فكان يشق عليهم أن يكفوا عن القتال ثلاثة أشهر متوالية، وكان الذي يتولى التحليل والتحريم رجل من بني كنانة يقال له : أبو ثمامة، ورثه عن آبائه، وكان يقوم على ناقة ويقول : أيها الناس، أنا لا أعاب ولا أحاب ولا يرد قضاء قضيته، أما إني قد أحللت المحرم وحرمت الصفر العام، قال رجل منهم : ألسنا الناسئين على معد شهور الحل يجعلها حراما. فهذا هو معنى النسىء المذكور في الآية. 
وقوله تعالى :( زيادة في الكفر ) معناه : زيادة كفر على كفرهم. 
قوله تعالى :( يضل به الذين كفروا ) أي : يضل الله به الذين كفروا، وقرىء " يضل به الذين كفروا " على ما لم يسم فاعله، وقرىء " يَضِل به الذين كفروا " وهو الأشهر( [(١)](#foonote-١) )، وهو ظاهر المعنى. 
قوله تعالى :( يحلونه عاما ويحرمونه عاما ) قد ذكرنا المعنى. قوله :( ليواطئوا ) ليوافقوا، والمواطأة : الموافقة، ومعناه : ليوافقوا ( عدة ما حرم الله ) يعني : عدد ما حرم الله ( فيحلوا ما حرم الله ) فيقولوا : أربعة وأربعة. قوله :( زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين ) ظاهر المعنى. 
وفي الآية قول آخر : وهو أن النسىء : تأخير الحج كل عام شهرا. قالوا : وحج أبو بكر سنة تسع في ذي القعدة، وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم :**«ألا إن الزمان قد استدار كهيئته »**( [(٢)](#foonote-٢) ) الخبر الذي ذكرنا.

١ - قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص بضم الياء، وفتح الضاد، وقرأ يعقوب بضم الياء وكسر الضاد، وقرأ الباقون بفتح الياء، وكسر الضاد. انظر النشر (٢/٢٧٩)..
٢ - تقدم في سورة البقرة كما بينا..

### الآية 9:38

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [9:38]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) نزلت الآية في غزوة تبوك، وكانت الغزوة في حارَّةَ القَيْظ حين أينعت الثمار وطابت الظلال فشق على المسلمين مشقة شديدة وتخلف بعضهم بالعذر، وتخلف بعضهم بلا عذر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
وقوله :( اثاقلتم إلى الأرض ) أي : تثاقلتم ؛ وحقيقة المعنى : قعدتم عن الغزو وكرهتم الخروج. 
وقوله :( إلى الأرض ) أي : إلى الدنيا، وسمى الدنيا أرضا، لأنها في الأرض. 
قوله :( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) أي : بنعيم الدنيا من نعيم الآخرة. 
قوله ( فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ). روى عن سعيد بن جبير أنه قال : جميع الدنيا جمعة من جمع الآخرة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع »**( [(١)](#foonote-١) ).

١ - رواه مسلم (١٧/٢٧٩-٢٨٠ رقم ٢٨٥٨)، والترمذي (٤/٤٨٦ رقم ٢٣٢٣) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة (٢/١٣٧٦ رقم ٤١٠٨)، وأحمد (٤/٢٢٨-٢٢٩)، عن المستورد بن شداد..

### الآية 9:39

> ﻿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [9:39]

قوله تعالى :( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) هذا تهديد ووعيد لمن ترك النفر في سبيل الله، والنفر ضد الهدوء والسكون. 
قوله :( ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا ) معناه : إن ضره راجع إليكم لا إليه ( والله على كل شيء قدير ) ظاهر المعنى.

### الآية 9:40

> ﻿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:40]

قوله تعالى :( إلا تنصروه فقد نصره الله ) معناه : إن لم تنصروه فقد نصره الله ( إذ أخرجه الذين كفروا ) قد بينا قصة إخراجهم في قوله تعالى :( وإذ يمكر بك الذين كفروا ) ( [(١)](#foonote-١) ) الآية. قوله :( ثاني اثنين ) معناه : أحد اثنين، تقول العرب : خامس خمسة أي : أحد الخمسة، ورابع أربعة أي : أحد الأربعة. 
قال المفسرون : عاتب الله جميع الناس بترك نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم سوى أبي بكر - رضي الله عنه - وقيل : نصرته عن خلقي إلا عن أبي بكر - رضي الله عنه - فإنه قد نصره. 
قوله تعالى :( إذ هما في الغار ) الغار : ثقب في الجبل، وهذا الجبل هو جبل ثور، جبل قريب من مكة. 
قوله :( إذ يقول لصاحبه ) أي : لأبي بكر - رضي الله عنه - باتفاق أهل العلم. 
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«أبو بكر صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وعن الحسين بن الفضل البجلي أنه قال : من قال : إن أبا بكر ليس بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر، لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا ولا يكون كافرا. 
قوله :( لا تحزن إن الله معنا ) روي **«أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مع أبي بكر - رضي الله عنه - أمر عليا حتى اضطجع على فراشه، وذكر له أنه لا يصيبه سوء، وخرج مع أبي بكر قبل الغار، وجاء المشركون يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم فقام علي - رضي الله عنه - من مضجعه فقالوا له : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري، فخرجوا في طلبه يقتفون أثره حتى وصلوا إلى الغار، فلما أحس أبو بكر - رضي الله عنه - بهم خاف خوفا شديدا، وقال : يا رسول الله، إن أقتل يهلك واحد، وإن تقتل تهلك هذه الأمة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا تحزن إن الله معنا »**. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له :**«يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما »**( [(٣)](#foonote-٣) ). وفي القصة : أن الله تعالى أنبت ثمامة على فم الغار، وهي شجرة صغيرة، وألهم حمامة حتى فرخت، وألهم عنكبوتا حتى نسجت. 
قوله تعالى :( فأنزل الله سكينته عليه ) فيه قولان : أحدهما : على النبي صلى الله عليه وسلم. وهو اختيار الزجاج. 
والآخر : أنه على أبي بكر، وهو قول الأكثرين ؛ لأن السكينة هاهنا ما يسكن به القلب ؛ وأبو بكر - رضي الله عنه - كان هو الخائف والحزين دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وفي الآية قول ثالث : أن السكينة نزلت عليهما ؛ ونقل في مصحف حفصة - رضي الله عنها - **«فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما( [(٤)](#foonote-٤) ) بجنود لم تروها »** قوله :( وأيده بجنود لم تروها ) الجنود هاهنا : الملائكة، نزلوا فألقوا الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا. قوله :( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ) كلمتهم : الشرك ؛ وهي السفلى إلى يوم القيامة ( وكلمة الله هي العليا ) يعني : لا إله إلا الله، وهي العليا إلى يوم القيامة. قوله :( والله عزيز حكيم ) قد بينا معنى العزيز الحكيم.

١ - الأنفال: ٣٠..
٢ - رواه ابن عساكر في تاريخه (٣٠/٨٩) من طريق ابن شاهين والدارقطني عن ابن عمر (٣٠/٨٩-٩٠) من طريق ابن شاهين عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر (٣/٢٦١) لابن شاهين، الدارقطني، وابن مردويه، وابن عساكر، عن ابن عمر. وأشار محقق تاريخ ابن عساكر إلى أنه وقع في أحد النسخ (وهي النسخة اليوسفية) رواية لابن عساكر لهذا الحديث عن أبي هريرة، وساق إسنادها..
٣ - متفق عليه من حديث أبي بكر، رواه البخاري (٧/٣٠٢ رقم ٣٩٢٢)، ومسلم (١٥/٢١٤ رقم ٢٣٨١)..
٤ - في "ك": وأيده..

### الآية 9:41

> ﻿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [9:41]

قوله تعالى :( انفروا خفافا وثقالا ) يقال : إن هذه الآية أول آية أنزلت من سورة التوبة. 
قوله :( خفافا وثقالا ) فيه أقوال : روي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا : نشاطا وغير نشاط. قال الأزهري : النشاط جمع النشيط. 
والقول الثاني : قول الحسن البصري : انفروا في اليسر والعسر. وهذا قول حسن. وعن الحكم بن عتيبة( [(١)](#foonote-١) ) : مشاغيل وغير مشاغيل. وعن أبي طلحة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم :
شيوخا وشبابا. وفيه قول خامس : رجالة وركبانا. ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله. . . ) إلى آخر الآية، معناه ظاهر، وقيل : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) الآية، والله أعلم.

١ - التوبة: ١٢٢..
٢ - في "ك": عيينة، وهو خطأ..

### الآية 9:42

> ﻿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:42]

قوله تعالى :( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ) أي : لو كانت غنيمة قريبة المتناول ( وسفرا قاصدا ) أي : سفرا قصيرا سهلا \[ قريبا \] ( [(١)](#foonote-١) ) ( لاتبعوك ) أي :
لخرجوا معك ( ولكن بعدت عليهم الشقة ) أي : بعد عليهم السفر، والشقة في اللغة : هي الغاية التي يقصد إليها. 
قوله ( وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ) هذا في المنافقين. 
قوله تعالى :( يهلكون أنفسهم ) يعني : باليمين الكاذبة. قوله :( والله يعلم إنهم لكاذبون ) ظاهر المعنى.

١ - من "ك"..

### الآية 9:43

> ﻿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [9:43]

قوله تعالى :( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) روي عن عمرو بن ميمون الأودي أنه قال : فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئين بغير إذن من الله : فداء أسارى بدر، وأذن للمتخلفين في غزوة تبوك، فعاتبه الله تعالى فيهما جميعا. وفي تقديم قوله تعالى :( عفا الله عنك ) معنى لطيف في حفظ قلب النبي صلى الله عليه وسلم. 
قوله :( حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) ظاهر المعنى.

### الآية 9:44

> ﻿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [9:44]

قوله تعالى :( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ) معناه : لا يستأذنك في التخلف. 
قوله ( أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) الآية، معلوم،

### الآية 9:45

> ﻿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [9:45]

ثم قال :( إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم ) أي : شكت قلوبهم ( فهم في ريبهم يترددون ) يتحيرون.

### الآية 9:46

> ﻿۞ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:46]

ثم قال :( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ) يعني : لو قصدوا الخروج لأعدوا له
عدة أي : أهبة السفر من الزاد والراحلة وغيرهما ( ولكن كره الله انبعاثهم ) معناه : خروجهم ( فثبطهم ) معناه : فكسلهم وكفهم عن الخروج ( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) قال مقاتل بن سليمان : وحيا إلى قلوبهم. وقال غيره : قال بعضهم لبعض : اقعدوا مع القاعدين.

### الآية 9:47

> ﻿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [9:47]

قوله تعالى :( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) هذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ومعنى قوله :( خبالا ) أي : فسادا وشرا، ومعنى الفساد : هو إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين. 
وقوله ( ولأوضعوا خلالكم ) الإيضاع : هو سرعة السير. قال الراجز شعر( [(١)](#foonote-١) ) :
يا ليتني فيها جذع \*\*\* أخبُّ فيها وأَضَعْ
قال الزجاج : معنى الآية : أسرعوا فيما يخل بكم. وقال غيره : أسرعوا بينكم بايقاع البغضاء والعداوة بالنميمة، ونقل الحديث من بعض إلى بعض، وعلى هذا قوله :( خلالكم ) : وسطكم ( يبغونكم الفتنة ) يطلبون لكم الفتنة، وفي الفتنة معنيان : أحدهما : أنها الشرك، والآخر : أنها تفريق الكلمة. 
**( وفيكم سماعون لهم ) فيه قولان :**
أحدهما : أن فيكم جواسيس لهم ينقلون الحديث إليهم، وسئل ابن عيينة : هل في القرآن ذكر للجواسيس ؟ قال : نعم. وذكر هذه الآية. 
والقول الثاني :( وفيكم سماعون لهم ) قائلون لهم أي : يقبل ما يقولون، ومنه ما ورد في الصلاة :**«سمع الله لمن حمده »** قبل الله لمن حمده. وعن أبي عبيدة : وفيكم سماعون لهم : مطيعون لهم. والمعنى قريب من القول الثاني. 
( والله عليم بالظالمين ) معناه معلوم. فإن قال قائل : قد قال في أول الآية :( مازادوكم إلا خبالا ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في خبال حتى يزيدوا ؟
الجواب : إن معنى الآية : مازادوكم قوة ؛ بل طلبوا لكم الخبال.

١ - كذا "بالأصل، وك"، وفي لسان العرب (مادة: وضع) عزاه لدريد بن الصمة في يوم هوازِن. وزاد فيه..

### الآية 9:48

> ﻿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [9:48]

قوله تعالى :( لقد ابتغوا الفتنة من قبل ) الآية، الابتغاء : الطلب، والفتنة : إيقاع الاختلاف المؤدي إلى تفريق الكلمة. وقوله ( وقلبوا لك الأمور ) ومعناه : صرفوا لك الأمور وأرادوها ظهرا لبطن وبطنا لظهر، وحقيقة المعنى : أنهم طلبوا بكل حيلة إفساد أمرك ( حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ) معناه معلوم.

### الآية 9:49

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [9:49]

قوله تعالى :( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ) أكثر المفسرين أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين يقال له : الجد بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«هل لك في جلاد بني الأصفر - يعني الروم - لعلك تصيب منهم سرارى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حثا له على الخروج، فقال : يا رسول الله، ائذن لي - يعني : في التخلف - ولا تفتني - يعني : بنساء الروم - قال : قومي علموا أني بالنساء مغرم، يعني : معجّب »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وهذا أحد القولين في قوله :( ولا تفتني ). 
والقول الثاني : إن معناه : لا تؤثمني، قال قتادة، ومعناه : لا تسمنى للخروج، والخروج عسير عليّ فأتخلف فأقع في الإثم. 
قوله :( ألا في الفتنة سقطوا ) فيه معنيان :
أحدهما : ألا في جهنم سقطوا، والآخر : ألا في الشرك سقطوا. 
( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) محدقة( [(٢)](#foonote-٢) ) بالكافرين.

١ - رواه الطبري (١٠/١٠٤) من طرق عن ابن عباس، ومجاهدن والزهري، ويزيد بن رومان وغيره. وحديث ابن عباس رواه الطبراني في الكبير (٢/٢٧٥ رقم ٢١٥٤)، و(١٢/١٢٢ رقم ١٢٦٥٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٣٣): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه يحيى الحماني، وهو ضعيف. وقال عن الطريق الآخر: رواه الطبراني، وفيه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، وهو ضعيف.
 وعزاه السيوطي في الدر (٣/٢٦٨) لابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم في المعرفة..
٢ - حدق به الشيء، وأحدق: أي استدار، وكل شيء استدار بشيء وأحاط به، فقد أحدق به. انظر اللسان (مادة حدق)..

### الآية 9:50

> ﻿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [9:50]

قوله تعالى :( إن تصبك حسنة تسؤهم ) الحسنة هاهنا هي النعمة التي تطيب بها نفس الإنسان، وتلذ عيشه. وفي غير هذا الموضع الحسنة بمعنى الطاعة. . 
( وإن تصبك مصيبة ) المصيبة هاهنا هي البلية في القتال بإصابة الكافرين من المسلمين، يقال : إن الحسنة المذكورة كانت يوم بدر، والمصيبة المذكورة كانت يوم أحد. 
وقوله :( يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ) يعني : حذرنا من قبل، ومعناه : احترزنا من الوقوع في المصيبة ( ويتولوا وهم فرحون ) معناه معلوم.

### الآية 9:51

> ﻿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [9:51]

قوله تعالى :( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) أمر الله تعالى المؤمنين بأن يجيبوهم بهذا. 
وقوله :( إلا ما كتب الله لنا ) أي : علينا، وقيل : معناه : ما أخبر الله لنا ( هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وهو حافظنا وناصرنا وعليه يعتمد المؤمنون، وفي الخبر المعروف برواية أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه »**( [(١)](#foonote-١) ).

١ - رواه أحمد في المسند (٦/٤٤١-٤٤٢)، وابن عساكر في تاريخه (١٤/٤٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٠٠): رواه أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات. ورواه البزار في مسنده، وحسن إسناده كما في مختصر الزوائد (١/٧٦ رقم ٢٤) وقال الحافظ: إسناده حسن..

### الآية 9:52

> ﻿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [9:52]

قوله تعالى :( قل هل تربصون بنا ) هل تنتظرون بنا ( إلا إحدى الحسنيين )
تثنيه الحسنى : الحسنيان، أحدهما : الظفر، والأخرى : الشهادة. 
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«ضمن الله لمن خرج في سبيله إيمانا واحتسابا أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وقوله :( ونحن نتربص بكم ) أي : ننتظر بكم ( أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ) العذاب من عنده هو القارعة تنزل من السماء، والعذاب بأيدي المؤمنين هو العذاب بالسيف ( فتربصوا إنا معكم متربصون ) فانتظروا إنا معكم منتظرون.

١ - متفق عليه، رواه البخاري (٦/٩ رقم ٢٧٨٧)، ومسلم (١٣/٣٠-٣٤ رقم ١٨٧٦)..

### الآية 9:53

> ﻿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ [9:53]

قوله تعالى :( قل أنفقوا طوعا أو كرها ) هذا أمر بمعنى الشرط، ومعناه : إن أنفقتم طوعا أو كرها ( لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين ) لأنكم كنتم قوما فاسقين، والفسق هاهنا هو الكفر.

### الآية 9:54

> ﻿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [9:54]

قوله تعالى :( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ) معناه : أن المانع من قبول نفقاتهم كفرهم بالله وبرسوله. 
وقوله :( ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ) أي : متثاقلين. فإن قيل : كيف ذكر الكسل في الصلاة ولا صلاة أصلا ؟
قلنا : الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل ؛ فإن الكفر مكسل والإيمان منشط، ويقال : أصل كل كفر الكسل، وفي المثل : الكسل أحلى من العسل ( ولا ينفقون إلا وهم كارهون ) معلوم المعنى. وحقيقة المعنى في الكل : أنهم لا يصلون ولا ينفقون إلا خوفا، فأما تقربا إلى الله فلا.

### الآية 9:55

> ﻿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:55]

قوله تعالى :( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) الإعجاب بالشيء هو السرور به. 
وقوله :( إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ) فيه سؤال، وهو أنه يقال : كيف يكون التعذيب بالمال والولد وهم يتنعمون بالأموال والأولاد ؟
**الجواب من وجوه :**
أحدهما : أن في الآية تقديما وتأخيرا، كأنه تعالى قال : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. 
والقول الثاني : أن التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد. 
الثالث : أن معنى التعذيب هو التعب في الجمع، وشغل القلب بالحفظ، وكراهة الإنفاق مع الإنفاق، وتحليفه عند من لا يحمده، وقدومه على من لا يعدله. 
وقوله ( وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) تخرج أنفسهم وهم كافرون. 
وفي الآية رد على القدرية، وهو ظاهر.

### الآية 9:56

> ﻿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [9:56]

قوله تعالى :( ويحلفون بالله إنهم لمنكم ) يعني : من جملتكم ( وما هم منكم ) يعني : ليسوا من جملتكم ( ولكنهم قوم يفرقون ) أي : يخافون. 
وفي الحكايات : أن بعض الملحدين رئي يصلي صلاة حسنة، فسئل عن ذلك فقال : عادة أهل البلد، وصيانة المال والولد.

### الآية 9:57

> ﻿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [9:57]

قوله تعالى :( لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا ) قال قتادة : والملجأ : الحصون، والمغارات : الغيران، والمدخل : الأسراب. وهذا قول حسن. فمعنى الآية : لو يجدون مخلصا منكم ومهربا لفارقوكم، وهذا معنى قوله تعالى :( لولوا إليه وهم يجمحون ) يعني : يسرعون، يقال : فرس جموح إذا لم يكن رده عن وجهه بشيء. 
**قال الشاعر :**

لقد جمحت جماحا في دمائهم  حتى رأيت ذوي الأشراف قد خمدواوروي عن أنس أنه قرأ :" وهم يجمرون " والمعنى قريب في الأول.

### الآية 9:58

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [9:58]

قوله تعالى :( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) يعني : يعيبك في إعطاء الصدقات، ويقال : الهُمَزَة واللُّمَزَة بمعنى واحد، ويقال : اللمزة الذي يعيب الناس بقوله، والهمزة : الذي يشير بطرفه \[ هزاء \] ( [(١)](#foonote-١) ). 
سبب نزول الآية :**«أن ذا الخُوَيصِرة التميمي - واسمه : حرقوش بن زهير - أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُقسم، فقال : يا رسول الله، اعدل، فقال : فمن يعدل إن لم أعدل. ثم قال : يخرج من ضئضىء هذا أقوام تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية »**( [(٢)](#foonote-٢) ) الخبر فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
قوله تعالى :( فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) هذا في ثعلبة بن حاطب وأصحابه، كانوا يرضون إن أعطوا كثيرا، وإن أعطوا القليل سخطوا وعابوا.

١ - في "ك": هزوا..
٢ - متفق عليه من حديث أبي سعيد، رواه البخاري (٦/٤٣٣-٤٣٤ رقم ٣٣٤٤)، ومسلم (٧/٢٢٦-٢٣٣ رقم ١٠٦٤)..

### الآية 9:59

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [9:59]

قوله تعالى :( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ) كافينا الله ( سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ) يعني : لو رضوا بما فعلت ورغبوا في الزيادة كان خيرا لهم من سخطهم وعيبهم.

### الآية 9:60

> ﻿۞ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:60]

قوله تعالى :( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية، الفقير في اللغة : هو المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره، والمسكين : الذي ضعفت نفسه عن الحركة في طلب القوة فسكنت، وأما الكلام ففي الفقير والمسكين نفى الآية أقوال كثيرة. 
أحدها : روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري أنهم قالوا : الفقير : الذي لا يسأل، وقال بعضهم على خلاف ذلك. 
والثاني : قول قتادة، وهو أن الفقير الذي به زمانة ولا شيء له، والمسكين : الذي لا شيء له وليس به زمانة، وقال بعضهم على ما قاله قتادة. 
والثالث : أن الفقراء هم المهاجرون، والمساكين هم الأعراب، وهذا قول إبراهيم النخعي. 
والرابع : أن الفقراء هم المسلمون المحتاجون، والمساكين هم أهل الحاجة من أهل الذمة. 
وفيه قول خامس : أن الفقير والمسكين واحد. واختلفوا أيهما أحوج، فمذهب الشافعي - رحمه الله - أن الفقير أحوج من المسكين، واستدل بقوله تعالى :( أما السفينة فكانت لمساكين ) ( [(١)](#foonote-١) ) فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة. وزعم الأصمعي وجماعة من أهل اللغة أن المسكين أحوج من الفقير، وأنشدوا :
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم تترك له \[ سَبَدُ \] ( [(٢)](#foonote-٢) )
قال يونس النحوي : قلت لأعرابي : أفقير أنت ؟ قال : بل مسكين - يعني : أدون من الفقير. 
قوله تعالى :( والعاملين عليها ) يعني : السعادة، ولهم سهم من الصدقات معلوم. 
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : أن لهم بقدر أجر المثل. 
وقوله :( والمؤلفة قلوبهم ) قال أهل العلم : المؤلفة قلوبهم صنفان : مسلمون، ومشركون، وكل صنف على صنفين : أما المسلمون قوم كان إيمانهم ضعيفا مثل : أبي سفيان بن حرب، وعيينة بن حصن الفزارى، والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس وأمثالهم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم ليتألفوا على الإيمان فيقوي إيمانهم، وصنف كان إيمانهم قويا مثل : عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر وغيرهما، كان يعطيهم ليتألف عشيرتهم( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وأما المشركون فصنفان : صنف كان يدفعهم ليدفع أذاهم عن المسلمين، مثل عامر ابن الطفيل وغيره، وصنف كان يعطيهم ليؤمنوا ويميلوا إليه مثل صفوان بن أمية بن خلف، ومالك بن عوف النصري( [(٤)](#foonote-٤) ) وغيرهما. 
واختلفوا أن سهم المؤلفة قلوبهم هل بقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قال الشعبي وجماعة : قد سقط. وهو قول أكثر أهل العلم. وقال الزهري : هو باق. وقد حكى عن الشافعي كلا القولين، والصحيح هو الأول. 
**وقوله :( وفي الرقاب ) فيه قولان :**
أحدهما : أنهم المكاتبون. وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. 
وقال مالك : يشترى بذلك السهم رقاب فيعتقون. الصحيح هو الأول. 
قوله :( والغارمين ) قال مجاهد : هؤلاء قوم أحرقت النار دورهم، وأذهب السيل أموالهم فادانوا لنفقاتهم. وقال غيره : هو كل من لحقه غرم بسبب لا معصية فيه. 
وقوله :( وفي سبيل الله ) هؤلاء الغزاة والحجاج، وقوله :( في سبيل الله ) : في طاعة الله ( وابن السبيل ) فيه قولان :
أحدهما : أنه الذي قطع عليه الطريق فبقي فقيرا لا مال له. والذي عليه الفقهاء أنه الذي بعد عن ماله ؛ فيصرف إليه سهم من الصدقات وإن صار غنيا في بلده. 
وحكى ابن الأنباري قولا ثالثا : أن ابن السبيل هو الضيف. 
قوله تعالى :( فريضة من الله ) أي : افترض الله ذلك فريضة ( والله عليم حكيم ) عليم بما يصلح خلقه، حكيم فيما دبره.

١ - الكهف: ٧٩..
٢ - في "الأصل وك": سبل، والسَّبَد: هو الوبر أو الشعر. انظر لسان العرب (٣/٢٠٢) وتفسير القرطبي (٨/١٦٨)..
٣ - تقدم في حديث أبي سعيد الخدري السابق، وانظر مسلم (٧/٢١٨-٢٢٠ رقم ١٠٦٠)..
٤ - في "ك": النضرى، بالضاد المعجمة، وهو تصحيف، وقد سبق التنبيه عليه..

### الآية 9:61

> ﻿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:61]

قوله تعالى :( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ) الأذن هاهنا : هو من يسمع كل ما قيل له. قال الشاعر :
أيها القلب تعلل بدَدَنْ إن هَمِّي في سَماعِ وأَذَنْ
وسبب نزول الآية : أن المنافقين قالوا : قولوا ما تريدون ثم أنكروا واحلفوا ؛ فإن محمدا أذن يسمع كل ما قيل له ويقبله. 
( قل أذن خير لكم ) يعني : هذه الخلة خير لكم، فكأنه قال : مستمع خير خير لكم، ومستمع شر شر لكم ( يؤمن بالله ) يصدق بالله ( ويؤمن للمؤمنين ) ويصدق المؤمنين ( ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) معناه ظاهر. وقرئ :" أذن خير لكم " أي : أصلح لكم.

### الآية 9:62

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [9:62]

قوله تعالى :( يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) معناه ظاهر. 
وقوله :( إن كانوا مؤمنين ) قيل : يعني : ما كانوا مؤمنين.

### الآية 9:63

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [9:63]

قوله تعالى :( ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ) يحادد الله : يعني : من يكون في حد وجانب من الله ورسوله ( فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم ) الفضيحة العظيمة والنكال العظيم.

### الآية 9:64

> ﻿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ [9:64]

قوله تعالى :( يحذر المنافقون ) فيه قولان :
أحدهما : أنه خبر بمعنى الأمر، ومعناه : ليحذر المنافقون. 
والآخر : أنه بمعنى الإخبار عنهم ؛ إذ كانوا يستهزئون ويخافون الفضيحة بنزول القرآن في شأنهم. 
قوله تعالى :( أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ) وقد بينا أن هذه السورة تسمى المبعثرة والفاضحة ؛ فهذه الآية تشير إلى ما قدمنا. 
وقد روي عن عبد الله بن عباس قال : أنزل الله تعالى ذكر سبعين رجلا من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم، ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة ورأفة على المؤمنين ؛ لأن أولادهم كانوا مؤمنين، فنسخ ذلك لئلا يعير بعضهم بعضا. 
قوله تعالى :( قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ) معناه ظاهر.

### الآية 9:65

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [9:65]

قوله تعالى :( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ). 
سبب نزول الآية :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وقدّامه ثلاثة من المنافقين، اثنان يستهزئان، والثالث يضحك »**( [(١)](#foonote-١) ) وقيل : إن استهزاءهم : أنهم كانوا يقولون : إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم، ما أبعده عن ذلك( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقيل : إنهم كانوا يقولون : إن محمدا يزعم أنه نزل القرآن في شأن أصحابنا المقيمين
بالمدينة، وإنما هو قوله وكلامه. فهذا معنى الآية ؛ فإنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم : ماذا كنتم تقولون ؟ فقالوا : إنا كنا نخوض فيما يخوض فيه الركب، فقال الله تعالى :( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ). 
وروي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال :" رأيت عبد الله بن أبي ابن سلول يشتد قدّام النبي صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول : إنما كنا نخوض ونلعب ؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ) » ( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - عزاه السيوطي في الدر (٣/٢٧٦) لعبد الرزاق، وابن المنذر، وأبي الشيخ، عن الكلبي بنحوه..
٢ - عزاه في الدر (٣/٢٧٥) لابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ، عن قتادة بنحوه..
٣ - رواه الواحدي في أسباب النزول (ص١٨٨)، والعقيلي في الضعفاء (١/٩٤) من طريق إسماعيل بن داود المهرجاني، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٢٧٥) لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والخطيب في "رواة مالك". وقال العقيلي: ليس له أصل من حديث مالك. وزاد الحافظ في اللسان (١/٤٣٠): وإنما يعرف من رواية هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن ابن عمر.
 قلت: وهي عند الطبري في التفسير (١٠/١١٩)..

### الآية 9:66

> ﻿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [9:66]

قوله تعالى :( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) فإن قال قائل : قد كفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين. 
الجواب عنه : أن معناه : أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان. 
وقوله تعالى :( إن نعف عن طائفة منكم ) قرئ :" نعف " ومعناهما واحد، والطائفة هاهنا رجل واحد كان يسمى مَخْشِىّ بن حُمَيِّر، وكان هو الذي يضحك ولا يخوض معهم، وروى أنه جانبهم فقال :( إن نعف عن طائفة منكم ) يعني : هذا الواحد ( نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) معناه معلوم.

### الآية 9:67

> ﻿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [9:67]

قوله تعالى :( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) الآية، قوله :( بعضهم من بعض ) فيه قولان :
أحدهما : أن بعضهم على دين البعض. 
والآخر : أن أمرهم واحد، وهذا كالرجل يقول لغيره : أنا منك، يعني : أمري وأمرك واحد. ( يأمرون بالمنكر ) فيه قولان :
أحدهما : أن المنكر : هو الشرك، والمعروف : هو الإيمان بالله. 
وعن أبي العالية الرياحي أنه قال : كل ما ذكر من المنكر في القرآن فهو عبادة الأوثان والشرك بالله. 
والقول الثاني : أن المنكر : هو معصية الله تعالى، والمعروف : هو طاعة الله. 
وقوله تعالى :( وينهون عن المعروف ) القول المعروف أن معنى قوله :( ويقبضون أيديهم ) يمسكون عن الإنفاق في سبيل الله. 
والقول الثاني : يقبضون أيديهم أي : عن الجهاد في سبيل الله. 
وقال بعض المتأخرين : يعني : لا يبسطونها للدعاء والرغبة إلى الله. 
قوله تعالى :( نسوا الله فنسيهم ) أي : تركوا أمر الله فتركهم من رحمته. وروي عن قتادة أنه قال : نسوا من الخير ولم ينسوا من الشر. 
قوله تعالى :( إن المنافقين هم الفاسقون ) يعني : هم الخارجون عن طاعة الله. 
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«علامة المنافق ثلاثة : إذا قال كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد ( خلف ) ( [(١)](#foonote-١) ) »**( [(٢)](#foonote-٢) ). وفي بعض الروايات :**«إذا عاهد غدر »**( [(٣)](#foonote-٣) ). وفي بعض الأخبار :**«لا يأتون الصلاة إلا دبرا ولا يقرءون القرآن إلا هجرا »**( [(٤)](#foonote-٤) ). وفي بعض الروايات عن ابن عباس : أن عدد المنافقين من الرجال في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ثلثمائة، وعدد النساء مائة وسبعون.

١ - في "ك": أخلف..
٢ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (١/١١١ رقم ٣٣)، ومسلم (٢/٦٢-٦٣ رقم ٥٩)..
٣ - متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو، رواه البخاري (١/١١١ رقم ٣٤)، ومسلم (٢/٦١-٦٢ رقم ٥٨)..
٤ - تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام تحت الآية رقم: ٤٥..

### الآية 9:68

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [9:68]

قوله تعالى :( وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها ) معلوم. وقوله :( هي حسبهم ) أي : كافيتهم ( ولعنهم الله ) أي : أبعدهم الله من رحمته ( ولهم عذاب مقيم ) أي : دائم.

### الآية 9:69

> ﻿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [9:69]

قوله تعالى :( كالذين من قبلكم ) معناه : أنتم يا معشر المنافقين كالذين من قبلكم. قوله :( كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم ) الخلاق : النصيب، وقيل : الحظ الوافر. ومعنى الآية : استمتعوا باتباعهم الشهوات ( كما استمتعتم بخلاقكم ) باتباعكم الشهوات، وقيل : معنى الآية : رضوا بنصيبهم من الدنيا عن نصيبهم من الآخرة. وقوله تعالى :( وخضتم كالذي خاضوا ) يعني : لعبوا واستهزءوا كما فعلتم. قوله تعالى :( أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) معناه : كما حبطت أعمالهم وخسروا كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو دخل أحدهم في جحر ضب ليدخلنه أحدكم »**( [(١)](#foonote-١) ). وعن عمر - رضي الله عنه - قال : ما أشبه الليلة بالبارحة في الدنيا والآخرة( [(٢)](#foonote-٢) ).

١ - متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، رواه البخاري (٦/٥٧١ رقم ٣٤٥٦)، ومسلم (١٦/٣٣٥-٣٣٦ رقم ٢٦٦٩)..
٢ - عزاه السيوطي في الدر (٣/٢٧٦) لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن عبد الله بن عباس، وليس عمر..

### الآية 9:70

> ﻿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [9:70]

قوله تعالى :( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ) أي : خبر الذين من قبلهم ( قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين ) ومدين اسم قرية شعيب. قوله :( والمؤتفكات ) هي : قريات لوط ؛ سميت مؤتفكة ؛ لأن الله تعالى قلبها بهم. قوله :
( أتتهم رسلهم بالبينات ) بالحجج ( فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) معناه : ما نقص الله حظهم ؛ ولكن نقصوا هم حظهم، وضروا بأنفسهم.

### الآية 9:71

> ﻿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:71]

قوله تعالى :( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) هذه الولاية هي ولاية الدين واتفاق الكلمة. ويقال في تفسير الآية : المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض. 
قوله تعالى :( يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) إلى آخر الآية معناه معلوم. وقوله :( ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله ) قال عطاء بن أبي رباح : هو اتباع الكتاب والسنة. وقوله :( إن الله كان عزيزا حكيما ) أي : عزيز في نصره، حكيم في تدبيره.

### الآية 9:72

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:72]

قوله تعالى :( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) الجنات : البساتين ( تجري من تحتها الأنهار ) هذه الأنهار هي الأنهار التي ذكر الله تعالى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله :( ومساكن طيبة ) روي عن عبد الله بن عباس أنه قال :( ومساكن طيبة ) هي قصر من لؤلؤ فيها سبعون دارا من الزبرجد، في كل دار سبعون بيتا من الياقوت، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العين. وفي الآثار - أيضا - أن قوله :( في جنات عدن ) قال : إن جنة عدن هي مأوى الأنبياء والصديقين والشهداء، وسائر الجنان حواليها. وقيل : إن جنة عدن في السماء السابعة لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو إمام عدل أو رجل محكم في نفسه. ومعنى قوله " محكم في نفسه " يعني : خير بين الكفر والقتل فاختار القتل. وأما جنة المأوى فهي في السماء الدنيا. وقوله :( عدن ) أي : موضع الإقامة، يقال : عدن بالمكان إذا أقام به، قال الشاعر :

فإن تستضيفوا إلى حلمه  تضيفوا إلى راجح قد عدنوقوله تعالى :( ورضوان من الله أكبر ) معناه : رضا الله أكبر من هذه التحف. 
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«إن الله تعالى يقول : يا أهل الجنة. فيقولون : لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول : هل رضيتم عني ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا أفضل ما تعطي أحدا من خلقك ؟ ! فيقول : وأنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون : وما أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل - أي : أنزل - عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا »**. خرجه البخاري ومسلم في كتابيهما( [(١)](#foonote-١) ). 
قوله ( ذلك هو الفوز العظيم ) معناه ظاهر. 
١ - رواه البخاري (١٣/٤٩٦ رقم ٧٥١٨)، ومسلم (٦/٥٧١ رقم ٢٨٢٩)..

### الآية 9:73

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [9:73]

( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) قال أهل التفسير : معناه : جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لا تلق المنافق إلا بوجه مكفهر. وروي عنه أنه قال : يجاهد بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وقوله تعالى :( واغلظ عليهم ) الغلظة ها هنا : هو الانتهار الشديد. قوله :( ومأواهم جهنم وبئس المصير ) معناه ظاهر.

### الآية 9:74

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:74]

قوله تعالى :( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ) الآية نزلت في المنافقين أيضا. واختلف القول في كلمة الكفر. 
قال بعضهم : كلمة الكفر : هي سب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم : كلمة الكفر : هي قول الجلاس بن سويد ؛ فإنه قال : لئن كان ما يقول محمد حق فنحن شر من الحمير. 
وفيه قول ثالث : أن كلمة الكفر هي قولهم : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وعنوا بالأعز : عبد الله بن أبي بن سلول، وقالوا : نتوجه بالتاج خلافا على محمد. 
وقوله تعالى :( وكفروا بعد إسلامهم ) معناه : وأظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام. 
وقوله تعالى :( وهموا بما لم ينالوا ) يعني : قصدوا ما لم يدركوه ؛ فإنه روي أن اثني عشر نفرا من المنافقين اجتمعوا في غزوة تبوك ليغتالوا النبي صلى الله عليه وسلم. وروي أنهم قصدوا أن يوقعوه من العقبة في الوادي، فدفع الله شرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم( [(١)](#foonote-١) ) ؛ فهذا معنى قوله :( وهموا بما لم ينالوا ). وقوله تعالى :( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) نقموا أي : كرهوا، قال الشاعر في مدح بني أمية شعرا :
ما نقموا من بني أمية \*\*\* إلا أنهم ( يحلمون ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) إن غضبوا
وأنهم سادة الملوك \*\*\* ولا يصلح إلا عليهم العرب
وقوله تعالى :( إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) يعني : بالغنائم. وروي :**«أن الجلاس بن سُويد كان تحمل بحمالة فأداها عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم »**( [(٣)](#foonote-٣) ). وروي أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له دية على قوم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفر عليه( [(٤)](#foonote-٤) ). فهذا كله معنى قوله تعالى :( إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ). 
قوله تعالى :( فإن يتوبوا يك خيرا لهم ) روي أنه لما نزلت هذه الآية قال الجلاس بن سويد : إني أرى الله يعرض علي التوبة، وإني قد تبت إلى الله مما كنت فيه ؛ فروي أنه صح إيمانه واستشهد يوم اليمامة. 
قوله تعالى :( وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) إلى آخر الآية، معناه ظاهر. 
ويقال في قوله تعالى :( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ) يعني : ليست لهم كراهة ولا نقمة، وهذا مثل قول الشاعر :
ولا عيب فينا غير أن سيوفنا بهن فلول من قراع الكتائب
يعني : لا عيب فينا أصلا.

١ - رواه أحمد في مسنده (٥/٤٥٣-٤٥٤) عن أبي الطفيل، والبيهقي في الدلائل (٥/٢٦٠-٢٦١) عن حذيفة..
٢ - في "ك": يحكمون..
٣ - رواه الطبري(١٠/١٢٩) عن عروة بن الزبير، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٢٨٠) لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ..
٤ - رواه الطبري في التفسير (١٠/١٢٩) عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٢٨٢) لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم..

### الآية 9:75

> ﻿۞ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [9:75]

قوله تعالى :( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ) أي : لنتصدقن، وأدغمت التاء في الصاد وشددت، أي : لنصدقن في وجوه الخير من الجهاد وغيره، ولنكونن من الصالحين. قيل : مثل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما في البذل والعطاء. 
في الآية قولان : أحدهما : أنها نزلت في رجل من الأنصار كان له مال غائب، فقال : إن رد الله على مالي لأفعلن كذا وكذا، فرد الله عليه ماله فلم يفعل شيئا، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. 
والقول الثاني : أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب. روى أبو أمامة الباهلي :«أن ثعلبة ابن حاطب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال : قليل يكفيك خير من كثير لا تقوم بحقه فقال : يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال : أما ترضى أن تكون مثل رسول الله، فوالله لو أردت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت، فقال : يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فوالله لأؤدين إلى كل ذي حق حقه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اللهم ارزق ثعلبة مالا، قال : فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت بها أزقة المدينة، فخرج بها إلى الصحراء
وجعل يحضر الصلوات الخمس، ثم نمت حتى ضاقت بها مراعي المدينة، فقال فبعد بها وجعل لا يحضر إلا الجمعة، ثم ترك حضور الصلوات والجمعة جميعا. قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقه ليأخذ الزكاة، فمر عليه وطالبه بالزكاة، فقال : ما أرى هذا إلا أخت الجزية، اذهب حتى تعود إلي، فلما عاد إليه لم يعط شيئا، وقال : حتى ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع المصدق وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمره، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فروي أنه ذكر له أنه نزلت فيه هذه الآية فحضر المدينة وقال : يا رسول الله، خذ مني الزكاة، فأبى أن يأخذ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر وطلب أن يأخذ منه الزكاة، فقال : ما أخذ رسول الله ؛ فلا آخذ أنا، وهكذا في زمان عمر وزمان عثمان، وتوفي في زمان عثمان »( [(١)](#foonote-١) ).

١ - رواه الطبري (١٠/١٣٠-١٣١)، والطبراني في الكبير (٨/٢١٨-٢١٩ رقم ٧٨٧٣)، والبيهقي في الدلائل (٥/٢٨٩-٢٩٢)، والبغوي في تفسيره (٢/٣١٢-٣١٣)، والواحدي في أسباب النزول (ص ١٨٩-١٩١)، وابن عبد البر في الاستيعاب (١/٢٠١) بهامش الإصابة، وابن الأثير في أسد الغابة (١/٢٨٣-٢٨٤) وغيرهم، وانظر الدر المنثور (٣/٢٨٢)، وتخريج الكشاف للزيلعي (٢/٨٥-٨٦).
 وقال البيهقي: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولا بأسانيد ضعاف. وقال الهيثمي في المجمع (٧/٣٥): رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك. وقال الحافظ في تلخيص تخريج الكشاف (٢/٨٦): وهذا إسناد ضعيف جدا، وقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة (١/٦٦): منكر بمرة..

### الآية 9:76

> ﻿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [9:76]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٥:قوله تعالى :( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ) أي : لنتصدقن، وأدغمت التاء في الصاد وشددت، أي : لنصدقن في وجوه الخير من الجهاد وغيره، ولنكونن من الصالحين. قيل : مثل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما في البذل والعطاء. 
في الآية قولان : أحدهما : أنها نزلت في رجل من الأنصار كان له مال غائب، فقال : إن رد الله على مالي لأفعلن كذا وكذا، فرد الله عليه ماله فلم يفعل شيئا، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. 
والقول الثاني : أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب. روى أبو أمامة الباهلي :«أن ثعلبة ابن حاطب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال : قليل يكفيك خير من كثير لا تقوم بحقه فقال : يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال : أما ترضى أن تكون مثل رسول الله، فوالله لو أردت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت، فقال : يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فوالله لأؤدين إلى كل ذي حق حقه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اللهم ارزق ثعلبة مالا، قال : فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت بها أزقة المدينة، فخرج بها إلى الصحراء
وجعل يحضر الصلوات الخمس، ثم نمت حتى ضاقت بها مراعي المدينة، فقال فبعد بها وجعل لا يحضر إلا الجمعة، ثم ترك حضور الصلوات والجمعة جميعا. قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقه ليأخذ الزكاة، فمر عليه وطالبه بالزكاة، فقال : ما أرى هذا إلا أخت الجزية، اذهب حتى تعود إلي، فلما عاد إليه لم يعط شيئا، وقال : حتى ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع المصدق وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمره، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فروي أنه ذكر له أنه نزلت فيه هذه الآية فحضر المدينة وقال : يا رسول الله، خذ مني الزكاة، فأبى أن يأخذ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر وطلب أن يأخذ منه الزكاة، فقال : ما أخذ رسول الله ؛ فلا آخذ أنا، وهكذا في زمان عمر وزمان عثمان، وتوفي في زمان عثمان »( [(١)](#foonote-١) ). 
١ - رواه الطبري (١٠/١٣٠-١٣١)، والطبراني في الكبير (٨/٢١٨-٢١٩ رقم ٧٨٧٣)، والبيهقي في الدلائل (٥/٢٨٩-٢٩٢)، والبغوي في تفسيره (٢/٣١٢-٣١٣)، والواحدي في أسباب النزول (ص ١٨٩-١٩١)، وابن عبد البر في الاستيعاب (١/٢٠١) بهامش الإصابة، وابن الأثير في أسد الغابة (١/٢٨٣-٢٨٤) وغيرهم، وانظر الدر المنثور (٣/٢٨٢)، وتخريج الكشاف للزيلعي (٢/٨٥-٨٦).
 وقال البيهقي: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولا بأسانيد ضعاف. وقال الهيثمي في المجمع (٧/٣٥): رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك. وقال الحافظ في تلخيص تخريج الكشاف (٢/٨٦): وهذا إسناد ضعيف جدا، وقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة (١/٦٦): منكر بمرة..


---

### الآية 9:77

> ﻿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [9:77]

وقوله تعالى :( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ) فيه معنيان :
أحدهما : فعاقبهم نفاقا في قلوبهم، يقال : أعقبه وعاقبه بمعنى واحد. 
والمعنى الثاني : أخلفهم نفاقا في قلوبهم. 
( إلى يوم يلقونه ) يوم القيامة. 
قوله تعالى :( بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ).

### الآية 9:78

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [9:78]

ثم قال :( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ) يعني : ما أضمروا في قلوبهم
وما تناجوا به بينهم ( وأن الله علام الغيوب ) معناه ظاهر.

### الآية 9:79

> ﻿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:79]

قوله تعالى :( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ) يلمزون : يعيبون. 
وسبب نزول الآية :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف دينار - وكان ذلك نصف ماله - وجاء عاصم بن عدي بثلثمائة وسق من تمر - والوسق حمل بعير - وجاء أبو عقيل - رجل من الأنصار - بصاع من تمر، وقال : كان لي صاعان من تمر فجئت بأحدهما، فقال المنافقون : أما عبد الرحمن ابن عوف وعاصم بن عدي : فأعطيا ما أعطيا رياء، وأما أبو عقيل : فما كان أغنى الله من صاع أبي عقيل، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية »**( [(١)](#foonote-١) ). ( والمطوعين ) المتطوعين من المؤمنين، هو عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدي ( والذين لا يجدون إلا جهدهم ) هو أبو عقيل. والجهد : الطاقة ( فيسخرون منهم ) يستهزئون منهم ( سخر الله منهم ) جازاهم جزاء السخرية ( ولهم عذاب أليم ).

١ - متفق عليه من حديث أبي مسعود، فرواه البخاري (٣/٣٣٢ رقم ١٤١٥)، ومسلم (٧/١٤٦-١٤٧ رقم ١٠١٨)..

### الآية 9:80

> ﻿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:80]

قوله سبحانه وتعالى :( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) الآية. أراد به إثبات اليأس عن طمع المغفرة لهم. 
وروي عن الحسن البصري أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم قال :**«والله لأزيدن على السبعين »**( [(١)](#foonote-١) ) فأنزل الله عز وجل :( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) وذكر عدد السبعين للمبالغة في إثبات اليأس ( إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) معناه معلوم.

١ - رواه الطبري في التفسير (١٠/١٣٨) عن ابن عباس، وعن عروة، ومجاهد، والشعبي، وقتادة بنحوه، وانظر الدر (٣/٢٨٦). ولم أجده عن الحسن..
٢ - المنافقون: ٦..

### الآية 9:81

> ﻿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [9:81]

قوله تعالى :( فرح المخلفون ) الفرح : لذة في القلب بنيل المشتهى، والغم : ضيق في القلب بفوات المشتهى. وأما المخلفون فهم الذين قعدوا عن الغزو، وتركوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمخلف : المتروك. وقوله :( بمقعدهم ) يعني : بقعودهم. وقوله :( خلاف رسول الله ) فيه معنيان : أحدهما : مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني : بمقعدهم خلاف رسول الله أي : بعد رسول الله، قاله أبو عبيدة ( وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) المجاهدة بالمال : هي الإنفاق، والمجاهدة بالنفس : هي مباشرة القتال، وقوله :( وكرهوا ) يعني : لم يحبوا ( وقالوا لا تنفروا في الحر ) الحر : هو وهج الشمس، والبرد ضده. ( قل نار جهنم أشد حرا ) يعني : أشد وهجا ( لو كانوا يفقهون ) قرأ ابن مسعود :" لو كانوا يعلمون ". والمعنى واحد.

### الآية 9:82

> ﻿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:82]

قوله تعالى :( فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ) الضحك : حالة تكون في الإنسان من التعجب والفرح، والبكاء حالة تعتري الإنسان من الهم وضيق القلب مع جريان الدمع على الخد، ويقال : إن الضحك في بني آدم كالصهيل في الخيل. 
وفي الآية قولان : أحدهما : أن معنى قوله :( فليضحكوا قليلا ) أي : في الدنيا ( وليبكوا كثيرا ) في الآخرة ( جزاء بما كانوا يعملون ) قاله أبو رزين، والحسن وجماعة. 
والقول الثاني : أن هذا أمر بمعنى الخبر، فكأنه قال : يضحكون قليلا، ويبكون كثيرا، يعني : في الآخرة. 
فإن قال قائل : كيف قال : يضحكون قليلا وهم لا يضحكون أصلا في الآخرة ؟
الجواب : قلنا : معنى قوله : يضحكون قليلا يعني : لا يضحكون أصلا، وهذا مثل
قوله تعالى :( فقليلا ما يؤمنون ) ( [(١)](#foonote-١) ) أي : لا يؤمنون شيئا. 
وروي عن الحسن البصري أنه قال : إن أهل النار ليبكون لا يرقأ لهم دمع حتى إن السفن لو أجريت في دموعهم جرت.

١ - البقرة: ٨٨..

### الآية 9:83

> ﻿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ [9:83]

قوله تعالى :( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ) يعني : لو ردك الله إلى طائفة منهم ( فاستئذنوك للخروج ) ليخرجوا معك في القتال ( فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) قال أهل التفسير : العدو ها هنا : أهل الكتاب ؛ فإنه لم يكن بقي بجزيرة العرب مشرك في ذلك الوقت. قوله :( إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ) والخالفون هاهنا هم النساء والصبيان، وقيل : هم أهل الزمانة والضعف.

### الآية 9:84

> ﻿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [9:84]

قوله تعالى :( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) الآية. نزلت الآية في شأن عبد الله بن أبي بن سلول ؛ فإنه روي :**«أنه لما حضره الموت جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالته يطلب منه قميصه ليكفنه فيه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه. وفي بعض الروايات : أنه أعطاه قميصه الذي فوق قميصه وهو الأعلى، فرد وطلب قميصه الذي يلي جلده، فلما توفي قدم ليصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلب ابنه ذلك ووصيته، فلما تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه أخذ عمر بثوبه وقال : يا رسول الله، أتصلي على هذا المنافق ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن ربي خيرني. وقرأ قوله تعالى :( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) ( [(١)](#foonote-١) ) وقد اخترت أن أصلي عليه قال : فصلي عليه، فأنزل الله تعالى قوله ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) »** ( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وفي رواية أنس :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف ليصلي عليه أخذ جبريل - عليه السلام بطرف ثوبه ومنعه من الصلاة، فترك الصلاة »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
والرواية الأولى هي في " الصحيحين ". 
وقوله :( ولا تقم على قبره ) وفي رواية :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى على ميت وقف على قبره ودعا »**( [(٤)](#foonote-٤) ) فمنعه الله تعالى عن ذلك في حق المنافقين. 
فإن قيل : كيف يجوز أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم على المنافق وهو يعلم أنه كافر بالله ؟
الجواب عنه : أنه رأى ذلك مصلحة ؛ وقد قيل حين صلى عليه :**«إن صلاتي عليه لا تغني عنه من عذاب الله شيئا »**. 
وفي بعض الروايات :«أن عبد الله بن أبي بن سلول لما طلب منه قميصه ليتبرك به ويكفن فيه، أسلم ألف رجل من قومه لم يكونوا أسلموا من قبل لما رأوا من تبركه بالنبي صلى الله عليه وسلم. \[ ( إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) \] ( [(٥)](#foonote-٥) ) وباقي الآية معلوم.

١ - التوبة: ٨٠..
٢ - متفق عليه من حديث ابن عمر، رواه البخاري (٣/١٦٥ رقم ١٢٦٩)، ومسلم (١٧/١٧٨ رقم ٢٧٧٤)..
٣ - رواه الطبري في التفسير (١٠/١٤٢)، وأبو يعلى في مسنده (٧/١٤٤-١٤٥ رقم ٤١١٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٣/٤٥): رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي، وفيه كلام وقد وثقه. وقال الحافظ ابن حجر في المطالب (٣/٣٣٩) بعد أن عزاه لأبي يعلى: هذا حديث ضعيف، وقد خالف يزيد فيه –مع ضعفه- ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر، أنه صلى عليه، وأن الآية نزلت بعد ذلك..
٤ - روى أبو داود (٣/٢١٥ رقم ٣٢٢١)، والبيهقي (٤/٥٦) من حديث عثمان: **«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم... »**..
٥ - من "ك". وقوله: باقي الآية معلوم، ليس في "ك"..

### الآية 9:85

> ﻿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:85]

قوله تعالى :( ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) قد بينا معناها فيما سبق ؛ فإن قيل : أيش معنى التكرار ؟
وفي هذه الآية الجواب من وجهين : أحدهما : أنه للتأكيد. 
والثاني : أن الآيتين نزلتا في طائفتين من المنافقين دون طائفة واحدة.

### الآية 9:86

> ﻿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:86]

قوله تعالى :( وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ) معنى الآية ظاهر. 
وقوله :( استأذنك أولوا الطول منهم ) الطول : هو السعة والغنا بإجماع المفسرين، وقيل : إنه إنما سميت السعة طولا ؛ لأن الإنسان يتطاول بها الناس. 
وقوله :( وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين ) يعني : مع القاعدين عن الجهاد.

### الآية 9:87

> ﻿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [9:87]

ثم قال :( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) قال قتادة : الخوالف : هم النساء. وقال غيره : هم أدنياء الناس وسفلتهم، يقال : فلان خالفه قومه إذا كان دونهم. قوله :( وطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون ) طبع : ختم، ويقال : الطبائع نكت سوداء تقع على القلب، يعرف بها الملك المنافق من المؤمن.

### الآية 9:88

> ﻿لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [9:88]

قوله تعالى :( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) معناه معلوم. 
وقوله :( وأولئك لهم الخيرات ) فيه أقوال :
أحدها : أن الخيرات : هي الغنائم، والآخر : أن الخيرات : هي الحور في الجنة، وواحدتها : خيرة ؛ قال الله تعالى :( فيهن خيرات حسان ) ( [(١)](#foonote-١) ) يعني : الحور. 
والقول الثالث : أن الخيرات لا يعلم معناها إلا الله. حكي هذا عن ابن عباس، ومثل هذا : قوله تعالى :( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ) ( [(٢)](#foonote-٢) ). 
( وأولئك هم المفلحون ) قد بينا المعنى.

١ - الرحمن: ٧٠..
٢ - السجدة: ١٧..

### الآية 9:89

> ﻿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:89]

ثم قال :( أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ) ومعناه ظاهر.

### الآية 9:90

> ﻿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:90]

قوله تعالى :( وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ) قرىء بقراءتين " المعذّرون " و " المُعْذِرون " ؛ وفي المعذرين قولان : أحدهما : أن المعذرين هم المعتذرون، أدغمت التاء في الذال. 
والقول الثاني : أن المعذرين : هم المقصرون، والتعذير في اللغة : هو التقصير. وأما المعذرون : فهم الذين بالغوا في العُذر، يقال في المثل : لقد أعذر من أنذر. يعني : بالغ في إظهار العذر من قدّم في النذارة، قال لبيد شعرا :

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما  ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذريعني : بالغ في العذر. 
واعلم أن هذه الآية نزلت في المنافقين، وقد اعتذروا ولم يكن لهم عذر. وأما الأعراب : هم الذين يسكنون البادية، والعربي : اسم لمن له نسب من العرب. 
وقوله :( وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ) هذا في المنافقين ؛ ومعنى ( كذبوا الله ورسوله ) يعني : لم يأتوا بعذر صادق، ثم قال :( سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ) ومعناه معلوم.

### الآية 9:91

> ﻿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:91]

قوله تعالى :( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) اختلفوا في الضعفاء، قال بعضهم : هم المجانين، والضعف : نقصان عقولهم. وقال بعضهم : هم الصبيان. وقال بعضهم : هم النسوان. وأما المرضى : فمعلوم. وقوله :( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) الذين لا يجدون : هم الفقراء، والحرج : الضيق. وقوله :( إذا نصحوا لله ورسوله ) يعني : أخلصوا العمل لله ولرسوله، وإخلاص العمل لله بالعبادة، وللرسول بالمتابعة. قوله تعالى :( ما على المحسنين من سبيل ) معناه : ليس على من أحسن بالإخلاص سبيل، والسبيل : هو العقوبة ( والله غفور رحيم ). وروي عن ابن عباس أنه قرأ :" والله لأهل الإساءة غفور رحيم ".

### الآية 9:92

> ﻿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [9:92]

قوله تعالى :( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) معناه : لا سبيل على الأولين ولا على هؤلاء، قال محمد بن إسحاق : نزلت الآية في سبعة نفر، منهم عبد الله بن المغفل المزني، والعرباض بن سارية، وأبو ( ليلى ) ( [(١)](#foonote-١) ) عبد الرحمن بن كعب، سموا البكائين. وروي عن الحسن البصري أنه قال هذا في أبي موسى الأشعري وأصحابه. 
واختلف القول في قوله :( لتحملهم ) أحد القولين - وهو المعروف - : أنهم طلبوا الإبل ليركبوها. والقول الثاني : أنهم طلبوا النعال. هذا قول الحسن بن صالح. 
وقوله :( قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ) معناه ظاهر. وفي بعض الأخبار : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«لا يزال أحدكم راكبا مادام متنعلا »**( [(٢)](#foonote-٢) ).

١ - ليست في "ك". والصواب إثباتها..
٢ - رواه مسلم (١٤/١٠٣ رقم ٢٠٩٦)، وأبو داود (٤/٦٩/٤١٣٣)، وأحمد (٣/٣٣٧)، وابن حبان –الإحسان- (١٢/٢٧٢، ٢٧٣ رقم ٥٤٥٧، ٥٤٥٨)..

### الآية 9:93

> ﻿۞ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [9:93]

ثم قال ( إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) الخوالف : النساء والصبيان ؛ يقال : خالف وخوالف، كما يقال : فارس وفوارس، وهالك وهوالك. ( طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ) ظاهر المعنى.

### الآية 9:94

> ﻿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:94]

قوله تعالى :( يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ) روي أن المنافقين الذين تخلفوا كانوا بضعة وثمانين نفرا، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك جاءوا يعتذرون، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ( قل لاتعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم ) يعني : فيما سلف ( وسيرى الله عملكم ورسوله ) يعني : في المستأنف ( ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ).

### الآية 9:95

> ﻿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:95]

ثم قال في شأنهم :( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ) الانقلاب : هو الرجوع إلى المكان الذي خرجوا منه ( فأعرضوا عنهم إنهم رجس ) الرجس : هو النتن والقذر ( ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ) فإن قيل : كيف قال في الآية :( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ) إذا كان المؤمنون مقبلين عليهم حتى يقول :( لتعرضوا عنهم ) ؟
والجواب عنه : ذكر الأزهري في كتابه " التقريب " معنى الآية : سيحلفون بالله لكم لإعراضكم عنهم لتقبلوا عليهم ؛ فأعرضوا عنهم.

### الآية 9:96

> ﻿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [9:96]

ثم قال :( يحلفون لكم لترضوا عنهم ) الرضا ضد الكراهة ( فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ). 
وفي القصة :**«أن أبا خيثمة رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد تخلف، وكانت له امرأتان، فذهب إليهما وقد هيأت كل واحدة منهما طعاما، وبردت شرابا وبسطت له في الظل، فنظر إلى ذلك وقال : رسول الله في الضِّح والذبح، وأبو خيثمة في الظل ! ما هذا بِنِصْفٍ، ثم ركب ناقته واتبع رسول الله، فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل بتبوك، فقال الناس : يا رسول الله، هذا راكب قد أقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن أبا خيثمة فقال الناس : هو أبو خيثمة »**( [(١)](#foonote-١) ).

١ - هو ضمن حديث كعب بن مالك، وهو متفق عليه، رواه البخاري (٧/٧١٧-٧١٩ رقم ٤٤١٨)، ومسلم (١٧/١٣٦-١٥١ رقم ٢٧٦٩)، وهو حديث طويل جدا، وسيأتي..

### الآية 9:97

> ﻿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:97]

قوله تعالى :( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ) معنى أجدر : أخلق وأحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ( على رسوله ) وهذا لبعدهم من سماع القرآن ومعرفة السنن. وفي بعض الأخبار :**«أهل الكفور هم أهل القبور »**( [(١)](#foonote-١) ). وفي آثار التابعين عن إبراهيم النخعي : أن أعرابيا جلس عند زيد بن صوحان - وكانت شماله أصيبت يوم نهاوند في حرب العجم - فجعل يكلمه ويذكر له العلم، فقال له الأعرابي : إنه ليؤنسني علمك وتريبني يدك، فقال له زيد : وما يريبك مني وإنها الشمال ؟ فقال الأعرابي : إني ما أدري الشمال تقطع أم اليمين ؟ فقال زيد بن صوحان : صدق الله تعالى :( الأعراب أشد كفرا ونفاقا ). 
وزيد بن صوحان من كبار التابعين، وهو الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنه أن يده تسبقه إلى الجنة( [(٢)](#foonote-٢) ). ( والله سميع عليم ).

١ - أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ١٧٠ رقم ٥٧٩) من حديث ثوبان بنحوه، وانظر اللآلي، (١/٤٧٨-٤٨١)، وتنزيه الشريعة (٢/٥٣)..
٢ - أخرجه أبو يعلى في مسنده (١/٣٩٥ رقم ٥١١)، والبيهقي في الدلائل (٦/٤١٦)، وابن عدي في الكامل (٧/١٢٣)، والخطيب في تاريخه (٨/٤٤٠)، وابن عساكر في تاريخه (١٩/ ٤٣٤-٤٣٥)، وقال الهيثمي في المجمع: (٩/٤٠١): رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفهم..

### الآية 9:98

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:98]

قوله تعالى :( ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ) المغرم : التزام ما لا يلزم، قال الشاعر :

فَمَا لَكَ مَسْلُوبَ العَزَاءِ كَأَنَّمَا  تَرَى هَجْرَ لَيْلَى مَغْرَماً أَنْتَ غارِمُهُقوله :( ويتربص بكم الدوائر ) أي : ينتظر بكم الدوائر، والدوائر : جمع الدائرة، والدائرة : انتقال المحبوب إلى المكروه، وقيل : الدوائر : صروف الدهر. 
ثم قال :( عليهم دائرة السوء ) وقرىء :" دائرة السُّوء " ( [(١)](#foonote-١) ) ومعناه : أن المكروه العظيم ما يلحقهم. وقوله :( والله سميع عليم ). 
١ - هي قراءة ابن كثير، وأبو عمرو، بضم السين. انظر النشر (٢/٢٨٠)..

### الآية 9:99

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:99]

قوله تعالى :( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ) معناه معلوم ( ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ) القربات جمع القربة، والصلوات جمع الصلاة ؛ ومعنى القربات : أنه يطلب القربة إلى الله تعالى، ومعنى الصلوات : أنه يطلب الدعاء من رسول الله. 
واعلم أن الصلاة من الله الرحمة، ومن المؤمنين الدعاء، ومن الملائكة الاستغفار، قال الأعشى :

تقول بنتي وقد قربت مرتحلا  يا رب جنب أبى الأوصاب والوجعاعليك مثل الذي صليت فاغتمضي  عينا فإن لجنب المرء مضطجعاثم قال :( ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته ) أي : في جنته ( إن الله غفور رحيم ) معلوم.

### الآية 9:100

> ﻿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:100]

قوله تعالى :( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) هذه الآية في السابقين الأولين، وفيهم أقوال :
أحدها : قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وجماعة، أنهم قالوا : هم الذين صلوا إلى القبلتين. 
وقال عطاء : هم أهل بدر. 
وقال الشعبي : هم أهل بيعة الرضوان، وبيعة الرضوان كانت بالحديبية. 
والقول الرابع : السابقون الأولون من المهاجرين : هم الذين أسلموا قبل الهجرة، والسابقون الأولون من الأنصار : هم الذين بايعوا مع رسول الله ليلة العقبة. 
وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قرأ :" والأنصار " بالرفع( [(١)](#foonote-١) ). وفي هذه القراءة السابقون الأولون من المهاجرين خاصة. والمعروف " والأنصار " ومعناه : ومن الأنصار : والمهاجرين هم الذين هاجروا من أوطانهم وقدموا المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأنصار هم أهل المدينة الذين أنزلوا رسول الله والمهاجرين في دورهم. 
وأما قوله :( والذين اتبعوهم بإحسان ) فيه قولان : أحدهما : أنهم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين منهم. 
والقول الثاني : أنهم المؤمنون إلى قيام الساعة. 
وعن أبي صخر حميد بن زياد قال : أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له : ما قولك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، مسيئهم ومحسنهم، فقلت له : من أين تقول هذا ؟ فقال : اقرأ قوله تعالى :( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) إلى أن قال :( رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات ) ثم قال : شرط للتابعين شريطة، وهو قوله :( اتبعوهم بإحسان ) ومعناه : أنهم اتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة. قال أبو صخر : وكأني لم أقرأ هذه الآية قط. 
وفي الخبر المعروف برواية أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«لا تسبوا أصحابي ؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه »**( [(٢)](#foonote-٢) )
قوله :( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) أي : رضي الله عنهم بطاعتهم ( ورضوا عنه ) بثوابه، وباقي الآية معلوم ( وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك هو الفوز العظيم ).

١ - وهي قراءة يعقوب. انظر النشر (٢/٢٨٠)..
٢ - متفق عليه، فرواه البخاري (٧/٢٥ رقم ٣٦٧٣)، ومسلم (١٦/١٣٩-١٤٠/٢٥٤١)..

### الآية 9:101

> ﻿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ [9:101]

قوله تعالى :( وممن حولكم من الأعراب منافقون ) قال أهل التفسير : هم مُزَينة وجُهَينة وأَشْجع وغِفَار وأَسْلَم ( ومن أهل المدينة ) قوم من الأوس والخزرج ( مردوا على النفاق ) قال الفراء : مرنوا على النفاق. وقال ثعلب : استمروا على النفاق. وفي الآية تقديم وتأخير، كأنه قال : وممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق ومن أهل المدينة، هكذا قاله أهل المعاني ( لا تعلمهم نحن نعلمهم ) هذا دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم جميع المنافقين. 
وقوله تعالى :( سنعذبهم مرتين ) فيه أقوال :
أحدها( [(١)](#foonote-١) ) : أنها الفضيحة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. 
وفي الخبر **«أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا على المنبر، وقال : اخرج يا فلان، فإنك منافق، اخرج يا فلان، فإنك منافق »**( [(٢)](#foonote-٢) ) هكذا حتى أخرجهم جميعا من المسجد. 
والقول الثاني : قول مجاهد، وهو الخوف في الدنيا، والعذاب في الآخرة. 
والقول الثالث : أن العذاب الأول : هو القتل، والعذاب الثاني : هو عذاب القبر. 
والرابع : قال ابن قتيبة : العذاب الأول : هو السبي، والعذاب الثاني : هو القتل. 
( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) يعني : إلى جهنم.

١ - في "ك": أحدهما..
٢ - رواه الطبري في التفسير (١١/٨)، والطبراني في الأوسط، كما في مجمع البحرين (٦/٣٣ رقم ٣٣٣٤) من حديث ابن عباس. وقال الهيثمي في المجمع (٧/٣٧): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحسين بن عمرو العنقزي، وهو ضعيف وزاد السيوطي في الدر (٣/٢٩٣-٢٩٤) فعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه..

### الآية 9:102

> ﻿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:102]

قوله تعالى :( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) الآية نزلت في قوم من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير عذر، فيهم أبو لبابة بن عبد المنذر وغيره، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو، وقرب من المدينة جاءوا فربطوا أنفسهم بسوارى المسجد وقالوا : لا نحل أنفسنا حتى يتوب الله علينا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، وكان من عادته أنه كان إذا خرج إلى سفر صلى ركعتين في المسجد، ثم يخرج، وإذا رجع بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يدخل منزله، فلما دخل المسجد ورأى هؤلاء النفر قد ربطوا أنفسهم بالسوارى سأل وقال :**«ما شأنهم ؟ فقيل : إنهم حلفوا ألا يحلوا أنفسهم حتى يتوب الله عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإني أحلف أن لا أحلهم حتى يقضي الله فيهم بأمره، فأنزل الله تعالى هذه الآية »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وقوله تعالى :( خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) العمل السيء هو التخلف عن الغزو بلا إشكال، وأما العمل الصالح ففيه معنيان :
أحدهما : ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسوارى. 
والثاني : العمل الصالح : هو غزواتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل. 
وفي الأخبار، عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«أتاني الليلة آتيان فانطلقا بي إلى مدينة مبنية لبنة من الذهب ولبنة من الفضة، فتلقاني رجال شطر خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر خلقهم كأقبح ما أنت راء، فقيل لهم : قعوا في ذلك النهر، فوقعوا في النهر، فخرجوا وقد ذهب عنهم السوء، فسألت عن أولئك القوم، فقيل لي : أما المدينة فهي الجنة، \[ وهذاك \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) منزلك، وهؤلاء القوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ؛ فتجاوز الله عنهم »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وأما قوله تعالى :( عسى الله أن يتوب عليهم ) قال الحسن البصري وغيره : عسى من الله واجب. فلما نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل أولئك القوم من السوارى. 
وروي عن أبي عثمان النهدي أنه قال : أرجي آية في القرآن هذه الآية. 
( إن الله غفور رحيم ).

١ - رواه الطبري (١١/١٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/٢٧١-٢٧٢) عن ابن عباس، وزاد السيوطي في الدر (٣/٢٩٤) فعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه..
٢ - في الأصل: وهاذاك، وفي "ك": وهذا..
٣ - رواه البخاري (٨/١٩٢ رقم ٤٦٧٤)، والنسائي في الكبرى (٦/٣٥٨ رقم ١١٢٢٦)، وأحمد (٥/٨-٩)..

### الآية 9:103

> ﻿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:103]

قوله تعالى :( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) قال أهل التفسير : لما تاب الله على أولئك القوم جاءوا بأموالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : خذها صدقة لله، فأبى أن يأخذها، فأنزل الله تعالى هذه الآية :( خذ من أموالهم ). وقوله :( تطهرهم ) أي : من الذنوب. وقوله :( وتزكيهم بها ) أي : وترفعهم بها من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين ( وصل عليهم ) وادع لهم ( إن صلاتك سكن لهم ) أي : دعاؤك سكن لهم، أي : سكون لهم، أي : دعاؤك سكن لهم وطمأنينة وتثبيت. 
وقد قال بعض أهل العلم : إنه يجب على الإمام أن يدعو للذي جاء بالصدقة. وقال بعضهم : يستحب، ولا يجب. وقال بعضهم : يجب في الفرض ويستحب في النفل. وقال بعضهم : يجب على الإمام أن يدعو للمعطي، ويستحب للفقير أن يدعو. ومنهم من قال : إن التمس المعطي أن يدعو له يجب ؛ وإلا فلا يجب. 
وقد ثبت الخبر برواية عبد الله بن أبي أوفى قال :«كان الرجل إذا جاء بصدقته إلى النبي صلى الله عليه وسلم دعا له ؛ فجاء أبي بصدقته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أللهم صل على آل أبي أوفى( [(١)](#foonote-١) ). 
( والله سميع عليم ) معناه معلوم.

١ - متفق عليه، رواه البخاري (٣/٤٢٣/١٤٩٧)، ومسلم (٧/٢٥٨-٢٥٩ رقم ١٠٧٨)..

### الآية 9:104

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:104]

قوله تعالى :( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ) هذا ظاهر. وقوله :( ويأخذ الصدقات ) معناه : يقبل الصدقات. وقال بعض أهل المعاني قوله :( ألم يعلموا ) هو بمعنى الأمر ؛ كأنه قال : اعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده. 
وفي الخبر المشهور المعروف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«والذي نفسي بيده، ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا طيبا - إلا أخذها الله بيمينه فيُربيها كما يُربى أحدكم فَلُوَّه، حتى إن اللقمة تجيء يوم القيامة مثل أُحُد، ثم قرأ قوله تعالى :( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) »** ( [(١)](#foonote-١) ). والخبر صحيح. 
وروي عن ابن مسعود أنه قال : إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير. وروي في بعض الروايات مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قوله :( وأن الله هو التواب الرحيم ) معلوم المعنى.

١ - متفق عليه، رواه البخاري (٣/٣٢٦ رقم ١٤١٠)، ومسلم (٧/١٣٧-١٣٩ رقم ١٠١٤) دون ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية، ورواه الطبري (١١/١٥) وغيره، وذكروا فيه أنه قرأ الآية. انظر الدر المنثور (٣/٢٩٨)..
٢ - روى من حديث أبي هريرة، وابن عباس، عزاه السيوطي في الدر (٣/٢٩٨) لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة بنحوه، وعزاه للدارقطني في الأفراد عن ابن عباس بنحوه أيضا..

### الآية 9:105

> ﻿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:105]

قوله تعالى :( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) في الآية
معنى التهديد. فإن قال قائل : ما معنى رؤية الرسول والمؤمنين ؟
قلنا : رؤية الرسول : هي بإعلام الله إياه عملهم، ورؤية المؤمنين : بإيقاع المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح، وإيقاع البغضة في قلوبهم لأهل الفساد. 
وفي بعض الأخبار :**«لو عمل المؤمن في صخرة ليس لها باب \[ لأظهره \] ( [(١)](#foonote-١) ) الله إذا عمله »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قوله تعالى :( وستردون إلى عالم الغيب والشهادة. . . . ) الآية، معناه معلوم.

١ - كلمة غير واضحة في "الأصل، ك" ورسمها: لردآه. والمثبت من مصادر التخريج. وانظر لسان العرب (مادة: ردى)..
٢ - رواه أحمد (٣/٣٨)، وأبو يعلى (٢/٥١٢ رقم ١٣٧٨)، وابن حبان –الإحسان- (١٢/٤٩١-٤٩٢ رقم ٥٦٧٨)، والحاكم (٤/٣١٤) وصحح إسناده. كلهم من حديث أبي سعيد الخدري.
 وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٢٨): رواه أحمد، وأبو يعلى، وإسنادهما حسن. وزاد السيوطي في الدر (٣/٢٩٨) فعزاه للبيهقي في الشعب، وابن أبي الدنيا في الإخلاص، وللضياء في المختارة..

### الآية 9:106

> ﻿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:106]

قوله تعالى :( وآخرون مرجون لأمر الله ) الإرجاء : التأخير، ومعناه : مؤخرون لأمر الله، وأمر الله تعالى هنا : حكم الله. 
والآية نزلت في كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع ؛ وهؤلاء الثلاثة الذين تأتي قصتهم من بعد. 
وقوله ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ) معناه معلوم.

### الآية 9:107

> ﻿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:107]

قوله تعالى :( والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ) نزلت الآية في قوم من المنافقين منهم : وديعة بن ثابت، وثعلبة بن حاطب، ( وجارية بن يزيد ) ( [(١)](#foonote-١) )، وابنه مجمع بن جارية، وحزام بن مالك، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيث، ورجل يقال له : يخرج( [(٢)](#foonote-٢) ) إلى تمام اثنى عشر نفرا، بنوا هذا المسجد بقصد ما ذكره الله في كتابه، وهو قوله :( ضرارا ) يعني : مضارة بالرسول ( وكفرا ) بالله ( وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ) والإرصاد : الإعداد، والذي حارب الله ورسوله هاهنا هو أبو عامر الراهب، وكان ممن يطلب الدين في الابتداء، ثم تنصر وتحزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لحق بقيصر يستنجده على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهؤلاء بنوا هذا المسجد وقالوا : نبني هذا المسجد فنخلوا بأمرنا، ونتحدث بما نريد، وننتظر رجوع أبي عامر الراهب. وكان هذا المسجد بني قريبا من مسجد قباء. وقوله :( من قبل ) راجع إلى أبي عامر ( وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ) معناه : إلا الرفق بالمسلمين ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) معناه معلوم.

١ - في "ك": حارثة بن يزيد، ومثله في تفسير ابن كثير (٢/٣٨٨) إلا أنه سمى أباه: عامرا، وفي الدر المنثور (٣/٢٩٩، ٣٠٠): جارية بن عامر وهو الصواب..
٢ - ومثله في تفسير ابن كثير، وفي الدر: يخدج..

### الآية 9:108

> ﻿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [9:108]

ثم قال :( لا تقم فيه ابدا ) روي أنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي فيصلي فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآية :( لا تقم فيه أبدا ) معناه : لا تصل فيه أبدا ( لمسجد أسس على التقوى ) اختلفوا في هذا المسجد ؛ قال ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري : هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وروى أبو سعيد الخدري :**«أن رجلين تماريا في المسجد الذي أسس على التقوى، فسألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال - عليه السلام - : هو مسجدي هذا »**. وأورده أبو عيسى الترمذي في " جامعه " ( [(١)](#foonote-١) ). 
والقول الثاني : أنه مسجد قباء. هذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، وجماعة من التابعين. 
والقول الثالث : أنه جميع مساجد المدينة والأولى هو القول الأول. 
وقوله :( أسس على التقوى ) أي : ليتقى فيه من الشرك. وقوله :( من أول يوم ) معناه : من ابتداء أيام الإسلام ( أحق أن تقوم فيه ) أي : أولى أن تقوم فيه، أي : تصلي فيه، قوله تعالى :( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) معناه معلوم. 
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء :**«إن الله تعالى قد أحسن الثناء عليكم، فماذا تعملون ؟ فقالوا : نتوضأ من الحدث ونغتسل من الجنابة. فقال - عليه السلام - : فهل شيء غير هذا ؟ فقالوا : إن أحدنا إذا استنجى أحب أن يتبع أثر الاستنجاء بالماء، فقال عليه السلام : هو ذاك، فعليكم به »**( [(٢)](#foonote-٢) ).

١ - الترمذي (٥/٢٦١-٢٦٢ رقم ٣٠٩٩)، وقال: حسن صحيح. والحديث في صحيح مسلم (٩/٢٣٩-٢٤٠ رقم ١٣٩٨)، والنسائي (٢/٣٦ رقم ٦٩٧) بمعناه عن أبي سعيد أيضا، وفيه أنه هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم..
٢ - رواه ابن ماجة (١/١٢٧ رقم ٣٥٥)، والدارقطني في سننه (١/٦٢) وقال: عتبة بن أبي حكيم ليس بالقوي، والحاكم (١/١٥٥) وقال: حديث كبير صحيح في كتاب الطهارة. والبيهقي في الكبرى (١/١٠٥)، وابن الجارود في المنتقى (ص ٢٩-٣٠ رقم ٤٠)، كلهم من طريق طلحة بن نافع، قال حدثني أبو أيوب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك. وانظر نصب الراية (١/٢١٩)..

### الآية 9:109

> ﻿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:109]

ثم قال :( أفمن أسس ) وقرىء :" أفمن أُسِّسَ " ( [(١)](#foonote-١) ) ( بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير ) أي : على طلب التقوى وطلب الرضا من الله خير( أم من أسس بنيانه على شفا جرف ) الشفا : هو الحِرف والحد، والجُرُفْ : هو ما تجرّف من السيل، أي : تقطع من السيل، فصار لرخاوته لا يثبت عليه بناء. قوله :( هار ) معناه : هائر، والهائر : الساقط ( فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ) معناه معلوم. 
واعلم أن المراد من الآية : هو التمثيل والتشبيه في قلة الثبات والقرار وسوء العاقبة. واختلفوا في الذي كانت عاقبة مسجد الضرار ؛ فالأكثرون على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا مالك بن الدخشم، وعاصم بن عدي، وأمرهما أن يهدما ذلك المسجد ويحرقاه ففعلا ذلك. 
والقول الآخر : أن ذلك المسجد انهار بنفسه من غير أن يمسه أحد. وفي بعض التفاسير أنه خسف به. وروي أنه لما خسف به سطع منه دخان في السماء، والله أعلم.

١ - هي قراءة نافع، وابن عامر. انظر النشر (٢/٢٨١)..

### الآية 9:110

> ﻿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:110]

قوله تعالى :( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ) يعني : شكا واضطرابا في قلوبهم. وقال السدى : حرازة في قلوبهم. وقوله :( إلا أن تقطع قلوبهم ) فيه قولان :
أحدهما : حتى يموتوا. وقرىء في الشاذ :" إلى أن تقطع قلوبهم " ( [(١)](#foonote-١) ). 
والقول الثاني : حتى يتوبوا، فجعل الندامة في القلب بمنزلة تقطع في القلب. 
( والله عليم حكيم ) عليم بخلقه، حكيم في تدبيره.

١ - انظر المصدر السابق..

### الآية 9:111

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:111]

قوله تعالى :( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) معنى الآية : أن الله تعالى أمر ( المسلمين ) ( [(١)](#foonote-١) ) بأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وجعل لهم الجنة ثوابا عليه، فجعل هذا بمنزلة الشراء والبيع. 
قوله :( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا ) معناه : أن ثواب الجنة وعد حق. ثم قال :( في التوراة والإنجيل والقرآن ) وهذا دليل على أن أهل الملل كلهم أمروا بالجهاد وجعل ثوابهم الجنة، وقد بينا معنى التوراة والإنجيل والقرآن. 
وقوله :( ومن أوفى بعهده من الله ) معناه معلوم ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) معناه : فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به ( وذلك هو الفوز العظيم ). 
روي في الأخبار أن هذه الآية : لما نزلت قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. وعن عمر - رضي الله عنه - قال : إن الله بايعك وجعل الصفقتين لك. وعن بعض التابعين أنه قال : ثامن فأغلى في الثمن، وبايع فأغلى في العوض. وعن الحسن البصري أنه قال : إن الله تعالى أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها من الله.

١ - في "ك": المؤمنين..

### الآية 9:112

> ﻿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [9:112]

قوله تعالى :( التائبون العابدون ) الآية التائبون : هم الذين تابوا من الشرك. وقيل : هم الذين تابوا من جميع المعاصي. والعابدون : هم الذين عبدوا الله بالتوحيد، وقيل : بسائر الطاعات. و( الحامدون ) فيه قولان :
أحدهما : أنهم \[ هم \] ( [(١)](#foonote-١) ) الذين يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء. 
والقول الثاني : أنهم الذين يحمدون الله على الإسلام. 
**وقوله :( السائحون ) فيه أقوال :**
( أحدها ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) : أنهم الصائمون. هكذا روي عن ابن مسعود، وابن عباس. وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«سياحة أمتي : الصيام »**( [(٣)](#foonote-٣) ). ( وقال ) ( [(٤)](#foonote-٤) ) سفيان بن عيينة : سمى الصائم سائحا ؛ لأنه ترك المطعم والمشرب والمنكح. 
والقول الثاني : أن السائحين : هم المجاهدون في سبيل الله. وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«سياحة أمتي : الجهاد »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
والقول الثالث : أن السائحين : هم طلبة العلم، روي عن بعض التابعين. 
وقوله( الراكعون الساجدون ) يعني : المصلين. وقوله :( الآمرون بالمعروف ) أي : الآمرون بالإيمان ( والناهون عن المنكر ) يعني : عن الشرك. وقوله :( والحافظون لحدود الله ) معناه : القائمون بأوامر الله ( وبشر المؤمنين ) معناه معلوم.

١ - من "ك"..
٢ - في "ك": أحدهم..
٣ - تقدم..
٤ - في "ك": وعن..
٥ - رواه أبو داود (٣/٥ رقم ٢٤٨٦)، والطبراني في الكبير (٨/١٨٣ رقم ٧٧٦٠)، والحاكم (٢/٧٣) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في الكبرى (٩/١٦١) من حديث أبي أمامة..

### الآية 9:113

> ﻿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [9:113]

قوله تعالى :( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) اختلفوا في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال :
الأول : ما رواه سعيد بن المسيب، عن أبيه :**«أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أي عم ! قل : لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال له أبو جهل وعبد الله بن \[ أبي \] ( [(١)](#foonote-١) ) أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ ! فما زالا يكلمانه حتى كان آخر كلمة قالها : على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية :( ما كان للنبي. . . . ) إلى آخر الآية »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
والثاني : روى مسروق، عن عبد الله بن مسعود :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقابر فاتبعناه، فأتى قبرا وقعد عنده، وناجاه طويلا، ثم بكى وبكينا لبكائه، فقلنا له : يا رسول الله من صاحب هذا القبر ؟ فقال : هذه أمي آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، ثم استأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، قال : فأخذني عليها الشفقة ما يأخذ الولد للوالدة فبكيت، وأنزل الله تعالى هذه الآية :( ما كان للنبي. . . ) إلى آخر الآية »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
والقول الثالث : روي عن علي - رضي الله عنه - :**«أنه سمع رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقال له علي : أتستغفر للمشركين ؟ فقال ذلك الرجل : قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى آخرها »**( [(٤)](#foonote-٤) ).

١ - سقطت من "الأصل، ك" والصواب إثباتها، والحديث متفق عليه لما سيأتي..
٢ - متفق عليه، فرواه البخاري (٨/١٩٢ رقم ٤٦٧٥)، ومسلم (١/٢٩٥-٢٩٨ رقم ٢٤)..
٣ - رواه الحاكم (٢/٣٣٦) والبيهقي في الدلائل (١/١٨٩)، والواحدي في أسباب النزول (ص ١٩٨-١٩٩)، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما؛ وتعقبه الذهبي فقال: أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين. ورواه ابن ماجه مختصراً (١/٥٠١ رقم ١٥٧١). والحديث رواه مسلم في صحيحه بنحوه (٧/٦٤-٦٥ رقم ٩٧٦) والحاكم (١/٣٧٥-٣٧٦) وابن ماجه مختصرا أيضا (١/٥٠١ رقم ١٥٧٢) من حديث أبي هريرة. وانظر تلخيص الحبير (٢/٢٧٢)..
٤ - رواه الترمذي (٥/٢٦٢-٢٦٣ رقم ٣١٠١) وحسنه، والنسائي (٤/٩١ رقم ٢٠٣٦)، وأحمد (١/٩٩)، والطبري في التفسير (١١/٣٢)، وأبو يعلى في مسنده (١/٢٨٠ رقم ٣٣٥)، والحاكم ٢/٣٣٥) وصحح إسناده..

### الآية 9:114

> ﻿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [9:114]

قوله تعالى :( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) وفي هذه الآية قولان :
أحدهما : أن إبراهيم - عليه السلام - قال لأبيه : لأستغفرن لك، قال هذا رجاء أن ينقله الله تعالى من الكفر إلى الإسلام ببركة دعائه واستغفاره. 
والقول الثاني : أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم وقال : لأسلمن، فاستغفر لي، فاستغفر له إبراهيم لهذا المعنى. 
( فلما تبين له أنه عدو لله ) بموته على الكفر ( تبرأ منه ) فإن قال قائل : كيف يجوز أن يستغفر إبراهيم للمشرك ؟
الجواب عنه : قال بعض أهل المعاني : يحتمل أن أبا إبراهيم كان أظهر الإسلام وهو يبطن الكفر، فاستغفر له إبراهيم لإظهاره الإسلام ( فلما تبين له أنه عدو لله ) مصر على الكفر في الباطن ( تبرأ منه ) هكذا قاله بعض أهل المعاني. 
والذي عليه عامة المفسرين ما بينا من قبل. 
وقد قرأ الحسن البصري :" إلا عن موعدة وعدها إياه " وهذا صريح في أن الوعد كان من إبراهيم، والدليل على أن إبراهيم استغفر له وهو مشرك : أن الله تعالى قال في سورة الممتحنة :( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه. . ) إلى أن قال :( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) ( [(١)](#foonote-١) ) فقد صرح أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار ؛ وإنما استغفر له وهو مشرك لمكان الوعد ؛ رجاء أن يسلم. 
وقوله :( إن إبراهيم لأواه حليم ) اختلفوا في " الأوّاه " على أقاويل. 
روي عن عبد الله بن مسعود. وعبد الله بن عباس : أن الأواه : هو الدعاء. وعن ابن مسعود في رواية أخرى : أنه الرحيم، وعن ابن عباس في رواية أخرى : أنه المؤمن التواب، وعن مجاهد أنه الفقيه، وعن كعب الأحبار : أنه الذي يتأوه من الذنوب، فيقول : أوه أوه. وروى أبو ذر **«أن رجلا كان يطوف ويقول : أوه أوه، فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم : إن هذا الرجل ليؤذينا، فقال : لا تقل هذا ؛ فإنه أوّاه »**( [(٢)](#foonote-٢) ). قال الشاعر :
إذا ما قمتُ أَرْحَلُها بليل تَأَوَّهُ آهةَ الرجلِ الحزينِ
وعن سعيد بن جبير قال الأوّاه : المسبّح. وقيل : إنه الموقف. وقيل : إنه الموقن. 
وأما الحليم : فهو : الصفوح عن الذنوب.

١ - الممتحنة: ٤..
٢ - رواه الطبري (١١/٣٧) بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٣٠٨) لابن أبي حاتم، وابن مردويه..

### الآية 9:115

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [9:115]

قوله تعالى :( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ) معناه : ما كان الله ليحكم بالضلالة بترك الأوامر ( حتى يبين لهم ما يتقون ) فيتركوا. 
وعن أبي عمرو بن العلاء قال : معناه : حتى يحتج عليهم بالأمر. 
سبب نزول الآية : أن قوما كانوا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، ولم تكن الخمر حرمت ولا القبلة صرفت، فرجعوا إلى قومهم وهم على ذلك، ثم حرّمت الخمر ( و )( [(١)](#foonote-١) ) صرفت القبلة ولم يكن لهم علم بذلك، فلما قدموا بعد ذلك للمدينة وجدوا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : قد كنت على دين ونحن على ( غيره )( [(٢)](#foonote-٢) ) فنحن ضلال ؟ فأنزل الله ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ). 
وفي الآية قول آخر ؛ وهو : أن الآية في الاستغفار للمشركين ؛ فإن جماعة من الصحابة كانوا استغفروا لآبائهم ولم يعلموا أن ذلك لا يجوز، فلما أنزل النهي عنه خافوا على أنفسهم خوفا شديدا ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
قوله تعالى :( إن الله بكل شيء عليم )، وكذا الآية التي تليها معلوم المعنى إلى آخرها.

١ - في "ك": ثم..
٢ - في "ك": دين..

### الآية 9:116

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:116]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 9:117

> ﻿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:117]

قوله تعالى :( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) معنى قوله :( لقد تاب الله ) لقد تجاوز الله. وقيل : لقد صفح الله. وقوله ( الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) معناه : في وقت العسرة، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، وكذلك ذلك الجيش يسمى جيش العسرة ؛ والعسرة : الشدة، وكانت عليهم عسرة في الظهر والزاد والماء، فروي أن الاثنين والثلاثة فما زاد كانوا يعتقبون البعير الواحد. وروي أنهم كانوا فني زادهم حتى كان الرجلان يقتسمان التمرة بينهما. هكذا حكي عن
ابن عباس. وروي :«أنهم عطشوا عطشا شديدا حتى نحروا الإبل وعصروا كرشها وشربوا ما فيها، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى الله تعالى فسقوا. هكذا رواه عمر - رضي الله عنه - فهذا هو معنى العسرة. 
وقوله :( من بعد ما كاد يزيغ ) قرئ :" تزيغ ويزيغ " ( [(١)](#foonote-١) ) فقوله :" تزيغ " منصرف إلى القلوب، وقوله : يزيغ منصرف إلى الفعل ؛ كأنه قال : يزيغ الفعل ( قلوب فريق منهم ). 
وأما الزيغ في اللغة : هو الميل، وليس المراد من الميل هنا هو الميل عن الدين، إنما المراد من الميل هو الميل عن متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته في الغزو، واختيار التخلف من شدة العسرة. 
( ثم تاب عليهم ) فإن قال قائل : ما هذا التكرار، فقد قال في أول الآية :( لقد تاب الله على النبي ) ؟. 
الجواب عنه : أنه ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب - وهو محض \[ تفضل \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) من الله، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة، والمراد منه : القبول. 
( إنه بهم رءوف رحيم ) معلوم المعنى.

١ - قرأ حمزة، وحفص بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. انظر النشر (٢/٢٨١)..
٢ - من "ك"..

### الآية 9:118

> ﻿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:118]

قوله تعالى :( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) قرأ عكرمة بن عمار :" وعلى الثلاثة الذين خلفوا " مخفف، وفي بعض القراءات :" وعلى الثلاثة الذين خالفوا ". 
واعلم أن هؤلاء الثلاثة هم الذين أنزل الله في شأنهم قوله تعالى :( وآخرون مرجون لأمر الله ) ( [(١)](#foonote-١) ) وأما أسماؤهم : كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكانوا مؤمنين مخلصين تخلفوا بغير عذر، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قافلا من غزوة تبوك، حضروا وأقروا عنده بالذنب، وأنه لم يكن لهم عذر، فأخر أمرهم ولم يستغفر لهم، ونهى المسلمين عن مخالطتهم ومكالمتهم. 
وفي الآية قصة طويلة مذكورة في " الصحيحين " ( [(٢)](#foonote-٢) ) ؛ فروي أنهم مكثوا على ذلك أربعين ليلة، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يعتزلوا نساءهم إلى تتمة خمسين ليلة، وكانوا يسلمون على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يردون عليهم السلام. قال كعب بن مالك : فكنت أدخل المسجد وأصلي وأنظر هل ينظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت إذا نظرت إليه صرف عني بصره، قال : فاقتحمت يوما على أبي قتادة حائطه - وكان ابن عمي - فسلمت عليه فلم يرد علي الجواب، فقلت له : يا ابن عمي، أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟ فسكت عني، فرددت الكلام ثلاثا، فقال في الثالثة : الله ورسوله أعلم، قال : فبكيت بكاء شديدا وخرجت، قال : فلما كان تتمة خمسين ليلة من يوم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، كنت على ظهر بيتي وقد صليت الصبح، وأنا كما ذكر الله تعالى :( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) أي : برحبها وسعتها ( وضاقت عليهم أنفسهم ) أي : من جفوة القوم وغلظة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، إذ سمعت مناديا ينادي على ذروة سَلْع - والسّلْع : الجبل - : أبشر يا كعب بن مالك، قال : فخررت لله ساجدا، وجاء البشير فأعطيته ثوبي ولبست ثوبين غيرهما، وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست بين يديه ووجهه يستنير كاستنارة القمر، فقال : أبشر يا كعب بن مالك بخير يوم مر عليك منذ أسلمت فقلت : يا رسول الله، أمن عندك أم من عند الله ؟ فقال : لا، بل من عند الله وقرأ على الآية، فقلت : يا رسول الله، إن من توبتي أن أخلع من ( جميع ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) مالي صدقة لله ولرسوله، فقال : أمسك عليك بعض مالك ؛ فهو خير لك » القصة إلى آخرها. 
وقوله تعالى :( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) معناه : وظنوا : تيقنوا أن لا مفزع ولا منجا من الله إلا إليه. وقوله تعالى :( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) يعني : ليستقيموا على التوبة ويثبتوا عليها، فإن توبتهم قد سبقت ( إن الله هو التواب الرحيم ) معلوم المعنى.

١ - التوبة: ١٠٦..
٢ - تقدم من حديث كعب بن مالك الطويل..
٣ - ليست في "ك"..

### الآية 9:119

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [9:119]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) قال الضحاك : مع محمد وأصحابه. 
وروي عن بعضهم أنه قال : مع الصادقين أي : مع أبي بكر وعمر. وعن بعضهم : مع الخلفاء الأربعة. وقال بعضهم : إن الصادقين هاهنا الثلاثة الذين سبق ذكرهم ؛ فإنهم صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتراف بالذنب، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة مثل المنافقين. فروي عن كعب بن مالك قال : ما أبلاني الله ببلاء أعظم عندي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه من شكري عليها أن لا أكذب أبدا. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، وقرأ هذه الآية. ويقال : إن في قراءته :" وكونوا من الصادقين ".

### الآية 9:120

> ﻿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [9:120]

قوله تعالى :( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) الآية، معناها : هو النهي عن التخلف. وقوله :( ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) معناه : ما كان لهم أن يختاروا الخفض والدعة، ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة السفر ومقساة التعب. ثم قال :( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ) الظمأ : العطش ( ولا نصب ) النصب : التعب ( ولا مخمصة ) وهي المجاعة ( في سبيل الله ) في الجهاد. وقوله :( ولا يطئون موطئا ) يعني : لا يضعن قدما ( يغيظ الكفار ) أي : يغضبهم ( ولا ينالون من عدو نيلا ) يعني : لا يصيبون منهم شيئا في نفس أو مال ( إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) معلوم المعنى.

### الآية 9:121

> ﻿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:121]

ثم قال :( ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ) يعني : قليلا ولا كثيرا، قيل في التفسير : حتى التمرة ( ولا يقطعون واديا ) أي : لا يعبرون واديا مقبلين ومدبرين ( إلا كتب لهم ) أي : أثيبوا على ذلك ( ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) معناه معلوم.

### الآية 9:122

> ﻿۞ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [9:122]

قوله تعالى :( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) الآية، وفيها قولان :
أحدهما :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالسرايا بعد غزوة تبوك، فكان الناس يخرجون جميعهم لعظم ما أصابهم من التعيير والملامة في التخلف، فأنزل الله تعالى هذه الآية »**( [(١)](#foonote-١) ). قال قتادة : هذا في السرايا، فأما إذا خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه فعليهم أن يخرجوا جميعا معه. 
و القول الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم كما دعا على مضر، وقال :**«اللهم اجعل سنيهم كسني يوسف، قال : فأصابهم قحط شديد وجدب، فجعلت القبيلة تقبل إلى المدينة بأجمعهم ويقولون : أسلمنا، فكانوا يضيقون على أهل المدينة منازلهم ويلوثون الطرقات، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبائلهم »**( [(٢)](#foonote-٢) ). وقوله :( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) معناه : هلا نفر من كل فرقة منهم طائفة، فعلى الأول معنى الآية : هو النهي عن ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. وقوله :( ليتفقهوا في الدين ) يعني : ليحضروا نزول القرآن وبيان السنن ( ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) معناه : ليعلموا السرية إذا رجعوا إليهم ما نزل من القرآن والسنن. 
وعلى القول الثاني معنى الآية : ما كان لأهل القبائل أن ينفروا جميعا إلى المدينة ويتركوا مواضعهم ؛ ولكن لينفر من كل فرقة طائفة أي : من كل قبيلة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم ( لعلهم يحذرون ). 
وأما الطائفة : فهو اسم لثلاثة فما زاد، وقد ورد في القرآن ذكر الطائفة، والمراد منه : الواحد، وقد ذكرناه في قوله تعالى :( إن نعف عن طائفة منهم ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) من قبل. 
واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد، والمسألة في الأصول ( كبيرة ) ( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وأما الفقه فهو في اللغة : عبارة عن الفهم، وفي الشرع : عبارة عن علم مخصوص وهو علم الأحكام. 
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا »**( [(٦)](#foonote-٦) ). وفي بعض الأخبار :**«أفضل العبادة : الفقه، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد »**( [(٧)](#foonote-٧) ). وعن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال : طلب
العلم أفضل من صلاة النافلة.

١ - ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص ١٩٩) من رواية الكلبي عن ابن عباس..
٢ - رواه الطبري (١١/٥٠) عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٣١٧) لابن أبي حاتم أيضا..
٣ - التوبة: ٦٦..
٤ - في "ك" : كثيرة..
٥ - متفق عليه من حديث معاوية بن أبي سفيان، رواه البخاري (١/١٩٧ رقم ٧١)، ومسلم (٧/١٧٩-١٨٠ رقم ١٠٣٧)، وقد تقدم..
٦ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٦/٦٠٨ رقم ٣٤٩٣، ٣٤٩٤)، ومسلم (١٥/١١٧-١١٨ رقم ٢٥٢٦)..
٧ - رواه الطبراني في الصغير (٢/٢٥١ رقم ١١١٤)، والأوسط كما في مجمع البحرين (١/١٩٢ رقم ١٩٥) عن ابن عمر وقال الهيثمي في المجمع (١/١٢٥): رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه محمد بن أبي ليلى، ضعفوه لسوء حفظه. وقال العراقي في تخريج الإحياء (١/٧): عند الطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف. قلت: والشطر الثاني منه رواه البخاري في تاريخه الكبير (٣/٣٠٨)، والترمذي (٥/٤٦-٤٧ رقم ٢٦٨١)، وابن ماجة (١/٨١ رقم ٢٢٢) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/٢٤)، والآجري في أخلاق العلماء (ص ٢٤-٢٥) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/١٢٥) وابن الجوزي في العلل (١/١٣٤) من حديث ابن عباس. وروى أيضا من حديث أبي هريرة وغيره، انظر جامع بيان العلم..

### الآية 9:123

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:123]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ) يعني : يقربون منكم. وعن عمر : هم الديلم، وعن غيره : هم الروم ( وليجدوا فيكم غلظة ) قال ابن عباس : شجاعة. وقال الحسن : صبرا على الحرب ( واعلموا أن الله مع المتقين ) ظاهر.

### الآية 9:124

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [9:124]

قوله تعالى :( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ) هذا في المنافقين الذين كانوا يقولون هذا القول استهزاء، فقال الله تعالى :( فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) وهم يفرحون.

### الآية 9:125

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [9:125]

ثم قال :( وأما الذين في قلوبهم مرض ) أي : شك ونفاق ( فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) أي : كفر إلى كفرهم. فإن قال قائل : كيف يزيد إنزال السورة لهم كفرا ؟
الجواب : أنهم كانوا يكفرون بكل سورة أنزلها الله تعالى، فلما كفروا عند إنزال السورة نسب كفرهم إليها، وهذا كما تقول العرب : كفى بالسلامة داء ؛ لأن الداء يكون عند طول السلامة، قال الشاعر :

أرى بصري قد رابني بعد صحة  وحسبك داء أن تصح وتسلما

### الآية 9:126

> ﻿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [9:126]

وقوله تعالى :( أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ) معناه : يبتلون في كل عام بالأمراض والشدائد، وقيل : بالجهاد مع الأعداء ( ثم لا يتوبون ) لا يرجعون إلى الله ( ولا هم يذكرون ) ولا هم يتعظون.

### الآية 9:127

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [9:127]

قوله تعالى :( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ) الآية، كان المنافقون إذا نزلت السورة أو شيء من القرآن يومئ بعضهم إلى بعض، ويخافون مع ذلك أن يراهم المؤمنون، فهذا معنى قوله :( هل يراكم من أحد ) ثم قال :( ثم انصرفوا ) فيه معنيان : أحدهما : انصرفوا عن مواضعهم، والآخر : انصرفوا عن الإيمان، أي : لم يؤمنوا ولم يقبلوا. 
وقوله :( صرف الله قلوبهم ) قال أبو إسحاق الزجاج : أضلهم الله مجازاة على كفرهم( بأنهم قوم يفقهون ) معلوم المعنى.

### الآية 9:128

> ﻿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:128]

قوله تعالى :( لقد جاءكم رسول من أَنْفُسِكُم ) قرىء في الشاذ : من أَنْفَسِكُم، ويقال : إن هذه القراءة قراءة فاطمه - رضي الله عنها - قال يعقوب الحضرمي : طلبت هذا الحرف خمسين سنة فلم أجد له راويا. ومعنى هذا : أشرفكم وأفضلكم. 
والقراءة المعروفة :( من أَنْفُسِكم ) قال قتاده : ومعناه : إنّ نسبه معروف بينكم
والقول الثاني : حكى عن جعفر بن محمد - رضي الله عنه - أنه قال :( من أنفسكم ) معناه : أنه لم يولد إلا من نكاح صحيح إلى زمان آدم. 
والقول الثالث : حكى عن ابن عباس أنه قال : معناه : أنه ليس بطن من بطون العرب إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم. 
والقول الرابع : أن معنى هذا هو معنى قوله تعالى :( قل إنما أنا بشر مثلكم ) ( [(١)](#foonote-١) ) وإذا كان الرسول بشرا مثل القوم ؛ فيكون أقرب للألفة وأدنى لفهم الحجه. 
وقوله :( عزيز عليه ما عنتم ) أي : شديد عليه عنتكم، والعنت : هو المكروه ولقاء الشده، كانه قال : شديد عليه ما يضركم ويهلككم، وهو الكفر الذي أنتم عليه. 
وقوله تعالى :( حريص عليكم ) الحرص : شدة طلب الشىء، ومعناه : حريص على إيمانكم ( بالمؤمنين رءوف رحيم ) عطوف رفيق. 
وقد أعطاه الله تعالى في هذه الآيه اسمين من أسمائه، وهو في نهاية الكرامه.

١ - الكهف: ١١٠..

### الآية 9:129

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [9:129]

قوله تعالى :( فإن تولوا ) معناه : فإن أعرضوا عن الإيمان أو عنك ( فقل حسبي الله ) كافي الله أي : يكفيني الله ( لا إله إلا هو عليه توكلت ) عليه اعتمدت وبه وثقت ( وهو رب العرش العظيم ) قرأ ابن محيصن :" رب العرش العظيم " بالرفع، فرجع إلى الله تعالى، والقراءة المعروفة بالكسر، وهو يرجع إلى العرش. وعن بعض التابعين : لا يعرف أحد قدر العرش سوى الله تعالى. وفى بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«العرش من ياقوتة حمراء »**( [(١)](#foonote-١) ). وعن وهب بن منبه : أن الله تعالى خلق العرش من نوره. وعن كعب الأخبار : أن السموات في العرش كقنديل معلق من السماء. وعن مجاهد : أن السموات في العرش كحلقة. وحكى عن أبي بن كعب أنه قال في هاتين الآيتين : هما أحدث الآيات بالله عهدا. فعلى قوله : هاتان الآيتان آخر ما أنزل من القرآن. وهو رواية أيضا عن ابن عباس وقد ذكرنا غير هذا برواية البراء بن عازب، والله أعلم بالصواب.

١ - رواه أبو الشيخ في العظمة (ص ٩٦-٩٧ رقم ٢٤٩) عن الشعبي مرسلا. ورواه أيضا في (ص ٨٥ رقم ٢١٧) عن سعد الطائي من قوله..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/9.md)
- [كل تفاسير سورة التوبة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/9.md)
- [ترجمات سورة التوبة
](https://quranpedia.net/translations/9.md)
- [صفحة الكتاب: تفسير السمعاني](https://quranpedia.net/book/134.md)
- [المؤلف: أبو المظفر السمعاني](https://quranpedia.net/person/4446.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/134) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
