---
title: "تفسير سورة التوبة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/1469"
surah_id: "9"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة التوبة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة التوبة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/9/book/1469*.

Tafsir of Surah التوبة from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 9:1

> ﻿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [9:1]

إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
 يَعْنِي إِلَى الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلْعُقُودِ وَأَصْحَابه بِذَلِكَ كُلّهمْ رَاضُونَ فَكَأَنَّهُمْ عَاقَدُوا وَعَاهَدُوا فَنَسَبَ الْعَقْد إِلَيْهِمْ.
 وَكَذَلِكَ مَا عَقَدَهُ أَئِمَّة الْكُفْر عَلَى قَوْمهمْ مَنْسُوب إِلَيْهِمْ مَحْسُوب عَلَيْهِمْ يُؤَاخَذُونَ بِهِ إِذْ لَا يُمْكِن غَيْر ذَلِكَ فَإِنَّ تَحْصِيل الرِّضَا مِنْ الْجَمِيع مُتَعَذِّر فَإِذَا عَقَدَ الْإِمَام لِمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَة أَمْرًا لَزِمَ جَمِيع الرَّعَايَا.

### الآية 9:2

> ﻿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [9:2]

اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَانَتْ الْحِكْمَة فِي إِعْطَاء \[ بَرَاءَة \] لِعَلِيٍّ أَنَّ بَرَاءَة تَضَمَّنَتْ نَقْض الْعَهْد الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ سِيرَة الْعَرَب أَلَّا يَحُلّ الْعَقْد إِلَّا الَّذِي عَقَدَهُ أَوْ رَجُل مِنْ أَهْل بَيْته، فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْطَع أَلْسِنَة الْعَرَب بِالْحُجَّةِ، وَيُرْسِل اِبْن عَمّه الْهَاشِمِيّ مِنْ بَيْته يَنْقُض الْعَهْد، حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُمْ مُتَكَلِّم.
 قَالَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاج.
 الثَّالِثَة : قَالَ الْعُلَمَاء : وَتَضَمَّنَتْ الْآيَة جَوَاز قَطْع الْعَهْد بَيْننَا وَبَيْن الْمُشْرِكِينَ.
 وَلِذَلِكَ حَالَتَانِ : حَالَة تَنْقَضِي الْمُدَّة بَيْننَا وَبَيْنهمْ فَنُؤْذِنهُمْ بِالْحَرْبِ.
 وَالْإِيذَان اِخْتِيَار.
 وَالثَّانِيَة : أَنْ نَخَاف مِنْهُمْ غَدْرًا، فَنَنْبِذ إِلَيْهِمْ عَهْدهمْ كَمَا سَبَقَ.
 اِبْن عَبَّاس : وَالْآيَة مَنْسُوخَة فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاهَدَ ثُمَّ نَبَذَ الْعَهْد لَمَّا أُمِرَ بِالْقِتَالِ.

### الآية 9:3

> ﻿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:3]

فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
 أَيْ فَائِتِيهِ ; فَإِنَّهُ مُحِيط بِكُمْ وَمُنْزِل عِقَابه عَلَيْكُمْ.

### الآية 9:4

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:4]

فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
 أَيْ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَر مِنْ أَرْبَعَة أَشْهُر.

### الآية 9:5

> ﻿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:5]

قَالَ إِسْحَاق : وَكَذَلِكَ كَانَ رَأْي أَهْل الْعِلْم مِنْ لَدُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى زَمَاننَا هَذَا.
 وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا مَتَى يُقْتَل تَارِك الصَّلَاة، فَقَالَ بَعْضهمْ فِي آخِر الْوَقْت الْمُخْتَار، وَقَالَ بَعْضهمْ آخِر وَقْت الضَّرُورَة، وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ ذَلِكَ.
 وَذَلِكَ أَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْت الْعَصْر أَرْبَع رَكَعَات إِلَى مَغِيب الشَّمْس، وَمِنْ اللَّيْل أَرْبَع رَكَعَات لِوَقْتِ الْعِشَاء، وَمِنْ الصُّبْح رَكْعَتَانِ قَبْل طُلُوع الشَّمْس.
 وَقَالَ إِسْحَاق : وَذَهَاب الْوَقْت أَنْ يُؤَخِّر الظُّهْر إِلَى غُرُوب الشَّمْس وَالْمَغْرِب إِلَى طُلُوع الْفَجْر.
 هَذِهِ الْآيَة دَالَّة عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : قَدْ تُبْت أَنَّهُ لَا يُجْتَزَأ بِقَوْلِهِ حَتَّى يَنْضَاف إِلَى ذَلِكَ أَفْعَاله الْمُحَقِّقَة لِلتَّوْبَةِ، لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ شَرَطَ هُنَا مَعَ التَّوْبَة إِقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة لِيُحَقِّق بِهِمَا التَّوْبَة.
 وَقَالَ فِي آيَة الرِّبَا " وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوس أَمْوَالكُمْ " \[ الْبَقَرَة : ٢٧٩ \].
 وَقَالَ :" إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا " \[ الْبَقَرَة : ١٦٠ \] وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَذَا فِي سُورَة الْبَقَرَة.

### الآية 9:6

> ﻿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [9:6]

وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : جَاءَ رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَقَالَ : إِنْ أَرَادَ الرَّجُل مِنَّا أَنْ يَأْتِي مُحَمَّدًا بَعْد اِنْقِضَاء الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر فَيَسْمَع كَلَام اللَّه أَوْ يَأْتِيه بِحَاجَةٍ قُتِلَ فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : لَا، لِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُول :" وَإِنْ أَحَد مِنْ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَع كَلَام اللَّه ".
 وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح.
 وَالْآيَة مُحْكَمَة.
 الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى :" وَإِنْ أَحَد " " أَحَد " مَرْفُوع بِإِضْمَارِ فِعْل كَاَلَّذِي بَعْده.
 وَهَذَا حَسَن فِي " إِنْ " وَقَبِيح فِي أَخَوَاتهَا.
 وَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ فِي الْفَرْق بَيْن " إِنْ " وَأَخَوَاتهَا، أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ أُمّ حُرُوف الشَّرْط خُصَّتْ بِهَذَا، وَلِأَنَّهَا لَا تَكُون فِي غَيْره.
 وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : أَمَّا قَوْله - لِأَنَّهَا لَا تَكُون فِي غَيْره - فَغَلَط، لِأَنَّهَا تَكُون بِمَعْنَى - مَا - وَمُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة وَلَكِنَّهَا مُبْهَمَة، وَلَيْسَ كَذَا غَيْرهَا.
 **وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ :**

لَا تَجْزَعِي إِنْ مُنْفِسًا أَهْلَكْته  وَإِذَا هَلَكْت فَعِنْد ذَلِكَ فَاجْزَعِي الرَّابِعَة : قَالَ الْعُلَمَاء : فِي قَوْله تَعَالَى :" حَتَّى يَسْمَع كَلَام اللَّه " دَلِيل عَلَى أَنَّ كَلَام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَسْمُوع عِنْد قِرَاءَة الْقَارِئ، قَالَهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن وَالْقَاضِي أَبُو بَكْر وَأَبُو الْعَبَّاس الْقَلَانِسِيّ وَابْن مُجَاهِد وَأَبُو إِسْحَاق الْإِسْفِرَايِينِيّ وَغَيْرهمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى :" حَتَّى يَسْمَع كَلَام اللَّه " فَنَصَّ عَلَى أَنَّ كَلَامه مَسْمُوع عِنْد قِرَاءَة الْقَارِئ لِكَلَامِهِ.
 وَيَدُلّ عَلَيْهِ إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْقَارِئ إِذَا قَرَأَ فَاتِحَة الْكِتَاب أَوْ سُورَة قَالُوا : سَمِعْنَا كَلَام اللَّه.
 وَفَرَّقُوا بَيْن أَنْ يَقْرَأ كَلَام اللَّه تَعَالَى وَبَيْن أَنْ يَقْرَأ شِعْر اِمْرِئِ الْقَيْس.
 وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة \[ الْبَقَرَة \] مَعْنَى كَلَام اللَّه تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْت، وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 9:7

> ﻿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:7]

فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
 أَيْ فَمَا أَقَامُوا عَلَى الْوَفَاء بِعَهْدِكُمْ فَأَقِيمُوا لَهُمْ عَلَى مِثْل ذَلِكَ.
 اِبْن زَيْد : فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا فَضَرَبَ لَهُمْ أَجَلًا أَرْبَعَة أَشْهُر فَأَمَّا مَنْ لَا عَهْد لَهُ فَقَاتِلُوهُ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُ إِلَّا أَنْ يَتُوب.

### الآية 9:8

> ﻿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [9:8]

وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ
 أَيْ نَاقِضُونَ الْعَهْد.
 وَكُلّ كَافِر فَاسِق، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ هَاهُنَا الْمُجَاهِرِينَ بِالْقَبَائِحِ وَنَقْض الْعَهْد.

### الآية 9:9

> ﻿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:9]

فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
 أَيْ أَعْرَضُوا، مِنْ الصُّدُود أَوْ مَنَعُوا عَنْ سَبِيل اللَّه، مِنْ الصَّدّ.

### الآية 9:10

> ﻿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [9:10]

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ
 أَيْ الْمُجَاوِزُونَ الْحَلَال إِلَى الْحَرَام بِنَقْضِ الْعَهْد.

### الآية 9:11

> ﻿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [9:11]

لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
 خَصَّهُمْ لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهَا.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:12

> ﻿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [9:12]

لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ
 أَيْ عَنْ كُفْرهمْ وَبَاطِلهمْ وَأَذِيَّتهمْ لِلْمُسْلِمِينَ.
 وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْغَرَض مِنْ قِتَالهمْ دَفْع ضَرَرهمْ لِيَنْتَهُوا عَنْ مُقَاتَلَتنَا وَيَدْخُلُوا فِي دِيننَا.

### الآية 9:13

> ﻿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [9:13]

أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
 أَيْ تَخَافُوا عِقَابه فِي تَرْك قِتَالهمْ مِنْ أَنْ تَخَافُوا أَنْ يَنَالكُمْ فِي قِتَالهمْ مَكْرُوه.
 وَقِيلَ : إِخْرَاجهمْ الرَّسُول مَنْعهمْ إِيَّاهُ مِنْ الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَالطَّوَاف، وَهُوَ اِبْتِدَاؤُهُمْ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:14

> ﻿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [9:14]

وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
 بَنُو خُزَاعَة، عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِد.
 فَإِنَّ قُرَيْشًا أَعَانَتْ بَنِي بَكْر عَلَيْهِمْ، وَكَانَتْ خُزَاعَة حُلَفَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 فَأَنْشَدَ رَجُل مِنْ بَنِي بَكْر هِجَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ بَعْض خُزَاعَة : لَئِنْ أَعَدْته لَأَكْسِرَنَّ فَمك، فَأَعَادَهُ فَكَسَرَ فَاهُ وَثَارَ بَيْنهمْ قِتَال، فَقَتَلُوا مِنْ الْخُزَاعِيِّينَ أَقْوَامًا، فَخَرَجَ عَمْرو بْن سَالِم الْخُزَاعِيّ فِي نَفَر إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ بِهِ، فَدَخَلَ مَنْزِل مَيْمُونَة وَقَالَ :( اُسْكُبُوا إِلَيَّ مَاء ) فَجَعَلَ يَغْتَسِل وَهُوَ يَقُول :( لَا نُصِرْت إِنْ لَمْ أَنْصُر بَنِي كَعْب ).
 ثُمَّ أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّجَهُّزِ وَالْخُرُوج إِلَى مَكَّة فَكَانَ الْفَتْح.

### الآية 9:15

> ﻿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:15]

وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
 الْقِرَاءَة بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْس الْأَوَّل وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ ( وَيَتُبْ ) بِالْجَزْمِ لِأَنَّ الْقِتَال غَيْر مُوجِب لَهُمْ التَّوْبَة مِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ وَهُوَ مُوجِب لَهُمْ الْعَذَاب وَالْخِزْي وَشِفَاء صُدُور الْمُؤْمِنِينَ وَذَهَاب غَيْظ قُلُوبهمْ وَنَظِيره :" فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبك " \[ الشُّورَى : ٢٤ \] تَمَّ الْكَلَام.
 ثُمَّ قَالَ :" وَيَمْحُو اللَّه الْبَاطِل " \[ الشُّورَى : ٢٤ \].
 وَاَلَّذِينَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِثْل أَبِي سُفْيَان وَعِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل وَسُلَيْم بْن أَبِي عَمْرو، فَإِنَّهُمْ أَسْلَمُوا.
 وَقَرَأَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق " وَيَتُوب " بِالنَّصْبِ.
 وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِيسَى الثَّقَفِيّ وَالْأَعْرَج، وَعَلَيْهِ فَتَكُون التَّوْبَة دَاخِلَة فِي جَوَاب الشَّرْط، لِأَنَّ الْمَعْنَى : إِنْ تُقَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبهُمْ اللَّه.
 وَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
 ثُمَّ قَالَ :" وَيَتُوب اللَّه " أَيْ إِنْ تُقَاتِلُوهُمْ.
 فَجَمَعَ بَيْن تَعْذِيبهمْ بِأَيْدِيكُمْ وَشِفَاء صُدُوركُمْ وَإِذْهَاب غَيْظ قُلُوبكُمْ وَالتَّوْبَة عَلَيْكُمْ.
 وَالرَّفْع أَحْسَن، لِأَنَّ التَّوْبَة لَا يَكُون سَبَبهَا الْقِتَال، إِذْ قَدْ تُوجَد بِغَيْرِ قِتَال لِمَنْ شَاءَ اللَّه أَنْ يَتُوب عَلَيْهِ فِي كُلّ حَال.

### الآية 9:16

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [9:16]

وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
 " وَلَمَّا يَعْلَم " جُزِمَ بِلَمَّا وَإِنْ كَانَتْ مَا زَائِدَة، فَإِنَّهَا تَكُون عِنْد سِيبَوَيْهِ جَوَابًا لِقَوْلِك : قَدْ فَعَلَ كَمَا تَقَدَّمَ.
 وَكُسِرَتْ الْمِيم لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
 " وَلِيجَة " بِطَانَة وَمُدَاخَلَة مِنْ الْوُلُوج وَهُوَ الدُّخُول وَمِنْهُ سُمِّيَ الْكِنَاس الَّذِي تَلِج فِيهِ الْوُحُوش تَوْلَجًا وَلَجَ يَلِجُ وُلُوجًا إِذَا دَخَلَ وَالْمَعْنَى : دَخِيلَة مَوَدَّة مِنْ دُون اللَّه وَرَسُوله وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : كُلّ شَيْء أَدْخَلْته فِي شَيْء لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ وَلِيجَة وَالرَّجُل يَكُون فِي الْقَوْم وَلَيْسَ مِنْهُمْ وَلِيجَة وَقَالَ اِبْن زَيْد : الْوَلِيجَة الدَّخِيلَة وَالْوُلَجَاء الدُّخَلَاء فَوَلِيجَة الرَّجُل مَنْ يَخْتَصّ بِدَخْلَةِ أَمْره دُون النَّاس.
 تَقُول : هُوَ وَلِيجَتِي وَهُمْ وَلِيجَتِي الْوَاحِد وَالْجَمْع فِيهِ سَوَاء قَالَ أَبَان بْن تَغْلِب رَحِمَهُ اللَّه :

فَبِئْسَ الْوَلِيجَة لِلْهَارِبِينَ  وَالْمُعْتَدِينَ وَأَهْل الرِّيَب وَقِيلَ : وَلِيجَة بِطَانَة، وَالْمَعْنَى وَاحِد، نَظِيره " لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ " \[ آل عِمْرَان : ١١٨ \].
 وَقَالَ الْفَرَّاء : وَلِيجَة بِطَانَة مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَتَّخِذُونَهُمْ وَيُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارهمْ وَيُعْلِمُونَهُمْ أُمُورهمْ.

### الآية 9:17

> ﻿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [9:17]

أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ
 أَيْ بَطَلَتْ وَفَسَدَتْ وَمِنْهُ الْحَبَط وَهُوَ فَسَاد يَلْحَق بِالْمَوَاشِي فِي بُطُونهَا مِنْ كَثْرَة أَكْلهَا الْكَلَأ فَتَنْتَفِخ أَجْوَافهَا وَرُبَّمَا تَمُوت مِنْ ذَلِكَ.

### الآية 9:18

> ﻿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [9:18]

فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
 " عَسَى " مِنْ اللَّه وَاجِبَة، عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره.
 وَقِيلَ : عَسَى بِمَعْنَى خَلِيق أَيْ فَخَلِيق " أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ ".

### الآية 9:19

> ﻿۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:19]

فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " إِلَى آخِر الْآيَة.
 وَهَذَا الْمَسَاق يَقْتَضِي أَنَّهَا إِنَّمَا نَزَلَتْ عِنْد اِخْتِلَاف الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَفْضَل مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَال.
 وَحِينَئِذٍ لَا يَلِيق أَنْ يُقَال لَهُمْ فِي آخِر الْآيَة :" وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ " فَتَعَيَّنَ الْإِشْكَال.
 وَإِزَالَته بِأَنْ يُقَال : إِنَّ بَعْض الرُّوَاة تَسَامَحَ فِي قَوْله، فَأَنْزَلَ اللَّه الْآيَة.
 وَإِنَّمَا قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَة عَلَى عُمَر حِين سَأَلَهُ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَئِذٍ.
 وَاسْتَدَلَّ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْجِهَاد أَفْضَل مِمَّا قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ سَمِعَهُمْ عُمَر، فَاسْتَفْتَى لَهُمْ فَتَلَا عَلَيْهِ مَا قَدْ كَانَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 فَإِنْ قِيلَ : فَعَلَى هَذَا يَجُوز الِاسْتِدْلَال عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا أُنْزِلَ فِي الْكَافِرِينَ، وَمَعْلُوم أَنَّ أَحْكَامهمْ مُخْتَلِفَة.
 قِيلَ لَهُ : لَا يُسْتَبْعَد أَنْ يُنْتَزَع مِمَّا أَنْزَلَ اللَّه فِي الْمُشْرِكِينَ أَحْكَام تَلِيق بِالْمُسْلِمِينَ.
 وَقَدْ قَالَ عُمَر : إِنَّا لَوْ شِئْنَا لَاتَّخَذْنَا سَلَائِق وَشِوَاء وَتُوضَع صَحْفَة وَتُرْفَع أُخْرَى وَلَكِنَّا سَمِعْنَا قَوْل اللَّه تَعَالَى :" أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا " \[ الْأَحْقَاف : ٢٠ \].
 وَهَذِهِ الْآيَة نَصّ فِي الْكُفَّار، وَمَعَ ذَلِكَ فَفَهِمَ مِنْهَا عُمَر الزَّجْر عَمَّا يُنَاسِب أَحْوَالهمْ بَعْض الْمُنَاسَبَة، وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة.
 فَيُمْكِن أَنْ تَكُون هَذِهِ الْآيَة مِنْ هَذَا النَّوْع.
 وَهَذَا نَفِيس وَبِهِ يَزُول الْإِشْكَال وَيَرْتَفِع الْإِبْهَام، وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:20

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [9:20]

الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ
 " الَّذِينَ آمَنُوا " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ.
 وَخَبَره " أَعْظَم دَرَجَة عِنْد اللَّه ".
 و " دَرَجَة " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان، أَيْ مِنْ الَّذِينَ اِفْتَخَرُوا بِالسَّقْيِ وَالْعِمَارَة.
 وَلَيْسَ لِلْكَافِرِينَ دَرَجَة عِنْد اللَّه حَتَّى يُقَال : الْمُؤْمِن أَعْظَم دَرَجَة.
 وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ قَدَّرُوا لِأَنْفُسِهِمْ الدَّرَجَة بِالْعِمَارَةِ وَالسَّقْي فَخَاطَبَهُمْ عَلَى مَا قَدَّرُوهُ فِي أَنْفُسهمْ وَإِنْ كَانَ التَّقْدِير خَطَأ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا " \[ الْفُرْقَان : ٢٤ \].
 وَقِيلَ :" أَعْظَم دَرَجَة " مِنْ كُلّ ذِي دَرَجَة، أَيْ لَهُمْ الْمَزِيَّة وَالْمَرْتَبَة الْعَلِيَّة.
 " وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ " بِذَلِكَ.

### الآية 9:21

> ﻿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [9:21]

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ
 " يُبَشِّرهُمْ رَبّهمْ " أَيْ يُعْلِمهُمْ فِي الدُّنْيَا مَا لَهُمْ فِي الْآخِرَة مِنْ الثَّوَاب الْجَزِيل وَالنَّعِيم الْمُقِيم.
 وَالنَّعِيم : لِين الْعَيْش وَرَغَده.

### الآية 9:22

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [9:22]

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
 أَيْ أَعَدَّ لَهُمْ فِي دَار كَرَامَته ذَلِكَ الثَّوَاب.

### الآية 9:23

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [9:23]

الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ مُشْرِك مِثْلهمْ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِالشِّرْكِ فَهُوَ مُشْرِك.

### الآية 9:24

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:24]

حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
 يَعْنِي بِالْقِتَالِ وَفَتْح مَكَّة، عَنْ مُجَاهِد.
 الْحَسَن : بِعُقُوبَةٍ آجِلَة أَوْ عَاجِلَة.

### الآية 9:25

> ﻿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [9:25]

ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
 رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي إِسْحَاق قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى الْبَرَاء فَقَالَ : أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْم حُنَيْن يَا أَبَا عُمَارَة.
 فَقَالَ : أَشْهَدَ عَلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ اِنْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنْ النَّاس، وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيّ مِنْ هَوَازِن.
 وَهُمْ قَوْم رُمَاة فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْل كَأَنَّهَا رِجْل مِنْ جَرَاد فَانْكَشَفُوا، فَأَقْبَلَ الْقَوْم إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو سُفْيَان يَقُود بِهِ بَغْلَته، فَنَزَلَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ وَهُوَ يَقُول :( أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب.
 أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب.
 اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرك ).
 قَالَ الْبَرَاء : كُنَّا وَاَللَّه إِذَا اِحْمَرَّ الْبَأْس نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاع مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

### الآية 9:26

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [9:26]

وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ
 أَيْ بِأَسْيَافِكُمْ

### الآية 9:27

> ﻿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:27]

قَالَ اِبْن عَبَّاس : رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أَوْطَاس اِمْرَأَة تَعْدُو وَتَصِيح وَلَا تَسْتَقِرّ، فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ : فَقَدَتْ بُنَيًّا لَهَا.
 ثُمَّ رَآهَا وَقَدْ وَجَدَتْ اِبْنهَا وَهِيَ تُقَبِّلهُ وَتُدْنِيه، فَدَعَاهَا وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ :( أَطَارِحَة هَذِهِ وَلَدهَا فِي النَّار ) ؟ قَالُوا : لَا.
 قَالَ :( لِمَ ) ؟ قَالُوا : لِشَفَقَتِهَا.
 قَالَ :( اللَّه أَرْحَم بِكُمْ مِنْهَا ).
 وَخَرَّجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 9:28

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:28]

فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
 دَلِيل عَلَى أَنَّ الرِّزْق لَيْسَ بِالِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْل اللَّه تَوَلَّى قِسْمَته بَيْن عِبَاده وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْله تَعَالَى :" نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنهمْ مَعِيشَتهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " \[ الزُّخْرُف : ٣٢ \] الْآيَة.

### الآية 9:29

> ﻿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [9:29]

قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَمَّا عُقُوبَتهمْ إِذَا اِمْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا مَعَ التَّمْكِين فَجَائِز، فَأَمَّا مَعَ تَبَيُّن عَجْزهمْ فَلَا تَحِلّ عُقُوبَتهمْ، لِأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْجِزْيَة سَقَطَتْ عَنْهُ.
 وَلَا يُكَلَّف الْأَغْنِيَاء أَدَاءَهَا عَنْ الْفُقَرَاء.
 وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْم عَنْ عِدَّة مِنْ أَبْنَاء أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ اِنْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْق طَاقَته أَوْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ بِغَيْرِ طِيب نَفْس فَأَنَا حَجِيجه يَوْم الْقِيَامَة ).
 الثَّالِثَة عَشْرَة : قَوْله تَعَالَى :" عَنْ يَد " قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَدْفَعهَا بِنَفْسِهِ غَيْر مُسْتَنِيب فِيهَا أَحَدًا رَوَى أَبُو الْبَخْتَرِيّ عَنْ سَلْمَان قَالَ : مَذْمُومِينَ.
 وَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : عَنْ قَهْر وَقِيلَ :" عَنْ يَد " عَنْ إِنْعَام مِنْكُمْ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ إِذَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ الْجِزْيَة فَقَدْ أُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
 عِكْرِمَة : يَدْفَعهَا وَهُوَ قَائِم وَالْآخِذ جَالِس وَقَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر.
 اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا لَيْسَ مِنْ قَوْله :" عَنْ يَد " وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْله :" وَهُمْ صَاغِرُونَ ".
 الرَّابِعَة عَشْرَة : رَوَى الْأَئِمَّة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( الْيَد الْعُلْيَا خَيْر مِنْ الْيَد السُّفْلَى وَالْيَد الْعُلْيَا الْمُنْفِقَة وَالسُّفْلَى السَّائِلَة ) وَرَوَى :( وَالْيَد الْعُلْيَا هِيَ الْمُعْطِيَة ).
 فَجَعَلَ يَد الْمُعْطِي فِي الصَّدَقَة عُلْيَا، وَجَعَلَ يَد الْمُعْطِي فِي الْجِزْيَة سُفْلَى.
 وَيَد الْآخِذ عُلْيَا ; ذَلِكَ بِأَنَّهُ الرَّافِع الْخَافِض، يَرْفَع مَنْ يَشَاء وَيَخْفِض مَنْ يَشَاء، لَا إِلَه غَيْره.
 الْخَامِسَة عَشْرَة : عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : إِنَّ أَرْض الْخَرَاج يَعْجِز عَنْهَا أَهْلهَا أَفَأَعْمُرهَا وَأَزْرَعهَا وَأُؤَدِّي خَرَاجهَا ؟ فَقَالَ : لَا.
 وَجَاءَهُ آخَر فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا وَتَلَا قَوْله تَعَالَى :" قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر " إِلَى قَوْله :" وَهُمْ صَاغِرُونَ " أَيَعْمِدُ أَحَدكُمْ إِلَى الصَّغَار فِي عُنُق أَحَدهمْ فَيَنْتَزِعهُ فَيَجْعَلهُ فِي عُنُقه وَقَالَ كُلَيْب بْن وَائِل : قُلْت لِابْنِ عُمَر اِشْتَرَيْت أَرْضًا قَالَ الشِّرَاء حَسَن.
 قُلْت : فَإِنِّي أُعْطِي عَنْ كُلّ جَرِيب أَرْض دِرْهَمًا وَقَفِيز طَعَام.
 قَالَ : لَا تَجْعَل فِي عُنُقك صَغَارًا.
 وَرَوَى مَيْمُون بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي الْأَرْض كُلّهَا بِجِزْيَةِ خَمْسَة دَرَاهِم أُقِرّ فِيهَا بِالصَّغَارِ عَلَى نَفْسِي.

### الآية 9:30

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [9:30]

قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
 أَيْ لَعَنَهُمْ اللَّه، يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى، لِأَنَّ الْمَلْعُون كَالْمَقْتُولِ.
 قَالَ اِبْن جُرَيْج :" قَاتَلَهُمْ اللَّه " هُوَ بِمَعْنَى التَّعَجُّب.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن قَتْل فَهُوَ لَعْن، وَمِنْهُ قَوْل أَبَان بْن تَغْلِب :

قَاتَلَهَا اللَّه تَلْحَانِي وَقَدْ عَلِمَتْ  أَنِّي لِنَفْسِي إِفْسَادِي وَإِصْلَاحِي وَحَكَى النَّقَّاش أَنَّ أَصْل " قَاتَلَ اللَّه " الدُّعَاء، ثُمَّ كَثُرَ فِي اِسْتِعْمَالهمْ حَتَّى قَالُوهُ عَلَى التَّعَجُّب فِي الْخَيْر وَالشَّرّ، وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ الدُّعَاء.
 **وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ :**يَا قَاتَلَ اللَّه لَيْلَى كَيْفَ تُعْجِبنِي  وَأُخْبِر النَّاس أَنِّي لَا أُبَالِيهَا

### الآية 9:31

> ﻿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [9:31]

وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
 مَضَى الْكَلَام فِي اِشْتِقَاقه فِي \[ آل عِمْرَان \] وَالْمَسِيح : الْعَرَق يَسِيل مِنْ الْجَبِين.
 وَلَقَدْ أَحْسَن بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ :

اِفْرَحْ فَسَوْفَ تَأْلَف الْأَحْزَانَا  إِذَا شَهِدْت الْحَشْر وَالْمِيزَانَاوَسَالَ مِنْ جَبِينك الْمَسِيح  كَأَنَّهُ جَدَاوِل تَسِيح وَمَضَى فِي \[ النِّسَاء \] مَعْنَى إِضَافَته إِلَى مَرْيَم أُمّه.

### الآية 9:32

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [9:32]

وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
 يُقَال : كَيْفَ دَخَلَتْ " إِلَّا " وَلَيْسَ فِي الْكَلَام حَرْف نَفْي، وَلَا يَجُوز ضَرَبْت إِلَّا زَيْدًا.
 فَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ " إِلَّا " إِنَّمَا دَخَلَتْ لِأَنَّ فِي الْكَلَام طَرَفًا مِنْ الْجَحْد.
 قَالَ الزَّجَّاج : الْجَحْد وَالتَّحْقِيق لَيْسَا بِذَوِي أَطْرَاف.
 وَأَدَوَات الْجَحْد : مَا، وَلَا، وَإِنْ، وَلَيْسَ : وَهَذِهِ لَا أَطْرَاف لَهَا يَنْطِق بِهَا وَلَوْ كَانَ الْأَمْر كَمَا أَرَادَ لَجَازَ كَرِهْت إِلَّا زَيْدًا، وَلَكِنَّ الْجَوَاب أَنَّ الْعَرَب تَحْذِف مَعَ أَبَى.
 وَالتَّقْدِير : وَيَأْبَى اللَّه كُلّ شَيْء إِلَّا أَنْ يُتِمّ نُوره.
 وَقَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : إِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي " أَبَى " لِأَنَّهَا مَنْع أَوْ اِمْتِنَاع فَضَارَعَتْ النَّفْي.
 قَالَ النَّحَّاس : فَهَذَا حَسَن، كَمَا قَالَ الشَّاعِر :

وَهَلْ لِي أُمّ غَيْرهَا إِنْ تَرَكْتهَا  أَبَى اللَّه إِلَّا أَنْ أَكُون لَهَا ابْنَمَا

### الآية 9:33

> ﻿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [9:33]

وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
 أَيْ بِالْحُجَّةِ وَالْبَرَاهِين.
 وَقَدْ أَظْهَرَهُ عَلَى شَرَائِع الدِّين حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا، عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره.
 وَقِيلَ :" لِيُظْهِرهُ " أَيْ لِيُظْهِر الدِّين دِين الْإِسْلَام عَلَى كُلّ دِين.
 قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَالضَّحَّاك : هَذَا عِنْد نُزُول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام.
 وَقَالَ السُّدِّيّ : ذَاكَ عِنْد خُرُوج الْمَهْدِيّ، لَا يَبْقَى أَحَد إِلَّا دَخَلَ فِي الْإِسْلَام أَوْ أَدَّى الْجِزْيَة.
 وَقِيلَ : الْمَهْدِيّ هُوَ عِيسَى فَقَطْ وَهُوَ غَيْر صَحِيح لِأَنَّ الْأَخْبَار الصِّحَاح قَدْ تَوَاتَرَتْ عَلَى أَنَّ الْمَهْدِيّ مِنْ عِتْرَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يَجُوز حَمْله عَلَى عِيسَى.
 وَالْحَدِيث الَّذِي وَرَدَ فِي أَنَّهُ ( لَا مَهْدِيّ إِلَّا عِيسَى ) غَيْر صَحِيح.
 قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَاب الْبَعْث وَالنُّشُور : لِأَنَّ رَاوِيه مُحَمَّد بْن خَالِد الْجُنْدِيّ وَهُوَ مَجْهُول، يَرْوِي عَنْ أَبَان بْن أَبِي عَيَّاش - وَهُوَ مَتْرُوك - عَنْ الْحَسَن عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُنْقَطِع.
 وَالْأَحَادِيث الَّتِي قَبْله فِي التَّنْصِيص عَلَى خُرُوج الْمَهْدِيّ، وَفِيهَا بَيَان كَوْن الْمَهْدِيّ مِنْ عِتْرَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَحّ إِسْنَادًا.
 قُلْت : قَدْ ذَكَرْنَا هَذَا وَزِدْنَاهُ بَيَانًا فِي كِتَابنَا ( كِتَاب التَّذْكِرَة ) وَذَكَرْنَا أَخْبَار الْمَهْدِيّ مُسْتَوْفَاة وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 وَقِيلَ : أَرَادَ " لِيُظْهِرهُ عَلَى الدِّين كُلّه " فِي جَزِيرَة الْعَرَب، وَقَدْ فَعَلَ.

### الآية 9:34

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:34]

اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ
 قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.
 وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْعَذَاب بِقَوْلِهِ :( بَشِّرْ الْكَنَّازِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورهمْ يَخْرُج مِنْ جُنُوبهمْ وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَل أَقْفَائِهِمْ يَخْرُج مِنْ جِبَاههمْ ) الْحَدِيث.
 أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
 رَوَاهُ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَة :( بَشِّرْ الْكَنَّازِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَار جَهَنَّم فَيُوضَع عَلَى حَلَمَة ثَدْي أَحَدهمْ حَتَّى يَخْرُج مِنْ نُغْض كَتِفَيْهِ وَيُوضَع عَلَى نُغْض كَتِفَيْهِ حَتَّى يَخْرُج مِنْ حَلَمَة ثَدْيَيْهِ فَيَتَزَلْزَل ) الْحَدِيث.
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَخُرُوج الرَّضْف مِنْ حَلَمَة ثَدْيه إِلَى نُغْض كَتِفه لِتَعْذِيبِ قَلْبه وَبَاطِنه حِين اِمْتَلَأَ بِالْفَرَحِ بِالْكَثْرَةِ فِي الْمَال وَالسُّرُور فِي الدُّنْيَا، فَعُوقِبَ فِي الْآخِرَة بِالْهَمّ وَالْعَذَاب.
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا : ظَاهِر الْآيَة تَعْلِيق الْوَعِيد عَلَى مَنْ كَنَزَ وَلَا يُنْفِق فِي سَبِيل اللَّه وَيَتَعَرَّض لِلْوَاجِبِ وَغَيْره، غَيْر أَنَّ صِفَة الْكَنْز لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُون مُعْتَبَرَة، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكْنِز وَمَنَعَ الْإِنْفَاق فِي سَبِيل اللَّه فَلَا بُدّ وَأَنْ يَكُون كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يُخَبَّأ تَحْت الْأَرْض هُوَ الَّذِي يُمْنَع إِنْفَاقه فِي الْوَاجِبَات عُرْفًا، فَلِذَلِكَ خَصَّ الْوَعِيد بِهِ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:35

> ﻿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [9:35]

فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
 أَيْ عَذَاب مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.

### الآية 9:36

> ﻿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:36]

وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
 " قَاتِلُوا " أَمْر بِالْقِتَالِ.
 و " كَافَّة " مَعْنَاهُ جَمِيعًا، وَهُوَ مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال.
 أَيْ مُحِيطِينَ بِهِمْ وَمُجْتَمَعِينَ.
 قَالَ الزَّجَّاج : مِثْل هَذَا مِنْ الْمَصَادِر عَافَاهُ اللَّه عَافِيَة وَعَاقَبَهُ عَاقِبَة.
 وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع، وَكَذَا عَامَّة وَخَاصَّة.
 قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : كَانَ الْغَرَض بِهَذِهِ الْآيَة قَدْ تَوَجَّهَ عَلَى الْأَعْيَان ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَجُعِلَ فَرْض كِفَايَة.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَمْ يُعْلَم قَطُّ مِنْ شَرْع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَلْزَمَ الْأُمَّة جَمِيعًا النَّفْر، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة الْحَضّ عَلَى قِتَالهمْ وَالتَّحَزُّب عَلَيْهِمْ وَجَمَعَ الْكَلِمَة ثُمَّ قَيَّدَهَا بِقَوْلِهِ :" كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة " فَبِحَسَبِ قِتَالهمْ وَاجْتِمَاعهمْ لَنَا يَكُون فَرْض اِجْتِمَاعنَا لَهُمْ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:37

> ﻿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [9:37]

يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
 فِيهِ ثَلَاث قِرَاءَات.
 قَرَأَ أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو عَمْرو " يَضِلّ " وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ " يُضَلّ " عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول.
 وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو رَجَاء " يُضِلّ " وَالْقِرَاءَات الثَّلَاث كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا تُؤَدِّي عَنْ مَعْنًى، إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَة الثَّالِثَة حُذِفَ مِنْهَا الْمَفْعُول.
 وَالتَّقْدِير : وَيُضِلّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا مَنْ يَقْبَل مِنْهُمْ.
 و " الَّذِينَ " فِي مَحَلّ رَفْع.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون الضَّمِير رَاجِعًا إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.
 التَّقْدِير : يُضِلّ اللَّه بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" يُضِلّ مَنْ يَشَاء " \[ الرَّعْد : ٢٧ \]، وَكَقَوْلِهِ فِي آخِر الْآيَة :" وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْكَافِرِينَ ".
 وَالْقِرَاءَة الثَّانِيَة " يُضَلّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا " يَعْنِي الْمَحْسُوب لَهُمْ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الْقِرَاءَة أَبُو عُبَيْد، لِقَوْلِهِ تَعَالَى :" زُيِّنَ لَهُمْ سُوء أَعْمَالهمْ ".
 وَالْقِرَاءَة الْأُولَى اِخْتَارَهَا أَبُو حَاتِم ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا ضَالِّينَ بِهِ أَيْ بِالنَّسِيءِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسِبُونَهُ فَيَضِلُّونَ بِهِ.
 وَالْهَاء فِي " يُحِلُّونَهُ " تَرْجِع إِلَى النَّسِيء.
 وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَجَاء " يَضَلّ " بِفَتْحِ الْيَاء وَالضَّاد.
 وَهِيَ لُغَة، يُقَال : ضَلِلْت أَضَلّ، وَضَلَلْت أَضِلّ.
 " لِيُوَاطِئُوا " نُصِبَ بِلَامِ كَيْ أَيْ لِيُوَافِقُوا.
 تَوَاطَأَ الْقَوْم عَلَى كَذَا أَيْ اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، أَيْ لَمْ يُحِلُّوا شَهْرًا إِلَّا حَرَّمُوا شَهْرًا لِتَبْقَى الْأَشْهُر الْحُرُم أَرْبَعَة.
 وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، لَا مَا يُذْكَر أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَشْهُر خَمْسَة.
 قَالَ قَتَادَة : إِنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى صَفَر فَزَادُوهُ فِي الْأَشْهُر الْحُرُم، وَقَرَنُوهُ بِالْمُحَرَّمِ فِي التَّحْرِيم، وَقَالَهُ عَنْهُ قُطْرُب وَالطَّبَرِيّ.
 وَعَلَيْهِ يَكُون النَّسِيء بِمَعْنَى الزِّيَادَة.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:38

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [9:38]

الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا
 أَيْ بَدَلًا، التَّقْدِير : أَرَضِيتُمْ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا بَدَلًا مِنْ نَعِيم الْآخِرَة ف " مِنْ " تَتَضَمَّن مَعْنَى الْبَدَل، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَة فِي الْأَرْض يَخْلُفُونَ " \[ الزُّخْرُف : ٦٠ \] أَيْ بَدَلًا مِنْكُمْ.
 **وَقَالَ الشَّاعِر :**

فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاء زَمْزَم شَرْبَة  مُبَرَّدَة بَاتَتْ عَلَى طَهَيَان وَيُرْوَى مِنْ مَاء حَمْنَان.
 أَرَادَ : لَيْتَ لَنَا بَدَلًا مِنْ مَاء زَمْزَم شَرْبَة مُبَرَّدَة.
 وَالطَّهَيَان : عُود يُنْصَب فِي نَاحِيَة الدَّار لِلْهَوَاءِ، يُعَلَّق عَلَيْهِ الْمَاء حَتَّى يَبْرُد.
 عَاتَبَهُمْ اللَّه عَلَى إِيثَار الرَّاحَة فِي الدُّنْيَا عَلَى الرَّاحَة فِي الْآخِرَة، إِذْ لَا تُنَال رَاحَة الْآخِرَة إِلَّا بِنَصَبِ الدُّنْيَا.
 قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة وَقَدْ طَافَتْ رَاكِبَة :( أَجْرك عَلَى قَدْر نَصَبك ).
 خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ.

### الآية 9:39

> ﻿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [9:39]

وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
 عَطْف.
 وَالْهَاء قِيلَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَالتَّثَاقُل عَنْ الْجِهَاد مَعَ إِظْهَار الْكَرَاهَة حَرَام عَلَى كُلّ أَحَد.
 فَأَمَّا مِنْ غَيْر كَرَاهَة فَمَنْ عَيَّنَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّثَاقُل وَإِنْ أَمِنَ مِنْهُمَا فَالْفَرْض فَرْض كِفَايَة، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ.
 وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة وُجُوب النَّفِير عِنْد الْحَاجَة وَظُهُور الْكَفَرَة وَاشْتِدَاد شَوْكَتهمْ.
 وَظَاهِر الْآيَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْه الِاسْتِدْعَاء فَعَلَى هَذَا لَا يَتَّجِه الْحَمْل عَلَى وَقْت ظُهُور الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ وُجُوب ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِالِاسْتِدْعَاءِ، لِأَنَّهُ مُتَعَيِّن.
 وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالِاسْتِدْعَاء وَالِاسْتِنْفَار يَبْعُد أَنْ يَكُون مُوجِبًا شَيْئًا لَمْ يَجِب مِنْ قَبْل إِلَّا أَنَّ الْإِمَام إِذَا عَيَّنَ قَوْمًا وَنَدَبَهُمْ إِلَى الْجِهَاد لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَتَثَاقَلُوا عِنْد التَّعْيِين وَيَصِير بِتَعْيِينِهِ فَرْضًا عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ لَا لِمَكَانِ الْجِهَاد وَلَكِنْ لِطَاعَةِ الْإِمَام.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:40

> ﻿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:40]

وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
 قِيلَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه.
 وَقِيلَ : وَعْد النَّصْر.
 وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَيَعْقُوب " وَكَلِمَة اللَّه " بِالنَّصْبِ حَمْلًا عَلَى " جَعَلَ " وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف.
 وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ قِرَاءَة النَّصْب بَعِيدَة، قَالَ : لِأَنَّك تَقُول أَعْتَقَ فُلَان غُلَام أَبِيهِ، وَلَا تَقُول غُلَام أَبِي فُلَان.
 وَقَالَ أَبُو حَاتِم نَحْوًا مِنْ هَذَا.
 قَالَ : كَانَ يَجِب أَنْ يُقَال وَكَلِمَته هِيَ الْعُلْيَا.
 قَالَ النَّحَّاس : الَّذِي ذَكَرَهُ الْفَرَّاء لَا يُشْبِه الْآيَة، وَلَكِنْ يُشْبِههَا مَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : ش لَا أَرَى الْمَوْت يَسْبِق الْمَوْت شَيْء و نَغَّصَ الْمَوْت ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا ش فَهَذَا حَسَن جَيِّد لَا إِشْكَال فِيهِ، بَلْ يَقُول النَّحْوِيُّونَ الْحُذَّاق : فِي إِعَادَة الذِّكْر فِي مِثْل هَذَا فَائِدَة وَهِيَ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعْظِيم، قَالَ اللَّه تَعَالَى :" إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْض زِلْزَالهَا.
 وَأَخْرَجَتْ الْأَرْض أَثْقَالهَا " \[ الزَّلْزَلَة : ٢، ١ \] فَهَذَا لَا إِشْكَال فِيهِ.
 وَجَمْع الْكَلِمَة كَلِم.
 وَتَمِيم تَقُول : هِيَ كِلْمَة بِكَسْرِ الْكَاف.
 وَحَكَى الْفَرَّاء فِيهَا ثَلَاث لُغَات : كَلِمَة وَكِلْمَة وَكَلْمَة مِثْل كَبِد وَكِبْد وَكَبْد، وَوَرِق وَوِرْق وَوَرْق.
 وَالْكَلِمَة أَيْضًا الْقَصِيدَة بِطُولِهَا، قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ.

### الآية 9:41

> ﻿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [9:41]

بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
 رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسكُمْ وَأَلْسِنَتكُمْ ).
 وَهَذَا وَصْف لِأَكْمَل مَا يَكُون مِنْ الْجِهَاد وَأَنْفَعهُ عِنْد اللَّه تَعَالَى.
 فَحَضَّ عَلَى كَمَالِ الْأَوْصَاف، وَقَدَّمَ الْأَمْوَال فِي الذِّكْر إِذْ هِيَ أَوَّل مَصْرِف وَقْت التَّجْهِيز.
 فَرَتَّبَ الْأَمْر كَمَا هُوَ نَفْسه.

### الآية 9:42

> ﻿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:42]

وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
 فِي الِاعْتِلَال.

### الآية 9:43

> ﻿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [9:43]

حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ
 أَيْ لِيَتَبَيَّن لَك مَنْ صَدَقَ مِمَّنْ نَافَقَ.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ يَعْرِف الْمُنَافِقِينَ وَإِنَّمَا عَرَفَهُمْ بَعْد نُزُول سُورَة \[ التَّوْبَة \].
 وَقَالَ مُجَاهِد : هَؤُلَاءِ قَوْم قَالُوا : نَسْتَأْذِن فِي الْجُلُوس فَإِنْ أَذِنَ لَنَا جَلَسْنَا وَإِنْ لَمْ يُؤْذَن لَنَا جَلَسْنَا.
 وَقَالَ قَتَادَة : نَسَخَ هَذِهِ الْآيَة بِقَوْلِهِ فِي سُورَة " النُّور " :" فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوك لِبَعْضِ شَأْنهمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ " \[ النُّور : ٦٢ \].
 ذَكَرَهُ النَّحَّاس فِي مَعَانِي الْقُرْآن لَهُ.

### الآية 9:44

> ﻿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [9:44]

لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
 أَيْ فِي الْقُعُود وَلَا فِي الْخُرُوج، بَلْ إِذَا أَمَرْت بِشَيْءٍ اِبْتَدَرُوهُ، فَكَانَ الِاسْتِئْذَان فِي ذَلِكَ الْوَقْت مِنْ عَلَامَات النِّفَاق لِغَيْرِ عُذْر، " أَنْ يُجَاهِدُوا " فِي مَوْضِع نَصْب بِإِضْمَارِ فِي، عَنْ الزَّجَّاج.
 وَقِيلَ : التَّقْدِير كَرَاهِيَة أَنْ يُجَاهِدُوا، كَقَوْلِهِ :" يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا " \[ النِّسَاء : ١٧٦ \].

### الآية 9:45

> ﻿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [9:45]

فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
 أَيْ فِي شَكّهمْ يَذْهَبُونَ وَيَرْجِعُونَ.

### الآية 9:46

> ﻿۞ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:46]

مَعَ الْقَاعِدِينَ
 أَيْ مَعَ أُولِي الضَّرَر وَالْعُمْيَان وَالزَّمْنَى وَالنِّسْوَانِ وَالصِّبْيَان.

### الآية 9:47

> ﻿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [9:47]

وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
 أَيْ عُيُون لَهُمْ يَنْقُلُونَ إِلَيْهِمْ الْأَخْبَار مِنْكُمْ.
 قَتَادَة : وَفِيكُمْ مَنْ يَقْبَل مِنْهُمْ قَوْلهمْ وَيُطِيعهُمْ.
 النَّحَّاس : الْقَوْل الْأَوَّل أَوْلَى، لِأَنَّهُ الْأَغْلَب مِنْ مَعْنَيَيْهِ أَنَّ مَعْنَى سَمَّاع يَسْمَع الْكَلَام، وَمِثْله " سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ " \[ الْمَائِدَة : ٤١ \].
 وَالْقَوْل الثَّانِي : لَا يَكَاد يُقَال فِيهِ إِلَّا سَامِع، مِثْل قَائِل.

### الآية 9:48

> ﻿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [9:48]

حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ
 أَيْ دِينه " وَهُمْ كَارِهُونَ "

### الآية 9:49

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [9:49]

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ
 أَيْ مَسِيرهمْ إِلَى النَّار، فَهِيَ تُحْدِق بِهِمْ.

### الآية 9:50

> ﻿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [9:50]

وَهُمْ فَرِحُونَ
 أَيْ مُعْجَبُونَ بِذَلِكَ.

### الآية 9:51

> ﻿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [9:51]

هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
 أَيْ نَاصِرنَا.
 وَالتَّوَكُّل تَفْوِيض الْأَمْر إِلَيْهِ.

### الآية 9:52

> ﻿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [9:52]

فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
 تَهْدِيد وَوَعِيد.
 أَيْ اِنْتَظِرُوا مَوَاعِد الشَّيْطَان إِنَّا مُنْتَظِرُونَ مَوَاعِد اللَّه.

### الآية 9:53

> ﻿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ [9:53]

إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ
 أَيْ كَافِرِينَ.

### الآية 9:54

> ﻿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [9:54]

وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ
 لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعهَا مَغْنَمًا وَإِذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ فَهِيَ غَيْر مُتَقَبَّلَة وَلَا مُثَاب عَلَيْهَا حَسْب مَا تَقَدَّمَ.

### الآية 9:55

> ﻿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:55]

وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ
 نَصّ فِي أَنَّ اللَّه يُرِيد أَنْ يَمُوتُوا كَافِرِينَ، سَبَقَ بِذَلِكَ الْقَضَاء.

### الآية 9:56

> ﻿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [9:56]

وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ
 بَيَّنَ أَنَّ مِنْ أَخْلَاق الْمُنَافِقِينَ الْحَلِف بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ.
 نَظِيره " إِذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَد إِنَّك لَرَسُول اللَّه " \[ الْمُنَافِقُونَ : ١ \] الْآيَة.
 وَالْفَرَق الْخَوْف، أَيْ يَخَافُونَ أَنْ يُظْهِرُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُوا.

### الآية 9:57

> ﻿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [9:57]

وَهُمْ يَجْمَحُونَ
 أَيْ يُسْرِعُونَ، لَا يَرُدّ وُجُوههمْ شَيْء.
 مِنْ جَمَحَ الْفَرَس إِذَا لَمْ يَرُدّهُ اللِّجَام.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

سَبُوحًا جَمُوحًا وَإِحْضَارهَا  كَمَعْمَعَةِ السَّعَف الْمُوقَد وَالْمَعْنَى : لَوْ وَجَدُوا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لَوَلَّوْا إِلَيْهِ مُسْرِعِينَ هَرَبًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ.

### الآية 9:58

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [9:58]

وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ
 " وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزمك فِي الصَّدَقَات " أَيْ يَطْعَن عَلَيْك، عَنْ قَتَادَة.
 الْحَسَن : يَعِيبك.
 وَقَالَ مُجَاهِد : أَيْ يَرُوزك وَيَسْأَلك.
 النَّحَّاس : وَالْقَوْل عِنْد أَهْل اللُّغَة قَوْل قَتَادَة وَالْحَسَن.
 يُقَال : لَمَزَهُ يَلْمِزهُ إِذَا عَابَهُ.
 وَاللَّمْز فِي اللُّغَة الْعَيْب فِي السِّرّ.
 قَالَ الْجَوْهَرِيّ : اللَّمْز الْعَيْب، وَأَصْله الْإِشَارَة بِالْعَيْنِ وَنَحْوهَا، وَقَدْ لَمَزَهُ يَلْمِزهُ وَيَلْمُزهُ وَقُرِئَ بِهِمَا " وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزك فِي الصَّدَقَات ".
 وَرَجُل لَمَّاز وَلُمَزَة أَيْ عَيَّاب.
 وَيُقَال أَيْضًا : لَمَزَهُ يَلْمِزهُ إِذَا دَفَعَهُ وَضَرَبَهُ.
 وَالْهَمْز مِثْل اللَّمْز.
 وَالْهَامِز وَالْهَمَّاز الْعَيَّاب، وَالْهُمَزَة مِثْله.
 يُقَال : رَجُل هُمَزَة وَامْرَأَة هُمَزَة أَيْضًا.
 وَهَمَزَهُ أَيْ دَفَعَهُ وَضَرَبَهُ.
 ثُمَّ قِيلَ : اللَّمْز فِي الْوَجْه، وَالْهَمْز بِظَهْرِ الْغَيْب.
 وَصَفَ اللَّه قَوْمًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّهُمْ عَابُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْرِيق الصَّدَقَات، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ فُقَرَاء لِيُعْطِيَهُمْ.
 قَالَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ : بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِم مَالًا إِذْ جَاءَهُ حُرْقُوص بْن زُهَيْر أَصْل الْخَوَارِج، وَيُقَال لَهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة التَّمِيمِيّ، فَقَالَ : اِعْدِلْ يَا رَسُول اللَّه.
 فَقَالَ :( وَيْلك وَمَنْ يَعْدِل إِذَا لَمْ أَعْدِل ) فَنَزَلَتْ الْآيَة.
 حَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ.
 وَعِنْدهَا قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : دَعْنِي يَا رَسُول اللَّه فَأَقْتُل هَذَا الْمُنَافِق.
 فَقَالَ :( مَعَاذ اللَّه أَنْ يَتَحَدَّث النَّاس أَنِّي أَقْتُل أَصْحَابِي إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابه يَقْرَءُونَ الْقُرْآن لَا يُجَاوِز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة ).

### الآية 9:59

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [9:59]

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ
 " وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّه " جَوَاب " لَوْ " مَحْذُوف، التَّقْدِير لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ.

### الآية 9:60

> ﻿۞ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:60]

فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
 بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَر عِنْد سِيبَوَيْهِ.
 أَيْ فَرَضَ اللَّه الصَّدَقَات فَرِيضَة.
 وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الْقَطْع فِي قَوْل الْكِسَائِيّ، أَيْ هُنَّ فَرِيضَة.
 قَالَ الزَّجَّاج : وَلَا أَعْلَم أَنَّهُ قُرِئَ بِهِ.
 قُلْت : قَرَأَ بِهَا إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عَبْلَة، جَعَلَهَا خَبَرًا، كَمَا تَقُول : إِنَّمَا زَيْد خَارِج.

### الآية 9:61

> ﻿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:61]

قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
 أَيْ هُوَ أُذُن خَيْر لَا أُذُن شَرّ، أَيْ يَسْمَع الْخَيْر وَلَا يَسْمَع الشَّرّ.
 وَقَرَأَ " قُلْ أُذُن خَيْر لَكُمْ " بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين، الْحَسَن وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر.
 وَالْبَاقُونَ بِالْإِضَافَةِ، وَقَرَأَ حَمْزَة " وَرَحْمَة " بِالْخَفْضِ.
 وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْف عَلَى " أُذُن "، وَالتَّقْدِير : قُلْ هُوَ أُذُن خَيْر وَهُوَ رَحْمَة، أَيْ هُوَ مُسْتَمِع خَيْر لَا مُسْتَمِع شَرّ، أَيْ هُوَ مُسْتَمِع مَا يُحِبّ اِسْتِمَاعه، وَهُوَ رَحْمَة.
 وَمَنْ خَفَضَ فَعَلَى الْعَطْف عَلَى " خَيْر ".
 قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا عِنْد أَهْل الْعَرَبِيَّة بَعِيد، لِأَنَّهُ قَدْ تَبَاعَدَ مَا بَيْن الِاسْمَيْنِ، وَهَذَا يُقَبَّح فِي الْمَخْفُوض.
 الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ جَرّ الرَّحْمَة فَعَلَى الْعَطْف عَلَى " خَيْر " وَالْمَعْنَى مُسْتَمِع خَيْر وَمُسْتَمِع رَحْمَة، لِأَنَّ الرَّحْمَة مِنْ الْخَيْر.
 وَلَا يَصِحّ عَطْف الرَّحْمَة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّ الْمَعْنَى يُصَدِّق بِاَللَّهِ وَيُصَدِّق الْمُؤْمِنِينَ ; فَاللَّام زَائِدَة فِي قَوْل الْكُوفِيِّينَ.
 وَمِثْله " لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ " \[ الْأَعْرَاف : ١٥٤ \] أَيْ يَرْهَبُونَ رَبّهمْ.
 وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : كَقَوْلِهِ " رَدِفَ لَكُمْ " \[ النَّمْل : ٧٢ \] وَهِيَ عِنْد الْمُبَرِّد مُتَعَلِّقَة بِمَصْدَرِ دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْل، التَّقْدِير : إِيمَانه لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ تَصْدِيقه لِلْمُؤْمِنِينَ لَا لِلْكُفَّارِ.
 أَوْ يَكُون مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى، فَإِنَّ مَعْنَى يُؤْمِن يُصَدِّق، فَعُدِّيَ بِاللَّامِ كَمَا عُدِّيَ فِي قَوْله تَعَالَى :" مُصَدِّقًا لِمَا بَيْن يَدَيْهِ " \[ الْمَائِدَة : ٤٦ \].

### الآية 9:62

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [9:62]

وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ
 اِبْتِدَاء وَخَبَر.
 وَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ أَنَّ التَّقْدِير : وَاَللَّه أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ، ثُمَّ حَذَفَ، كَمَا قَالَ بَعْضهمْ :

نَحْنُ بِمَا عِنْدنَا وَأَنْتَ بِمَا  عِنْدك رَاضٍ وَالرَّأْي مُخْتَلِف وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : لَيْسَ فِي الْكَلَام مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير، وَاَللَّه أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ وَرَسُوله، عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمَعْنَى وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ، وَاَللَّه اِفْتِتَاح كَلَام، كَمَا تَقُول : مَا شَاءَ اللَّه وَشِئْت.
 قَالَ النَّحَّاس : قَوْل سِيبَوَيْهِ أَوْلَاهَا، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْي عَنْ أَنْ يُقَال : مَا شَاءَ اللَّه وَشِئْت، وَلَا يُقَدَّر فِي شَيْء تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير، وَمَعْنَاهُ صَحِيح.
 قُلْت : وَقِيلَ إِنَّ اللَّه سُبْحَانه جَعَلَ رِضَاهُ فِي رِضَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ :" مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه " \[ النِّسَاء ٨٠ \].
 وَكَانَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم إِذَا مَرَّ بِهَذِهِ الْآيَة وَقَفَ، ثُمَّ يَقُول : حَرْف وَأَيّمَا حَرْف فُوِّضَ إِلَيْهِ فَلَا يَأْمُرنَا إِلَّا بِخَيْرٍ.
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا : تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة قَبُول يَمِين الْحَالِف وَإِنْ لَمْ يَلْزَم الْمَحْلُوف لَهُ الرِّضَا.
 وَالْيَمِين حَقّ لِلْمُدَّعِي.
 وَتَضَمَّنَتْ أَنْ يَكُون الْيَمِين بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَسْب مَا تَقَدَّمَ.
 وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت وَمَنْ حُلِفَ لَهُ فَلْيُصَدِّقْ ).
 وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي الْأَيْمَان وَالِاسْتِثْنَاء فِيهَا مُسْتَوْفًى فِي الْمَائِدَة.

### الآية 9:63

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [9:63]

فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ
 يُقَال : مَا بَعْد الْفَاء فِي الشَّرْط مُبْتَدَأ، فَكَانَ يَجِب أَنْ يَكُون " فَإِنَّ " بِكَسْرِ الْهَمْزَة.
 وَقَدْ أَجَازَ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ " فَإِنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم " بِالْكَسْرِ.
 قَالَ سِيبَوَيْهِ : وَهُوَ جَيِّد وَأَنْشَدَ :

وَعِلْمِي بِأَسْدَامِ الْمِيَاه فَلَمْ تَزَلْ  قَلَائِص تَخْدِي فِي طَرِيق طَلَائِحوَأَنِّي إِذَا مَلَّتْ رِكَابِي مُنَاخهَا  فَإِنِّي عَلَى حَظِّي مِنْ الْأَمْر جَامِح إِلَّا أَنَّ قِرَاءَة الْعَامَّة " فَأَنَّ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة.
 فَقَالَ الْخَلِيل أَيْضًا وَسِيبَوَيْهِ : إِنَّ " أَنَّ " الثَّانِيَة مُبْدَلَة مِنْ الْأُولَى.
 وَزَعَمَ الْمُبَرِّد أَنَّ هَذَا الْقَوْل مَرْدُود، وَأَنَّ الصَّحِيح مَا قَالَهُ الْجَرْمِيّ، قَالَ : إِنَّ الثَّانِيَة مُكَرَّرَة لِلتَّوْكِيدِ لَمَّا طَالَ الْكَلَام، وَنَظِيره " وَهُمْ فِي الْآخِرَة هُمْ الْأَخْسَرُونَ " \[ النَّمْل : ٥ \].
 وَكَذَا " فَكَانَ عَاقِبَتهمَا أَنَّهُمَا فِي النَّار خَالِدَيْنِ فِيهَا " \[ الْحَشْر : ١٧ \].
 وَقَالَ الْأَخْفَش : الْمَعْنَى فَوُجُوب النَّار لَهُ.
 وَأَنْكَرَهُ الْمُبَرِّد وَقَالَ : هَذَا خَطَأ مِنْ أَجْل أَنَّ " أَنَّ " الْمَفْتُوحَة الْمُشَدَّدَة لَا يُبْتَدَأ بِهَا وَيُضْمَر الْخَبَر.
 وَقَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : الْمَعْنَى فَالْوَاجِب أَنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم، فَإِنَّ الثَّانِيَة خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف.
 وَقِيلَ : التَّقْدِير فَلَهُ أَنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم.
 فَإِنَّ مَرْفُوعَة بِالِاسْتِقْرَارِ عَلَى إِضْمَار الْمَجْرُور بَيْن الْفَاء وَأَنَّ.

### الآية 9:64

> ﻿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ [9:64]

إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ
 أَيْ مُظْهِر " مَا تَحْذَرُونَ " ظُهُوره.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَنْزَلَ اللَّه أَسْمَاء الْمُنَافِقِينَ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ نَسَخَ تِلْكَ الْأَسْمَاء مِنْ الْقُرْآن رَأْفَة مِنْهُ وَرَحْمَة، لِأَنَّ أَوْلَادهمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَالنَّاس يُعَيِّر بَعْضهمْ بَعْضًا.
 فَعَلَى هَذَا قَدْ أَنْجَزَ اللَّه وَعْده بِإِظْهَارِهِ ذَلِكَ إِذْ قَالَ :" إِنَّ اللَّه مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ".
 وَقِيلَ : إِخْرَاج اللَّه أَنَّهُ عَرَّفَ نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام أَحْوَالهمْ وَأَسْمَاءَهُمْ لَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقُرْآن، وَلَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى :" وَلَتَعْرِفَنَّهُم فِي لَحْن الْقَوْل " \[ مُحَمَّد : ٣٠ \] وَهُوَ نَوْع إِلْهَام.
 وَكَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَنْ يَتَرَدَّد وَلَا يَقْطَع بِتَكْذِيبِ مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا بِصِدْقِهِ.
 وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِف صِدْقه وَيُعَانِد.

### الآية 9:65

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [9:65]

وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( ثَلَاث جِدّهنَّ جِدّ وَهَزْلهنَّ جِدّ النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة ).
 قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حَسَن غَرِيب، وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرهمْ.
 قُلْت : كَذَا فِي الْحَدِيث ( وَالرَّجْعَة ) وَفِي مُوَطَّإِ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : ثَلَاث لَيْسَ فِيهِمْ لَعِب النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق.
 وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَأَبِي الدَّرْدَاء، كُلّهمْ قَالَ :( ثَلَاث لَا لَعِب فِيهِنَّ وَلَا رُجُوع فِيهِنَّ وَاللَّاعِب فِيهِنَّ جَادّ النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق ) وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عُمَر قَالَ :( أَرْبَع جَائِزَات عَلَى كُلّ أَحَد الْعِتْق وَالطَّلَاق وَالنِّكَاح وَالنُّذُور ) وَعَنْ الضَّحَّاك قَالَ : ثَلَاث لَا لَعِب فِيهِنَّ، النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالنُّذُور.

### الآية 9:66

> ﻿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [9:66]

إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ
 قِيلَ : كَانُوا ثَلَاثَة نَفَر، هَزِئَ اِثْنَانِ وَضَحِكَ وَاحِد، فَالْمَعْفُوّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي ضَحِكَ وَلَمْ يَتَكَلَّم.
 وَالطَّائِفَة الْجَمَاعَة، وَيُقَال لِلْوَاحِدِ عَلَى مَعْنَى نَفْس طَائِفَة.
 وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : يُطْلَق لَفْظ الْجَمْع عَلَى الْوَاحِد، كَقَوْلِك : خَرَجَ فُلَان عَلَى الْبِغَال.
 قَالَ : وَيَجُوز أَنْ تَكُون الطَّائِفَة إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْوَاحِد طَائِفًا، وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ.
 وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم هَذَا الرَّجُل الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ عَلَى أَقْوَال.
 فَقِيلَ : مَخْشِيّ بْن حُمَيِّر، قَالَهُ اِبْن إِسْحَاق.
 وَقَالَ اِبْن هِشَام : وَيُقَال فِيهِ اِبْن مَخْشِيّ.
 وَقَالَ خَلِيفَة بْن خَيَّاط فِي تَارِيخه : اِسْمه مُخَاشِن بْن حُمَيِّر.
 وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مُخَاشِن الْحِمْيَرِيّ وَذَكَرَ السُّهَيْلِيّ مُخَشِّن بْن خُمَيِّر.
 وَذَكَرَ جَمِيعهمْ أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ، وَكَانَ تَابَ وَسُمِّيَ عَبْد الرَّحْمَن، فَدَعَا اللَّه أَنْ يُقْتَل شَهِيدًا وَلَا يُعْلَم بِقَبْرِهِ.
 وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ مُنَافِقًا أَوْ مُسْلِمًا.
 فَقِيلَ : كَانَ مُنَافِقًا ثُمَّ تَابَ تَوْبَة نَصُوحًا.
 وَقِيلَ : كَانَ مُسْلِمًا، إِلَّا أَنَّهُ سَمِعَ الْمُنَافِقِينَ فَضَحِكَ لَهُمْ وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ.

### الآية 9:67

> ﻿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [9:67]

يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
 أَيْ مُتَشَابِهُونَ فِي الْأَمْر بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْي عَنْ الْمَعْرُوف.
 وَقَبْض أَيْدِيهمْ عِبَارَة عَنْ تَرْك الْجِهَاد، وَفِيمَا يَجِب عَلَيْهِمْ مِنْ حَقّ.
 وَالنِّسْيَان : التَّرْك هُنَا، أَيْ تَرَكُوا مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ فَتَرَكَهُمْ فِي الشَّكّ.
 وَقِيلَ : إِنَّهُمْ تَرَكُوا أَمْره حَتَّى صَارَ كَالْمَنْسِيِّ فَصَيَّرَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْسِيّ مِنْ ثَوَابه.
 وَقَالَ قَتَادَة :" نَسِيَهُمْ " أَيْ مِنْ الْخَيْر، فَأَمَّا مِنْ الشَّرّ فَلَمْ يَنْسَهُمْ.
 وَالْفِسْق : الْخُرُوج عَنْ الطَّاعَة وَالدِّين.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 9:68

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [9:68]

وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
 أَيْ وَاصِب دَائِم.

### الآية 9:69

> ﻿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [9:69]

أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
 حَسَنَاتهمْ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا.

### الآية 9:70

> ﻿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [9:70]

وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
 وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ بَعْد قِيَام الْحُجَّة عَلَيْهِمْ.

### الآية 9:71

> ﻿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:71]

حَكِيمٌ
 مُحْكَم لِمَا يُرِيدهُ مِنْ أُمُور عِبَاده

### الآية 9:72

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:72]

وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
 أَيْ أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ.

### الآية 9:73

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [9:73]

وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ
 الْغِلَظ : نَقِيض الرَّأْفَة، وَهِيَ شِدَّة الْقَلْب عَلَى إِحْلَال الْأَمْر بِصَاحِبِهِ.
 وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي اللِّسَان ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" إِذَا زَنَتْ أَمَة أَحَدكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدّ وَلَا يُثَرِّب عَلَيْهَا ).
 وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك " \[ آل عِمْرَان : ١٥٩ \].
 وَمِنْهُ قَوْل النِّسْوَة لِعُمَر : أَنْتَ أَفَظّ وَأَغْلَظ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَى الْغِلَظ خُشُونَة الْجَانِب.
 فَهِيَ ضِدّ قَوْله تَعَالَى :" وَاخْفِضْ جَنَاحك لِمَنْ اِتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " \[ الشُّعَرَاء : ٢١٥ \].
 " وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة " \[ الْإِسْرَاء : ٢٤ \].
 وَهَذِهِ الْآيَة نَسَخَتْ كُلّ شَيْء مِنْ الْعَفْو وَالصُّلْح وَالصَّفْح.

### الآية 9:74

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:74]

وَلَا نَصِيرٍ
 أَيْ مُعِين.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 9:75

> ﻿۞ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [9:75]

لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
 دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : إِنْ مَلَكْت كَذَا وَكَذَا فَهُوَ صَدَقَة فَإِنَّهُ يَلْزَمهُ ; وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة : وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَلْزَمهُ.
 وَالْخِلَاف فِي الطَّلَاق مِثْله، وَكَذَلِكَ فِي الْعِتْق.
 وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : يَلْزَمهُ ذَلِكَ فِي الْعِتْق وَلَا يَلْزَمهُ فِي الطَّلَاق ; لِأَنَّ الْعِتْق قُرْبَة وَهِيَ تَثْبُت فِي الذِّمَّة بِالنَّذْرِ ; بِخِلَافِ الطَّلَاق فَإِنَّهُ تَصَرُّف فِي مَحَلّ، وَهُوَ لَا يَثْبُت فِي الذِّمَّة.
 اِحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( لَا نَذْر لِابْنِ آدَم فِيمَا لَا يَمْلِك وَلَا عِتْق لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِك وَلَا طَلَاق لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِك ) لَفْظ التِّرْمِذِيّ.
 وَقَالَ : وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيّ وَمُعَاذ وَجَابِر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو حَدِيث حَسَن، وَهُوَ أَحْسَن شَيْء رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب.
 وَهُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل الْعِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرهمْ.
 اِبْن الْعَرَبِيّ : وَسَرَدَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة لَمْ يَصِحّ مِنْهَا شَيْء فَلَا يُعَوَّل عَلَيْهَا، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ظَاهِر الْآيَة.

### الآية 9:76

> ﻿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [9:76]

وَهُمْ مُعْرِضُونَ
 أَيْ عَنْ الْإِسْلَام، أَيْ مُظْهِرُونَ لِلْإِعْرَاضِ عَنْهُ.

### الآية 9:77

> ﻿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [9:77]

بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
 كَذِبهمْ نَقْضهمْ الْعَهْد وَتَرْكهمْ الْوَفَاء بِمَا اِلْتَزَمُوهُ مِنْ ذَلِكَ.

### الآية 9:78

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [9:78]

أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
 هَذَا تَوْبِيخ، وَإِذَا كَانَ عَالِمًا فَإِنَّهُ سَيُجَازِيهِمْ.

### الآية 9:79

> ﻿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:79]

الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
 هَذَا أَيْضًا مِنْ صِفَات الْمُنَافِقِينَ.
 قَالَ قَتَادَة :" يَلْمِزُونَ " يَعِيبُونَ.
 قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف تَصَدَّقَ بِنِصْفِ مَاله، وَكَانَ مَاله ثَمَانِيَة آلَاف فَتَصَدَّقَ مِنْهَا بِأَرْبَعَةِ آلَاف.
 فَقَالَ قَوْم : مَا أَعْظَم رِيَاءَهُ ; فَأَنْزَلَ اللَّه :" الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَات ".
 وَجَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار بِنِصْفِ صُبْرَة مِنْ تَمْره فَقَالُوا : مَا أَغْنَى اللَّه عَنْ هَذَا ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدهمْ " الْآيَة.
 وَخَرَّجَ مُسْلِم عَنْ أَبِي مَسْعُود قَالَ : أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ - قَالَ : كُنَّا نُحَامِل، فِي رِوَايَة : عَلَى ظُهُورنَا - قَالَ : فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيل بِنِصْفِ صَاع.
 قَالَ : وَجَاءَ إِنْسَان بِشَيْءٍ أَكْثَر مِنْهُ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : إِنَّ اللَّه لَغَنِيّ عَنْ صَدَقَة هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَر إِلَّا رِيَاء : فَنَزَلَتْ " الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَات وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدهمْ ".
 يَعْنِي أَبَا عَقِيل، وَاسْمه الْحَبْحَاب.
 وَالْجُهْد : شَيْء قَلِيل يَعِيش بِهِ الْمُقِلّ.
 وَالْجُهْد وَالْجَهْد بِمَعْنًى وَاحِد.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 و " يَلْمِزُونَ " يَعِيبُونَ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 و " الْمُطَّوِّعِينَ " أَصْله الْمُتَطَوِّعِينَ أُدْغِمَتْ التَّاء فِي الطَّاء ; وَهُمْ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الشَّيْء تَبَرُّعًا مِنْ غَيْر أَنْ يَجِب عَلَيْهِمْ.
 " وَاَلَّذِينَ " فِي مَوْضِع خَفْض عَطْف عَلَى " الْمُؤْمِنِينَ ".
 وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَى الِاسْم قَبْل تَمَامه.
 و " فَيَسْخَرُونَ " عَطْف عَلَى " يَلْمِزُونَ ".
 " سَخِرَ اللَّه مِنْهُمْ " خَبَر الِابْتِدَاء، وَهُوَ دُعَاء عَلَيْهِمْ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ خَبَر ; أَيْ سَخِرَ مِنْهُمْ حَيْثُ صَارُوا إِلَى النَّار.
 وَمَعْنَى سَخِرَ اللَّه مُجَازَاتهمْ عَلَى سُخْرِيَتهمْ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة ".

### الآية 9:80

> ﻿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:80]

اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
 " اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ " الْآيَة.
 بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ وَإِنْ اِسْتَغْفَرَ لَهُمْ لَمْ يَنْفَعهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ أَكْثَر مِنْ الِاسْتِغْفَار.
 قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَلَمْ يَثْبُت مَا يُرْوَى أَنَّهُ قَالَ :\[ لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ \].
 قُلْت : وَهَذَا خِلَاف مَا يَثْبُت فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \[ وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ \] وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ( لَوْ أَعْلَم أَنِّي زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَر لَهُمْ لَزِدْت عَلَيْهَا \].
 قَالَ : فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ.
 وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل قَوْله :" اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ " هَلْ هُوَ إِيَاس أَوْ تَخْيِير، فَقَالَتْ طَائِفَة : الْمَقْصُود بِهِ الْيَأْس بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى :" فَلَنْ يَغْفِر اللَّه لَهُمْ " \[ التَّوْبَة : ٨٠ \].
 وَذِكْر السَّبْعِينَ وِفَاق جَرَى، أَوْ هُوَ عَادَتهمْ فِي الْعِبَارَة عَنْ الْكَثْرَة وَالْإِغْيَاء.
 فَإِذَا قَالَ قَائِلهمْ : لَا أُكَلِّمهُ سَبْعِينَ سَنَة صَارَ عِنْدهمْ بِمَنْزِلَةِ قَوْله.
 لَا أُكَلِّمهُ أَبَدًا.
 وَمِثْله فِي الْإِغْيَاء قَوْله تَعَالَى :" فِي سِلْسِلَة ذَرْعهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا " \[ الْحَاقَّة : ٣٢ \] وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :\[ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل اللَّه بَاعَدَ اللَّه وَجْهه عَنْ النَّار سَبْعِينَ خَرِيفًا \].
 وَقَالَتْ طَائِفَة : هُوَ تَخْيِير - مِنْهُمْ الْحَسَن وَقَتَادَة وَعُرْوَة - إِنْ شِئْت اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَإِنْ شِئْت لَا تَسْتَغْفِر.
 وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّي عَلَى اِبْن أُبَيّ قَالَ عُمَر : أَتُصَلِّي عَلَى عَدُوّ اللَّه، الْقَائِل يَوْم كَذَا كَذَا وَكَذَا ؟ فَقَالَ :\[ إِنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت \].
 قَالُوا ثُمَّ نُسِخَ هَذَا لَمَّا نَزَلَ " سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ " \[ الْمُنَافِقُونَ : ٦ \] " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا " \[ التَّوْبَة : ٨٠ \] أَيْ لَا يَغْفِر اللَّه لَهُمْ لِكُفْرِهِمْ.
 قَوْله تَعَالَى :" مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ " \[ التَّوْبَة : ١١٣ \] الْآيَة.
 وَهَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ بِمَكَّة عِنْد مَوْت أَبِي طَالِب، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه.
 وَهَذَا يُفْهَم مِنْهُ النَّهْي عَنْ الِاسْتِغْفَار لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا.
 وَهُوَ مُتَقَدِّم عَلَى هَذِهِ الْآيَة الَّتِي فَهِمَ مِنْهَا التَّخْيِير بِقَوْلِهِ :\[ إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّه \] وَهَذَا مُشْكِل.
 فَقِيلَ : إِنَّ اِسْتِغْفَاره لِعَمِّهِ إِنَّمَا كَانَ مَقْصُوده اِسْتِغْفَارًا مَرْجُوّ الْإِجَابَة حَتَّى تَحْصُل لَهُ الْمَغْفِرَة.
 وَفِي هَذَا الِاسْتِغْفَار اِسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ السَّلَام رَبّه فِي أَنْ يَأْذَن لَهُ فِيهِ لِأُمِّهِ فَلَمْ يَأْذَن لَهُ فِيهِ.
 وَأَمَّا الِاسْتِغْفَار لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِي خُيِّرَ فِيهِ فَهُوَ اِسْتِغْفَار لِسَانِيّ لَا يَنْفَع، وَغَايَته تَطْيِيب قُلُوب بَعْض الْأَحْيَاء مِنْ قَرَابَات الْمُسْتَغْفَر لَهُ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:81

> ﻿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [9:81]

أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ
 اِبْتِدَاء وَخَبَر.
 " حَرًّا " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان ; أَيْ مَنْ تَرَكَ أَمْر اللَّه تَعَرَّضَ لِتِلْكَ النَّار.

### الآية 9:82

> ﻿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:82]

فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
 " فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا " أَمْر، مَعْنَاهُ مَعْنَى التَّهْدِيد وَلَيْسَ أَمْرًا بِالضَّحِكِ.
 وَالْأَصْل أَنْ تَكُون اللَّام مَكْسُورَة فَحُذِفَتْ الْكَسْرَة لِثِقَلِهَا.
 قَالَ الْحَسَن :" فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا " فِي الدُّنْيَا " وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا " فِي جَهَنَّم.
 وَقِيلَ : هُوَ أَمْر بِمَعْنَى الْخَبَر.
 أَيْ إِنَّهُمْ سَيَضْحَكُونَ قَلِيلًا وَيَبْكُونَ كَثِيرًا.
 " جَزَاء " مَفْعُول مِنْ أَجْله ; أَيْ لِلْجَزَاءِ.
 مِنْ النَّاس مَنْ كَانَ لَا يَضْحَك اِهْتِمَامًا بِنَفْسِهِ وَفَسَاد حَاله فِي اِعْتِقَاده مِنْ شِدَّة الْخَوْف، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا.
 قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( وَاَللَّه لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَات تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّه تَعَالَى لَوَدِدْت أَنِّي كُنْت شَجَرَة تُعْضَد ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ.
 وَكَانَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِمَّنْ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحُزْن فَكَانَ لَا يَضْحَك.
 وَكَانَ اِبْن سِيرِينَ يَضْحَك وَيَحْتَجّ عَلَى الْحَسَن وَيَقُول : اللَّه أَضْحَك وَأَبْكَى.
 وَكَانَ الصَّحَابَة يَضْحَكُونَ ; إِلَّا أَنَّ الْإِكْثَار مِنْهُ وَمُلَازَمَته حَتَّى يَغْلِب عَلَى صَاحِبه مَذْمُوم مَنْهِيّ عَنْهُ، وَهُوَ مِنْ فِعْل السُّفَهَاء وَالْبَطَّالَة.
 وَفِي الْخَبَر :( أَنَّ كَثْرَته تُمِيت الْقَلْب ) وَأَمَّا الْبُكَاء مِنْ خَوْف اللَّه وَعَذَابه وَشِدَّة عِقَابه فَمَحْمُود ; قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام :( اِبْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا فَإِنَّ أَهْل النَّار يَبْكُونَ حَتَّى تَسِيل دُمُوعهمْ فِي وُجُوههمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِل حَتَّى تَنْقَطِع الدُّمُوع فَتَسِيل الدِّمَاء فَتَقَرَّح الْعُيُون فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُجْرِيَتْ فِيهَا لَجَرَتْ ) خَرَّجَهُ اِبْن الْمُبَارَك مِنْ حَدِيث أَنَس وَابْن مَاجَهْ أَيْضًا.

### الآية 9:83

> ﻿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ [9:83]

إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ
 و " الْخَالِفِينَ " جَمْع خَالِف ; كَأَنَّهُمْ خُلِّفُوا الْخَارِجِينَ.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :" الْخَالِفِينَ " مَنْ تَخَلَّفَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ.
 وَقَالَ الْحَسَن : مَعَ النِّسَاء وَالضُّعَفَاء مِنْ الرِّجَال، فَغُلِّبَ الْمُذَكَّر.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَاقْعُدُوا مَعَ الْفَاسِدِينَ ; مِنْ قَوْلهمْ فُلَان خَالِفَة أَهْل بَيْته إِذَا كَانَ فَاسِدًا فِيهِمْ ; مِنْ خُلُوف فَم الصَّائِم.
 وَمِنْ قَوْلك : خَلَفَ اللَّبَن ; أَيْ فَسَدَ بِطُولِ الْمُكْث فِي السِّقَاء ; فَعَلَى هَذَا يَعْنِي فَاقْعُدُوا مَعَ الْفَاسِدِينَ.
 وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِسْتِصْحَاب الْمُخَذِّل فِي الْغَزَوَات لَا يَجُوز.

### الآية 9:84

> ﻿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [9:84]

وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَة أَيْضًا قَالَ : السُّنَّة فِي الصَّلَاة عَلَى الْجَنَائِز أَنْ تُكَبِّر، ثُمَّ تَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرْآن، ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ تُخْلِص الدُّعَاء لِلْمَيِّتِ.
 وَلَا يَقْرَأ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَة الْأُولَى ثُمَّ يُسَلِّم.
 قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاس : وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، وَهُمَا مُلْحَقَانِ عِنْد الْأُصُولِيِّينَ بِالْمُسْنَدِ.
 وَالْعَمَل عَلَى حَدِيث أَبِي أُمَامَة أَوْلَى ; إِذْ فِيهِ جَمْع بَيْن قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( لَا صَلَاة ) وَبَيْن إِخْلَاص الدُّعَاء لِلْمَيِّتِ.
 وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فِيهَا إِنَّمَا هِيَ اِسْتِفْتَاح لِلدُّعَاءِ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَسُنَّة الْإِمَام أَنْ يَقُوم عِنْد رَأْس الرَّجُل وَعَجِيزَة الْمَرْأَة، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَس وَصَلَّى عَلَى جِنَازَة فَقَالَ لَهُ الْعَلَاء بْن زِيَاد : يَا أَبَا حَمْزَة، هَكَذَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِز كَصَلَاتِك يُكَبِّر أَرْبَعًا وَيَقُوم عِنْد رَأْس الرَّجُل وَعَجِيزَة الْمَرْأَة ؟ قَالَ : نَعَمْ.
 وَرَوَاهُ مُسْلِم عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ : صَلَّيْت خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى عَلَى أُمّ كَعْب مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاء، فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَسَطهَا.
 " وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره " كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَفَنَ الْمَيِّت وَقَفَ عَلَى قَبْره وَدَعَا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ \[ فِي التَّذْكِرَة \] وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 9:85

> ﻿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:85]

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ
 كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهِ.

### الآية 9:86

> ﻿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:86]

وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ
 اِنْتَدَبَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى الْإِجَابَة وَتَعَلَّلَ الْمُنَافِقُونَ.
 فَالْأَمْر لِلْمُؤْمِنِينَ بِاسْتِدَامَةِ الْإِيمَان وَلِلْمُنَافِقِينَ بِابْتِدَاءِ الْإِيمَان.
 و " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ بِأَنْ آمِنُوا.
 و " الطَّوْل " الْغِنَى ; وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَنْ لَا طَوْل لَهُ لَا يَحْتَاج إِلَى إِذْن لِأَنَّهُ مَعْذُور.
 " وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ " أَيْ الْعَاجِزِينَ عَنْ الْخُرُوج.

### الآية 9:87

> ﻿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [9:87]

رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
 " الْخَوَالِف " جَمْع خَالِفَة ; أَيْ مَعَ النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَأَصْحَاب الْأَعْذَار مِنْ الرِّجَال.
 وَقَدْ يُقَال لِلرَّجُلِ : خَالِفَة وَخَالِف أَيْضًا إِذَا كَانَ غَيْر نَجِيب ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
 يُقَال : فُلَان خَالِفَة أَهْله إِذَا كَانَ دُونهمْ.
 قَالَ النَّحَّاس : وَأَصْله مِنْ خَلَفَ اللَّبَن يَخْلُف إِذَا حَمُضَ مِنْ طُول مُكْثه.
 وَخَلَفَ فَم الصَّائِم إِذَا تَغَيَّرَ رِيحه ; وَمِنْهُ فُلَان خَلْف سَوْء ; إِلَّا أَنَّ فَوَاعِل جَمْع فَاعِلَة وَلَا يُجْمَع فَاعِل صِفَة عَلَى فَوَاعِل إِلَّا فِي الشِّعْر ; إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ، وَهُمَا فَارِس وَهَالِك.

### الآية 9:88

> ﻿لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [9:88]

لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
 وَقَوْله تَعَالَى فِي وَصْف الْمُجَاهِدِينَ :" وَأُولَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَات " قِيلَ : النِّسَاء الْحِسَان ; عَنْ الْحَسَن.
 دَلِيله قَوْله عَزَّ وَجَلَّ :" فِيهِنَّ خَيْرَات حِسَان " \[ الرَّحْمَن : ٧٠ \].
 وَيُقَال : هِيَ خَيْرَة النِّسَاء.
 وَالْأَصْل خَيِّرَة فَخُفِّفَ ; مِثْل هَيِّنَة وَهَيْنَة.
 وَقِيلَ : جَمْع خَيْر.
 فَالْمَعْنَى لَهُمْ مَنَافِع الدَّارَيْنِ.
 " وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ " " هُمْ " يَجُوز أَنْ يَكُون مُبْتَدَأ ثَانِيًا وَخَبَره " الْمُفْلِحُونَ "، وَالثَّانِي وَخَبَره خَبَر الْأَوَّل، وَيَجُوز أَنْ تَكُون " هُمْ " زَائِدَة يُسَمِّيهَا الْبَصْرِيُّونَ فَاصِلَة وَالْكُوفِيُّونَ عِمَادًا - و " الْمُفْلِحُونَ " خَبَر " أُولَئِكَ ".
 وَالْفَلْح أَصْله فِي اللُّغَة الشَّقّ وَالْقَطْع ; قَالَ الشَّاعِر :
 إِنَّ الْحَدِيد بِالْحَدِيدِ يُفْلَح
 أَيْ يُشَقّ وَمِنْهُ فِلَاحَة الْأَرَضِينَ إِنَّمَا هُوَ شَقّهَا لِلْحَرْثِ، قَالَ أَبُو عُبَيْد.
 وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْأَكَّار فَلَّاحًا.
 وَيُقَال لِلَّذِي شُقَّتْ شَفَته السُّفْلَى أَفْلَح، وَهُوَ بَيِّن الْفَلَحَة، فَكَأَنَّ الْمُفْلِح قَدْ قَطَعَ الْمَصَاعِب حَتَّى نَالَ مَطْلُوبه.
 وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْفَوْز وَالْبَقَاء، وَهُوَ أَصْله أَيْضًا فِي اللُّغَة، وَمِنْهُ قَوْل الرَّجُل لِامْرَأَتِهِ : اِسْتَفْلِحِي بِأَمْرِك، مَعْنَاهُ فُوزِي بِأَمْرِك، وَقَالَ الشَّاعِر :

لَوْ كَانَ حَيّ مُدْرِك الْفَلَاح  أَدْرَكَهُ مُلَاعِب الرِّمَاح وَقَالَ الْأَضْبَط بْن قُرَيْع السَّعْدِيّ فِي الْجَاهِلِيَّة الْجُهَلَاء :لِكُلِّ هَمّ مِنْ الْهُمُوم سَعَه  وَالْمَسِيّ وَالصُّبْح لَا فَلَاح مَعَهُ يَقُول : لَيْسَ مَعَ كَرّ اللَّيْل وَالنَّهَار بَقَاء.
 **وَقَالَ آخَر :**نَحُلّ بِلَادًا كُلّهَا حُلّ قَبْلَنَا  وَنَرْجُو الْفَلَاح بَعْد عَاد وَحِمْيَر **أَيْ الْبَقَاء : وَقَالَ عُبَيْد :**أَفْلِحْ بِمَا شِئْت فَقَدْ يُدْرَك  بِالضَّعْفِ وَقَدْ يُخَدَّع الْأَرِيب أَيْ اِبْقَ بِمَا شِئْت مِنْ كَيْس وَحُمْق فَقَدْ يُرْزَق الْأَحْمَق وَيُحْرَم الْعَاقِل.

### الآية 9:89

> ﻿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:89]

أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
 وَالْجَنَّات : الْبَسَاتِين.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 9:90

> ﻿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:90]

وَقَوْل الْعَرَب : مَنْ عَذِيرِي مِنْ فُلَان، مَعْنَاهُ قَدْ أَتَى أَمْرًا عَظِيمًا يَسْتَحِقّ أَنْ أُعَاقِبهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَم النَّاس بِهِ ; فَمَنْ يَعْذِرنِي إِنْ عَاقَبْته.
 فَعَلَى قِرَاءَة التَّخْفِيف قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ فَأَذِنَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقِيلَ : هُمْ رَهْط عَامِر بْن الطُّفَيْل قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه، لَوْ غَزَوْنَا مَعَك أَغَارَتْ أَعْرَاب طَيِّء عَلَى حَلَائِلنَا وَأَوْلَادنَا وَمَوَاشِينَا ; فَعَذَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَعَلَى قِرَاءَة التَّشْدِيد فِي الْقَوْل الثَّانِي، هُمْ قَوْم مِنْ غِفَار اِعْتَذَرُوا فَلَمْ يَعْذُرهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ غَيْر مُحِقِّينَ، وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَقَعَدَ قَوْم بِغَيْرِ عُذْر أَظْهَرُوهُ جُرْأَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ فَقَالَ :" وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّه وَرَسُوله " وَالْمُرَاد بِكَذِبِهِمْ قَوْلهمْ : إِنَّا مُؤْمِنُونَ.
 و " لِيُؤْذَن " نُصِبَ بِلَامِ كَيْ.

### الآية 9:91

> ﻿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:91]

مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 " مِنْ سَبِيل " فِي مَوْضِع رَفْع اِسْم " مَا " أَيْ مِنْ طَرِيق إِلَى الْعُقُوبَة.
 وَهَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي رَفْع الْعِقَاب عَنْ كُلّ مُحْسِن.
 وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الَّذِي يَقْتَصّ مِنْ قَاطِع يَده فَيُفْضِي ذَلِكَ فِي السِّرَايَة إِلَى إِتْلَاف نَفْسه : إِنَّهُ لَا دِيَة لَهُ ; لِأَنَّهُ مُحْسِن فِي اِقْتِصَاصه مِنْ الْمُعْتَدِي عَلَيْهِ.
 وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : تَلْزَمهُ الدِّيَة.
 وَكَذَلِكَ إِذَا صَالَ فَحْل عَلَى رَجُل فَقَتَلَهُ فِي دَفْعه عَنْ نَفْسه فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ.
 وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : تَلْزَمهُ لِمَالِكِهِ الْقِيمَة.
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي مَسَائِل الشَّرِيعَة كُلّهَا.

### الآية 9:92

> ﻿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [9:92]

تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ
 الْجُمْلَة فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال.
 " حَزَنًا " مَصْدَر.
 " أَلَّا يَجِدُوا " نُصِبَ بِأَنْ.
 وَقَالَ النَّحَّاس : قَالَ الْفَرَّاء يَجُوز أَنْ لَا يَجِدُونَ ; يُجْعَل لَا بِمَعْنَى لَيْسَ.
 وَهُوَ عِنْد الْبَصْرِيِّينَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ.
 وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يَجِد مَا يُنْفِقهُ فِي غَزْوه أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ.
 وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِذَا كَانَتْ عَادَته الْمَسْأَلَة لَزِمَهُ كَالْحَجِّ وَخَرَجَ عَلَى الْعَادَة لِأَنَّ حَاله إِذَا لَمْ تَتَغَيَّر يَتَوَجَّه الْفَرْض عَلَيْهِ كَتَوَجُّهِهِ عَلَى الْوَاجِد.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 فِي قَوْله تَعَالَى :" وَأَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع " مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى قَرَائِن الْأَحْوَال.
 ثُمَّ مِنْهَا مَا يُفِيد الْعِلْم الضَّرُورِيّ، وَمِنْهَا مَا يَحْتَمِل التَّرْدِيد.
 فَالْأَوَّل كَمَنْ يَمُرّ عَلَى دَار قَدْ عَلَا فِيهَا النَّعْي وَخُمِشَتْ الْخُدُود وَحُلِقَتْ الشُّعُور وَسُلِقَتْ الْأَصْوَات وَخُرِقَتْ الْجُيُوب وَنَادَوْا عَلَى صَاحِب الدَّار بِالثُّبُورِ ; فَيَعْلَم أَنَّهُ قَدْ مَاتَ.
 وَأَمَّا الثَّانِي فَكَدُمُوعِ الْأَيْتَام عَلَى أَبْوَاب الْحُكَّام ; قَالَ اللَّه تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِخْوَة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام :" وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ " \[ يُوسُف : ١٦ \].
 وَهُمْ الْكَاذِبُونَ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ :" وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصه بِدَمٍ كَذِب " \[ يُوسُف : ١٨ \].
 وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهَا قَرَائِن يُسْتَدَلّ بِهَا فِي الْغَالِب فَتُبْنَى عَلَيْهَا الشَّهَادَات بِنَاء عَلَى ظَوَاهِر الْأَحْوَال وَغَالِبهَا.
 **وَقَالَ الشَّاعِر :**

إِذَا اِشْتَبَكَتْ دُمُوع فِي خُدُود  تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي " يُوسُف " مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.

### الآية 9:93

> ﻿۞ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [9:93]

عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
 وَالْمُرَاد الْمُنَافِقُونَ.
 كَرَّرَ ذِكْرهمْ لِلتَّأْكِيدِ فِي التَّحْذِير مِنْ سُوء أَفْعَالهمْ.

### الآية 9:94

> ﻿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:94]

ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
 أَيْ يُجَازِيكُمْ بِعَمَلِكُمْ.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلّه مُسْتَوْفًى.

### الآية 9:95

> ﻿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:95]

وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
 أَيْ مَنْزِلهمْ وَمَكَانهمْ.
 قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْمَأْوَى كُلّ مَكَان يَأْوِي إِلَيْهِ شَيْء لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
 وَقَدْ أَوَى فُلَان إِلَى مَنْزِله يَأْوِي أَوِيًّا، عَلَى فَعُول، وَإِوَاء.
 وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" سَآوِي إِلَى جَبَل يَعْصِمنِي مِنْ الْمَاء " \[ هُود : ٤٣ \].
 وَآوَيْته أَنَا إِيوَاء.
 وَأَوَيْته إِذَا أَنْزَلْته بِك ; فَعَلْت وَأَفْعَلْت، بِمَعْنًى ; عَنْ أَبَى زَيْد.
 وَمَأْوِي الْإِبِل " بِكَسْرِ الْوَاو " لُغَة فِي مَأْوَى الْإِبِل خَاصَّة، وَهُوَ شَاذّ.

### الآية 9:96

> ﻿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [9:96]

يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
 حَلَفَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ أَلَّا يَتَخَلَّف عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ وَطَلَبَ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ.

### الآية 9:97

> ﻿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:97]

حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
 أَيْ فَرَائِض الشَّرْع.
 وَقِيلَ : حُجَج اللَّه فِي الرُّبُوبِيَّة وَبَعْثَة الرُّسُل لِقِلَّةِ نَظَرهمْ.

### الآية 9:98

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:98]

عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
 قَرَأَهُ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو بِضَمِّ السِّين هُنَا وَفِي الْفَتْح، وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ.
 وَأَجْمَعُوا عَلَى فَتْح السِّين فِي قَوْله :" مَا كَانَ أَبُوك اِمْرَأَ سَوْء " \[ مَرْيَم : ٢٨ \].
 وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ السُّوء بِالضَّمِّ الْمَكْرُوه.
 قَالَ الْأَخْفَش : أَيْ عَلَيْهِمْ دَائِرَة الْهَزِيمَة وَالشَّرّ.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : أَيْ عَلَيْهِمْ دَائِرَة الْعَذَاب وَالْبَلَاء.
 قَالَا : وَلَا يَجُوز اِمْرَأَ سُوء بِالضَّمِّ ; كَمَا لَا يُقَال : هُوَ اِمْرُؤُ عَذَاب وَلَا شَرّ.
 وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد قَالَ : السَّوْء بِالْفَتْحِ الرَّدَاءَة.
 قَالَ سِيبَوَيْهِ : مَرَرْت بِرَجُلِ صِدْق، وَمَعْنَاهُ بِرَجُلِ صَلَاح.
 وَلَيْسَ مِنْ صِدْق اللِّسَان، وَلَوْ كَانَ مِنْ صِدْق اللِّسَان لَمَا قُلْت : مَرَرْت بِثَوْبِ صِدْق.
 وَمَرَرْت بِرَجُلِ سَوْء لَيْسَ هُوَ مِنْ سُؤْته، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَرَرْت بِرَجُلِ فَسَاد.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : السَّوْء بِالْفَتْحِ مَصْدَر سُؤْته سَوْءًا وَمَسَاءَة وَسُوَائِيَّة.
 قَالَ غَيْره : وَالْفِعْل مِنْهُ سَاءَ يَسُوء.
 وَالسُّوء بِالضَّمِّ اِسْم لَا مَصْدَر ; وَهُوَ كَقَوْلِك : عَلَيْهِمْ دَائِرَة الْبَلَاء وَالْمَكْرُوه.

### الآية 9:99

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:99]

أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 أَيْ تُقَرِّبهُمْ مِنْ رَحْمَة اللَّه، يَعْنِي نَفَقَاتهمْ.

### الآية 9:100

> ﻿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:100]

وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : أَفْضَل التَّابِعِينَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ; فَقِيلَ لَهُ : فَعَلْقَمَة وَالْأَسْوَد.
 فَقَالَ : سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعَلْقَمَة وَالْأَسْوَد.
 وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : أَفْضَل التَّابِعِينَ قَيْس وَأَبُو عُثْمَان وَعَلْقَمَة وَمَسْرُوق ; هَؤُلَاءِ كَانُوا فَاضِلِينَ وَمِنْ عِلْيَة التَّابِعِينَ.
 وَقَالَ أَيْضًا : كَانَ عَطَاء مُفْتِي مَكَّة وَالْحَسَن مُفْتِي الْبَصْرَة فَهَذَانِ أَثَرَ النَّاس عَنْهُمْ ; وَأَبْهَمَ.
 وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي دَاوُد قَالَ : سَيِّدَتَا التَّابِعِينَ مِنْ النِّسَاء حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ وَعَمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن، وَثَالِثَتهمَا - وَلَيْسَتْ كَهُمَا - أُمّ الدَّرْدَاء.
 وَرُوِيَ عَنْ الْحَاكِم أَبِي عَبْد اللَّه قَالَ : طَبَقَة تُعَدّ فِي التَّابِعِينَ وَلَمْ يَصِحّ سَمَاع أَحَد مِنْهُمْ مِنْ الصَّحَابَة ; مِنْهُمْ إِبْرَاهِيم بْن سُوَيْد النَّخَعِيّ وَلَيْسَ بِإِبْرَاهِيم بْن يَزِيد النَّخَعِيّ الْفَقِيه.
 وَبُكَيْر بْن أَبِي السَّمِيط، وَبُكَيْر بْن عَبْد اللَّه الْأَشَجّ.
 وَذَكَرَ غَيْرهمْ قَالَ : وَطَبَقَة عِدَادهمْ عِنْد النَّاس فِي أَتْبَاع التَّابِعِينَ.
 وَقَدْ لَقُوا الصَّحَابَة مِنْهُمْ أَبُو الزِّنَاد عَبْد اللَّه بْن ذَكْوَان، لَقِيَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَأَنَسًا.
 وَهِشَام بْن عُرْوَة، وَقَدْ أُدْخِلَ عَلَى عَبْد اللَّه بْن عُمَر، وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَمُوسَى بْن عُقْبَة، وَقَدْ أَدْرَكَ أَنَس بْن مَالِك.
 وَأُمّ خَالِد بِنْت خَالِد بْن سَعِيد.
 وَفِي التَّابِعِينَ طَبَقَة تُسَمَّى بِالْمُخَضْرَمِينَ، وَهُمْ الَّذِينَ أَدْرَكُوا الْجَاهِلِيَّة وَحَيَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمُوا وَلَا صُحْبَة لَهُمْ.
 وَاحِدهمْ مُخَضْرَم بِفَتْحِ الرَّاء كَأَنَّهُ خَضْرَمَ، أَيْ قُطِعَ عَنْ نُظَرَائِهِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا الصُّحْبَة وَغَيْرهَا.
 وَذَكَرَهُمْ مُسْلِم فَبَلَغَ بِهِمْ عِشْرِينَ نَفْسًا، مِنْهُمْ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، وَسُوَيْد بْن غَفَلَة الْكِنْدِيّ، وَعَمْرو بْن مَيْمُون الْأَوْدِيّ، وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ وَعَبْد خَيْر بْن يَزِيد الْخَيْرَانِيّ بِفَتْحِ الْخَاء، بَطْن مِنْ هَمْدَان، وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مُلّ.
 وَأَبُو الْحَلَال الْعَتَكِيّ رَبِيعَة بْن زُرَارَة.
 وَمِمَّنْ لَمْ يَذْكُرهُ مُسْلِم ; مِنْهُمْ أَبُو مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ عَبْد اللَّه بْن ثُوَب، وَالْأَحْنَف بْن قَيْس.
 فَهَذِهِ نُبْذَة مِنْ مَعْرِفَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ نَطَقَ بِفَضْلِهِمْ الْقُرْآن الْكَرِيم، رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
 وَكَفَانَا نَحْنُ قَوْله جَلَّ وَعَزَّ :" كُنْتُمْ خَيْر أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " \[ آل عِمْرَان : ١١٠ \] عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ :" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا " \[ الْبَقَرَة : ١٤٣ \] الْآيَة.
 وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( وَدِدْت أَنَّا لَوْ رَأَيْنَا إِخْوَاننَا... ).
 الْحَدِيث.
 فَجَعَلَنَا إِخْوَانه ; إِنْ اِتَّقَيْنَا اللَّه وَاقْتَفَيْنَا آثَاره حَشَرَنَا اللَّه فِي زُمْرَته وَلَا حَادَ بِنَا عَنْ طَرِيقَته وَمِلَّته بِحَقِّ مُحَمَّد وَآله.

### الآية 9:101

> ﻿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ [9:101]

سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ
 " قَالَ اِبْن عَبَّاس : بِالْأَمْرَاضِ فِي الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة.
 فَمَرَض الْمُؤْمِن كَفَّارَة، وَمَرَض الْكَافِر عُقُوبَة.
 وَقِيلَ : الْعَذَاب الْأَوَّل الْفَضِيحَة بِاطِّلَاعِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي الْمُنَافِقِينَ.
 وَالْعَذَاب الثَّانِي عَذَاب الْقَبْر.
 الْحَسَن وَقَتَادَة : عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر.
 اِبْن زَيْد : الْأَوَّل بِالْمَصَائِبِ فِي أَمْوَالهمْ وَأَوْلَادهمْ، وَالثَّانِي عَذَاب الْقَبْر.
 مُجَاهِد : الْجُوع وَالْقَتْل.
 الْفَرَّاء : الْقَتْل وَعَذَاب الْقَبْر.
 وَقِيلَ : السَّبَاء وَالْقَتْل.
 وَقِيلَ : الْأَوَّل أَخْذ الزَّكَاة مِنْ أَمْوَالهمْ وَإِجْرَاء الْحُدُود عَلَيْهِمْ، وَالثَّانِي عَذَاب الْقَبْر.
 وَقِيلَ : أَحَد الْعَذَابَيْنِ مَا قَالَ تَعَالَى :" فَلَا تُعْجِبك أَمْوَالهمْ - إِلَى قَوْله - إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " \[ التَّوْبَة : ٥٥ \].
 وَالْغَرَض مِنْ الْآيَة اِتِّبَاع الْعَذَاب، أَوْ تَضْعِيف الْعَذَاب عَلَيْهِمْ.

### الآية 9:102

> ﻿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:102]

وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيث الْإِسْرَاء وَفِيهِ قَالَ :( ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاء... ) ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى أَنْ ذَكَرَ صُعُوده إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَقَالُوا :( حَيَّاهُ اللَّه مِنْ أَخ وَخَلِيفَة، فَنِعْمَ الْأَخ وَنِعْمَ الْخَلِيفَة وَنِعْمَ الْمَجِيء جَاءَ فَإِذَا بِرَجُلٍ أَشْمَط جَالِس عَلَى كُرْسِيّ عِنْد بَاب الْجَنَّة وَعِنْده قَوْم بِيض الْوُجُوه وَقَوْم سُود الْوُجُوه وَفِي أَلْوَانهمْ شَيْء فَأَتَوْا نَهَرًا فَاغْتَسَلُوا فِيهِ فَخَرَجُوا مِنْهُ وَقَدْ خَلَصَ مِنْ أَلْوَانهمْ شَيْء ثُمَّ إِنَّهُمْ أَتَوْا نَهَرًا آخَر فَاغْتَسَلُوا فِيهِ فَخَرَجُوا مِنْهُ وَقَدْ خَلَصَ مِنْ أَلْوَانهمْ شَيْء ثُمَّ دَخَلُوا النَّهَر الثَّالِث فَخَرَجُوا مِنْهُ وَقَدْ خَلَصَتْ أَلْوَانهمْ مِثْل أَلْوَان أَصْحَابهمْ فَجَلَسُوا إِلَى أَصْحَابهمْ فَقَالَ يَا جِبْرِيل مِنْ هَؤُلَاءِ بِيض الْوُجُوه وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانهمْ شَيْء فَدَخَلُوا النَّهَر وَقَدْ خَلَصَتْ أَلْوَانهمْ فَقَالَ هَذَا أَبُوك إِبْرَاهِيم هُوَ أَوَّل رَجُل شَمَط عَلَى وَجْه الْأَرْض وَهَؤُلَاءِ بِيض الْوُجُوه قَوْم لَمْ يَلْبَسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ - قَالَ - وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانهمْ شَيْء خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَر سَيِّئًا فَتَابُوا فَتَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ.
 فَأَمَّا النَّهَر الْأَوَّل فَرَحْمَة اللَّه وَأَمَّا النَّهَر الثَّانِي فَنِعْمَة اللَّه.
 وَأَمَّا النَّهَر الثَّالِث فَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا ) وَذَكَرَ الْحَدِيث.
 وَالْوَاو فِي قَوْله :" وَآخَر سَيِّئًا " قِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى الْبَاء، وَقِيلَ : بِمَعْنَى مَعَ ; كَقَوْلِك اِسْتَوَى الْمَاء وَالْخَشَبَة.
 وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ وَقَالُوا : لِأَنَّ الْخَشَبَة لَا يَجُوز تَقْدِيمهَا عَلَى الْمَاء، و " آخَر " فِي الْآيَة يَجُوز تَقْدِيمه عَلَى الْأَوَّل ; فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ خَلَطْت الْمَاء بِاللَّبَنِ.

### الآية 9:103

> ﻿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:103]

وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
 أَصْل فِي فِعْل كُلّ إِمَام يَأْخُذ الصَّدَقَة أَنْ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِ بِالْبَرَكَةِ.
 رَوَى مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْم بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ :( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ ) فَأَتَاهُ اِبْن أَبِي أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ :( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آل أَبِي أَوْفَى ).
 ذَهَبَ قَوْم إِلَى هَذَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ هَذَا مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى :" وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا " \[ التَّوْبَة : ٨٤ \].
 قَالُوا : فَلَا يَجُوز أَنْ يُصَلَّى عَلَى أَحَد إِلَّا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده خَاصَّة ; لِأَنَّهُ خُصَّ بِذَلِكَ.
 وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى :" لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا " \[ النُّور : ٦٣ \] الْآيَة.
 وَبِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس كَانَ يَقُول : لَا يُصَلَّى عَلَى أَحَد إِلَّا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَالْأَوَّل أَصَحّ ; فَإِنَّ الْخِطَاب لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ ; وَيَأْتِي فِي الْآيَة بَعْد هَذَا.
 فَيَجِب الِاقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّأَسِّي بِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَمْتَثِل قَوْله :" وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتك سَكَن لَهُمْ " أَيْ إِذَا دَعَوْت لَهُمْ حِين يَأْتُونَ بِصَدَقَاتِهِمْ سَكَّنَ ذَلِكَ قُلُوبهمْ وَفَرِحُوا بِهِ.
 وَقَدْ رَوَى جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : أَتَانِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لِامْرَأَتِي : لَا تَسْأَلِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ; فَقَالَتْ : يَخْرُج رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدنَا وَلَا نَسْأَلهُ شَيْئًا ! فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه ; صَلِّ عَلَى زَوْجِي.
 فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( صَلَّى اللَّه عَلَيْك وَعَلَى زَوْجك ).
 وَالصَّلَاة هُنَا الرَّحْمَة وَالتَّرَحُّم.
 قَالَ النَّحَّاس : وَحَكَى أَهْل اللُّغَة جَمِيعًا فِيمَا عَلِمْنَاهُ أَنَّ الصَّلَاة فِي كَلَام الْعَرَب الدُّعَاء ; وَمِنْهُ الصَّلَاة عَلَى الْجَنَائِز.
 وَقَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ :" إِنَّ صَلَاتك " بِالتَّوْحِيدِ.
 وَجَمَعَ الْبَاقُونَ.
 وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَاف فِي " أَصَلَاتك تَأْمُرك " \[ هُود : ٨٧ \] وَقُرِئَ " سَكْن " بِسُكُونِ الْكَاف.
 قَالَ قَتَادَة : مَعْنَاهُ وَقَار لَهُمْ.
 وَالسَّكَن : مَا تَسْكُن بِهِ النُّفُوس وَتَطْمَئِنّ بِهِ الْقُلُوب.

### الآية 9:104

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:104]

وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
 " وَيَأْخُذ الصَّدَقَات " هَذَا نَصّ صَرِيح فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى هُوَ الْآخِذ لَهَا وَالْمُثِيب عَلَيْهَا وَأَنَّ الْحَقّ لَهُ جَلَّ وَعَزَّ، وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسِطَة، فَإِنْ تُوُفِّيَ فَعَامِله هُوَ الْوَاسِطَة بَعْده، وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ حَيّ لَا يَمُوت.
 وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّ قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى :" خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة " لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ اللَّه يَقْبَل الصَّدَقَة وَيَأْخُذهَا بِيَمِينِهِ فَيُرْبِيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرْبِي أَحَدكُمْ مُهْره حَتَّى أَنَّ اللُّقْمَة لَتَصِير مِثْل أُحُد وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَأْخُذ الصَّدَقَات " وَ " يَمْحَق اللَّه الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات ".
 قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح.
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم :( لَا يَتَصَدَّق أَحَد بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْب طَيِّب إِلَّا أَخَذَهَا اللَّه بِيَمِينِهِ - فِي رِوَايَة - فَتَرْبُو فِي كَفّ الرَّحْمَن حَتَّى تَكُون أَعْظَم مِنْ الْجَبَل ) الْحَدِيث.
 وَرُوِيَ ( إِنَّ الصَّدَقَة لَتَقَع فِي كَفّ الرَّحْمَن قَبْل أَنْ تَقَع فِي كَفّ السَّائِل فَيُرْبِيهَا كَمَا يُرْبِي أَحَدكُمْ فَلُوّهُ أَوْ فَصِيله وَاَللَّه يُضَاعِف لِمَنْ يَشَاء ).
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْأَحَادِيث : إِنَّ هَذَا كِنَايَة عَنْ الْقَبُول وَالْجَزَاء عَلَيْهَا ; كَمَا كَنَّى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَة الْمُقَدَّسَة عَنْ الْمَرِيض تَعَطُّفًا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ :( يَا اِبْن آدَم مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي... ) الْحَدِيث.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي \[ الْبَقَرَة \].
 وَخُصَّ الْيَمِين وَالْكَفّ بِالذِّكْرِ إِذْ كُلّ قَابِل لِشَيْءٍ إِنَّمَا يَأْخُذهُ بِكَفِّهِ وَبِيَمِينِهِ أَوْ يُوضَع لَهُ فِيهِ ; فَخَرَجَ عَلَى مَا يَعْرِفُونَهُ، وَاَللَّه جَلَّ وَعَزَّ مُنَزَّه عَنْ الْجَارِحَة.
 وَقَدْ جَاءَتْ الْيَمِين فِي كَلَام الْعَرَب بِغَيْرِ مَعْنَى الْجَارِحَة ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر :
 إِذَا مَا رَايَة رُفِعَتْ لِمَجْدٍ... تَلَقَّاهَا عَرَابَة بِالْيَمِينِ
 أَيْ هُوَ مُؤَهَّل لِلْمَجْدِ وَالشَّرَف، وَلَمْ يَرِد بِهَا يَمِين الْجَارِحَة، لِأَنَّ الْمَجْد مَعْنًى فَالْيَمِين الَّتِي تَتَلَقَّى بِهِ رَايَته مَعْنًى.
 وَكَذَلِكَ الْيَمِين فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى.
 وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ( تَرْبُو فِي كَفّ الرَّحْمَن ) عِبَارَة عَنْ كِفَّة الْمِيزَان الَّتِي تُوزَن فِيهَا الْأَعْمَال، فَيَكُون مِنْ بَاب حَذْف الْمُضَاف ; كَأَنَّهُ قَالَ.
 فَتَرْبُو كِفَّة مِيزَان الرَّحْمَن.
 وَرُوِيَ عَنْ مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَابْن الْمُبَارَك أَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا شَابَهَهَا : أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفَ ; قَالَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره.
 وَهَكَذَا قَوْل أَهْل الْعِلْم مِنْ أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة.

### الآية 9:105

> ﻿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:105]

فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
 أَيْ بِإِطْلَاعِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى أَعْمَالكُمْ.
 وَفِي الْخَبَر :( لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ فِي صَخْرَة لَا بَاب لَهَا وَلَا كُوَّة لَخَرَجَ عَمَله إِلَى النَّاس كَائِنًا مَا كَانَ ).

### الآية 9:106

> ﻿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:106]

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
 نَزَلَتْ فِي الثَّلَاثَة الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ : كَعْب بْن مَالِك وَهِلَال بْن أُمَيَّة مِنْ بَنِي وَاقِف وَمُرَارَة بْن الرَّبِيع ; وَقِيلَ : اِبْن رِبْعِيّ الْعُمَرِيّ ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ.
 كَانُوا قَدْ تَخَلَّفُوا عَنْ تَبُوك وَكَانُوا مَيَاسِر ; عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ ذِكْرهمْ.
 وَالتَّقْدِير : وَمِنْهُمْ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ ; مِنْ أَرْجَأْته أَيْ أَخَّرْته.
 وَمِنْهُ قِيلَ : مُرْجِئَة ; لِأَنَّهُمْ أَخَّرُوا الْعَمَل.
 وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " مُرْجَوْنَ " بِغَيْرِ هَمْز ; فَقِيلَ : هُوَ مِنْ أَرْجَيْته أَيْ أَخَّرْته.
 وَقَالَ الْمُبَرِّد : لَا يُقَال أَرْجَيْته بِمَعْنَى أَخَّرْته، وَلَكِنْ يَكُون مِنْ الرَّجَاء.
 " إِمَّا يُعَذِّبهُمْ وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِمْ " " إِمَّا " فِي الْعَرَبِيَّة لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَالِم بِمَصِيرِ الْأَشْيَاء، وَلَكِنَّ الْمُخَاطَبَة لِلْعِبَادِ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ ; أَيْ لِيَكُنْ أَمْرهمْ عِنْدكُمْ عَلَى الرَّجَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعِبَادِ أَكْثَر مِنْ هَذَا.

### الآية 9:107

> ﻿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:107]

وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
 أَيْ مَا أَرَدْنَا بِبِنَائِهِ إِلَّا الْفِعْلَة الْحُسْنَى، وَهِيَ الرِّفْق بِالْمُسْلِمِينَ كَمَا ذَكَرُوا لِذِي الْعِلَّة وَالْحَاجَة.
 وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَال تَخْتَلِف بِالْمَقْصُودِ وَالْإِرَادَات ; وَلِذَلِكَ قَالَ :" وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى ".
 " وَاَللَّه يَشْهَد إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " أَيْ يَعْلَم خُبْث ضَمَائِرهمْ وَكَذِبهمْ فِيمَا يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ.

### الآية 9:108

> ﻿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [9:108]

الثَّانِي : أَنَّ هَذَا الَّذِي خَفَّفَ عَنْهُ فِي الْمَسْرُبَة رُخْصَة لِلضَّرُورَةِ، وَالْحَاجَة وَالرُّخَص لَا يُقَاسَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا خَارِجَة عَنْ الْقِيَاس فَلَا تَرِد إِلَيْهِ.

### الآية 9:109

> ﻿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:109]

\[ وَالثَّانِي \] أَنَّ ذَلِكَ مَجَاز، وَالْمَعْنَى : صَارَ الْبِنَاء فِي نَار جَهَنَّم، فَكَأَنَّهُ اِنْهَارَ إِلَيْهِ وَهَوَى فِيهِ ; وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" فَأُمّه هَاوِيَة " \[ الْقَارِعَة : ٩ \].
 وَالظَّاهِر الْأَوَّل، إِذْ لَا إِحَالَة فِي ذَلِكَ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:110

> ﻿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:110]

إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ تَنْصَدِع قُلُوبهمْ فَيَمُوتُوا ; كَقَوْلِهِ :" لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين " \[ الْحَاقَّة : ٤٦ \] لِأَنَّ الْحَيَاة تَنْقَطِع بِانْقِطَاعِ الْوَتِين ; وَقَالَهُ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُجَاهِد.
 وَقَالَ سُفْيَان : إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا.
 عِكْرِمَة : إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبهمْ فِي قُبُورهمْ، وَكَانَ أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَقْرَءُونَهَا :" رِيبَة فِي قُلُوبهمْ وَلَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبهمْ ".
 وَقَرَأَ الْحَسَن وَيَعْقُوب وَأَبُو حَاتِم " إِلَى أَنْ تَقَطَّعَ " عَلَى الْغَايَة، أَيْ لَا يَزَالُونَ فِي شَكّ مِنْهُ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا فَيَسْتَيْقِنُوا وَيَتَبَيَّنُوا.
 وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قَوْله " تَقَطَّعَ " فَالْجُمْهُور " تُقَطَّعَ " بِضَمِّ التَّاء وَفَتْح الْقَاف وَشَدّ الطَّاء عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول.
 وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَحَمْزَة وَحَفْص وَيَعْقُوب كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمْ فَتَحُوا التَّاء.
 وَرُوِيَ عَنْ يَعْقُوب وَأَبِي عَبْد الرَّحْمَن " تُقْطَعَ " عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول مُخَفَّف الْقَاف.
 وَرُوِيَ عَنْ شِبْل وَابْن كَثِير " تَقَطَّعَ " خَفِيفَة الْقَاف " قُلُوبهمْ " نَصْبًا، أَيْ أَنْتَ تَفْعَل ذَلِكَ بِهِمْ.
 وَقَدْ ذَكَرْنَا قِرَاءَة أَصْحَاب عَبْد اللَّه.

### الآية 9:111

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:111]

وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
 أَيْ الظَّفَر بِالْجَنَّةِ وَالْخُلُود فِيهَا.

### الآية 9:112

> ﻿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [9:112]

وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا زَائِدَة، وَهَذَا ضَعِيف لَا مَعْنَى لَهُ.
 وَقِيلَ : هِيَ وَاو الثَّمَانِيَة لِأَنَّ السَّبْعَة عِنْد الْعَرَب عَدَد كَامِل صَحِيح.
 وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قَوْله :" ثَيِّبَات وَأَبْكَارًا " \[ التَّحْرِيم : ٥ \].
 وَقَوْله فِي أَبْوَاب الْجَنَّة :" وَفُتِحَتْ أَبْوَابهَا " \[ الزُّمَر : ٧٣ \] وَقَوْله :" وَيَقُولُونَ سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ " \[ الْكَهْف : ٢٢ \] وَقَدْ ذَكَرَهَا اِبْن خَالَوَيْهِ فِي مُنَاظَرَته لِأَبِي عَلِيّ الْفَارِسِيّ فِي مَعْنَى قَوْله :" وَفُتِحَتْ أَبْوَابهَا " \[ الزُّمَر : ٧٣ \] وَأَنْكَرَهَا أَبُو عَلِيّ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَحَدَّثَنِي أَبِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ الْأُسْتَاذ النَّحْوِيّ أَبِي عَبْد اللَّه الْكَفِيف الْمَالِقِيّ، وَكَانَ مِمَّنْ اِسْتَوْطَنَ غَرْنَاطَة وَأَقْرَأَ فِيهَا فِي مُدَّة اِبْن حَبُوس أَنَّهُ قَالَ : هِيَ لُغَة فَصِيحَة لِبَعْضِ الْعَرَب مِنْ شَأْنهمْ أَنْ يَقُولُوا إِذَا عَدُّوا : وَاحِد اِثْنَانِ ثَلَاثَة أَرْبَعَة خَمْسَة سِتَّة سَبْعَة وَثَمَانِيَة تِسْعَة عَشَرَة وَهَكَذَا هِيَ لُغَتهمْ.
 وَمَتَى جَاءَ فِي كَلَامهمْ أَمْر ثَمَانِيَة أَدْخَلُوا الْوَاو.
 قُلْت : هِيَ لُغَة قُرَيْش.
 وَسَيَأْتِي بَيَانه وَنَقْضه فِي سُورَة \[ الْكَهْف \] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَفِي \[ الزُّمَر \] أَيْضًا بِحَوْلِ اللَّه تَعَالَى.

### الآية 9:113

> ﻿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [9:113]

وَفِي الْبُخَارِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ نَبِيًّا قَبْله شَجَّهُ قَوْمه فَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِر عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ :( اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ).
 قُلْت : وَهَذَا صَرِيح فِي الْحِكَايَة عَمَّنْ قَبْله، لَا أَنَّهُ قَالَهُ اِبْتِدَاء عَنْ نَفْسه كَمَا ظَنَّهُ بَعْضهمْ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَالنَّبِيّ الَّذِي حَكَاهُ هُوَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة \[ هُود \] إِنْ شَاءَ اللَّه.
 وَقِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالِاسْتِغْفَارِ فِي الْآيَة الصَّلَاة.
 قَالَ بَعْضهمْ : مَا كُنْت لِأَدَع الصَّلَاة عَلَى أَحَد مِنْ أَهْل الْقِبْلَة وَلَوْ كَانَتْ حَبَشِيَّة حُبْلَى مِنْ الزِّنَا ; لِأَنِّي لَمْ أَسْمَع اللَّه حَجَبَ الصَّلَاة إِلَّا عَنْ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ :" مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ " الْآيَة.
 قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : الْآيَة فِي النَّهْي عَنْ الصَّلَاة عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالِاسْتِغْفَار هُنَا يُرَاد بِهِ الصَّلَاة.
 جَوَاب ثَالِث : وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِغْفَار لِلْأَحْيَاءِ جَائِز ; لِأَنَّهُ مَرْجُوّ إِيمَانهمْ وَيُمْكِن تَأَلُّفَهُمْ بِالْقَوْلِ الْجَمِيل وَتَرْغِيبهمْ فِي الدِّين.
 وَقَدْ قَالَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء : لَا بَأْس أَنْ يَدْعُو الرَّجُل لِأَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ وَيَسْتَغْفِر لَهُمَا مَا دَامَا حَيَّيْنِ.
 فَأَمَّا مَنْ مَاتَ فَقَدْ اِنْقَطَعَ عَنْهُ الرَّجَاء فَلَا يُدْعَى لَهُ.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتَاهُمْ فَنَزَلَتْ فَأَمْسَكُوا عَنْ الِاسْتِغْفَار وَلَمْ يَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْأَحْيَاءِ حَتَّى يَمُوتُوا.
 الثَّالِثَة : قَالَ أَهْل الْمَعَانِي :" مَا كَانَ " فِي الْقُرْآن يَأْتِي عَلَى وَجْهَيْنِ : عَلَى النَّفْي نَحْو قَوْله :" مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرهَا " \[ النَّمْل : ٦٠ \]، " وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوت إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه " \[ آل عِمْرَان : ١٤٥ \].
 وَالْآخَر بِمَعْنَى النَّهْي كَقَوْلِهِ :" وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُول اللَّه " \[ الْأَحْزَاب : ٥٣ \]، و " مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ".

### الآية 9:114

> ﻿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [9:114]

فَأَوْهِ لِذَاكِرِهَا إِذَا مَا ذَكَرْتهَا  وَمِنْ بُعْد أَرْض بَيْننَا وَسَمَاء وَرُبَّمَا قَلَبُوا الْوَاو أَلِفًا فَقَالُوا : آهِ مِنْ كَذَا.
 وَرُبَّمَا شَدَّدُوا الْوَاو وَكَسَرُوهَا وَسَكَّنُوا الْهَاء فَقَالُوا : أَوِّهْ مِنْ كَذَا.
 وَرُبَّمَا حَذَفُوا مَعَ التَّشْدِيد الْهَاء فَقَالُوا : أَوّ مِنْ كَذَا بِلَا مَدّ.
 وَبَعْضهمْ يَقُول : أَوَّهْ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيد وَفَتْح الْوَاو سَاكِنَة الْهَاء لِتَطْوِيلِ الصَّوْت بِالشِّكَايَةِ.
 وَرُبَّمَا أَدْخَلُوا فِيهَا التَّاء فَقَالُوا : أَوَّتَاهُ يُمَدّ وَلَا يُمَدّ.
 وَقَدْ أَوَّهَ الرَّجُل تَأْوِيهَا وَتَأَوَّهَ تَأَوُّهًا إِذَا قَالَ أَوَّهْ، وَالِاسْم مِنْهُ الْآهَة بِالْمَدِّ.
 **قَالَ الْمُثَقِّب الْعَبْدِيّ :**إِذَا مَا قُمْت أَرْحَلهَا بِلَيْلٍ  تَأَوَّهُ آهَة الرَّجُل الْحَزِين وَالْحَلِيم : الْكَثِير الْحِلْم وَهُوَ الَّذِي يَصْفَح عَنْ الذُّنُوب وَيَصْبِر عَلَى الْأَذَى.
 وَقِيلَ : الَّذِي لَمْ يُعَاقِب أَحَدًا قَطُّ إِلَّا فِي اللَّه وَلَمْ يَنْتَصِر لِأَحَدٍ إِلَّا لِلَّهِ.
 وَكَانَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام كَذَلِكَ وَكَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي سُمِعَ وَجِيب قَلْبه عَلَى مِيلَيْنِ.

### الآية 9:115

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [9:115]

حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
 قَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء رَحِمَهُ اللَّه فِي قَوْله :" حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ " أَيْ حَتَّى يَحْتَجّ عَلَيْهِمْ بِأَمْرِهِ ; كَمَا قَالَ :" وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِك قَرْيَة أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا " \[ الْإِسْرَاء : ١٦ \] وَقَالَ مُجَاهِد :" حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ " أَيْ أَمْر إِبْرَاهِيم أَلَّا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّة وَيُبَيِّن لَهُمْ الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة عَامَّة.
 وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر وَشُدِّدَ فِيهَا سَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبهَا فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى :" وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِلّ قَوْمًا بَعْد إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ " وَهَذِهِ الْآيَة رَدّ عَلَى الْمُعْتَزِلَة وَغَيْرهمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِخَلْقِ هُدَاهُمْ وَإِيمَانهمْ كَمَا تَقَدَّمَ.

### الآية 9:116

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:116]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 9:117

> ﻿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:117]

ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
 قِيلَ : تَوْبَته عَلَيْهِمْ أَنْ تَدَارَكَ قُلُوبهمْ حَتَّى لَمْ تَزِغْ، وَكَذَلِكَ سُنَّة الْحَقّ مَعَ أَوْلِيَائِهِ إِذَا أَشْرَفُوا عَلَى الْعَطَب، وَوَطَّنُوا أَنْفُسهمْ عَلَى الْهَلَاك أَمْطَرَ عَلَيْهِمْ سَحَائِب الْجُود فَأَحْيَا قُلُوبهمْ.
 **وَيُنْشَد :**

مِنْك أَرْجُو وَلَسْت أَعْرِف رَبًّا  يُرْتَجَى مِنْهُ بَعْض مَا مِنْك أَرْجُووَإِذَا اِشْتَدَّتْ الشَّدَائِد فِي الْأَرْ  ضِ عَلَى الْخَلْق فَاسْتَغَاثُوا وَعَجُّواوَابْتَلَيْت الْعِبَاد بِالْخَوْفِ وَالْجُو  عِ وَصَرُّوا عَلَى الذُّنُوب وَلَجُّوالَمْ يَكُنْ لِي سِوَاك رَبِّي مَلَاذ  فَتَيَقَّنْت أَنَّنِي بِك أَنْجُو وَقَالَ فِي حَقّ الثَّلَاثَة :" ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا " فَقِيلَ : مَعْنَى " ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ " أَيْ وَفَّقَهُمْ لِلتَّوْبَةِ لِيَتُوبُوا.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى تَابَ عَلَيْهِمْ ; أَيْ فَسَّحَ لَهُمْ وَلَمْ يُعَجِّل عِقَابهمْ لِيَتُوبُوا.
 وَقِيلَ : تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَثْبُتُوا عَلَى التَّوْبَة.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَرْجِعُوا إِلَى حَال الرِّضَا عَنْهُمْ.
 وَبِالْجُمْلَةِ فَلَوْلَا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمه أَنَّهُ قَضَى لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مَا تَابُوا ; دَلِيله قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( اِعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ ).

### الآية 9:118

> ﻿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:118]

ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
 فَبَدَأَ بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ.
 قَالَ أَبُو زَيْد : غَلِطْت فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء : فِي الِابْتِدَاء مَعَ اللَّه تَعَالَى، ظَنَنْت أَنِّي أُحِبّهُ فَإِذَا هُوَ أَحَبَّنِي ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " \[ الْمَائِدَة : ٥٤ \].
 وَظَنَنْت أَنِّي أَرْضَى عَنْهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ رَضِيَ عَنِّي ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ " \[ الْمَائِدَة : ١١٩ \].
 وَظَنَنْت أَنِّي أَذْكُرهُ فَإِذَا هُوَ يَذْكُرنِي ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر ".
 وَظَنَنْت أَنِّي أَتُوب فَإِذَا هُوَ قَدْ تَابَ عَلَيَّ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ".
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَثْبُتُوا عَلَى التَّوْبَة ; كَمَا قَالَ تَعَالَى :" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا " \[ النِّسَاء : ١٣٦ \] وَقِيلَ : أَيْ فَسَّحَ لَهُمْ وَلَمْ يُعَجِّل عِقَابهمْ كَمَا فَعَلَ بِغَيْرِهِمْ ; قَالَ جَلَّ وَعَزَّ :" فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ " \[ النِّسَاء : ١٦٠ \].

### الآية 9:119

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [9:119]

فَالْكَذِب عَار وَأَهْله مَسْلُوبُو الشَّهَادَة، وَقَدْ رَدَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَة رَجُل فِي كَذِبَة كَذَبَهَا.
 قَالَ مَعْمَر : لَا أَدْرِي أَكَذَبَ عَلَى اللَّه أَوْ كَذَبَ عَلَى رَسُوله أَوْ كَذَبَ عَلَى أَحَد مِنْ النَّاس.
 وَسُئِلَ شَرِيك بْن عَبْد اللَّه فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْد اللَّه، رَجُل سَمِعْته يَكْذِب مُتَعَمِّدًا أَأُصَلِّي خَلْفه ؟ قَالَ لَا.
 وَعَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : إِنَّ الْكَذِب لَا يَصْلُح مِنْهُ جِدّ وَلَا هَزْل، وَلَا أَنْ يَعِدَ أَحَدكُمْ شَيْئًا ثُمَّ لَا يُنْجِزهُ، اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " هَلْ تَرَوْنَ فِي الْكَذِب رُخْصَة ؟ وَقَالَ مَالِك : لَا يُقْبَل خَبَر الْكَاذِب فِي حَدِيث النَّاس وَإِنْ صَدَقَ فِي حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقَالَ غَيْره : يُقْبَل حَدِيثه.
 وَالصَّحِيح أَنَّ الْكَاذِب لَا تُقْبَل شَهَادَته وَلَا خَبَره لِمَا ذَكَرْنَاهُ ; فَإِنَّ الْقَبُول مَرْتَبَة عَظِيمَة وَوِلَايَة شَرِيفَة لَا تَكُون إِلَّا لِمَنْ كَمُلَتْ خِصَاله وَلَا خَصْلَة هِيَ أَشَرّ مِنْ الْكَذِب فَهِيَ تَعْزِل الْوِلَايَات وَتُبْطِل الشَّهَادَات.

### الآية 9:120

> ﻿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [9:120]

إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : بِكُلِّ رَوْعَة تَنَالهُمْ فِي سَبِيل اللَّه سَبْعُونَ أَلْف حَسَنَة.
 وَفِي الصَّحِيح :( الْخَيْل ثَلَاثَة.
\- وَفِيهِ - وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْر فَرَجُل رَبَطَهَا فِي سَبِيل اللَّه لِأَهْلِ الْإِسْلَام فِي مَرْج أَوْ رَوْضَة فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْج أَوْ الرَّوْضَة إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَد مَا أَكَلَتْ حَسَنَات وَكُتِبَ لَهُ عَدَد أَرْوَاثهَا وَأَبْوَالهَا حَسَنَات... ).
 الْحَدِيث.
 هَذَا وَهِيَ فِي مَوَاضِعهَا فَكَيْفَ إِذَا أَدْرَبَ بِهَا.

### الآية 9:121

> ﻿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:121]

وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
 " وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا " الْعَرَب تَقُول : وَادٍ وَأَوْدِيَة، عَلَى غَيْر قِيَاس.
 قَالَ النَّحَّاس : وَلَا يُعْرَف فِيمَا عَلِمْت فَاعِل وَأَفْعِلَة سِوَاهُ، وَالْقِيَاس أَنْ يُجْمَع وَوَادِي ; فَاسْتَثْقَلُوا الْجَمْع بَيْن وَاوَيْنِ وَهُمْ قَدْ يَسْتَثْقِلُونَ وَاحِدَة، حَتَّى قَالُوا : أُقِّتَتْ فِي وُقِّتَتْ.
 وَحَكَى الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ فِي تَصْغِير وَاصِل اِسْم رَجُل أَوْ أَوَيْصِل فَلَا يَقُولُونَ غَيْره.
 وَحَكَى الْفَرَّاء فِي جَمْع وَادٍ أَوْدَاء.
 قُلْت : وَقَدْ جُمِعَ أَوْدَاهُ ; قَالَ جَرِير :

عَرَفْت بِبُرْقَة الْأَوْدَاه رَسْمًا  مُحِيلًا طَالَ عَهْدك مِنْ رُسُوم رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَة وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه، وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ.
 ؟ قَالَ :( حَبَسَهُمْ الْعُذْر ).
 خَرَّجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاة فَقَالَ :( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْمَرَض ).
 فَأَعْطَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَعْذُورِ مِنْ الْأَجْر مِثْل مَا أَعْطَى لِلْقَوِيِّ الْعَامِل.
 وَقَدْ قَالَ بَعْض النَّاس : إِنَّمَا يَكُون الْأَجْر لِلْمَعْذُورِ غَيْر مُضَاعَف، وَيُضَاعَف لِلْعَامِلِ الْمُبَاشِر.
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا تَحَكُّم عَلَى اللَّه تَعَالَى وَتَضْيِيق لِسَعَةِ رَحْمَته، وَقَدْ عَابَ بَعْض النَّاس فَقَالَ : إِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ الثَّوَاب مُضَاعَفًا قَطْعًا، وَنَحْنُ لَا نَقْطَع بِالتَّضْعِيفِ فِي مَوْضِع فَإِنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى مِقْدَار النِّيَّات، وَهَذَا أَمْر مُغَيَّب، وَاَلَّذِي يُقْطَع بِهِ أَنَّ هُنَاكَ تَضْعِيفًا وَرَبّك أَعْلَم بِمَنْ يَسْتَحِقّهُ.
 قُلْت : الظَّاهِر مِنْ الْأَحَادِيث وَالْآي الْمُسَاوَاة فِي الْأَجْر ; مِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْر فَلَهُ مِثْل أَجْر فَاعِله ) وَقَوْله :( مَنْ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاة فَوَجَدَ النَّاس قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّه مِثْل أَجْر مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا ).
 وَهُوَ ظَاهِر قَوْله تَعَالَى :" وَمَنْ يَخْرُج مِنْ بَيْته مُهَاجِرًا إِلَى اللَّه وَرَسُوله ثُمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فَقَدْ وَقَعَ أَجْره عَلَى اللَّه " \[ النِّسَاء : ١٠٠ \] وَبِدَلِيلِ أَنَّ النِّيَّة الصَّادِقَة هِيَ أَصْل الْأَعْمَال، فَإِذَا صَحَّتْ فِي فِعْل طَاعَة فَعَجَزَ عَنْهَا صَاحِبهَا لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنْهَا فَلَا بُعْد فِي مُسَاوَاة أَجْر ذَلِكَ الْعَاجِز لِأَجْرِ الْقَادِر الْفَاعِل وَيَزِيد عَلَيْهِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام :( نِيَّة الْمُؤْمِن خَيْر مِنْ عَمَله ).
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 9:122

> ﻿۞ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [9:122]

إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
 مِنْ الْجِهَاد فَيُخْبِرُونَهُمْ بِنُصْرَةِ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُمْ لَا يَدَانِ لَهُمْ بِقِتَالِهِمْ وَقِتَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَيَنْزِل بِهِمْ مَا نَزَلَ بِأَصْحَابِهِمْ مِنْ الْكُفَّار.

### الآية 9:123

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:123]

الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ
 أَيْ شِدَّة وَقُوَّة وَحَمِيَّة.
 وَرَوَى الْفَضْل عَنْ الْأَعْمَش وَعَاصِم " غَلْظَة " بِفَتْحِ الْغَيْن وَإِسْكَان اللَّام.
 قَالَ الْفَرَّاء : لُغَة أَهْل الْحِجَاز وَبَنِي أَسَد بِكَسْرِ الْغَيْن، وَلُغَة بَنِي تَمِيم " غُلْظَة " بِضَمِّ الْغَيْن.

### الآية 9:124

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [9:124]

وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
 " مَا " صِلَة، وَالْمُرَاد الْمُنَافِقُونَ.
 " أَيّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا " قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه فِي سُورَة \[ آل عِمْرَان \].
 وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى السُّورَة فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب، فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ.
 وَكَتَبَ الْحَسَن إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز ( إِنَّ لِلْإِيمَانِ سُنَنًا وَفَرَائِض مَنْ اِسْتَكْمَلَهَا فَقَدْ اِسْتَكْمَلَ الْإِيمَان وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلهَا لَمْ يَسْتَكْمِل الْإِيمَان ) قَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز :( فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتكُمْ بِحَرِيصٍ ).
 ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ.
 وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك لَمْ أَجِد بُدًّا مِنْ أَنْ أَقُول بِزِيَادَةِ الْإِيمَان وَإِلَّا رَدَدْت الْقُرْآن.

### الآية 9:125

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [9:125]

فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ
 أَيْ شَكًّا إِلَى شَكّهمْ وَكُفْرًا إِلَى كُفْرهمْ.
 وَقَالَ مُقَاتِل : إِثْمًا إِلَى إِثْمهمْ ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب

### الآية 9:126

> ﻿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [9:126]

أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ
 قِرَاءَة الْعَامَّة بِالْيَاءِ، خَبَرًا عَنْ الْمُنَافِقِينَ.
 وَقَرَأَ حَمْزَة وَيَعْقُوب بِالتَّاءِ خَبَرًا عَنْهُمْ وَخِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
 وَقَرَأَ الْأَعْمَش " أَوَلَمْ يَرَوْا ".
 وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " أَوَلَا تَرَى " وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود، خِطَابًا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 و " يُفْتَنُونَ " قَالَ الطَّبَرِيّ : يُخْتَبَرُونَ.
 قَالَ مُجَاهِد : بِالْقَحْطِ وَالشِّدَّة.
 وَقَالَ عَطِيَّة : بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَوْجَاع ; وَهِيَ رَوَائِد الْمَوْت.
 وَقَالَ قَتَادَة وَالْحَسَن وَمُجَاهِد : بِالْغَزْوِ وَالْجِهَاد مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَرَوْنَ مَا وَعَدَ اللَّه مِنْ النَّصْر " ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ " لِذَلِكَ " وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ".

### الآية 9:127

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [9:127]

صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ
 دُعَاء عَلَيْهِمْ ; أَيْ قُولُوا لَهُمْ هَذَا.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون خَبَرًا عَنْ صَرْفهَا عَنْ الْخَيْر مُجَازَاة عَلَى فِعْلهمْ.
 وَهِيَ كَلِمَة يُدْعَى بِهَا ; كَقَوْلِهِ :" قَاتَلَهُمْ اللَّه " \[ التَّوْبَة : ٣٠ \] وَالْبَاء فِي قَوْله :" بِأَنَّهُمْ " صِلَة ل " صَرَفَ ".
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُكْرَه أَنْ يُقَال اِنْصَرَفْنَا مِنْ الصَّلَاة ; لِأَنَّ قَوْمًا اِنْصَرَفُوا فَصَرَفَ اللَّه قُلُوبهمْ، وَلَكِنْ قُولُوا قَضَيْنَا الصَّلَاة ; أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيّ عَنْهُ.
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا فِيهِ نَظَر وَمَا أَظُنّهُ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ نِظَام الْكَلَام أَنْ يُقَال : لَا يَقُلْ أَحَد اِنْصَرَفْنَا مِنْ الصَّلَاة ; فَإِنَّ قَوْمًا قِيلَ فِيهِمْ :" ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّه قُلُوبهمْ ".
 أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك الْقَيْسِيّ الْوَاعِظ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْل الْجَوْهَرِيّ سَمَاعًا مِنْهُ يَقُول : كُنَّا فِي جِنَازَة فَقَالَ الْمُنْذِر بِهَا : اِنْصَرِفُوا رَحِمَكُمْ اللَّه فَقَالَ : لَا يَقُلْ أَحَد اِنْصَرِفُوا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ فِي قَوْم ذَمَّهُمْ :" ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّه قُلُوبهمْ " وَلَكِنْ قُولُوا : اِنْقَلِبُوا رَحِمَكُمْ اللَّه فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ فِي قَوْم مَدَحَهُمْ :" فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّه وَفَضْل لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء " \[ آل عِمْرَان : ١٧٤ \].
 أَخْبَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُ صَارِف الْقُلُوب وَمُصَرِّفهَا وَقَالِبهَا وَمُقَلِّبهَا ; رَدًّا عَلَى الْقَدَرِيَّة فِي اِعْتِقَادهمْ أَنَّ قُلُوب الْخَلْق بِأَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحهمْ بِحُكْمِهِمْ، يَتَصَرَّفُونَ بِمَشِيئَتِهِمْ وَيَحْكُمُونَ بِإِرَادَاتِهِمْ وَاخْتِيَارهمْ ; وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِك فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَب : مَا أَبْيَنَ هَذَا فِي الرَّدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة " لَا يَزَال بُنْيَانهمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَة فِي قُلُوبهمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبهمْ " \[ التَّوْبَة : ١١٠ \].
 وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ لِنُوحٍ :" إِنَّهُ لَنْ يُؤْمِن مِنْ قَوْمك إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ " \[ هُود : ٣٦ \] فَهَذَا لَا يَكُون أَبَدًا وَلَا يَرْجِع وَلَا يَزُول.

### الآية 9:128

> ﻿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:128]

بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
 الرَّءُوف : الْمُبَالِغ فِي الرَّأْفَة وَالشَّفَقَة.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \[ الْبَقَرَة \] مَعْنَى " رَءُوف رَحِيم " مُسْتَوْفًى.
 وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : لَمْ يَجْمَع اللَّه لِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاء اِسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ إِلَّا لِلنَّبِيِّ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّهُ قَالَ :" بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم " وَقَالَ :" إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَءُوف رَحِيم " \[ الْحَجّ : ٦٥ \].
 وَقَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن يَحْيَى : نَظْم الْآيَة لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ عَزِيز حَرِيص بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم، عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ لَا يَهُمّهُ إِلَّا شَأْنكُمْ، وَهُوَ الْقَائِم بِالشَّفَاعَةِ لَكُمْ فَلَا تَهْتَمُّوا بِمَا عَنِتُّمْ مَا أَقَمْتُمْ عَلَى سُنَّته ; فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيه إِلَّا دُخُولكُمْ الْجَنَّة.

### الآية 9:129

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [9:129]

وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
 خَصَّ الْعَرْش لِأَنَّهُ أَعْظَم الْمَخْلُوقَات فَيَدْخُل فِيهِ مَا دُونه إِذَا مَا ذَكَرَهُ.
 وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِخَفْضِ " الْعَظِيم " نَعْتًا لِلْعَرْشِ.
 وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَة لِلرَّبِّ، رُوِيَتْ عَنْ اِبْن كَثِير، وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مُحَيْصِن وَفِي كِتَاب أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ :( مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى حَسْبِيَ اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَهُوَ رَبّ الْعَرْش الْعَظِيم سَبْع مَرَّات كَفَاهُ اللَّه مَا أَهَمَّهُ صَادِقًا كَانَ بِهَا أَوْ كَاذِبًا ).
 وَفِي نَوَادِر الْأُصُول عَنْ بُرَيْدَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَنْ قَالَ عَشْر كَلِمَات عِنْد دُبُر كُلّ صَلَاة وَجَدَ اللَّه عِنْدهنَّ مَكْفِيًّا مَجْزِيًّا خَمْس لِلدُّنْيَا وَخَمْس لِلْآخِرَةِ حَسْبِيَ اللَّه لِدِينِي حَسْبِيَ اللَّه لِدُنْيَايَ حَسْبِيَ اللَّه لِمَا أَهَمَّنِي حَسْبِيَ اللَّه لِمَنْ بَغَى عَلَيَّ حَسْبِيَ اللَّه لِمَنْ حَسَدَنِي حَسْبِيَ اللَّه لِمَنْ كَادَنِي بِسُوءٍ حَسْبِيَ اللَّه عِنْد الْمَوْت حَسْبِيَ اللَّه عِنْد الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر حَسْبِيَ اللَّه عِنْد الْمِيزَان حَسْبِيَ اللَّه عِنْد الصِّرَاط حَسْبِيَ اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ أُنِيب ).
 وَحَكَى النَّقَّاش عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ قَالَ : أَقْرَب الْقُرْآن عَهْدًا بِاَللَّهِ تَعَالَى هَاتَانِ الْآيَتَانِ " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ " إِلَى آخِر السُّورَة ; وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
 وَرَوَى يُوسُف بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ آخِر مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ " وَهَذِهِ الْآيَة ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ.
 وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ اِبْن عَبَّاس خِلَافه ; عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي \[ الْبَقَرَة \] وَهُوَ أَصَحّ.
 وَقَالَ مُقَاتِل : تَقَدَّمَ نُزُولهَا بِمَكَّة.
 وَهَذَا فِيهِ بُعْد لِأَنَّ السُّورَة مَدَنِيَّة وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَقَالَ يَحْيَى بْن جَعْدَة : كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَا يُثْبِت آيَة فِي الْمُصْحَف حَتَّى يَشْهَد عَلَيْهَا رَجُلَانِ فَجَاءَهُ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِر سُورَة بَرَاءَة " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ " فَقَالَ عُمَر : وَاَللَّه لَا أَسْأَلك عَلَيْهِمَا بَيِّنَة كَذَلِكَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْبَتَهُمَا.
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الرَّجُل هُوَ خُزَيْمَة بْن ثَابِت وَإِنَّمَا أَثْبَتَهُمَا عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِشَهَادَتِهِ وَحْده لِقِيَامِ الدَّلِيل عَلَى صِحَّتهَا فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ قَرِينَة تُغْنِي عَنْ طَلَب شَاهِد آخَر بِخِلَافِ آيَة الْأَحْزَاب " رِجَال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ " \[ الْأَحْزَاب : ٢٣ \] فَإِنَّ تِلْكَ ثَبَتَتْ بِشَهَادَةِ زَيْد وَخُزَيْمَة لِسَمَاعِهِمَا إِيَّاهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب وَالْحَمْد لِلَّهِ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/9.md)
- [كل تفاسير سورة التوبة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/9.md)
- [ترجمات سورة التوبة
](https://quranpedia.net/translations/9.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
