---
title: "تفسير سورة التوبة - بحر العلوم - أبو الليث السمرقندي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/324.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/324"
surah_id: "9"
book_id: "324"
book_name: "بحر العلوم"
author: "أبو الليث السمرقندي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة التوبة - بحر العلوم - أبو الليث السمرقندي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/324)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة التوبة - بحر العلوم - أبو الليث السمرقندي — https://quranpedia.net/surah/1/9/book/324*.

Tafsir of Surah التوبة from "بحر العلوم" by أبو الليث السمرقندي.

### الآية 9:1

> ﻿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [9:1]

بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ، أي تبرؤ من الله ورسوله إلى من كان له عهد من المشركين من ذلك العهد ؛ ويقال : براءة  أي قطع من الله ورسوله إلى من كان له عهد من المشركين من ذلك العهد ؛ ويقال : معناه هذه الآية  براءة من الله ورسوله  ؛ ويقال : هذه السورة  بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ   إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين . وقال ابن عباس : البراءء نقض العهد  إلى الذين عاهدتم من المشركين  ؛ يقول : من كان بينه وبين رسول الله عهد، فقد نقضه ؛ وذلك أن المشركين نقضوا عهودهم قبل الأجل، وأمر الله تعالى نبيه فيمن كان له عهد أربعة أشهر، أن يقره إلى أن يمضي أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك أن يحطه إلى أربعة أشهر. 
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها، فأراد الحج، ثم قال :" إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك ". فأرسل أبا بكر وعلياً، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يجتمعون بها، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرام، ثم لا عهد لهم ؛ فذلك قوله تعالى : فَسِيحُواْ فِى الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .

### الآية 9:2

> ﻿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [9:2]

فَسِيحُواْ فِى الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، يعني فسيروا في الأرض أربعة أشهر آمنين غير خائفين،  واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله  ؛ يعني غير سابقي الله بأعمالكم، وغير فائتين بعد الأربعة الأشهر. ومعناه إنكم وإن أجلتم هذه الأربعة الأشهر، فلن تفوتوا الله.  وَأَنَّ الله  يعني واعلموا أن الله  مخزي الكافرين ، يعني مذل الكافرين. ويقال : معذب الكافرين في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار.

### الآية 9:3

> ﻿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:3]

**ثم قال عز وجل :**
 وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ، يعني : إعلام من الله ورسوله. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : كنت مع عليّ بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فقيل له : ما كنتم تنادون ؟ قال : كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان ؛ ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك. 
ويقال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ومعه عشر آيات، وأمره أن يقرأها على أهل مكة ؛ ثم بعث عليّاً وأمره أن يقرأ هذه الآيات ويقال : إنما أمر علياً بالقرآن، لأن أبا بكر كان خفيض الصوت وكان عليّ جهوري الصوت، فأراد أن يقرأ عليّ حتى يسمعوا جميعاً فذلك قوله تعالى : وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ . 
 إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر . وروى الأعمش، عن عبد الله بن أبي سنان قال : خطبنا المغيرة بن شعبة يوم النحر، فقال : هذا يوم النحر وهذا يوم الحج الأكبر ؛ وقال الحسن : إنما سمي الحج الأكبر، لأنه حج أبو بكر فاجتمع فيها المسلمون والمشركون، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى فلذلك سمي الحج الأكبر، لاجتماع المسلمين والمشركين في ذلك اليوم. 
وروي عن عليّ رضي الله عنه قال :«الحج الأكبر يوم النحر. وروي عن محمد بن قيس بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الحَجُّ الأَكْبَرُ يَوْمُ عَرَفَةَ " وإنما سمي يوم عرفة يوم الحج الأكبر، لأنه يوقف بعرفة. ويقال : الحج الأكبر هو الحج، والحج الأصغر هو العمرة. كما قال ابن عباس رضي الله عنهما : العمرة هي الحجة الصغرى ؛ وقال ابن أبي أوفى : الحج الأكبر يوم إهراق الدماء وحلق الشعر وهو يوم النحر. 
 أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ ، يعني : ورسوله أيضاً بريء من المشركين. وقرأ بعضهم  وَرَسُولُهُ  بنصب اللام ومعناه أن رسوله بريء من المشركين ؛ وهي قراءة شاذة. ثم قال : فَإِن تُبْتُمْ ، يعني : رجعتم من الكفر،  فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  من الإقامة عليه.  وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ، يعني : أبيتم الإسلام وأقمتم على الكفر وعبادة الأوثان،  فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله  ؛ يعني : لن تفوتوا من عذابه. 
ثم قال : وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ؛ وهو القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة إلى الأبد في النار.

### الآية 9:4

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:4]

ثم استثنى الذين لم ينقضوا العهد فقال : إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين ، وهم بنو كنانة وبنو ضمرة ؛  ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً  من عهودكم،  وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً  ؛ يقول : ولم يعاونوا عليكم أحداً  فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ، يعني : إلى إتمام أجلهم.  إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين  الذين يتقون نقض العهد.

### الآية 9:5

> ﻿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:5]

**قوله تعالى :**
 فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم  ؛ يقول : إذا مضى الأشهر التي جعلتها أجلهم،  فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  في الحل والحرم، يعني : المشركين الذين لا عهد لهم بعد ذلك الأجل. ويقال : إن هذه الآية  فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  نسخت سبعين آية في القرآن من الصلح والعهد والكف، مثل قوله  وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ  \[ الأنعام : ٦٦ \] وقوله : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ  \[ الغاشية : ٢٢ \]، وقوله : أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً  \[ النساء : ٦٣ \]، وقوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ  \[ الكافرون : ٦ \] ؛ وما سوى ذلك من الآيات التي نحو هذا صارت كلها منسوخة بهذه الآية. 
ثم قال : وَخُذُوهُمْ ، يعني : ائسروهم وشدوهم بالوثاق،  واحصروهم  ؛ يعني : إن لم تظفروا بهم، فاحصروهم في الحصن والحصان. قال الكلبي : يعني : واحبسوهم عن البيت الحرام أن يدخلوه ؛ وقال مقاتل : واحصروهم  يعني : التمسوهم،  واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، يعني : ارصدوا لهم بكل طريق ؛ وقال الأخفش : يعني : اقصدوا لهم على كل مرصد، وكلمة **«على »** محذوفة من الكلام، ومعناه واقعدوا لهم على كل طريق يأخذون. 
 فَإِن تَابُواْ  من الشرك  وأقاموا الصلاة ، يعني : وأقرّوا بالصلاة.  وَآتوا الزكاة ، يعني : وأقروا بالزكاة المفروضة.  فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ، يعني : اتركوهم ولا تقتلوهم.  إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، يعني : غفور  لما كان من الذنوب في الشرك،  رحيم  بهم بعد الإسلام.

### الآية 9:6

> ﻿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [9:6]

فقال رجل من المشركين : يا عليّ، إن أراد رجل منا بعد انقضاء الأجل أن يأتي لمحمد ويسمع كلامه، أو يأتيه لحاجة أيقتل ؟ فقال عليّ : لا. يقول الله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك ، يعني : استأمنك. ويقال : فيه تقديم، ومعناه وإن استجارك أحد من المشركين، يقول : إن طلب أحد من المشركين منكم الأمان،  فَأَجِرْهُ ، أي فأمنه،  حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله  ؛ يعني : اعرض عليه القرآن حتى يسمع قراءتك كلام الله تعالى، فإن أبى أن يسلم  ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ  ؛ يقول : فرده إلى مأمنه من حيث أتاك.  ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ، يعني : أمرتك بذلك، لأنهم قوم لا يعلمون حكم الله تعالى. وفي الآية دليل أن حربياً لو دخل دار الإسلام على وجه الأمان، يكون آمناً ما لم يرجع إلى مأمنه.

### الآية 9:7

> ﻿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:7]

ثم قال على وجه التعجب : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله \* وَرَسُولُهُ  ؛ ويقال : على وجه التوبيخ، يعني : لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله. ثم استثنى فقال : إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ، يعني : بني كنانة وبني ضمرة، وهم لم ينقضوا العهد فأمر الله بإتمام عهدهم. ويقال هم بنو خزاعة وبنو مدلج وبنو خزيمة.  فَمَا استقاموا لَكُمْ  على وفاء العهد،  فاستقيموا لَهُمْ  بالوفاء على التمام.  إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين  الذين يتقون ربهم ويمتنعون عن نقض العهد.

### الآية 9:8

> ﻿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [9:8]

**قوله تعالى :**
 كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ  ؛ يقول : كيف تقاتلوهم. ويقال : كيف يكون لهم عهد، وقد سبق في الكلام ما يدل على هذا الإضمار  وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ  يقول : يغلبوا عليكم ويظفروا بكم.  لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ، يعني : لا يحفظوا فيكم قرابة ولا عهداً. وقال سعيد بن جبير : الإل هو الله. وقال ابن عباس : الإل القرابة والذمة العهد. وقال مجاهد : لا يرقبون الله ولا عهداً. وعن الضحاك أنه قال : الإل القرابة والذمة العهد.  يُرْضُونَكُم بأفواههم ، يعني : بألسنتهم مثل قول المنافقين.  وتأبى قُلُوبِهِمْ ، يعني : وتنكر قلوبهم يقولون قولاً بغير حقيقة.  وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ، يعني : عاصون بنقض العهد.

### الآية 9:9

> ﻿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:9]

قوله تعالى : اشتروا بئايات الله ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ  ؛ قال مقاتل : باعوا الإيمان بعرض من الدنيا قليل ؛ وذلك أن أبا سفيان كان يعطي الناقة والطعام والشيء، ليصد بذلك الناس عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي : اشتروا بئايات الله ثَمَنًا قليلا  ؛ يقول : كتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم بشيء من المآكلة، يأخذونه من السفلة.  إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ، يعني : بئسما كانوا يعملون بصدهم الناس عن دين الله.

### الآية 9:10

> ﻿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [9:10]

قوله تعالى : لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ، يعني : لا يحفظون في المؤمنين قرابة ولا عهداً.  وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون  بنقض العهد وترك أمر الله تعالى.

### الآية 9:11

> ﻿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [9:11]

قوله تعالى : فَإِن تَابُواْ  من الشرك.  فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وآتوا الزكاة  ؛ يعني : أقروا بهما ؛  فَإِخوَانُكُمْ فِى الدين ، يعني : هم مؤمنون مثلكم.  وَنُفَصّلُ الآيات ، يعني : بيَّن العلامات  لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  أنه من الله تعالى.

### الآية 9:12

> ﻿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [9:12]

قوله تعالى : وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم  ؛ يقول : وإن نقضوا عهودهم  مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ  ؛ يقول من بعد أجله،  وَطَعَنُواْ  ؛ يقول : وعابوا  فِى دِينِكُمْ  الإسلام،  فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر  ؛ يعني : قادة أهل الكفر ورؤساؤهم.  إِنَّهُمْ لا أيمان لَهُمْ . قرأ ابن عامر لا  إيمان  بالكسر، وهي قراءة الحسن البصري أي لا إسلام لهم، والباقون  لا أيمان  بالنصب يعني : لا قرار لهم. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر  أئمة  بهمزة واحدة والباقون بهمزتين. ثم قال : لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ، يعني : لعلهم ينتهون عن نقض العهد.

### الآية 9:13

> ﻿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [9:13]

ثم حثّ المؤمنين على قتال كفار قريش، وذلك قبل فتح مكة فقال عز وجل : أَلاَ تقاتلون قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم  ؛ يقول : نقضوا عهودهم من قبل أجلها.  وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول  ؛ يقول : هموا بقتال الرسول صلى الله عليه وسلم،  وَهُمْ \*\*\* بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  بنقض العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة.  أَتَخْشَوْنَهُمْ  لا تقاتلوهم ؟  فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ  في ترك أمره،  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  ؛ يعني : إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى.

### الآية 9:14

> ﻿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [9:14]

ثم وعد لهم النصرة، فقال تعالى : قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ ، يعني : بالقتل والهزيمة،  وَيُخْزِهِمْ  ؛ يعني : ويذلهم بالهزيمة،  وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ  ؛ يعني : على قريش،  وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ  ؛ يعني : ويفرح قلوب بني خزاعة. وفي الآية دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم. 
قال الفقيه : حدثنا أبي قال : حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال : حدثنا محمد بن الحسن الجوباري قال : حدثنا حماد بن زيد، عن عكرمة قال : لما واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، وكانت بنو بكر حلفاء قريش ؛ فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في صلح قريش ؛ ثم كان بين بني بكر وبين بني خزاعة فقال : فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم ؛ ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، فقالوا لأبي سفيان : اذهب إلى محمد وجدد العهد، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض العهد، يعني : الذي أطعم الطعام لا ينقض عليه العهد. 
فانطلق أبو سفيان في ذلك، فلما قصد أبو سفيان المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ »**. فلما قدم أبو سفيان المدينة، أتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس ؛ فقال له أبو بكر : الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر، فقال له عمر : نقضتم ؟ فما كان منه جديداً فأبلاه الله، وما كان منه متيناً أو شديداً فقطعه الله تعالى. فقال له أبو سفيان : ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة مثلك، يعني : شاهداً على هلاك قومه. 
ثم أتى فاطمة رضي الله عنها فقال لها : يا فاطمة، هل لك في أمر تسودين فيه نساء قريش ؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر، فقالت : الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى علياً فذكر له نحواً من ذلك، فقال له عليّ : ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك أنت سيد الناس، فجدِّد وأصلح بين الناس. 
فضرب أبو سفيان يمينه على يساره وقال : أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه، فأخبرهم بما صنع فقالوا : ما رأينا كاليوم وافد قوم، والله يا أبا سفيان ما جئنا بصلح فنأمن ولا بحرب ؛ فقدم وافد بني خزاعة على النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة، فقال في ذلك شعراً :
اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا. . . حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا
إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا. . . وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا. . . وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدا
وَهُمْ أَتُونَا بِالوَتِينِ هجدَا. . . نَتْلُو الكِتَابَ رُكَّعاً وَسُجَّدَا
ثَمَّةَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزعْ بُدَّا. . . فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا
وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا. . . فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل وروي في خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**« والله، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً »**. وقال :**« والله لا نُصِرْتُ، إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ »**. فخرج إلى مكة ومعه عشرة آلاف رجل، ثم رجعنا إلى حديث عكرمة قال : فتجهزوا. وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، حتى نزلوا برمال الظهران، فخرج أبو سفيان من مكة، فرأى النيران والعسكر فقال : ما هذه ؟ فقيل : هؤلاء بنو تميم. فقال : والله هؤلاء أكثر من أهل منًى. فلما علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنكَّر وأقبل يقول : دلوني على العباس ؛ فأتاه فانطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أدخله عليه، فقال له : رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ »**. فقال : كيف أصنع بالَّلات والعزى ؟
قال حماد بن زيد : حدثني أبو الخليل، عن سعيد بن جبير أن عمر رضي الله عنه قال وهو خارج من القبة، وفي عنقه السيف : أخر عليهما ؛ أما والله لو كنت خارجاً عن القبة ما سألت عنهما أبداً، قال : من هذا ؟ فقالوا : عمر بن الخطاب. فأسلم أبو سفيان، فانطلق به العباس إلى منزله ؛ فلما أصبح، رأى الناس قد تحركوا للوضوء والصلاة، فقال أبو سفيان للعباس : يا أبا الفضل أو أمروا فيَّ بشيء ؟ قال : لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة فتوضأ. ثم انطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة قاموا، فلما كبر كبروا، فلما ركع ركعوا، فلما سجد سجدوا. فقال أبو سفيان : يا أبا الفضل، ما رأيت كاليوم طاعة قوم، لا فارس الأكارم، ولا الروم ذات القرون. 
قال حماد بن زيد، فزعم يزيد بن حازم، عن عكرمة أنه قال : يا أبا الفضل، أصبح ابن أخيك عظيم الملك، فقال له العباس : إنه ليس بملك ولكنه نبوة. قال : هو ذاك. وقال حماد : قال أيوب ثم قال : واصباح قريش وقال العباس : يا رسول الله، لو أذنت لي فأتيتهم ودعوتهم، وأمنتهم وجعلت لأبي سفيان شيئاً يذكر به. قال :**« فَافْعَلْ »** فركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل مكة فنادى : يا أهل مكة أسلموا تسلموا، فقد استبطأتم بأشهب باذل ؛ قد جاءكم الزبير من أعلى مكة، وجاء خالد من أسفل مكة. وخالد وما خالد والزبير وما الزبير. ثم قال : من أسلم فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر عليهم، فآمن الناس جميعاً إلا بني بكر من خزاعة، فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله تعالى : قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ  وهم خزاعة.

### الآية 9:15

> ﻿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:15]

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ  يعني : حقد قلوب خزاعة وروى مصعب بن سعد، عن أبيه قال : لما كان يوم فتح مكة، آمن الناس إلا ستة، ونفر عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن أخطل، ومقيس بن ضبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وامرأتين فقال : اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة. 
وروى عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى مكة، ذكر إلى أن قال : دخل صناديد قريش من المشركين إلى الكعبة، وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت فصلى ركعتين، ثم أتى الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب فقال :**« ما تَقُولُونَ وَمَا تَظُنُّونَ ؟ »** نقول أخ كريم، وابن عم حليم رحيم. قال : أقول كما قال يوسف :**«  لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ  »**. قال : فخرجوا كأنما نشروا من القبور ودخلوا في الإسلام ؛ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يلي الصفا، فخطب والأنصار أسفل منه، فقالت الأنصار بعضهم لبعض : أما إن الرجل أخذته الرأفة بقومه، وأدركته الرغبة في قرابته. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« أَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ وَالله إِنِّي رَسُولُ الله حَقّاً. إِنَّ مَحْيَاه لَمَحْيَاكُمْ، وَإِنَّ مَمَاتَه لَمَمَاتُكُمْ »**. فقالوا : يا رسول الله قلنا مخافة أن تفارقنا ضناً بك. قال :**« أَنْتُمْ الصَّادِقُونَ عِنْدَ الله وَعِنْدَ رَسُولِهِ »**. قال الله تعالى : وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء ، يعني : من أهل مكة يهديهم الله لدينه.  والله عَلِيمٌ  بمن يؤمن من خلقه،  حَكِيمٌ  في أمره.

### الآية 9:16

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [9:16]

قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ  ؛ وذلك أنه لما أمرهم الله تعالى بالقتال، شق ذلك على بعض المؤمنين، فنزل قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ ، يعني : أظننتم أن تتركوا على الإيمان أيها المؤمنون، ولا تبتلوا بالقتال ولا تؤمروا به.  وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ ، يعني : لم يميز الذين جاهدوا منكم من الذين لم يجاهدوا. وقد كان يعلم الله تعالى ذلك منهم قبل أن يجاهدوا وقبل أن يخلقهم، ولكن كان علمه علم الغيب، ولا يستوجبون الجنة والثواب بذلك العلم ؛ وإنما يستوجبون الثواب والعقاب بما يظهر منهم من الجهاد. ويقال : معناه أظننتم أن تدخلوا الجنة بغير جهاد وبغير تعب النفس، وهكذا قال في آية أُخرى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ 
\[ البقرة : ٢١٤ \]. وكما قال في رواية أُخرى : أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ  \[ العنكبوت : ٢ \] الآية. 
ثم قال  وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ ، يعني : لم يتخذوا من دون الله تعالى ولا رسوله، يعني : ولا من دون رسوله،  وَلاَ المؤمنين ، يعني : ويميز الذين لا يتخذون ولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين يميِّزهم من غيرهم،  وَلِيجَةً  ؛ يعني : بطانة من غير أهل دينه، يفشي إليه سره. وقال الزجاج : الوليجة البطانة، وهي مأخوذة من ولج الشيء إذا دخل، يعني : ولم يتخذوا بينهم وبين أهل الكفر خُلَّةً ومودة. ويقال : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد الخروج إليهم، وأراد بذلك مودة أهل مكة، وفيه نزلت : يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحق يُخْرِجُونَ الرسول وإياكم أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وابتغآء مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل  \[ الممتحنة : ١ \] الآية. ثم قال تعالى : والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ، يعني : من الخير والشر والجهاد والتخلف ومودة أهل الكفر.

### الآية 9:17

> ﻿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [9:17]

**قوله تعالى :**
 مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ ، قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي  مساجد  بلفظ الجماعة، وكذلك الثاني يعني : جميع المساجد ؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأول  مسجد  بغير ألف والثاني بألف. وروي عن ابن كثير كلاهما بغير ألف، يعني : المسجد الحرام. ومن قرأ مساجد أيضاً، يجوز أن يحمل على المسجد الحرام، لأنه يذكر المساجد ويراد به مسجد واحد. كما قال : يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  \[ المؤمنون : ٥١ \]، يعني به النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى : شَاهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ، يعني : ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر يعني : لا ثواب لهم بغير إيمان. 
 أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم ، يعني : بطل ثواب أعمالهم، ويقال : شَاهِدِينَ على أَنفُسِهِم  يعني : كلامهم يشهد عليهم بالكفر.  وَفِى النار هُمْ خالدون ، يعني : يكونون في النار هم خالدين ؛ ويقال شاهدين عليهم يوم القيامة، فلا ينفعهم عمارة المسجد بغير إيمان. وروى أسباط، عن السدي في قوله : شَاهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ  أنه قال : يسأل النصراني ما أنت ؟ فيقول : نصراني. ويسأل اليهودي ما أنت ؟ فيقول : يهودي. ويسأل المشرك ما أنت ؟ فيقول : مشرك. فذلك قوله تعالى  شَاهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ . 
ويقال : هذه الآية نزلت في شأن العباس حين أُسِر يوم بدر، فأقبل عليه نفر من المهاجرين وعيّروه بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وبقطيعة الرحم، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ؟ فقال له عليُّ : فهل لكم من المحاسن شيء ؟ فقال : نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونؤمن الخائف، ونقري الضيف ؛ فنزل  مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ  إلى قوله : أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم وَفِى النار هُمْ خالدون .

### الآية 9:18

> ﻿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [9:18]

قوله تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله ، يعني : صدق بوحدانية الله تعالى.  واليوم الآخر ، يعني : آمن بالبعث بعد الموت، لأن عمارة المسجد بإقامة الجماعات ؛ وهم كانوا لا يقيمون الصلاة، فلم يكن ذلك عمارة المسجد. فذلك قوله : وأقام الصلاة ، يعني : يداوم على الصلوات الخمس، ويقيمها بركوعها وسجودها في مواقيتها،  وآتى الزكاة  المفروضة،  وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله  ؛ يعني : ولم يوحد إلا الله ولم يعبد غيره  فعسى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين ، يعني : أُولئك هم المهتدون لدينه، ولهم ثواب أعمالهم.

### الآية 9:19

> ﻿۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:19]

**قوله تعالى :**
 أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ ءامَنَ بالله واليوم الآخر وجاهد فِى سَبِيلِ الله ، يعني : كإيمان من آمن بالله  وجاهد . وقال القتبي : أجعلتم سقاية الحاج ، يعني : صاحب سقاية الحاج، كمن آمن بالله ؟ ويقال : أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله ؟ كما قال في آية أُخرى : الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات ومساجد يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ  \[ الحج : ٤٠ \] والصلوات لا تهدم ؛ وإنما أراد به بيوت الصلوات، كما قال  وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ أهلكناهم فَلاَ ناصر لَهُمْ  \[ محمد : ١٣ \]، يعني : أهل قريتك. كذلك هاهنا سقاية الحاج، أراد به صاحب السقاية. قرأ بعضهم  سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام  يعني : جمع الساقي والعامر، وهي قراءة شاذة ثم قال : لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله ، يعني : لا يستوون عند الله في الثواب والعمل عند الله.  والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ، يعني : لا يرشد المشركين إلى الحجة، ويقال : لا يكرمهم بالمعرفة، ما لم يتركوا كفرهم. كما قال في آية أُخرى : والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين  \[ العنكبوت : ٦٩ \].

### الآية 9:20

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [9:20]

قوله تعالى : الذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ ، يعني : صدقوا بوحدانية الله، يعني : وهاجروا  إلى المدينة.  وجاهدوا فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله ، يعني : هؤلاء أفضل عند الله، وأفضل درجة في الجنة من الذين لم يهاجروا، ولم يؤمنوا، ولم يعمروا المسجد الحرام، ولم يسقوا الحاج.  وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون ، يعني : الناجون من النار.

### الآية 9:21

> ﻿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [9:21]

قوله تعالى : يُبَشّرُهُمْ ، يعني : يفرحهم  رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ، يعني : بالجنة منه،  وَرِضْوَانٍ  ؛ يعني : رضي الله تعالى عنهم ؛ كما قال في آية أُخرى : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أولئك كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا رَضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أولئك حِزْبُ الله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون  \[ المجادلة : ٢٢ \] بالثواب الذي أعطاهم. وقال : وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ، يعني : دائماً لا ينقطع عنهم.

### الآية 9:22

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [9:22]

خالدين فِيهَا ، يعني : مقيمين دائمين في الجنات  أَبَدًا ، هو تأكيد للخلود.  إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، وهي الجنة.

### الآية 9:23

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [9:23]

قوله تعالى : عَظِيمٌ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وإخوانكم أَوْلِيَاء ، يعني : لا تتخذوا الذين بمكة أولياء. قال مقاتل : نزلت الآية في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهاهم الله تعالى عن ولايتهم. وقال في رواية الكلبي : لما أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، فجعل الرجل يقول لامرأته ولأخيه : إنا قد أمرنا بالهجرة. فتخرج معه، ومنهم من تعلقت به زوجته وعياله، فيقولون له : تدعنا لمن حتى نضيع ؟ فيرق لهم ويجلس معهم، فنزل  عَظِيمٌ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وإخوانكم أَوْلِيَاء  في الدين والعون  إِنِ استحبوا الكفر ، يعني : إن اختاروا الكفر  عَلَى الإيمان ، ويقال : اختاروا الجلوس مع الكفار على الجلوس مع المؤمنين.  وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ  بعد نزول هذه الآية،  فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون  الضارون بأنفسهم.

### الآية 9:24

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:24]

**قوله تعالى :**
 قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وإخوانكم وأزواجكم وَعَشِيرَتُكُمْ   يعني : قومكم. قرأ عاصم في رواية أبي بكر { \*\*\*وعَشِيرَاتُكُمْ  بالألف بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون بغير ألف.  وَعَشِيرَتُكُمْ وأموال اقترفتموها ، يعني : اكتسبتموها بمكة،  وتجارة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا  ؛ : تخشون أن تبقى عليكم فلا تنفق،  ومساكن تَرْضَوْنَهَا  يعني : منازلكم التي بمكة تعجبكم الإقامة فيها،  أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ الله وَرَسُولِهِ  ؛ يعني : أن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة،  وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ  ؛ يعني : في طاعة الله تعالى ؛  فَتَرَبَّصُواْ ، يعني : فانتظروا،  حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ ، يعني : فتح مكة، ويقال : الموت والقيامة. وقال الضحاك : حتى يأتي الله بأمره ، يعني : حتى يأمر الله بقتال آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم ثُمَّ قال : والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين . وهذا وعيد من الله تعالى للذين لم يهاجروا، ويقال : من أول سورة براءة إلى قوله : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وءاتوا الزكواة فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدين وَنُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  \[ التوبة : ١١ \] نزلت بعد فتح مكة. ثم من قوله : وَإِن نكثوا أيمانهم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر إِنَّهُمْ لاَ أيمان لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ  \[ التوبة : ١٢ \] إلى هاهنا كان نزل قبل فتح مكة فوضع هاهنا.

### الآية 9:25

> ﻿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [9:25]

ثم ما بعد هذا، نزل بعد فتح مكة وهو قوله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ  ؛ وذلك أنه لما نزل قوله تعالى : فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  \[ التوبة : ٥ \]، فأمرهم الله تعالى بأن يقاتلوا ويتوكلوا على الله، ويطلبوا النصرة منه، ولا يعتمدوا على الكثرة والقلة، لأن النصرة من الله تعالى ؛ فذلك قوله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ، يعني : نصركم الله في مواطن كثيرة وهو يوم بدر، ويوم بني قريظة، ويوم خيبر، ويوم فتح مكة، وخاصة يَوْمَ حُنَيْنٍ.  إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ، يعني : جماعتكم،  فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً  ؛ يعني : عن قضاء الله تعالى كثرتكم شيئاً. 
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى حنين في اثني عشر ألفاً، وعشرة آلاف التي خرجت معه من المدينة إلى فتح مكة، وخرج معه ألفان من أهل مكة، فقال رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلام : لن نغلب اليوم من قلة. وقد كان فتح مكة في شهر رمضان، وبقيت عليه أيام من رمضان، فمكث حتى دخل شوال. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني سليم عيناً له يقال له عبد الله بن أبي حدرد، فأتى حنيناً وكان بينهم يسمع أخبارهم، فسمع من مالك بن عوف أمير القوم يقول لأصحابه : أنتم اليوم أربعة آلاف رجل، فإذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، واكسروا جفون سيوفكم فوالله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئاً إلا أفرج لكم. 
وكان مالك بن عوف على هوازن، فأقبل ابن أبي حدرد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بمقالتهم، فقال رجل من المسلمين : فوالله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نغلب اليوم من كثرة. فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته، وابتلى الله المؤمنين بكلمته تلك. 
قال الفقيه : حدثنا أبو جعفر قال : حدثنا الفقيه، علي بن أحمد الفارسي قال : حدثنا نصير بن يحيى قال : حدثنا أبو سليمان قال : حدثنا الفقيه، محمد بن الحسن، عن مجمع بن يعقوب، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي طلحة قال : سمعت أنس بن مالك يقول : لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي حنين، وهو وادي من أودية تهامة له مضايق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن جيش لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط من السواد والكثرة. وقد ساقوا أموالهم ونساءهم وأبناءهم وراءهم، ثم صفوا فحملوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاؤوا بالإبل والغنم وراء ذلك، لكيلا يفروا بزعمهم. فلما رأينا ذلك السواد، حسبناهم رجالاً كلهم. فلما انحدرنا والوادي، وهو وادي حدور، فبيَّنا نحن فيه إنَّ شعرنا، أي ما شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضايق الوادي وشعبه، فحملوا علينا حملة رجل واحد. 
وقد كانت قريش بمكة طلبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا معه إلى حنين، فلم يقل لهم لا ولا نعم، فخرجوا وكانوا هم أول من انهزم من الناس قال أنس : فولوا دبرهم وأتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء. فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول، والتفت عن يمينه وعن يساره :**«يَا أَنْصَارَ الله وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ، أَنَا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ صَابِرٌ اليَوْمَ »**، ثم تقدم بحربته. أما الناس، فوالذي بعثه بالحق ما ضربنا بسيف ولا طعنا برمح، حتى هزم الله تعالى. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعسكر، وأمر بطلبهم وأن يقتل كل من قدر عليه منهم. 
وجعلت هوازن تولي وثاب من انهزم من المسلمين. قال الراوي : فقالت أم سليم، وكانت يومئذ تقاتل شادة على بطنها بثوب تقول : أرأيت يا رسول الله الذين أسلموا وفروا عنك وخذلوك، لا تعف عنهم إن أمكنك الله تعالى منهم فاقتلهم، كما تقتل هؤلاء المشركين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، عَفْوُ الله أَوْسَعُ »**. 
وروي في خبر آخر أن دريد بن الصمة، كان شيخاً كبيراً في عسكر مالك بن عوف، وكان صاحب تدبير، وكان لا يبصر شيئاً ما لم ترفع حاجباه. 
فقال : ما لي أسمع رغاء الإبل وثغاء الغنم وصوت الصبيان، فقالوا له : إن مالك بن عوف أمر بإخراج الأموال، لكي يقاتل كل واحد منهم عن ماله. فقال لهم : هلا أخبرتموني بذلك قبل الخروج. فالرجل إذا جاءته الهزيمة متى يبالي بماله وولده ؟ ولكن إذا فعلتم ذلك فاكسروا جفون سيوفكم، واحملوا حملة رجل واحد. ففعلوا ذلك، فانهزم المسلمون، ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعدة من الأنصار. 
فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وأخذ السيف ومضى نحو العدو، وجعل ينادي :**«يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ، يَا أَصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَةِ إِليَّ إِليَّ »** فأمدّه الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة، ورجع إليه المسلمون، وانهزم المشركون، وأخذ المسلمون أموالهم. وهو الذي يسمى يوم أوطاس، فنزلت هذه الآية  لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ  فأخبر الله تعالى أن الغلبة ليست بكثرتكم، ولكن بنصرة الله تعالى، وكان ذلك من آيات الله. ثم قال  وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ  ؛ يعني : برحبتها وسعتها من خوف العدو،  ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ  ؛ يعني : منهزمين لا يلوون على أحد.

### الآية 9:26

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [9:26]

**قوله تعالى :**
 ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ ، يعني : رحمته  وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ، يعني : خمسة آلاف من الملائكة وفي الآية دليل أن المؤمن لا يخرج من الإيمان وإن عمل الكبيرة، لأنهم ارتكبوا الكبيرة، حيث هربوا وكان عددهم أكثر من عدد المشركين، فسماهم الله تعالى مؤمنين.  وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ ، يعني : بالقتل والهزيمة.  وَذَلِكَ  يعني : ذلك العذاب  جَزَاء الكافرين ، أي عقاب.

### الآية 9:27

> ﻿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:27]

قوله تعالى : ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَاء  من أصحاب مالك بن عوف من كان أَهْلاً للإسلام. وروي عن محمد بن كعب القرظي قال : لما انهزم مالك بن عوف، سار مع ثلاثة آلاف، فقال لأصحابه : هل لكم أن تصيبوا من محمد مالاً ؟ قالوا : نعم. فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إني أريد أن أسلم، فما تعطيني ؟ فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم :**« إِنِّي أُعْطِيكَ مِائةً مِنَ الإِبِلِ وَرُعَاتَهَا »**. فجاء فأسلم، فأقام يومين أو ثلاثة ؛ فلما رأى المسلمين ورقتهم وزهدهم واجتهادهم، رق لذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« يَا ابْنَ عَوْفٍ أَلاَ نَفِي لَكَ بِمَا أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الشَّرْطِ ؟ »** فقال : يا رسول الله، أمثلي من يأخذ على الإسلام شيئاً ؟ قال : فكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن افتتح عامة الشام ثم قال الله عز وجل : والله غَفُورٌ  لما كان من الشرك،  رَّحِيمٌ  بهم في الإسلام.

### الآية 9:28

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:28]

قوله تعالى : رَّحِيمٌ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ، يعني : قذر ورجس ؛ ولم يقل أنجاس، لأن النَّجَس مصدر والمصدر لا يثنَّى ولا يجمع،  فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا  ؛ فهذه الآية من الآيات التي قرأها عليهم عليّ بن أبي طالب بمكة، يعني : لا يدخلوا أرض مكة، وقال مقاتل : يعني : الحرم كله، وقال مالك بن أنس : لا يجوز للكفار أن يدخلوا المساجد، لأن الله تعالى قال : إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ  كما أن الجنب لا يجوز له أن يدخل المسجد. 
وقال الزهري : له أن يدخل جميع المساجد إلا المسجد الحرام ؛ وهو قول الشافعي رحمه الله وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه : يجوز للذمي أن يدخل جميع المساجد، لأن الكفار كانوا يدخلون مسجد المدينة، إذا قدموا وافدين من قومهم. وهذه الآية نزلت في شأن أهل الحرب، إنهم لا يدخلون المسجد الحرام بغير أمان، ولا يكون لهم ولاية البيت. وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال : لا يدخلون المسجد الحرام إلا برق أو عهد. 
 وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ، يعني : حاجة وفقراً. وقال الزجاج العيلة الفقر، كما قال الشاعر :
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاه. . . وَلاَ يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ
ثم قال : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ  ؛ وذلك أنه لما منع المشركون من مكة، قال أناس من التجار لأهل مكة : من أين تأكلون إذا فعلتم هذا ؟ فنزل  وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ، يعني : من رزقه ؛ ففرحوا بذلك فأسلم أهل جدة وصنعاء من أهل اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة من البر والبحر وأغناهم الله تعالى بذلك، يعني : أغناهم عن تجار الكفار بالمؤمنين. ثم قال : إِن شَاء ، يعني : يدوم لكم بمشيئة الله تعالى.  إِنَّ الله عَلِيمٌ  بخلقه  حَكِيمٌ  في أمره.

### الآية 9:29

> ﻿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [9:29]

**قوله تعالى :**
 قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله ، يعني : لا يصدقون بتوحيد الله،  وَلاَ باليوم الآخر  بالبعث بعد الموت،  وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ ، في التوراة والإنجيل والقرآن،  وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق ، يقول : لا يخضعون لدين الحق، ولا يقرون بشهادة لا إله إلا الله. ومعناه لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، لأن أهل الكتاب كانوا يقرون بالله، ولكنهم قالوا : لله ولد ؛ وأقروا بالبعث، ولكنهم لا يقرون لأهل الجنة بالنعمة، لأنهم لا يقرون بالأكل والشرب والجماع. فليس يدينون دين الحق، يعني : دين الإسلام ؛ ويقال : دين الله تعالى، لأن الله تعالى هو الحق، فأمر الله تعالى بقتلهم إلا أن يعطوا الجزية. وهو قوله تعالى : حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون  ؛ قال بعضهم : عن قهر وذلّ، كما يقال : اليد في هذا لفلان، يعني : الأمر النافذ لفلان. ويقال : عَن يَدٍ ، يعني : عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية وترك أنفسهم يد ونعمة عليهم. ويقال : عن اعتراف المسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. ويقال : عَن يَدٍ  يعني : عن قيام يمشون بها صاغرين تؤخذ من أيديهم. وقال الأخفش : يعني : كرهاً.  وَهُمْ صاغرون ، يعني : ذليلين. 
قال الفقيه : قتال الكفار على ثلاثة أنواع : في وجه، يقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام، وهم مشركو العرب والمرتدون من الأعراب أو من غيرهم ؛ وفي وجه آخر، يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ؛ وهم اليهود والنصارى والمجوس ؛ فأما اليهود والنصارى بهذه الآية، وأما المجوس بالخبر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم :**« سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ »** وفي الوجه الثالث، واختلفوا فيه، وهم المشركون من غير العرب وغير أهل الكتاب، مثل الترك والهند ونحو ذلك، في قول الشافعي : لا يجوز أخذ الجزية منهم، وفي قول أبي حنيفة وأصحابه : يجوز أخذ الجزية منهم، كما يجوز من المجوس، لأنهم من غير العرب.

### الآية 9:30

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [9:30]

**قوله تعالى :**
 وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله . قرأ عاصم والكسائي  عُزَيْرٌ  بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين فمن قرأ بالتنوين، لأن الابن خبر وليس بنسبة، ومن قرأ بغير التنوين فلالتقاء الساكنين ؛ كما قرأ بعضهم  قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ  \[ الإخلاص : ١ \] بغير تنوين. فلا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين أجود من طريق أهل اللغة، وإنما قالت اليهود، لأنه لما خرب بُخْتُنَصَّر بيت المقدس وأحرق التوراة، حزنوا على ذهاب التوراة، فأملاها عليهم عزير صلوات الله عليه عن ظهر قلبه فتعلموها وفي أنفسهم منها شيء، مخافة أن يكون قد زاد فيها أو نقص منها شيئاً ؛ فبينما هم كذلك، إذ وقعوا على جراب مدفونة في قرية فيها التوراة، فعارضوا بها على ما كتبوا من عزير عليه السلام فلم يزد شيئاً ولم ينقص حرفاً، فقالوا عند ذلك : ما علم عزير هذا، إلا وهو ابن الله. 
 وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله  ؛ وإنما قالوا ذلك، لأن المسيح كان يبرىء الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله تعالى ؛ فقالوا : لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن الله. ويقال : إنّ الإفراط في كل شيء مذموم، لأن النصارى أفرطوا في حب عيسى عليه السلام تغالوا، وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا بسبب ذلك ؛ واليهود أفرطوا بحب عزير، وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا ؛ كما أفرطت الروافض في حب عليّ حتى أبغضوا غيره وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما. 
ثم قال تعالى : ذلك قَوْلُهُم بأفواههم ، يعني : ذلك  كذبهم بألسنتهم، ويقال : معناه يقولون بأفواههم قولاً بلا فائدة، ولا برهان، ولا معنى صحيح تحته. ثم قال : يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ  ؛ يعني : يوافقون قول الذين كفروا  مِن قَبْلُ ، حين قالوا : الملائكة بنات الله. وقال قتادة : يشبهون قول الذين كفروا، يعني : إنّ قول اليهود يوافق قول النصارى، وقول النصارى يوافق قول اليهود ؛ ويقال : يتشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم، يعني : إنما قالوا اتباعاً لهم بدليل قوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم . قرأ عاصم  يضاهئون  بكسر الهاء مع الهمزة، وهي لغة لبعض العرب ؛ وقرأ الباقون بالسكون بغير همزة وهي اللغة المعروفة ؛ وقال القتبي : يضاهون  يعني : يشبهون، يعني : قول من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى قول أوليهم الذين كانوا قبلهم. 
ثم قال : قاتلهم الله ، يعني : لعنهم الله.  أنى يُؤْفَكُونَ ، يعني : من أين يكذبون بتوحيد الله تعالى.

### الآية 9:31

> ﻿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [9:31]

ثم قال عز وجل : اتخذوا أحبارهم ، يعني : علماءهم  ورهبانهم ، يعني : أصحاب الصوامع والمتعبدين منهم.  أَرْبَابًا مّن دُونِ الله ، يعني : اتخذوهم كالأرباب يطيعونهم في معاصي الله تعالى. قال الفقيه الزاهد : حدثنا الفقيه أبو جعفر قال : حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال : حدثنا محمد بن عيسى قال : حدثنا الحسن بن يزيد الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن عطيف بن أعين، عن مصعب بن سعيد، عن عدي بن حاتم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ من سورة براءة  اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ، قال **« أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، ولكن كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئاً اسْتَحَلُّوا، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئَاً حَرَّمُوا »**. ثم قال : والمسيح ابن مَرْيَمَ ، يعني : اتخذوا المسيح ابن مريم رباً من دون الله تعالى.  وَمَا أُمِرُواْ ، يقول وما أمرهم عيسى عليه السلام  إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ، يعني : إلا قوله : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ  \[ المائدة : ١١٧ \] ويقال وما أُمروا في جميع الكتب إلا ليعبدوا إلها، يعني : ليوحدوا الله تعالى إلها واحداً. ثم نزّه نفسه فقال تعالى : لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ ، يعني : عما يعبدون من دونه.

### الآية 9:32

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [9:32]

**ثم قال عز وجل :**
 يُرِيدُونَ   يعني : اليهود والنصارى { أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ، يعني : يريدون أن يردوا القرآن تكذيباً بألسنتهم ؛ ويقال : يريدون أن يغيروا دين الإسلام بألسنتهم، ويقال : يريدون أن يبطلوا كلمة التوحيد بكلمة الشرك.  ويأبى الله ، يعني : لا يرضى الله تعالى ولا يترك  إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ، يعني : يظهر دين الإسلام.  وَلَوْ كَرِهَ الكافرون  فيظهره.

### الآية 9:33

> ﻿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [9:33]

ثم قال تعالى : هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى ، يعني : بالقرآن والتوحيد،  وَدِينِ الحق  ؛ يعني : دين الإسلام ؛ ويقال : دين الله تعالى،  لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  ؛ يعني : يظهره بالحجة على الدين كله ؛ ويقال : بالقهر والغلبة والرعب في قلوب الكفار ؛ وقال ابن عباس : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  يعني : بعد نزول عيسى عليه السلام لا يبقى أحد إلا دخل في دين الإسلام،  وَلَوْ كَرِهَ المشركون .

### الآية 9:34

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:34]

**قوله تعالى :**
 المشركون يا أيها الذين ءامَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مّنَ الأحبار والرهبان ، قال السدي : الأحبار اليهود، والرهبان النصارى ؛ وقال ابن عباس : الأحبار العلماء، والرهبان أصحاب الصوامع.  لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل ، يعني : بالظلم بغير الحق،  وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله  ؛ يعني : يصرفون الناس عن دين الله. 
ثم بيّن الله تعالى حالهم للمؤمنين، لكي يحذروا منهم ولا يطيعوهم. قوله تعالى : والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله ، أي يجمعونها ويمنعون زكاتها ؛ قال بعضهم : هذا نعت للأحبار والرهبان، وقال بعضهم : هذا ابتداء في كل من جمع المال ومنع منه حق الله تعالى، وقال ابن عباس : الكنز الذي لا يؤدى عنه زكاته. 
وروى نافع، عن ابن عمر أنه قال : أي مال كان على وجه الأرض لا تؤدى زكاته، فهو كنز يعذب صاحبه يوم القيامة ؛ وما كان في بطن الأرض يؤدى زكاته، فليس بكنز. وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كان أكثر منها فهو كنز. ثم قال  فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، يعني : أهل هذه الصفة الذين يكنزون الذهب والفضة،  ولا ينفقونها في سبيل الله ، يعني : لا يؤدون حقها في طاعة الله تعالى ؛ وقال : ولا ينفقونها  ولم يقل : ينفقونها، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني : لا ينفقون الكنوز ؛ ويقال : لا ينفقون الأموال ؛ ويقال : يعني الفضة. 
وقال بعضهم : نزلت في شأن الكفار، وقال بعضهم : كان هذا في أول الإسلام ووجب عليهم أن يؤدوا الفضل، ثم نسخ بآية الزكاة ؛ وقال بعضهم : كل مؤمن لا يؤدي الزكاة فهو من أهل هذه الآية ؛ وهو قوله تعالى : يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ .

### الآية 9:35

> ﻿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [9:35]

قوله تعالى : يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ ، يعني : يوقد على الكنوز،  فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ، ويقال لهم : هذا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ، يعني : فذوقوا العذاب بما كنتم تكنزون. 
قال الفقيه : حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا إبراهيم بن يوق قال : حدثنا أبو معاوية، ، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم أنه قال : والذي لا إله غيره، لا يعذب رجل بكنز فيمس دينار ديناراً، ولا درهم درهماً، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم على حدة وكل دينار على حدة. وروى أبو أمامة الباهلي قال : مات رجل من أهل الصُّفة فوجد في مؤتزره دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« كية »**. ومات رجل آخر فوجد في مؤتزره ديناران فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**« كيتان »** والمعنى في ذلك أنه قد أصاب ذلك من الغلول، ولو لم يكن أصابه من الغلول لكان لا يستحق العقوبة، لأن الزكاة لا تجب في أقل من عشرين ديناراً. وقال بعضهم : كان هذا في الوقت الذي وجب عليه أن ينفق الفضل.

### الآية 9:36

> ﻿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:36]

**قوله تعالى :**
 إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله ، فأعلم الله تعالى المسلمين أن عدة الشهور التي يعدون اثنا عشر شهراً على منازل العمر، فجعل حجهم وأعيادهم وصيامهم على هذا العدد ؛ فالحج والصوم يكون مرة في الشتاء ومرة في الصيف. وكانت أعياد أهل الكتاب في متعبداتهم في سنتهم على حساب دوران الشمس على كل سنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، فجعل شهور المسلمين بالأهلة ؛ كما قال الله تعالى : يَسْألُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ولكن البر مَنِ اتقى وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  \[ البقرة : ١٨٩ \] ويقال : إِنَّ عِدَّةَ الشهور ، يعني : عدة الشهور التي وجبت عليكم الزكاة فيها اثنا عشر شهراً  فِى كتاب الله ، يعني : في اللوح المحفوظ  يَوْمَ خَلَقَ \* السماوات والأرض ، كتبها عليكم.  مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ، يعني : رجب وذا القعدة وذا الحجة والمحرم. 
 ذلك الدين القيم ، يعني : ذلك الحساب المستقيم، لا يزاد ولا ينقص. وقال مقاتل بن حبان : ذلك الدين القيم  يعني : ذلك القضاء البيِّن، وهكذا قال الضحاك. ثم قال : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ، قال بعضهم : في الأربعة أشهر، وقال قتادة : الظلم في الشهر الحرام أعظم وزراً مما سوى ذلك، وإنْ كان الظلم على كل حال غير جائز، ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما يشاء. ويقال : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ، يعني : في هذه الاثني عشر شهراً، ويقال : هو على وجه التقديم، إنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، فلا تظلموا فيهن أنفسكم، منها أربعة حرم، يعني : وخاصة في الأربعة أشهر. 
ثم قال : وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً ، يعني : جميعاً في الشهر الحرام وغيره. وكان القتال في الشهر الحرام محرماً، فنسخ بهذه الآية وصار مباحاً في جميع الشهور وقال بعضهم : هو غير مباح، ومعنى هذه الآية  وقاتلوا المشركين كافة ، إن قاتلوكم في الشهر الحرام، وإن لم يقاتلوكم لا يجوز. والقول الأول أصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصر الطائف في الشهر الحرام، ثم افتتحها بعد ما مضى الشهر الحرام ؛ فلو كان القتال حراماً، لم يحاصرهم في الشهر الحرام.  كَمَا \*\*\* يقاتلوكم \*\*\* كَافَّةً . ثم قال : واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين ، يعني : معينهم وناصرهم.

### الآية 9:37

> ﻿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [9:37]

**قوله تعالى :**
 إِنَّمَا النسىء زِيَادَةٌ فِى الكفر ، يعني : تأخير المحرم إلى صفر زيادة الإثم في كفرهم. وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال : كانوا يحجون في ذي الحجة عامين، ثم يحجون في المحرم عامين، ثم يحجون في صفر عامين. وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة وقال في خطبته :**« أَلاَ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات والأرض »**. وروى أسباط، عن السدي أنه قال : كان رجل من بني مالك بن كنانة، يقال له جنادة بن عوف، يكنى أبا أمامة ينسىء عدد الشهور. وقال في رواية الكلبي : كان اسمه نعيم بن ثعلبة، من بني كنانة. وقال في رواية مقاتل : كان اسمه ثمامة الكناني، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم على بعض، فإذا أرادوا أن يغيروا، قام الكناني يوم منى وخطب الناس وقال : إني قد أحللت لكم المحرم، وحرمت لكم صفر مكانه، فقاتل الناس في المحرم ؛ فإذا كان صفر، غمدوا السيوف ووضعوا الأسنة. ثم يقوم من قابل ويقول : إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم. 
فذلك قوله تعالى : يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا  قرأ ورش، عن نافع، وقرأ ابن كثير : إِنَّمَا النسىء  بتشديد الياء بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز ؛ ومعناها واحد. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص  يُضِلُّ بِهِ الذين كفروا  بضم الياء ونصب الضاد على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون  يُضِلُّ بِهِ  بكسر الضاد، ويكون معناه أن أُخيرهم عمل يضل به الذين كفروا، يحلونه عاماً ويقاتلون فيه، ويحرمونه عاماً ولا يقاتلون فيه،  لّيُوَاطِئُواْ  ؛ يعني : ليوافقوا  عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله زُيّنَ لَهُمْ سُوء أعمالهم ، يعني : حسن لهم قبح أعمالهم.  والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ، يعني : لا يرشدهم إلى دينه مجازاة لكفرهم.

### الآية 9:38

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [9:38]

**قوله تعالى :**
 الكافرين يا أيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِى سَبِيلِ الله ، يعني : في الجهاد  اثاقلتم إِلَى الأرض ، يعني : تثاقلتم، فأدغم التاء في الثاء، وأجلب الألف لتسكين ما بعد هذه، يعني : قعدتم ولم تخرجوا ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالخروج إلى غزوة تبوك، وكان في أيام الصيف، حين اشتد الحر وطابت الثمار والظلال، فكانوا يتثاقلون عن الخروج ؛ فعاتبهم الله فقال : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ، يقول : آثرتم واخترتم عمل الدنيا على عمل الآخرة.  فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا ، يعني : منفعة الدنيا  فِى الاخرة إِلاَّ قَلِيلٌ ، يعني : بجنب منفعة الآخرة إلا ساعة ؛ ويقال : معناها ما يتمتع به في الدنيا قليل عندما يتمتع به أولياء الله تعالى في الجنة.

### الآية 9:39

> ﻿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [9:39]

ثم خوفهم فقال : إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ  الله ؛ وأصله إن لا تنفروا فأدغم النون في اللام، ومعناه إن لم تنفروا، يعني : إن لم تخرجوا إلى الغزو مع نبيكم صلى الله عليه وسلم، يُعَذِّبكُمْ.  عَذَاباً أَلِيماً ، يعني : يسلط عليكم عدوكم ويهلككم،  وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ  خيراً منكم وأطوع لله تعالى.  وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا ، يقول ولا تنقصوا عن ملكه شيئاً بجلوسكم عن الجهاد.  والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  أن يستبدل بكم قوماً غيركم.

### الآية 9:40

> ﻿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:40]

**قوله تعالى :**
 إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ، يعني : إن لم تنصروه وتخرجوا معه إلى غزوة تبوك، فالله ينصره كما نصره.  إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ، يعني : كفار مكة من مكة.  ثَانِيَ اثنين ، يعني : كان واحداً من اثنين، يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه ولم يكن معهما غيرهما، فنصرهما الله تعالى.  إِذْ هُمَا فِي الغار  ؛ وذلك حين أراد أهل مكة قتله، فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ؛ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر فلم يجده، فجلس إلى أن جاء أبو بكر، فقبَّل رأس النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما لك، بأبي أنت وأمي. قال :**« مَا أَرَى قُرَيْشاً إِلاَّ قَاتِلِيَّ »**. فقال أبو بكر : دمي دون دمك ونفسي دون نفسك، لا يصنع بك شيء، حتى يبدأ بي. فقال :**« اخْلُ بِي »**. قال أبو بكر : ليس بك عين ؛ إنَّما هما ابنتاي أسماء وعائشة. قال :**« قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ مِنْ مَكَّة »**. فقال أبو بكر : يا رسول الله، إن عندي بعيرين حبستهما للخروج، فخذ أحدهما واركبه. قال :**« لاَ آخُذُهُ إِلاَّ بِالثَّمَنِ »** فأخذه بالثمن. وهي ناقته القصوى. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب بأن يبيت مكانه، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، حتى أتيا جبل ثور، جبل بأسفل مكة. 
قال الفقيه : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال : حدثنا يحيى بن أبي طالب، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الرازي قال : حدثنا الفرات، عن ميمون بن مهران، عن عتبة بن محصن، عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال : والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر. فقيل : وأي ليلة هي ؟ قال : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هارباً من أهل مكة ليلاً، فتبعه أبو بكر، فجعل أبو بكر يمشي مرّة أمامه ومرة خلفه ومرةٌ عن يمينه ومرةٌ عن يساره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« مَا هذا يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ »** قال : يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك. ومرة عن يمينك وعن يسارك، لا آمن عليك. قال : فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه، حتى حفيت ؛ فلما رآها أبو بكر أنها قد حفيت، حمله على عاتقه وجعل يشتد به، حتى أتى فم الغار فأنزله وقال : والذي بعثك بالحق، لا تدخله حتى أدخله أنا، فإن كان من شيء نزل بي قبلك. 
فدخل فلم ير شيئاً فحمله وأدخله. 
وقال في رواية محمد بن إسحاق : كان الغار معروفاً بالهوام فجعل أبو بكر يسد الجحور، حتى بقي جحران فوضع عقبيه عليهما حتى أصبح. وقال في رواية عمر : وكان في الغار خرق فيه حيات، فخشي أبو بكر أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه ؛ وجعلت الدموع تنحدر على خده من شدة الألم ما يجده ؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**« يَا أَبَا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ »** فذلك قوله تعالى : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ  يعني : الطمأنينة لأبي بكر، فهذه ليلته. 
قال الفقيه : حدثنا أبو جعفر قال : حدثنا أبو بكر القاضي قال : حدثنا أحمد بن جرير قال : حدثنا عمرو بن عليّ قال : حدثنا عون بن عمرو القيس، عن مصعب المكي قال أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار، أمر الله تعالى شجرة فخرجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فسترت وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وإن الله تعالى بعث العنكبوت، فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الله حمامتين وحشيتين، فأقبلتا تزقان، حتى وقفتا بين العنكبوت وبين الشجرة، فأقبلت فتيان قريش من كل بطن، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم على ق نظروا، فإذا حمامتان وحشيتان بفم الغار، فرجعوا وقالوا : رأينا حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفنا أنه ليس فيه أحد. فسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم فعرف أن الله درأ بهما عنه ؛ فشمت عليهما، يعني : أنه بارك عليهما، فأحرزهما الله تعالى في الحرم فأفرختا فيه كما هما إلى الآن. 
وفي خبر آخر زيادة وقد كان أبو بكر أمر عامر بن فهيرة أن يرعى له غنمه بثور، فكان يريح إليهما غنمه، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكة، فكانا فيه ثلاث ليال، وكانا يريحان الغنم ويجليان كل ليلة ما أرادا ؛ فلما هدؤوا من الالتماس وجاءهم عبد الله بن أبي بكر، فأخبرهم بذلك فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة، واستأجر رجلاً من بني الدئل يهديهم الطريق، يقال له عبد الله بن أريقط، أخذ بهم أسفل مكة حتى خرجوا قريباً من جدة. ثم عارضوا الطريق قريباً من عسفان، ففطن سراقة بن مالك آثارهم فلبس لأمته، وركب فرسه حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسخت قوائم فرسه فقال : يا محمد ادع الله أن يطلق فرسي ؛ فإني أرى الحي قد التمسوني. 
فإن أكن وراءك خير لك فأرد عنك من ورائي من الناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقاً فَأَطْلِقْ فَرَسَهُ »** فانطلق فرسه. فقال : يا محمد خذ سهماً من كنانتي، فمر به على إبلي فإن أردت لبوناً فخذ، وإن أردت حمولة فخذ. 
فرجع سراقة فوجد الناس يلتمسون أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهم : ارجعوا فقد استبرأت لكم ما هاهنا، وقد عرفتم من بصيرتي بالآثار. قال : فرجعوا عنه ؛ فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر المدينة ؛ فذلك قوله تعالى : ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِى الغار . قوله تعالى : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا  ؛ وإنما كان يخاف أبو بكر على نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذهاب التوحيد والإسلام، لا على نفسه  إِنَّ الله مَعَنَا  في الدفع عنا.  فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ، يعني : طمأنينته  عليه . وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يعني على أبي بكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه ؛ وقال حبيب بن أبي ثابت : فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ، يعني : على أبي بكر ؛ وقال في رواية الكلبي : فأنزل الله سكينته على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سكن واطمأن. 
قال : حدثنا الفقيه أبو جعفر قال : حدثنا أحمد بن محمد الحاكم القاضي قال : حدثنا أحمد بن جرير قال : حدثنا الحسن بن عرفة قال : حدثنا أبو سوار، عن أبي العطوف، عن الزهري قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت :**« هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئَاً ؟ »** قال : نعم. قال :**« فَقُلْ حَتَّى أَسْمَعَ »** فقال :
وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ المُنِيفِ وَقَد. . . طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إذْ يَصْعَدُ الْجَبَلا
وَكَانَ حِبَّ رَسُول الله قَدْ عَلِمُوا. . . مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلا
قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه وقال :**« صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ، هُوَ كَمَا قُلْتَ »**. ثم قال تعالى : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ، يعني : قوم بدر والأحزاب وحنين  وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى ، يعني : الشرك بالله تعالى.  وَكَلِمَةُ الله هِىَ العليا ، يعني : شهادة أن لا إله إلا الله. قرأ الأعمش ويعقوب الخضرمي  وَكَلِمَةُ الله  بالنصب، يعني : وجعل كلمة الله ؛ وقراءة العامة  وَكَلِمَةُ الله  بالضم على معنى الاستئنافِ  والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ  حكم بإظهار التوحيد وإطفاء دعوة المشركين.

### الآية 9:41

> ﻿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [9:41]

**قوله تعالى :**
 انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً  ؛ قال الكلبي : خفافاً  يعني : أهل العسرة من المال، وقلة العيال، و ثقالاً  يعني : أهل المسيرة في المال والصبية العيال. وقال الكلبي : ويقال فيها وجه آخر  انفروا خِفَافًا ، يقول : نشاطاً في الجهادِ  وَثِقَالاً  غير نشاط في الجهاد، وكذا قال مقاتل ؛ ويقال : انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً  شباناً وشيوخاً. وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن أبا طلحة الأنصاري قرأ هذه الآية  انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ، فقال : ما أرى الله تعالى إلا سينفرنا شباناً وشيوخاً، قال : جهزوني فقلنا : قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وأنت اليوم شيخ كبير. قال : جهزوني. فجهزناه فركب البحر فمات في غزاته. وروى سفيان، عن منصور، عن الحكم قال : انفروا خفافا وثقالا  مشاغيل وغير مشاغيل. وروى مسروق، عن أبي الضحى قال : أول ما نزلت من سورة براءة هذه الآية  انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً  ثم نزل أولها وآخرها. وروي عن ابن عباس أنه قال : نسختها هذه الآية : وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  \[ التوبة : ١٢٢ \] وقال بعضهم : ليست بمنسوخة، ولكنها في الحالة التي وقع فيها النفير، وجب على جميع الناس الخروج إلى الجهاد، وإذا لم يكن النفير عاماً، يكون فرضاً عاماً ؛ فإذا خرج بعض الناس، سقط عن الباقين وبه نأخذ. 
ثم قال تعالى : وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ الله ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ ، يعني : الجهاد خير لكم من الجلوس،  إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  ؛ يعني : تصدقون بثواب الله. ويقال : معناه إن كنتم تعلمون أن الخروج إلى الجهاد خير لكم من القعود فَانْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً.

### الآية 9:42

> ﻿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:42]

ثم نزل في شأن المنافقين الذين تخلفوا قوله تعالى : لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا ، يعني : غنيمة قريبة ويقال : سهلاً قريباً.  وَسَفَرًا قَاصِدًا ، يعني : هيناً يقيناً،  لاَّتَّبَعُوكَ  ؛ يعني : لو علموا أنهم يصيبون مغنماً،  لاَّتَّبَعُوكَ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة  والشقة : السفر، يعني : ثقل عليهم السفر.  وَسَيَحْلِفُونَ بالله ، أي الذين تخلفوا.  لَوِ استطعنا ، يعني : لو قدرنا ولو كانت لنا سعة في المال والزاد،  لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ  إلى الغزو. 
وقال الله تعالى : يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ ، يعني : بحلفهم كذباً.  والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون  بحلفهم، وأن لهم سعة للخروج، ولكنهم لم يريدوا الخروج.

### الآية 9:43

> ﻿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [9:43]

قوله تعالى : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ؛ وذلك أن بعض المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  وقال عون بن عبد الله : أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب. 
ويقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل فعلين قبل أن يؤذن له، فعاتبه الله على ذلك وعفا عنه، أحدهما في فداء أسارى بدر، والثاني في إذنه للمنافقين بالتخلف. فقال له : عَفَا الله عَنكَ  وَلم يقل : يعافيك لم أذنت لهم في التخلف والقعود عن الجهاد. 
قال الفقيه : سمعت من يذكر، عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال : معناه  عفا الله عنك  يا سليم القلب لم أذنت لهم، فيقال : إن الله تعالى إذا قال لعبده : لم فعلت كذا وكذا ؟ يكون ذلك أشد عليه من الموت كذا وكذا مرةً لهيبة قوله : لم فعلت كذا ؟ ولو أنه بدأ للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله : لم أذنت، لكان يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام. إلا أن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو، حتى سكن قلبه، ثم قال  لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  بالقعود عن الجهاد.  حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ ، يعني : معرفة الذين صدقوا بعذرهم وإيمانهم.  وَتَعْلَمَ الكاذبين  في عذرهم وإيمانهم ويقال : معناه حتى يتبين لك المؤمن المخلص من المنافق.

### الآية 9:44

> ﻿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [9:44]

ثم بيّن له علامة المؤمنين وعلامة المنافقين، فقال الله تعالى : لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ، يعني : بغير عذر  الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر  في السر والعلانية  أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ والله عَلِيمٌ بالمتقين ، يعني : بالمؤمنين المخلصين.

### الآية 9:45

> ﻿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [9:45]

ثم ذكر علامة المنافقين فقال : إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ، يعني : في القعود عن الجهاد.  الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ، يعني : لا يصدقون في السر،  وارتابت قُلُوبُهُمْ  ؛ يعني : شكت قلوبهم ونافقت قلوبهم، ولا يتوبون ولا يرجعون عن ذلك.  فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ، يعني : في شكهم ونفاقهم يتحيرون.

### الآية 9:46

> ﻿۞ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:46]

**قوله تعالى :**
 وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج  معك إلى الغزو،  لأعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً  ؛ يعني : اتخذوا لأنفسهم قوة من السلاح. معناه : إن تركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف. ثم قال  ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ، يعني : لم يرد الله خروجهم معك لخبثهم وسوء نياتهم،  فَثَبَّطَهُمْ  ؛ يعني : حبسهم وأقعدهم عن الخروج ؛ ويقال : ثقلهم عن الخروج ؛ ويقال : جعل حلاوة الجلوس في قلوبهم حتى أقعدهم عن الخروج.  وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين ، يعني : ألهموا وخيّل إليهم القعود مع المتخلفين.

### الآية 9:47

> ﻿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [9:47]

ثم أخبر الله تعالى أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم معهم، بل عليهم مضرة منهم، فقال تعالى : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم  ؛ يعني : المنافقين لو خرجوا معكم  مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ، يعني : فساداً ويقال : شراً وجبناً ؛  ولأوْضَعُواْ خلالكم ، يقول ساروا بينكم. والإيضاع في اللغة هو إسراع الإبل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفات :**« أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، فَإنَّ البِرَّ لَيْسَ فِي إيضَاعِ الإبِلِ وَلا فِي إيجَافِ الخَيْلِ »**. يعني : إن المنافقين لو خرجوا معكم، يسرعون الإبل فيما بينكم ويؤتونكم. 
ثم قال  يَبْغُونَكُمُ الفتنة ، يعني : يطلبون منكم الشرك ويطلبون هزيمتكم وعيوبكم، ويفشون سركم.  وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ، يعني : وفي عسكركم عيون وجواسيس للمنافقين ؛ ويقال : وفيكم من يسمع ما يقول المنافقون ويقبلون منه.  والله عَلِيمٌ بالظالمين ، يعني : بالمنافقين. وهذا وعيد لهم، يعني : عليم  بعقوبتهم.

### الآية 9:48

> ﻿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [9:48]

ثم قال عز وجل : لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ ، يعني : من قبل غزوة تبوك، لأنهم قصدوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم قبل كثرة المؤمنين ؛ ويقال : طلبوا إظهار الشرك قبل غزوة تبوك ؛  وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور ، يعني : احتالوا في هلاكك من كل وجه ؛ ويقال : وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور  ظهراً لبطن، فانظر كيف يصنعون.  حتى جَاء الحق ، يعني : كثر المسلمون ؛ ويقال : حتى جاء الحق يعني : الإسلام  وَظَهَرَ أَمْرُ الله  ؛ يعني : ظهر دين الله الإسلام.  وَهُمْ كارهون ، يعني : كارهون الإسلام.

### الآية 9:49

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [9:49]

قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي ، يعني : جد بن قيس كان من المنافقين حرّضه النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج إلى الغزو، فقال : يا رسول الله، إن قومي يعلمون حرصي على النساء، فأخشى أني لو خرجت وقعت في الإثم ولا تفتني ببنات الأصفر. وكان الأصفر رجلاً من الحبش ملك ناحية من الروم، فتزوج رومية فولدت له بنات اجتمع فيهن سواد الحبش وبياض الروم فكنَّ فتنة، فقال جد بن قيس لا تفتني ببنات الأصفر، فإني أخاف أن لا أصبر وأضع يدي على الحرام. فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالقعود، فنزل  وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي ، يعني : من المنافقين من يقول : ائذن لي في التخلف  وَلاَ تَفْتِنّى ، يعني : ولا توقعني في الفتنة. ثم قال الله تعالى : أَلا فِى الفتنة سَقَطُواْ ، يعني : في الكفر والنفاق وقعوا.  وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين ، يعني : جعلت جهنم للكافرين، وهو جد بن قيس ومن تابعه.

### الآية 9:50

> ﻿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [9:50]

**قوله تعالى :**
 إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ  يعني : إن أصابك الغنيمة والنصر ساءهم ذلك.  وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ ، يعني : الشدة والنكبة الهزيمة.  يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ، يعني : حذرنا بالقعود والتخلف من قبل المصيبة.  وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ  بما أصابك وبتخلفهم.

### الآية 9:51

> ﻿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [9:51]

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا ، يعني : إلاَّ ما قضي لنا وقدر علينا من شدة أو رخاء، ويقال : إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا ، يعني : في اللوح المحفوظ ؛ ويقال : إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا  في القرآن وهو قوله تعالى : إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة يقاتلون فِى سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التوراة والإنجيل والقرءان وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ وذلك هُوَ الفوز العظيم  \[ التوبة : ١١١ \] ثم قال : هُوَ مولانا ، أي ولينا وناصرنا وحافظنا.  وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ، يعني : وعلى المؤمنين واجب أن يتوكلوا على الله ؛ ويقال : وعلى الله فليثق الواثقون.

### الآية 9:52

> ﻿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [9:52]

ثم قال تعالى : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين  إمّا الشهادة وإمّا الغنيمة.  وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ، يعني : ننتظر بكم  أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ  وهو الموت،  أَوْ بِأَيْدِينَا ، يعني : فيأمرنا أن نقتلكم ؛ ويقال : معناه  قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين ، يعني : إلا إحدى الخبرين. ونحن نتربص بكم إحدى الشرين فبين ما ننتظر وتنتظرونه فرق عظيم.  فَتَرَبَّصُواْ ، يعني : انتظروا بنا الهلاك.  إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ ، يعني : المنتظرين لإهلاككم.

### الآية 9:53

> ﻿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ [9:53]

ثم قال عز وجل : قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، يعني : قل للمنافقين : أنفقوا  طوعاً  من قبل أنفسكم،  أو كرهاً  مخافة القتل.  لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ  النفقة.  إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فاسقين ، يعني : منافقين. فقوله : أَنفَقُواْ  اللفظِ لفظ الأمر والمعنى معنى الخبر، يعني : إن أنفقتم، كما إنه يذكر لفظ الخبر والمراد به الأمر ؛ كقولك : غفر الله لك، وقولك : رحم الله فلاناً، يعني : اللهم اغفر له. وهاهنا اللفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر والشرط يعني : إن أنفقتم طوعاً أو كرهاً، لن يتقبل منكم. قرأ حمزة والكسائي  كَرْهاً  بضم الكاف. وقرأ الباقون  كَرْهاً  بالنصب.

### الآية 9:54

> ﻿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [9:54]

ثم بيّن المعنى الذي لم تقبل نفقاتهم من أجله، فقال تبارك وتعالى : وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ ، يعني : في السر. قرأ حمزة والكسائي  لَنْ \* يَقْبَلُ  بالياء على لفظ التذكير، وقرأ الباقون بلفظ التأنيث، لأن الفعل مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث. قوله : وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى ، يعني : متثاقلين ولا يرونها واجبة عليهم،  وَلاَ يُنفِقُونَ  في الجهاد  إِلاَّ وَهُمْ كارهون  غير محتسبين.

### الآية 9:55

> ﻿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:55]

ثم قال عز وجل : فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم ، يعني : كثرة أموالهم ؛  وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا . في الآية تقديم وتأخير قال ابن عباس فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنَّما يريد الله ليعذبهم في الآخرة ثم قال : وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ ، يعني : تذهب أنفسهم وتقبض أرواحهم. وأصله الذهاب، كقوله تعالى  وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا  \[ الإسراء : ٨١ \]  وَهُمْ كافرون ، يعني : يقبض أرواحهم على الكفر.

### الآية 9:56

> ﻿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [9:56]

**قوله تعالى :**
 وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ، يعني : إنهم مؤمنون على دينكم في السر وهم كاذبون في ذلك القول.  وَمَا هُم مّنكُمْ ، يعني : ليسوا على دينكم في السر،  ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ  ؛ يعني : يخبثون فأظهروا الإيمان وأسرُّوا النفاق.

### الآية 9:57

> ﻿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [9:57]

قوله تعالى : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ ، يعني : حرزاً يلجؤون إليه  أَوْ مغارات ، يعني : الغيران في الجبل وقال القتبي : كل شيء غرت فيه فغبت فيه غار.  أَوْ مُدَّخَلاً ، يعني : سرباً في الأرض،  لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ  ؛ يعني : ذهبوا إليه وتركوك.  وَهُمْ يَجْمَحُونَ ، أي يسرعون في المشي ؛ ومنه قيل فرس جموح إذا ذهب في عدوه فلم يفته شيء ؛ ويقال : الجمح مشي بين مشيتين ؛ وهو من لغات اليمن.

### الآية 9:58

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [9:58]

قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات  ؛ روي عن ابن كثير أنه قرأ  يَلْمِزُكَ  بضم الميم والباقون بالكسر ؛ وهما لغتان ومعناهما واحد يقول : من المنافقين من يطعنك ويعيبك ؛ ويقال : لمزته إذا عبته. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً، إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله. فقال :**« وَيْلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ أعْدِلْ »** فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله، أتأذن لي فأضرب عنقه ؟ فقال :**« دَعْهُ فَإنَّ لَهْ أصْحَاباً يَحْقِرُ أحَدْكُمْ صَلاتَهُ عند صَلاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ يَمْرَقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ الْسَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ؛ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أسْوَدٌ إحْدَى ثَدْيَيْهِ مِثْلُ ثَدْي المَرْأةِ أو مثل البضعةِ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فرقةٍ مِنَ النَّاسِ »** ويروى :**« عَلَى حِينِ الفِتَنِ مِنَ النَّاس »** فنزلت فيهم  وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات  الآية. 
قال أبو سعيد : أشهد أني سمعت هذا من رسول الله عليه السلام وأشهد أن علياً حين قتلهم وأنا معه، أتى بالرجل بالنعت الذي نعته رسول الله عليه السلام وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من الصدقات، فقال أبو الخواص والنبي عليه السلام يعطي وروى بعضهم أبو الجواظ : ألا ترون إلى صاحبكم يقسم صدقتكم في رعاة الغنم ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« لا أبَا لَكَ، أمَا كَانَ مُوسَى رَاعِياً ؟ أمَا كَانَ داودُ رَاعِياً »** أما كان داود راعياً ؟ فذهب أبو الخواص، فقال النبي عليه السلام :**« احْذِرُوا هذا وَأَصْحَابَهُ »** فنزل  وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات .  فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا  ؛ يعني : الصدقات،  رَضُواْ  بالقسمة.  وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ، لا يرضون بالقسمة.

### الآية 9:59

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [9:59]

قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءاتاهم الله وَرَسُولُهُ ، يعني : إنهم لو رضوا بما رزقهم الله تعالى، وبما يعطيهم رسول الله من العطية،  وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله  ؛ يعني : يقيننا بالله.  سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ ، يعني : سيعطينا الله من رزقه  وَرَسُولُهُ ، يعني : سيعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنيمة إذا كان عنده سعة وفضل.  إِنَّا إِلَى الله راغبون ، يعني : طامعون وراجون. ولم يذكر جوابه، لأن في الكلام دليلاً عليه، ومعناه : ولو أنهم فعلوا ذلك، لكان خيراً لهم.

### الآية 9:60

> ﻿۞ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:60]

**ثم بيَّن لهم موضع الصدقات، فقال :**
 إِنَّمَا الصدقات ، يعني : ليست الصدقات للذين يلمزونك في الصدّقات ؛ وإنّما الصدقات  لِلْفُقَرَاء والمساكين . قال بعضهم : الفقراء الضعفاء الأحوال الذين لهم بلغة من العيش بدليل قول الشاعر :
أَمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُه. . . وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَهَدُ
والمسكين الذي لا شيء له، بدليل قول الله تعالى : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ  \[ البلد : ١٦ \] يعني : الذي لم يكن بينه وبين التراب شيء يقيه منه ؛ وقال بعضهم : الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له أدنى شيء. كما قال الله تعالى : أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِى البحر فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً  \[ الكهف : ٧٩ \] سماهم مساكين، وإن لهم سفينة، وقال بعضهم : الفقير الذي لا يسأل الناس إلحافاً، كما قال الله تعالى : لِلْفُقَرَاء الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله  إلى قوله  لاَ يَسْألون الناس إلحاقا  \[ البقرة : ٢٧٣ \] والمسكين الذي يسأل الناس. وقال بعضهم : الفقير الذي يسأل الناس والمسكين الذي لا يسأل الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :**« لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى أبْوَابِكُمْ فَتَرُدُّونَهُ بِاللُّقْمَةِ وَاللُّقْمَتَيْنِ ؛ وإنَّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَسْألُ النَّاسَ وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ »**. وقال قتادة : الفقير الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج وقال بعضهم : الفقير الذي يكون عليه زي الفقر ولا تعرف حاجته، والمسكين الذي يكون عليه زي الفقر وتكون حاجته ظاهرة. 
ثم قال : والعاملين عَلَيْهَا ، وهم السعاة الذين يجبون الصدقات، فيعطون على قدر حاجتهم،  والمؤلفة قُلُوبُهُمْ  ؛ وهم قوم كان يعطيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتألفهم بالصدقات على الإسلام ؛ وكانوا رؤساء في كل قبيلة، منهم أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن الفزاري، وعباس بن مرداس السلمي، وصفوان بن أمية وغيرهم ؛ فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاؤوا إلى أبي بكر وطلبوا منه، فكتب لهم كتاباً فجاؤوا بالكتاب إلى عمر بن الخطاب ليشهدوه، فقال : أي شيء هذا ؟ فقالوا : سهمنا. فأخذ عمر الكتاب ومزقه وقال : إنما كان يعطيكم النبي عليه السلام يتألفكم على الإسلام ؛ فأما اليوم فقد أعزّ الله الإسلام فإن ثبتم على الإسلام، وإلا فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا : أنت الخليفة أم هو ؟ قال : هو إن شاء فبطل سهمهم. 
ثم قال : وَفِي الرقاب ، أي وفي فك الرقاب، وهم المكاتبون. ثم قال  والغارمين ، يعني : أصحاب الديون الذين استدانوا في غير فساد ولا تبذير ؛ وقال مجاهد : ثلاثة من الغارمين : رجل ذهب السيل بماله، ورجل أصابه حريق فهلك ماله، ورجل ليس له مال وله عيال فهو يستدين وينفق على عياله. 
 وَفِى سَبِيلِ الله ، وهم الذين يخرجون إلى الجهاد،  وابن االسبيل ، يعني : المسافر المنقطع من ماله. 
قال بعضهم : وجب أن تقسم الصدقات على ثمانية أصناف، وهو قول الشافعي ؛ كما بيَّن في هذه الآية. وقال أصحابنا : إذا صرف الصدقات إلى صنف من هذه الأصناف جاز. وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال : إذا أعطى الرجل الصدقة صنفاً واحداً من الأصناف الثمانية جاز. وعن عبد الله بن عباس أنه قال : إذا وضعتها في صنف واحد فحسبك ؛ إنّما قال : إنّما الصدقات للفقراء ، لأن لا تجعلها في غير هذه الأصناف. وعن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه أتي بصدقة فبعث بها إلى أهل بيت واحد. 
ثم قال تعالى : نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ الله  يعني : وضع الصدقات في هذه المواضع فريضة من الله، وهو مما أمر الله تعالى.  والله عَلِيمٌ  بأهلها،  حَكِيمٌ  حكم قسمتها وبيّنها لأهلها.

### الآية 9:61

> ﻿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:61]

**قوله تعالى :**
 وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى  قال ابن عباس : نزلت في جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد ومحشر بن خويلد وأبو ياسر بن قيس ؛ وذلك أنهم كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل منهم : لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه الخبر. فقال الجلاس : نقول ما نشاء، فإنما  هُوَ أُذُنٌ  سامعة ثم نأتيه فيصدقنا، والأذن الذي يقبل كل ما قيل له. قال تعالى  قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ، يعني : إن كان الأمر كما تذكرون فهو خير لكم، ولكنه  يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، يعني : يصدق الله ويصدق المؤمنين لا أنتم ؛ والباء واللام زائدتان، يعني : ويصدق محمد المؤمنين فذلك قوله تعالى : وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى  يعني : من المنافقين من يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم،  وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ  ؛ يعني : سامع لمن حدثه. 
 قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ . قرأ العامة قل : قل أَذِنَ  بغير تنوين  خَيْرٌ لَّكُمْ  بالكسر ؛ وقرأ بعضهم : قُلْ أُذُنُ  بالتنوين  خَيْرٌ  بالتنوين والضم. فمن قرأ أذُنٌ بالتنوين، فمعناه إن كان محمد كما قلتم أذنٌ فهو خيرٌ لكم أي صلاح لكم، ومن قرأ بالكسر أذُنُ خَيْرٍ فهو على معنى الإضافة، أي أذن خير وأذن نعمة. وقرأ نافع : قُلْ أُذُنُ  بجزم الذال والباقون بالضم وهما لغتان. 
 يُؤْمِنُ بالله ، يعني : يصدق بالله تعالى في مقالته،  وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ؛ يعني : يصدق قول المؤمنين،  وَرَحْمَةً  ؛ يعني : هو نعمة  لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ ، أي هو نعمة الذين آمنوا في السر والعلانية. قرأ حمزة  وَرَحْمَةً للذين  على معنى الإضافة، يعني : أذن رحمة، وقرأ الباقون  وَرَحْمَةً  بالضم على معنى الاستئناف. 
ثم قال : والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، يعني وجيع.

### الآية 9:62

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [9:62]

ثم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلفوا، فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون في حلفهم، فقال : يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ  بحلفهم الكاذب.  والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ . قال الزجاج : لم يقل أحق أن يرضوهما، لأن في الكلام دليلاً عليه، لأن في رضى الله تعالى رضى الرسول صلى الله عليه وسلم، فحذف تخفيفاً. ومعناه والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، كما قال الشاعر :
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بَمَا. . . عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
أي نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راضٍ ؛ ويقال : يكره أن يجمع بين ذكر الله تعالى وذكر الرسول في كتابة واحدة، ويستحب أن يكون ذكر الله تعالى مقدماً وذكر النبي عليه السلام مؤخراً. وذكر في بعض الأخبار أن خطيباً قام عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته : من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى فقال النبي عليه السلام :**« بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ »** لأنه كان يجب أن يقول : ومن يعص الله ورسوله فقد غوى. ثم قال : إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ، يعني : مصدقين بقلوبهم في السر.

### الآية 9:63

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [9:63]

**قوله تعالى :**
 أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ ، يعني : يخالف الله ورسوله ؛ ويقال : يخالف أمر الله وأمر رسوله، يعني : أمر الله تعالى في الفرائض، وأمر رسوله في السنن وفيما بيَّن. وقال الأخفش : يحادد الله ، يعني : يعادي الله ورسوله،  فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ . قرأ بعضهم  فَإِنَّ لَهُ  بالكسر على معنى الاستئناف، وقرأ العامة بالنصب على معنى البناء.  خَالِداً فِيهَا ذلك الخزى العظيم ، يعني : العذاب الشديد.

### الآية 9:64

> ﻿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ [9:64]

قوله تعالى : يَحْذَرُ المنافقون  ؛ قال الزجاج قوله : يَحْذَرُ  لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، أي ليحذر المنافقون ؛ ويقال : هو على وجه الخبر يحذر يعني : يخشى المنافقون. وذلك أن بعضهم قال : لو أني جلدت مائة جلدة، أحب إليّ من أن ينزل فينا شيء يفضحنا، فنزل : يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ  يعني سورة براءة تنبئهم  بِمَا فِي قُلُوبِهِم  من النفاق. وكانت سورة براءة تسمى الفاضحة. 
 قُلْ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ، يعني : مظهر ما تخافون من إظهار النفاق.

### الآية 9:65

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [9:65]

ثم قال عز وجل : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ  ؛ وذلك أن رسول الله عليه السلام حين رجع من تبوك، وبين يديه هؤلاء الثلاثة يسيرون ويقولون : إن محمداً يقول إنّه نزل في إخواننا الذين تخلفوا بالمدينة كذا وكذا، وهم يضحكون ويستهزئون، فأتاه جبريل فأخبره بذلك، فبعث إليهم النبي عليه السلام عمار بن ياسر وقال له :**« اذْهَبْ إلَى أُوْلَئِكَ وَاسْأَلْهُمْ عَمَّاذَا يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ »** وأخبره أنهم يستهزئون بالقرآن، وأنه إذا أتاهم وسألهم يقولون : إنّما كنا نخوض ونلعب. فلما جاء إليهم عمار بن ياسر قال لهم : ما كنتم تقولون ؟ قالوا : إنما كنا نخوض ونلعب فيما يخوض فيه الركب إذا ساروا، ونضحك بيننا. فقال عمار : صدق الله، وبلغ رسوله ؛ هكذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكم تقولون ذلك. غضب الله عليكم هلكتم، فعرفوا عند ذلك أنه نزل فيهم شيء فجاؤوا واعتذروا. 
فنزل : قُلْ أبالله ، يعني : قل لهم يا محمد : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ  القرآن،  أبالله وآياته وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تستهزئون . وقال قتادة : إذا رأيا العبد، يقول الله انظروا إلى عبدي يستهزىء  قُلْ أبالله وءاياته وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تستهزئون  فجاؤوا إلى النبي واعتذروا، فنزل قوله تعالى : تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم

### الآية 9:66

> ﻿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [9:66]

قوله تعالى : تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ، يعني : كفرتم في السر بعد إيمانكم في العلانية ؛ ويقال : قد أقمتم على كفركم الأول في السر بعد إيمانكم، مع إقراركم في العلانية بالإيمان.  إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ ، وكان فيهم مخلص واحد، ولم يقل معهم شيئاً ولكن ضحك معهم فقال : إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْك  وهو المؤمن المخلص،  نُعَذّبْ طَائِفَةً  ؛ يعني المنافقين، وقال القتبي : قد يذكر الجماعة ويراد به الواحد كقوله  إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ  وهم المخلصون  يا أيها الرسل كلوا من الطيبات  وهم الطَيِّبَاتِ، وأراد به النبي عليه السلام ويقال : إن  نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ  وهم المخلصون  نُعَذّبْ طَائِفَةً  وهم المنافقون  بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ  يعني : مذنبين كافرين في السر. قرأ عاصم  إِن نَّعْفُ  بالنون  نُعَذّبْ  بالنون وكسر الذال  طَائِفَةٌ  بالنصب، وقرأ الباقون  أَن يَعْفُوَ  بالياء والضم  تُعَذّبَ  التاء ونصب الذال  طَائِفَةٌ  بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

### الآية 9:67

> ﻿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [9:67]

**قوله تعالى :**
 المنافقون والمنافقات  يعني : من الرجال والنساء.  بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ، يعني : بعضهم على دين بعض في السر.  يَأْمُرُونَ بالمنكر ، يعني : بالتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالشرك، وبما لا يرضي الله تعالى ؛ ويقال : المنكر ما يخالف الكتاب والسنة.  وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف ، يعني : عن التوحيد واتباع محمد صلى الله عليه وسلم.  وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ، يعني : يمسكون أيديهم عن النفقة في سبيل الله ويقال : كفوا عن الحق.  نَسُواْ الله ، يقول : تركوا طاعة الله.  فَنَسِيَهُمْ ، يعني : تركهم في النار، ويقال : تركهم في الحرمان والخذلان، كقوله تعالى : مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طغيانهم يَعْمَهُونَ  \[ الأعراف : ١٨٦ \]. 
 إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون ، يعني : الخارجين عن طاعة الله تعالى، وكل منافق فاسق. وقد يكون فاسقاً ولا يكون منافقاً، ولا يكون منافقاً إلا وهو فاسق.

### الآية 9:68

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [9:68]

ثم قال عز وجل : وَعَدَ الله المنافقين ، الوعد يكون بالخير، ويكون بالشر إذا قيد به، والوعيد لا يكون إلاّ بالشر ؛ فقال : وَعَدَ الله المنافقين والمنافقات ، يعني : المنافقين الذين كانوا بالمدينة ومن كان على مذهبهم ويكون إلى يوم القيامة ؛  والكفار  ؛ وهم أهل مكة ومن كان بمثل حالهم.  نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ ، يعني : تكفيهم النار جزاءً لكفرهم،  وَلَعَنَهُمُ الله  ؛ يعني : طردهم الله من رحمته.  وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ، يعني : دائم.

### الآية 9:69

> ﻿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [9:69]

قوله : كالذين مِن قَبْلِكُمْ ، يعني : صنيعكم مع نبيكم، كما صنع الأمم الخالية مع أنبيائهم عليهم السلام وقال الضحاك : يعني : لعن المنافقين، كما لعن الذين من قبلكم من الأمم الخالية ؛ ويقال : ولهم عذاب دائم  كالذين مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا ، يعني : لم ينفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً ولا ينفعكم أموالكم ولا أولادكم أيضاً  فاستمتعوا بخلاقهم ، يعني : فانتفعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا.  فَاسْتَمْتَعْتُمْ بخلاقكم ، كما يقول انتفعتم أنتم بنصيبكم من الآخرة في الدنيا،  كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  من الأمم الخالية،  بخلاقهم  ؛ أي بنصيبهم  وَخُضْتُمْ  في الباطل،  كالذي خَاضُواْ  ؛ ويقال : كذبتم الرسول كما كذبوا رسلهم.  أولئك ، يعني : أهل هذه الصفة حبطت أعمالهم،  حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة  يعني : بطل ثواب أعمالهم فلا ثواب لهم لأنها كانت في غير إيمان.  وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ، يعني : في الآخرة.

### الآية 9:70

> ﻿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [9:70]

**قوله تعالى :**
 أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ  يعني : ألم يأتهم خبر الذين من قبلهم في القرآن عند التكذيب كيف فعلنا بهم ؟  قَوْمُ نُوحٍ  كيف أغرقناهم،  \*\*\*وَ  قوم  وإلى عَادٍ  كيف أهلكناهم بالريح المقيم ؟  \*\*\*وَ  قوم  بَعِدَتْ ثَمُودُ ، وهم قوم صالح كيف أهلكناهم بالصيحة ؟  وَقَوْمِ إبراهيم ، وهو النمرود بن كنعان كيف أهلكناه بأضعف الخلق وهو البعوض ؟  وأصحاب مَدْيَنَ ، وهم قوم شعيب كيف أهلكناهم بعذاب يوم الظلة ؟  والمؤتفكات ، يعني : مدائن قوم لوط.  والمؤتفكات  جمع المؤتفكة، لأنها ائتفكت بهم، يعني : انقلبت، كقوله تعالى : والمؤتفكة أهوى \* فغشاها مَا غشى  \[ النجم : ٥٣، ٥٤ \] يعني : أمطرت عليهم الحجارة ؛ وقال مقاتل : المؤتفكات يعني : المكذبات  أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات ، يعني : بالأمر والنهي فتركوا طاعتي فأهلكتهم.  فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ، يعني : لم يهلكهم بغير ذنب.  ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  بتركهم طاعتي وتكذيبهم الرسل.

### الآية 9:71

> ﻿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:71]

**قوله تعالى :**
 والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  يعني : بعضهم على دين بعض، وبعضهم معين لبعض في الطاعة.  يَأْمُرُونَ بالمعروف ، يعني : بالإيمان واتباع محمد صلى الله عليه وسلم،  وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر  ؛ يعني : عن الشرك،  وَيُقِيمُونَ الصلاة  ؛ يعني : يقرون بها ويقيمونها،  وَيُؤْتُونَ الزكاة  ؛ أي ويقرون بها ويؤدونها. قوله : وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ ، يعني : يطيعون الله في فرائضه، ويطيعون الرسول في السنن وفيما بَيَّنَ.  أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله ، يعني : ينجيهم الله من العذاب الأليم.  أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ  في أمره حكم للمؤمنين بالجنة وللكافرين بالنار. قال الفقيه : ذكر عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال : سيرحمهم الله في خمسة مواضع : عند الموت وسكراته، وفي القبر وظلماته، وعند الكتاب وحسراته، وعند الميزان ونداماته، وعند الوقوف بين يدي الله تعالى وسؤالاته.

### الآية 9:72

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:72]

قوله تعالى : وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات ، أي المصدقين من الرجال والمصدقات من النساء.  جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً ، يعني : منازل طاهرة تطيب فيها النفس.  فِى جنات عَدْنٍ  في قصور من الدُّر والياقوت ؛ وقال الفقيه : حدثنا محمد بن الفضل، وعبد الله بن محمد قالا : حدثنا فارس بن مردويه قال : حدثنا محمد بن الفضيل العابد قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : حدثنا سفيان بن حصين، عن يعلى بن مسلم، عن مجاهد قال : قرأ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر  جنات عَدْنٍ ، فقال هل تدرون ما جنات عدن ؟ قال : قصر في الجنة من ذهب، له خمسمائة ألف باب، وعلى كل باب خمسة وعشرون ألفاً من الحور العين ؛ لا يدخلها إلا نبي وهنيئاً لصاحب القبر، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أو صديقٍ وهنيئاً لأبي بكر ؛ أو شهيد وأنَّى لعمر بالشهادة. ثم قال : ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ ، يقول رضاء الرب عنهم أعظم مما هم فيه من الثواب والنعيم في الجنة.  ذلك هُوَ الفوز العظيم ، يعني : النجاة الوافرة.

### الآية 9:73

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [9:73]

**قوله تعالى :**
 العظيم يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين ، يعني : جاهد  الكفار  بالسيف  والمنافقين  بالقول الشديد. قال ابن مسعود في قوله : جاهد الكفار والمنافقين  قال : جاهد بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك والقه بوجه مكفهر، وعن الحسن قال : جاهد الكفار  بالسيف  والمنافقين  بالحدود، يعني : أقم عليهم حدود الله.  واغلظ عَلَيْهِمْ ، يعني : أشدد عليهم، يعني : على الفريقين جميعاً في المنطق. 
ثم بيَّن مرجعهم جميعاً في الآخرة وقال : وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ، يعني : مصيرهم ومآلهم إلى جهنم،  وَبِئْسَ المصير  الذي صاروا إليه.

### الآية 9:74

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:74]

ثم بيّن خبثهم وسوء معاملتهم وفعالهم، فقال الله تعالى : يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ  ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين وسماهم رجساً، فقال الجلاس بن سويد لئن كان محمد صادقاً فيما يقول، لنحن شر من الحمير فسمع عامر بن قيس ذلك، فقال : والله إن محمداً لصادق، ولأنتم شر من الحمير. فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاه عامر بن قيس فأخبره. فقال الجلاس : بل كذب عليّ، وأمرهما أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس وحلف، ثم قام عامر بن قيس وحلف أنه قد قاله، وما كذبت عليه، ثم رفع يديه فقال : اللهم انزل على نبيك صلى الله عليه وسلم وبيِّن الصادق منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون **«آمِين »** فنزل جبريل قبل أن يتفرقوا بهذه الآية  يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم ، يقول كفروا في السر بعد أن أقروا في العلانية  وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ، يعني : أرادوا قتل عامر بن قيس ؛ ويقال : قتل النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم اجتمعوا ذات ليلة في مضيق جبل، ليقتلوه إذا مرّ بهم، فدفعهم الله عنه ؛ ويقال : وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ  وهو قول عبد الله بن أُبي ابن سلول لأصحابه : يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ  \[ المنافقون : ٨ \]. وقال : سَمِّن كلبك يأكلك، يعني : سلطناهم على أنفسنا فنزل : وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ  وقال مقاتل : كان المنافقون أصحاب العقبة هموا ليلاً بقتل النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة في غزوة تبوك، فنزل : وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ  وهكذا قال الضحاك. 
ثم قال تعالى : وَمَا نَقَمُواْ ، يعني : وما عابوا وما طعنوا على محمد صلى الله عليه وسلم.  إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ  ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكان أهل المدينة في شدة من عيشهم، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة ؛ فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة استغنوا ؛ فذلك قوله : إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ . 
ثم قال الله تعالى : فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ ، يعني : إن تابوا من الشرك والنفاق يكون خيراً لهم من الإقامة عليه.  وَإِن يَتَوَلَّوْا  أبوا عن التوبة،  يُعَذّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدنيا والآخرة  ؛ يعني : في الدنيا بإظهار حالهم، وفي الآخرة في نار جهنم.  وَمَا لَهُمْ فِى الأرض مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ، يعني : مانع يمنعهم من العذاب. وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، تاب الجلاس بن سويد وحسنت توبته.

### الآية 9:75

> ﻿۞ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [9:75]

**قوله تعالى :**
 وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ، قال في رواية الكلبي : نزلت الآية في شأن حاطب بن أبي بلتعة، كان له مال بالشام فجهد بذلك جهداً شديداً فحلف بالله  لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ ، يعني : المال الذي بالشام،  لَنَصَّدَّقَنَّ  منه ولأؤدين حق الله تعالى منه، فلم يفعل لمَّا أعطاه الله المال. قال مقاتل : نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري كان محتاجاً، فقال : لَئِنْ ءاتانا \*\*\* الله مِن فَضْلِهِ \*\*لَنَصَّدَّقَنَّ ولنكونن من الصالحين  فابتلاه الله فرزقه ذلك، وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلاً من المنافقين خطأ، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم ديته إلى عصبته وهو ثعلبة، فبخل ومنع حق الله تعالى. 
قال الفقيه : حدثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال : حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال : حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا معاذ بن رفاعة، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ادع الله لي أن يرزقني مالاً. فقال :**« وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ »**. قال : ثم رجع إليه فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال :**« وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ، أمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِثْلِي ؟ وَالله لَوْ سَأَلْتُ الله تَعَالَى أنْ يُسِيلَ عَلَيَّ الْجِبَالَ ذَهَباً وَفِضَّةً. لَسَالَتْ »**. ثم رجع إليه فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فوالله لئن آتاني الله مالاً لأؤدين لكل ذي حق حقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالاً »**. فاتَّخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها أزقة المدينة فتنحى بها وكان يشهد الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إليها ثم نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة فتنحى بها، وكان يشهد الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخرج إليها ثم نمت، فترك الجمعة والجماعات وجعل يتلقى الركبان ويقول : ماذا عندكم من الخير ؟ وما كان من أمر الناس ؟ فأنزل الله تعالى على رسوله : خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ  \[ التوبة : ١٠٣ \] فاستعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقات : رجلاً من الأنصار، ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كتاب الصدقة، وأمرهما أن يصدقا الناس، وأن يمرا بثعلبة فيأخذا منه صدقة ماله. 
فأتيا ثعلبة وطلبا منه، فقال : صدِّقا الناس، فإذا فرغتما فمرا بي. 
ففعلا، فلما رجعا إليه وطلبا منه فأبى وقال : ما هذه إلا أخية الجزية. فانطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه فأنزل الله تعالى : وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين \* فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ \* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ . 
فركب رجل من الأنصار هو ابن عم لثعلبة راحلته حتى أتى ثعلبة فقال : ويحك يا ثعلبة هلكت قد أنزل الله فيك من القرآن كذا وكذا : فأقبل ثعلبة بن حاطب وجعل على رأسه التراب وهو يبكي ويقول : يا رسول الله اقبض مني صدقة مالي. فلم يقبض منه صدقة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى إلى أبي بكر فلم يقبل منه صدقته ؛ ثم أتى إلى عمر فلم يقبل صدقته ؛ ثم أتى إلى عثمان فلم يقبل صدقته ومات في خلافة عثمان، فذلك قوله : فَلَمَّا ءاتَاهُمْ

### الآية 9:76

> ﻿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [9:76]

فَلَمَّا ءاتَاهُمْ  يعني : لما أعطاهم  مِن فَضْلِهِ  يعني : من المال  بَخِلُواْ بِهِ  بمنع حق الله تعالى  وَتَوَلَّواْ  عن الصدقة  وَهُم مُّعْرِضُونَ  فلم يفوا بما قالوا

### الآية 9:77

> ﻿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [9:77]

فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ  يقول جعل عاقبتهم على النفاق  إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ  وهو يوم القيامة،  بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ  بقوله : لَئِنْ ءاتانا \*\*\* الله مِن فَضْلِهِ \*\*لَنَصَّدَّقَنَّ  وقال عبد الله بن مسعود : اعتبروا المنافق بثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر. ثم قرأ  وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله  إلى قوله  وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ  فقد ذكر الثلاثة في هذه الآية.

### الآية 9:78

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [9:78]

**قوله تعالى :**
 أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ، وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في أصحاب العقبة حين هموا بما لم ينالوا وهذا عطف على قوله : لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ   أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ .  وَأَنَّ الله علام الغيوب ، أي علم غيب كل شيء مما هموا به.

### الآية 9:79

> ﻿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:79]

قوله تعالى : الذين يَلْمِزُونَ المطوعين ، يعني : يطعنون ويعيبون  مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصدقات ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يخرج إلى غزوة تبوك، حثَّ الناس على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وزن كل درهم مثقالاً، فقال النبي : صلى الله عليه وسلم :**« أَكْثَرْتَ هَلْ تَرَكْتَ لأهْلِكَ شَيْئاً »** فقال : يا رسول الله، كان مالي ثمانية آلاف درهم فأما أربعة آلاف درهم فأقرضتها ربي عز وجل، وأما أربعة آلاف فأمسكتها لنفسي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« بَارَكَ الله لك فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَفِيمَا أمْسَكْتَ »**. فبارك الله فيه، حتى إنّه بلغ ماله حين مات أنه طلق إحدى نسائه الثلاث في مرضه، فصالحوها عن ثلث الثمن لها بثمانين ألف درهم ونيف. 
وفي رواية أُخرى ثمانين ألف دينار ونيف. وجاء عاصم بن عدي بسبعين وسقاً من تمر، وكل واحد منهم جاء بمقدار طاقته، حتى جاء أبو عقيل بن قيس بصاع من تمر وقال : آجرت نفسي الليلة بصاعين، فصاع أقرضته لربي، وصاع تركته لأهلي فأمره بأن ينثره في الصدقة. وروي أن امرأة، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمرةٍ واحدة، فلم ينظر النبي صلى الله عليه وسلم إليها فنزل : الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  إلى آخره. وكان نفر من المنافقين جلوساً يستهزئون فقالوا : لقد تصدق عبد الرحمن وعاصم بن عدي على الرَّب، فلقد كان الله غنياً عن صاع أبي عقيل، فنزل : الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  يعني : يطعنون المتصدقين الذين يتصدقون بأموالهم وهم عبد الرحمن وعاصم وغيرهما. 
 وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ، قال أهل اللغة : الجُهْدُ بالضم الطاقة، والجَهْدُ بالفتح المشقة. وقال الشعبي : الجُهْدُ هو العسرة يعني : القلة، والجَهْد بالنصب هو الجَهْدُ في العمل.  فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ، يقول يستهزئون بهم.  سَخِرَ الله مِنْهُمْ ، يعني : يجازيهم جزاء سخريتهم. وهذا كقوله : الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ  \[ البقرة : ١٥ \] ثم قال : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، يعني : وجيع دائم.

### الآية 9:80

> ﻿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:80]

فلما نزلت هذه الآية  الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصدقات وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُم فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله استغفر لنا فنزل : استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ  : اللفظ لفظ الأمر ومعناه معنى الخبر، أي إن شئت  استغفر لهم ، وإن شئت فلا تستغفر لهم، يعني : للمنافقين. 
 إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ، ثم بَيَّنَ المعنى الذي لم يغفر لهم بسببه، فقال تعالى : ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ ، يعني : في السر. وقال قتادة ومجاهد : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم :« لأزِيدَنَّ عَلَى سَبْعِينَ مرة فاستغفر لهم، أكثر من سبعين مرة لعل الله يغفر لهم " فأنزل الله تعالى : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين  \[ المنافقون : ٦ \] ثم قال تعالى : والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين ، يعني : المنافقين الذين كفروا بالله ورسوله في السر، والله تعالى لا يهديهم ما داموا ثابتين على النفاق.

### الآية 9:81

> ﻿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [9:81]

**قوله تعالى :**
 فَرِحَ المخلفون  يقول عجب ورضي المتخلفون عن الغزو وهم المنافقون.  بِمَقْعَدِهِمْ خلاف رَسُولِ الله ، يعني : بتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وَكَرِهُواْ أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى الحر ، يعني : قال بعضهم لبعض : لا تخرجوا إلى الغزو، فإن الحر شديد. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : قُلْ  لهم يا محمد : نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ  يعني : لو كانوا يفهمون ويعقلون. وفي قراءة ابن مسعود  لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ .

### الآية 9:82

> ﻿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:82]

ثم قال عز وجل : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً  اللفظ لفظ الأمر والمراد به التوبيخ. قال الحسن : يعني : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً  في الدنيا،  وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا  في الآخرة في النار.  جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ، يعني : عقوبة لهم بما كانوا يكفرون. وعن أبي رزين أنه قال في قوله تعالى : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا  قال : يقول الله تعالى : الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا : فإذا صاروا إلى النار بكوا بكاءً لا ينقطع فذلك الكثير. 
وروى الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عامر، عن عمرو بن شرحبيل قال : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على ملأ من قريش، وفيهم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة فقال أبو جهل : هذا نبيكم يا بني عبد مناف. فقال عتبة : وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك ؟ فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليهم وقال :**« أمَّا أنْتَ يا عُتْبَةُ، فَلَمْ تَغْضَبْ لله وَلا لِرَسُولِهِ، وَإنَّمَا غَضِبْتَ لِلأصْلِ. وَأمَّا أنْتَ يَا أبَا جَهْلٍ، فَوَالله لا يَأْتِي عَلَيْكَ إلاَّ غَيْرُ كَثِيرٍ مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى تَبْكِيَ كَثِيراً وَتَضْحَكَ قَلِيلاً. وَأمَّا أنْتُمْ يَا مَلأَ قُرَيْشٍ، فَوَالله لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ إلاَّ غَيْرُ كَثِيرٍ مِنَ الدَّهْرِ، حَتَّى تَدْخُلُوا فِي هذا الأمْرِ الَّذِي تُنْكِرُونَ طَائِعِينَ أوْ كَارِهِينَ »**. قال : فسكتوا كأنما ذرّ على رؤوسهم التراب، فلم يردوا عليه شيئاً. 
وروى أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« يُرْسِلُ الله تَعَالَى البُكَاءَ عَلَى أهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى يُرَى فِي وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأخْدُودِ »**.

### الآية 9:83

> ﻿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ [9:83]

**قوله تعالى :**
 فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ ، يعني : إن رجعك الله من تبوك إلى طائفة من المنافقين الذين تخلفوا  فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ  معك إلى غزوة أُخرى.  فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا  إلى الغزو،  وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا . ويقال : معناه لن تخرجوا إلاّ مطوعين من غير أن تكون لكم شركة في الغنيمة.  إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ ، بالتخلف عن غزوة تبوك،  فاقعدوا مَعَ الخالفين ، يعني : مع المتخلفين الذين تخلفوا بغير عذر ؛ ويقال : الخالف الذي يخلف الرجل في أهله وماله ؛ ويقال : الخالف الذي خالف قومه ؛ ويقال : الخالف الفاسد ؛ ويقال : الخالف المرأة. والخوالف النساء.

### الآية 9:84

> ﻿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [9:84]

قوله تعالى : وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ، يعني : لا تصل أبداً على من مات من المنافقين.  وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ ، يعني : لا تدفنه.  إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ  في السر،  وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون  ؛ يعني : ماتوا على الكفر. قال مقاتل : ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليه عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول، وهو رأس المنافقين حين مات أبوه، فقال : أنشدك الله أن لا تشمت بي الأعداء. فطلب منه أن يصلي على أبيه، فأراد النبي أن يفعل، فنزلت هذه الآية، فانصرف النبي عليه السلام ولم يصل عليه. وقال في رواية الكلبي : لما اشتكى عبد الله بن أُبي ابن سلول، عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب منه عبد الله أن يصلي عليه إذا مات، وأن يقوم على قبره، وأن يكفنه في القميص الذي يلي جلده فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال عمر : فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يصلي عليه فقلت : يا رسول الله، أتصلي عليه وهو صاحب كذا وكذا ؟ فقال :**« دَعْنِي يا عُمَر »** ثم عدت ثانياً، ثم عدت ثالثاً، فنزلت هذه الآية  ولا تصل على أحد منهم مات أبدا  الآية. 
وروى عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى عليه، وقام على قبره، وكفنه في قميصه، فنزل  وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً  الآية فنهي أن يصلي على أحد من المنافقين بعده. قال ابن عباس : والله لا أعلم أي صلاة كانت ؟ وما خادع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنساناً قط. وفي خبر آخر أنّ عمر قال يا رسول الله أتصلي عليه، وتعطيه قميصك وهو كافر منافق ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**« وَمَا عَلِمْتَ يا عُمَرُ، عَسَى أنْ يُسْلِمَ بِسَبَبِ هذا القَمِيصِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَلا يُغْنِيهِ قَمِيصٌ مِنْ عَذابِ الله شَيْئاً »**. فأسلم من أهاليه ومن بني الخزرج خلق كثير. وقالوا : لولا أن عبد الله عرفه حقاً، ما تبرك بقميصه، وما طلب منه أن يصلي عليه.

### الآية 9:85

> ﻿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:85]

ثمَّ قال تعالى : وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى الدنيا ، يعني : بالأموال في الآخرة على وجه التقديم،  وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون .

### الآية 9:86

> ﻿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:86]

**قوله تعالى :**
 وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ ، يعني : سورة براءة.  أن آمنوا بالله ، صدقوا بقلوبكم كما أقررتم بلسانكم،  وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ ، يعني : استأذنك في القعود أهل السعة والغنى من المنافقين.  وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين ، يعني : دعنا وائذن لنا نتخلف ونقعد مع القاعدين الذين تخلفوا في المدينة عن الجهاد.

### الآية 9:87

> ﻿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [9:87]

رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف ، يعني : بأن يجالسوا النساء بالمدينة. يقال : الخوالف هم خساس الناس ودناتهم، يقال : خالف أهله، إذا كان دونهم.  وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ  التوحيد، ويقال : لا يعلمون ثواب الخروج إلى الجهاد.

### الآية 9:88

> ﻿لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [9:88]

ثم قال عز وجل : لكن الرسول ، يعني : إن لم يجاهد المنافقون فالله تعالى غني عنهم ويجاهد الرسول.  والذين ءامَنُواْ مَعَهُ جاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ ، يعني : إن لم تخرجوا أنتم.  وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخيرات ، يعني : الحسنات، ويقال : زوجات حسان في الجنة. والخيرة : الزوجة، والخيرة : الثواب. وقال القتبي والأخفش : الخيرات واحدها خيرة : وهن الفواصل. 
وروى مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال : في قوله : وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخيرات  قال : لكل مسلم خيرةٌ ولكل خيرةٌ خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عليها في كل يوم من الله تعالى تحفة وكرامة وهدية، لم يكن قبل ذلك لا طمحات ولا مرحات ولا بخرات ولا دفرات  وَحُورٌ عِينٌ  \[ الواقعة : ٢٢ \] الآية. قال أهل اللغة : طمحات يعني : ناكسات رؤوسهن، مرحات خفيفات الروح، بخرات منتن ريح الفم، ودفرات منتن ريح الإبط. ثم قال تعالى : وأولئك هُمُ المفلحون ، يعني : الناجون في الآخرة.

### الآية 9:89

> ﻿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:89]

**قوله تعالى :**
 أَعَدَّ الله لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ذلك الفوز العظيم ، يعني : النجاة الوافرة والثواب الجزيل.

### الآية 9:90

> ﻿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:90]

قوله تعالى : وَجَاء المعذرون مِنَ الأعراب ، قرأ ابن عباس  المعذرون  بالتخفيف وهكذا قرأ الحضرمي، وقراءة العامة  المعذرون  بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف يعني : الذين أعذروا وجاؤوا بالعذر، ومن قرأ بالتشديد يعني : المعتذرين إلا أن التاء أدغمت في الذال لقرب المخرجين : يعني الذين يعتذرون كان لهم عذر أو لم يكن لهم. وهذا قول الزجاج. 
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : وجاء المعذرون  بالتخفيف وهم المخلصون أصحاب العذر وقال : لعن الله المُعْذِّرِين بالتشديد لأن المعذَّرين هم الذين يعتلُّون بلا علة ويعتذرون بلا عذر.  لِيُؤْذَنَ لَهُمْ  في التخلف،  وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ . فمن قرأ بالتشديد يكون هذا نعتاً لهم، ومن قرأ بالتخفيف يكون صنفين ويكون معناه : وجاء الذين لهم العذر، وسألوا العذر، وقعد الذين لا عذر لهم وهم الذين كفروا بالله ورسوله في السر. ثم بيّن أمر الفريقين فقال : سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، وهم الذين تخلفوا بغير عذر.

### الآية 9:91

> ﻿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:91]

ثم بيّن حال الذين تخلفوا بعذر. فقال تعالى : لَّيْسَ عَلَى الضعفاء ، يعني : على الزمنى والشيخ الكبير،  وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ  في الجهاد  حَرَجٌ ، أي لا إثم عليهم.  إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، يعني : إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية.  مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ، يعني : ليس على الموحدين المطيعين من حرج، إذا تخلفوا بالعذر.  والله غَفُورٌ  لهم بتخلفهم،  رَّحِيمٌ  بهم.

### الآية 9:92

> ﻿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [9:92]

قوله تعالى : وَلاَ عَلَى الذين ، يعني : ولا حرج على الذين.  إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ  على الجهاد. روى أسباط، عن السدي أنه قال : أقبل رجلان من الأنصار أحدهما عبد الله بن الأزرق، والآخر أبو ليلى، فسألاه أن يحملهما،  قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ . وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : أتاه سبعة نفر من أصحابه، سالم بن عمير، وحزم بن عمرو، وعبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، وسليمان بن صخر، وعتبة بن زيد، وعمرو بن عتبة، وعبد الله بن عمرو المزني يستحملونه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«  لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ  »**.  تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ ، يعني : تسيل  مِنَ الدمع حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ  في الخروج إلى الجهاد.

### الآية 9:93

> ﻿۞ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [9:93]

**قوله تعالى :**
 إِنَّمَا السبيل  الحرج  عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ  في التخلف،  وَهُمْ أَغْنِيَاء  يعني : لهم سعة للخروج.  رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ ، يعني : ختم،  فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  التوحيد.

### الآية 9:94

> ﻿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:94]

قوله تعالى : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ  من الغزو.  قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ ، يعني : لا نصدقكم أن لكم عذراً.  قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ ، يعني : أخبرنا الله تعالى بأنه ليس لكم عذر، ويقال : أخبرنا الله عن نفاقكم، ويقال : أخبرنا الله عن أعمالكم وسرائركم.  وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ، فيما تستأنفون وسيرى المؤمنون.  ثُمَّ تُرَدُّونَ ، يعني : ترجعون بعد الموت  إلى عالم الغيب والشهادة  الذي يعلم ما غاب عن العباد وما شاهدوا  فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  في الدنيا.

### الآية 9:95

> ﻿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:95]

قوله : سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ ، يعني : إذا رجعتم إليهم من الغزو،  لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ  ؛ يعني : لتتجاوزوا وتصفحوا عنهم  فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ  ؛ يعني : اصفحوا وتجاوزوا عنهم في الدنيا  إِنَّهُمْ رِجْسٌ ، يعني : قذر ونجس،  وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ  ؛ يعني : مصيرهم في الآخرة إلى جهنم.  جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  من النفاق.

### الآية 9:96

> ﻿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [9:96]

قوله تعالى : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ ، يعني : إن أنت رضيت عنهم يا محمد والمؤمنون.  فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين ، يعني : المنافقين.

### الآية 9:97

> ﻿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:97]

قوله تعالى : الأعراب أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ، يعني : أسد وغطفان وأعراب حاضري المدينة هم أشد في كفرهم ونفاقهم من غيرهم.  وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ ، يعني : أحرى وأولى وأحق أَلاَّ يَعْلَمُوا،  حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ ، لأنهم كانوا أجهل وأقل علماً من غيرهم. وقال الكلبي : يعني : لا يعلمون الفرائض التي أنزل الله على رسوله. وقال مقاتل : هم أقلّ علماً بالسنن من غيرهم. 
وروى الأعمش، عن إبراهيم قال : كان زيد بن صوحان جالساً يحدث وقد أصيبت يده يوم نهاوند، فجاء أعرابي وقال : والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني. فقال له زيد : أو ليس الشمال ؟ قال الأعرابي : والله لا أدري الشمال يقطعون أو اليمين ؟ فقال زيد : صدق الله  الأعراب أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَن لا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ ، ويقال : أن لا يعلموا أحكام الله في كتابه.  والله عَلِيمٌ  بهم،  حَكِيمٌ  في أمرهم. ونزل فيهم : وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا ،

### الآية 9:98

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:98]

وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا ، يعني : ما ينفق في الجهاد يحسبه غُرْماً،  وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر ، يعني : ينتظر بكم الموت، يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال القتبي : الدوائر، دوائر الزمان، وهي صروفه التي تأتيه مرة بالخير ومرة بالشر. يقول الله تعالى : عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ، يعني : عاقبة السوء والهلاك. قرأ ابن كثير وأبو عمرو  دَائِرَةُ السوء  بضم السين، يعني : عاقبة المضرة والشر، وقرأ الباقون بالنصب. يقال : رجل سوء، إذا كان خبيثاً. وعن الفراء أنه قال : الفتح مصدر والضم اسم.  والله سَمِيعٌ  لمقالتهم،  عَلِيمٌ  بهلاكهم.

### الآية 9:99

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:99]

ثم ذكر من أسلم من الأعراب جهينة وغفار وأسلم فقال تعالى :
 وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ  في الجهاد  قربات عِندَ الله ، يعني : قربة إلى الله تعالى،  وصلوات الرسول ، يعني : طلب دعاء الرسول عليه السلام واستغفاره. يقول الله تعالى : أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ، أي نفقاتهم قربة لهم إلى الله تعالى وفضيلة ونجاة لهم.  سَيُدْخِلُهُمُ الله فِى رَحْمَتِهِ ، يعني : في جنته  إنَّ الله غَفُورٌ  لذنوبهم،  رَّحِيمٌ  بهم قرأ نافع في رواية ورش  قُرْبَةٌ  بضم الراء، وقرأ الباقون بجزم الراء، ومعناهما واحد.

### الآية 9:100

> ﻿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:100]

**قوله تعالى :**
 والسابقون الأولون  وهم الذين صلوا إلى القبيلتين،  مِنَ المهاجرين والأنصار ، وشهدوا بدراً. عن قتادة قال : قلت لسعيد بن المسيب من المهاجرون الأولون ؟ قال : من صلَّى إلى القبلتين مع النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من المهاجرين الأولين وقال السدي : كانت الهجرة قبل أن تفتح مكة، فلما فتحت مكة كان من أسلم بعده ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو تابع. 
وروي عن مجاشع بن مسعود النهدي أنه جاء بابن أخيه ليبايعه على الهجرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**« لا بَلْ بَايِعْ عَلَى الإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفْتَحِ وَيَكُونُ مِنَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ »**. قرأ العامة  والأنصار  بالكسر، وقرأ الحضرمي  والأنصار  بالضم. فمن قرأ بالضم فهو عطف على السابقين التابعين ومعناه والسابقون والأنصار، ومن قرأ بالكسر فهو عطف على المهاجرين ومعناه ومن المهاجرين ومن الأنصار. 
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرأ : الذين \* اتبعوهم بِإِحْسَانٍ  بغير واو، وقراءة العامة بالواو، فمن قرأ بغير واو يكون نعتاً للأنصار، ومن قرأ بالواو يكون نعتاً لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة. 
وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : سمع عمر رضي الله عنه رجلاً يقرأ هذه الآية  والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ  فقال له عمر : من أقرأك هذه الآية ؟ فقال : أقرأنيها أُبيّ بن كعب. فقال لا تفارقني حتى أذهب بك إليه. فلما جاءه قال : يا أُبَيّ، أنت أقرأته هذه الآية هكذا ؟ قال : نعم. قال : أنت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم. قال : كنت أظن أنا قد ارتفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا. قال أُبيّ : تصديق هذه الآية أول سورة الجمعة، وأوسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال. أما أول سورة الجمعة  وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ العزيز الحكيم  \[ الجمعة : ٣ \] وأوسط سورة الحشر  والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمان وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ  \[ الحشر : ١٠ \] وآخر سورة الأنفال  والذين ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله إِنَّ الله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ  \[ الأنفال : ٧٥ \]. 
وقال الشعبي : السابقون الأولون  من أدرك بيعة الرضوان وبايع تحت الشجرة.  والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ ، يعني : على دينهم بإحسانهم،  رَّضِىَ الله عَنْهُمْ  بأعمالهم،  وَرَضُواْ عَنْهُ ، يعني : عن الله تعالى بثوابه لهم في الجنة.  وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي من تَحْتَهَا الأنهار . قرأ ابن كثير  جنات تجري مِن تَحْتِهَا الأنهار  بزيادة من، وقرأ الباقون  جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الانهار  بغير من صار  تَحْتِهَا  نصباً لنزع الخافض.  خالدين فِيهَا أَبَداً ذلك الفوز العظيم ، يعني : الثواب الوافر.

### الآية 9:101

> ﻿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ [9:101]

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الأعراب منافقون  يعني : الأعراب الذين حوالي المدينة.  وَمِنْ أَهْلِ المدينة ، وهو عبد الله بن أُبي وأصحابه  مَرَدُواْ عَلَى النفاق ، يعني : مرنوا وثبتوا على النفاق، فلا يرجعون عنه ولا يتوبون.  لاَ تَعْلَمُهُمْ ، يقول لا تعرفهم أنت لسبب إيمانهم بالعلانية.  نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ، لأني عالم السر والعلانية ونعلم نفاقهم ونعرفك حالهم. 
 سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ  قال مقاتل : أحد العذابين عند الموت ضرب الملائكة الوجوه والأدبار، والعذاب الثاني عذاب القبر، وهو ضرب منكر ونكير. وقال الكلبي : أوَل العذابين أنه أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر. 
وروى أسباط بن النضر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الملك السدي قال : عن أبي مالك، عن ابن عباس أنه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة، فقال :****« يَا فُلانُ اخْرُجْ فَإنَّكَ مُنَافِقٌ »****. ثم قال :**« يَا فُلانُ اخْرُجْ إنَّكَ مُنَافِقٌ »**. ثم قال :****« يَا فُلانُ اخْرُجْ فَإنَّكَ مُنَافِقٌ »****. فأخرجهم بأسمائهم، وكان عمر لم يشهد الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبؤوا من عمر وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين : أبشر يا عمر، قد فضح الله المنافقين، وهذا هو العذاب الأول، والعذاب الثاني عذاب القبر. وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ، قال : الجوع والقتل، ويقال القتل والسبي، وقال الحسن : عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.  ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ، يعني : عذاب جهنم أعظم مما كان في الدنيا.

### الآية 9:102

> ﻿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:102]

قوله تعالى : وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ، يعني : بتخلفهم عن الغزو وهم : أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن خزام.  خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا ، وهو التوبة،  وآخر سيئا  بتخلفهم عن غزوة تبوك. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال : تخلف أبو لبابة عن غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية المسجد، ثم قال : والله لا أحلّ نفسي منها، ولا أذوق طعاماً، ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً، حتى كاد يخر مغشياً عليه، حتى تاب الله عليه فقيل له : قد تيب عليك. فقال : والله لا أحل نفسي، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحلّه بيده. ثم قال أبو لبابة : يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن انخلع من مالي كله وأجعله صدقة لله تعالى ولرسوله. 
فقال :**« يُجْزِيكَ الثُّلُثُ يا أبا لُبَاَبَة »**. وروي عن الزهري، عن كعب بن مالك قال : أول أمر عتب على أبي لبابة أنه كان بينه وبين يتيم عذق، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقضى به لأبي لبابة فبكى اليتيم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :**« دَعْهُ »** فأبى. قال :**« فَأَعْطِهِ إيّاهُ وَلَكَ مِثْلُهُ فِي الْجَنَّةِ »**. قال : لا. فانطلق أبو الدحداحة، فقال لأبي لبابة : بعني هذا العذق بحديقتي ؟ قال : نعم. ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن أعطيت هذا اليتيم هذا العذق ألي مثله في الجنة ؟ قال :**« نَعَمْ »**. فأعطاه إيّاه قال وأشار أبو لبابة إلى بني قريظة حين نزلوا على حكم سعد بن معاذ. وأشار إلى حلقه يعني : الذبح، والثالث أنه تخلف عن غزوة تبوك ثم تيب عليه، فذلك قوله : عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، وعسى من الله واجب أن يتجاوز عنهم.  إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ .

### الآية 9:103

> ﻿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:103]

**قوله تعالى :**
 خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً  يعني : من الذين قبلت توبتهم، جاؤوا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : هذه أموالنا فخذها، وتصدق بها عنا فكره أن يأخذها فنزل  خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ  بها من ذنوبهم، ويقال : هذا ابتداء، يعني : خذ من أموال المسلمين صدقة، يعني : الصدقة المفروضة.  تُطَهّرُهُمْ ، يعني : تطهر أموالهم،  وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ، يعني : تصلح بها أعمالهم.  وَصَلّ عَلَيْهِمْ ، يعني : استغفر لهم وداعُ لهم  ءانٍ \* صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ  يعني دعاءك واستغفارك سكن لهم يعني : طمأنينة لهم إن الله تعالى قد قبل منهم الصدقة، ويقال : إن الله قبل منهم التوبة.  والله سَمِيعٌ  لقولهم،  عَلِيمٌ  بثوابهم. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر  إِنَّ صلواتك  بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون  \*\*\*صَلاتَكَ  وقال أبو عبيدة : وهذا أحبَ إليّ، لأن الصلاة أكثر من الصلوات. ألا ترى إلى قول الله تعالى : وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه وَهُوَ الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُون  \[ الأنعام : ٧٢ \] وإنّما هي صلاة الأبد.

### الآية 9:104

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:104]

قوله تعالى : عَلِيمٌ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات ، يعني : ويقبل الصدقات. ومعناه : وما منعهم عن التوبة والصدقة، فكيف لم يتوبوا ولم يتصدقوا ؟ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده والصدقة ؟ وروى أبو هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« إنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ طَيِّبٍ، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَصِيلَهُ أوْ مُهْرَهُ، حَتَّى تَكُونَ اللُّقْمَةُ مِثْلَ أحُدٍ »**  وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم  يعني : المتجاوز لمن تاب  الرحيم  بالمؤمنين.

### الآية 9:105

> ﻿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:105]

**قوله تعالى :**
 وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون ، يعني : ويراه رسوله ويراه المؤمنون. وقال ابن مسعود رضي الله عنه إن الناس قد أحسنوا القول كلهم ؛ فمن وافق قوله فعله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يذبح نفسه.  وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة ، يعني : يوم القيامة،  فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  في الدنيا.

### الآية 9:106

> ﻿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:106]

قوله : وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ الله ، يعني : موقوفون لأمر الله ؛ وقال القتبي : مؤخرون على أمر الله، ويقال : متروكون لأمر الله ماذا يأمر الله تعالى لهم ؛ ويقال مؤخر أمرهم ؛ ولم يتبيَّن شيء. فنزلت هذه الآية في الثلاثة الذين تخلفوا، وهم : كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. ثم بيَّن توبتهم في الآية التي بعدها  وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ . قرأ حمزة والكسائي ونافع  مُرْجَوْنَ  بغير همز وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالهمز، واختلف عن عاصم وابن عامر وأصله من التأخير  إِمَّا يُعَذّبُهُمْ  بتخلفهم،  وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ، يعني : يتجاوز عنهم.  والله عَلِيمٌ  بهم،  حَكِيمٌ  يحكم في أمرهم ما يشاء.

### الآية 9:107

> ﻿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:107]

**قوله تعالى :**
 والذين اتخذوا مَسْجِدًا ضِرَارًا ، يعني : بنوا مسجداً مضرة للمسلمين. وقال القتبي : يعني مضارة، ليضاروا به مخالفيهم، ليدخلوا عليهم المضرة،  وَكُفْراً  ؛ يعني : وإظهاراً للكفر،  وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين . قرأ نافع وابن عامر  الذين اتخذوا  بغير واو، وقرأ الباقون بالواو ؛ ومعناهما واحد، إلا أن الواو للعطف. نزلت الآية في سبعة عشر من المنافقين من بني غنم بن عوف، قالوا : تعالوا نبني مسجداً، يكون فيه متحدثنا ومجمع رأينا. فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه أن يأذن لهم في بناء المسجد، وقالوا : قد بعُد علينا المسير إلى الصلاة معك، فتفوتنا الصلاة، فاذن لنا أن نبني مسجداً لذوي العلّة والليلة المطيرة. فأذن لهم، وكانوا ينظرون رجوع أبي عامر الراهب من الشام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم سماه فاسقاً، وقال :**« لا تَقُولُوا رَاهِبٌ ولكن قُولُوا فَاسِقٌ »** وقد كان آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم مرتين ثم رجع عن الإسلام، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات كافراً. 
فلما ظهر أمرهم ونفاقهم، جاؤوا يحلفون  إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى  أي أردنا ببناء المسجد فنزل  والذين اتخذوا مَسْجِدًا ضِرَارًا  يعني : بنوا المسجد للضرار والكفر وللتفريق بين المؤمنين لكي يصلي بعضهم في مسجد قباء وبعضهم في مسجدهم، وليجتمع الناس إلى مسجدهم ويتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.  وَإِرْصَادًا لّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ، يعني : انتظاراً لمن هو كافر بالله ورسوله من قبل بناء المسجد، أن يقدم عليهم من قبل الشام، وهو أبو عامر الراهب.  وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى ، أي ما أردنا ببناء المسجد إلاَّ صواباً، لكيلا تفوتنا الصلاة بالجماعة، ولكي يرجع أبو عامر فيسلم.  والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون  فيما حلفوا، وإنَّما اجتمعوا فيه لإظهار النفاق والكفر.

### الآية 9:108

> ﻿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [9:108]

ثم قال : لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ، يعني : لا تصلِّ فيه أبداً، لأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي ويصلي فيه، لكي يتبرك بصلاته فيه، فنهاه الله عن ذلك ونزل  لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا  ثم قال : لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ، يعني : المسجد الذي بني على التوحيد من أول يوم. قال الأخفش : بني لوجه الله تعالى منذ أول يوم، ويقال : بني للذكر والتكبير والتهليل وإظهار الإسلام وقهر الشرك من أول يوم بني. ثم قال : أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ، يعني : أولى وأجدر أن تصلي فيه. 
ثم قال : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ، يعني : الاستنجاء بالماء، ويقال : يحبون أن يتطهروا  يعني : يطهروا أنفسهم من الذنوب. وذلك أن ناساً من أهل قباء كانوا إذا أتوا الخلاء، استنجوا بالماء وهم أول من فعل ذلك واقتدى بهم من بعدهم وروي في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بباب المسجد بعد نزول الآية وقال لمن فيه :
**« إنّ الله قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاءَ فِي طَهُورِكُمْ فَبِمَ تَطَهَّرُونَ »** قالوا : نستنجي بالماء، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، وذلك قوله : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين . 
وقال سعيد بن المسيب : المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد المدينة الأعظم. وعن سهل بن سعد الساعدي قال : اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما : هو مسجد رسول الله، وقال الآخر : هو مسجد قباء. فذكر ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :**« هُوَ مَسْجِدِي هذا »**. وروي، عن ابن عباس أنه قال :**« هُوَ مَسْجِدُ قباء »**.

### الآية 9:109

> ﻿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:109]

**ثم قال :**
 أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ  يعني : أصَّل بنيانه  على تقوى مِنَ اللَّهِ ، يعني : على توحيد الله تعالى،  وَرِضْوَانٍ  من الله عز وجل. قرأ نافع وابن عامر  أَفَمَنْ أَسَّسَ  بضم الألف وكسر السين  بُنْيَانَهُ  بضم الألف والنون على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون  أَسَّسَ  بنصب الألف وَ  بُنْيَانَهُ  بنصب النون ومعنى الآية : إن البناء الذي يراد به الخير ورضاء الرب تبارك وتعالى  خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ، يعني : مسجد الضرار  أسس بنيانه  أصِّل بنائه  على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ، يعني : على طرف هار ليس له أصل. قرأ حمزة وابن عامر وأبي بكر، عن عاصم  على شفا جُرُفٍ  بجزم الراء، والباقون بالضم ومعناهما واحد. وقال القتبي : يعني : على شفا جرف هائر. والجرف : ما ينجرف بالسيول من الأودية. والهائر : الساقط. يقال : تهور البناء وانهار وهار، إذا سقط. وهذا على سبيل المثل، يعني : إن الذي بنى المسجد، إنّما بنى على جرف جهنم، فانهار بأهله في نار جهنم. وقال الكلبي : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين بعد رجوعه من غزوة تبوك، فأحرقاه وهدماه. 
ثم قال : والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ، يعني : لا يرشدهم إلى دينه، يعني : الذين كفروا في السر.

### الآية 9:110

> ﻿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:110]

قوله تعالى : لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ رِيبَةً ، يعني : مسجد الضرار ريبةً  فِى قُلُوبِهِمْ ، يعني : حسرة وندامة بما أنفقوا فيه، وبما ظهر من أمرهم ونفاقهم.  إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ، يعني : لا يزال حسرة في قلوبهم إلى أن يموتوا، لأنهم إذا ماتوا انقطعت قلوبهم. ويقال : إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ  أي في القبر. قرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص  إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ  بالنصب فيكون الفعل للقلوب، يعني : إلاَّ أنْ تَتَقَطعَ قلوبهم وتتفرق، والباقون بالرفع على فعل ما لم يسم فاعله  والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ  بهدم مسجدهم.

### الآية 9:111

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:111]

**قوله تعالى :**
 إن الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ، معناه إنه طلب من المؤمنين أن يعدوا أنفسهم وأموالهم، ويخرجوا إلى الجهاد والقتال في سبيل الله، ليثيبهم الجنة. وذكر الشراء على وجه المثل، لأن الأموال والأنفس كلها لله تعالى، وهي عند أهلها عارية، ولكنه أراد به التحريض والترغيب في الجهاد. وهذا كقوله : مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  \[ البقرة : ٢٤٥ \] ثم قال : يقاتلون فِى سَبِيلِ الله ، يعني : في طاعة الله تعالى مع العدو.  فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ، يعني : العدو ويقتلهم العدو. قرأ حمزة والكسائي  فَيَقْتُلُونَ  بالرفع  وَيَقْتُلُونَ  بالنصب على معنى التقديم والتأخير، وقرأ الباقون  يَقْتُلُونَ  بالنصب  وَيَقْتُلُونَ  بالرفع.  وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا ، يعني : واجباً لهم ذلك، بأن يفي لهم ما وعد، وبين ذلك  فِي التوراة والإنجيل والقرءان وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله ، يعني : ليس أحد أوفى من الله تعالى في عهده وشرطه، لأنه عهد أن مَنْ قتل في سبيل الله، فله الجنة فيفي عهده وينجز وعده. 
ثم قال : فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ  وهذا إعلان لهم أنهم يربحون في مبايعتهم.  ذلك هُوَ الفوز العظيم ، يعني : الثواب الوافر والنجاة والوافرة.

### الآية 9:112

> ﻿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [9:112]

قوله تعالى : التائبون العابدون  إلى آخره لهم الجنة أيضاً، ويقال : هم التائبون، ويقال : صار رفعاً بالابتداء وجوابه مضمر، قرأ عاصم  التائبين العابدين  يعني : اشترى من المؤمنين التائبين العابدين إلى آخره، ويقال : اشترى من عشرة نفر أولهم الغزاة، ومن التائبين الذين يتوبون عن الذنوب، والذين هم الْعَابِدُونَ، يعني : الموحدون، ويقال : المطيعون لله تعالى.  الحامدون ، الذين يحمدون الله تعالى على كل حال،  السائحون ، قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والحسن : يعني الصائمين. وأصله السائح في الأرض، لأن السائح في الأرض ممنوعاً عن الشهوات، فشبّه الصائم به. وذكر عن بعضهم أنه قال : هم الذين يصومون شهر الصبر وهو شهر رمضان وأيام البيض  الراكعون ، يعني : الذين يحافظون على الصلوات  الساجدون ، الذين يسجدون لله تعالى في الصلوات.  الآمرون بالمعروف ، يعني : يأمرون الناس بالتوحيد وأعمال الخير.  والناهون عَنِ المنكر ، الذين ينهون الناس عن الشرك والأعمال الخبيثة  والحافظون لِحُدُودِ الله ، يعني : العاملين بفرائض الله عليهم. وذكر عن خلف بن أيوب أنه أمر امرأته في بعض الليل أن تمسك الرضاع عن الولد، فقالت : لم ؟ فقال : لأنه قد تمت سنتان. فقيل له : لو تركتها حتى ترضع تلك الليلة، أيش يكون ؟ فقال : أين قول الله تعالى  والحافظون لِحُدُودِ الله ، ثم قال : وَبَشّرِ المؤمنين ، يعني : المصدقين بهذا الشرط والعاملين به.

### الآية 9:113

> ﻿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [9:113]

قوله تعالى  مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ ، يعني : ما ينبغي وما جاز للنبي والذين آمنوا  أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ . وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له : أتستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : ألم يستغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان ؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزل  مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ .  وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى ، يعني : ذا قرابة في الرحم.  مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم ، يعني : أهل النار وماتوا على الكفر وهم في النار. 
ويقال أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأبويه وهما مشركان، واستأذن منه المسلمون أن يستغفروا لآبائهم، فنهاهم الله عن ذلك، وقال : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ . وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود أنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه، حتى انتهينا إلى قبر فجلس إليه فناجاه طويلاً، ثم رفع رأسه باكياً، فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إلينا، فتلقاه عمر رضي الله عنه وقال : ما الذي أبكاك يا رسول الله ؟ فأخذ بيد عمر وأقبل إلينا، فأتيناه فقال :**« أفْزَعَكُمْ بُكَائِي »** فقلنا : نعم يا رسول الله. فقال :**« إنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِيهِ قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتُ وَهْبٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي بِالاسْتِغْفَارِ لَهَا، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فأنزِل الله  مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ  فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَلَدَ لِلْوَالِدَيْنِ مِنَ الرِّقَّةِ، فذلك الَّذِي أبْكَانِي »**. وروى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال **« اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِوَالِدَيَّ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاْستَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهُمَا، فَأَذِنَ لِي »** فنزلت هذه الآية  ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين .

### الآية 9:114

> ﻿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [9:114]

ثم قال عز وجل : وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ  ؛ وذلك أن أباه وعده أن يسلم، وكان يستغفر له رجاء أن يسلم. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات،  فَلَمَّا  مات،  تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  ؛ يعني : ترك الدعاء له ولم يستغفر له بعد ما مات على الكفر وللآية هذه وجه آخر روي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حرب قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب :
**« يَا عَمِّ، قُلْ لا إله إلاَّ الله كَلِمة النَّجَاةِ، أشْهَدْ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله تَعَالَى »**. فقال أبو جهل : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعانده أبو جهل بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم ؛ على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**« أمَا وَالله لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عنه »** فأنزل الله تعالى  إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين  \[ القصص : ٥٦ \] ونزل  مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ  الآية. 
وفي قوله تعالى : إِنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حَلِيمٌ . وروى سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال : كل القرآن أعلمه إلا أربعة : غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم. وروي عن عبد الله بن عباس، في رواية أُخرى أنه قال : الأواه الذي يذكر الله في الأرض الوحشية. وروي عن ابن مسعود أنه قال : الأواه الرحيم. وقال مجاهد : الموقن. وقال الضحاك : الداعي الذي يلح إلى الله تعالى، المقبل إليه بطاعته. ويقال : المؤمن بلغة الحبش. ويقال : الأواه معلم الخير. وقال كعب : الأواه الذي إذا ذكر الله، قال : أواه من النار. وقال القتبي : المتأوه حزناً وخوفاً  حَلِيمٌ  يعني : عن الجهل.

### الآية 9:115

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [9:115]

قوله تعالى : وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى عليه الفرائض، ففعل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون. ثم إن الله تعالى أنزل ما ينسخ الأمر الأول، وقد غاب الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبلغهم ذلك، فعملوا بالمنسوخ، وكانوا يصلون إلى القبلة الأولى ولا يعلمون، ويشربون الخمر ولا يعلمون تحريمها، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ  وإن عملوا بالمنسوخ،  حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ، يعني : ما نسخ من القرآن، يعني : إنه قبل منهم ما عملوا بعد النسخ ولا يؤاخذهم بذلك. ويقال : وما كان الله ليهلك قوماً، حتى يقيم عليهم الحجة ويقال : ليُعَذِّبَهُمْ في الآخرة، يعني : يبين لهم ما يتقون. ويقال : لا يتركهم بلا بيان بعد أن أكرمهم بالإيمان، حتى يبيِّن لهم ما يحتاجون ويقال لا ينزع الإيمان عنهم بعد أن هداهم إلى الإيمان حتى يبين لهم الحدود والفرائض، فإذا تركوا ذلك ولم يروه حقاً، عذبهم الله تعالى ونزع عنهم المعرفة. ويقال : وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً  على الابتداء  حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ  فيصيروا فيه ضلالاً. وهذا طريق المعتزلة والطريق الأول أصح وبه نأخذ. 
ثم قال : أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ ، يعني : عليم بكل ما يصلح للخلق.

### الآية 9:116

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:116]

ثم قال : أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض ، يعني : يحكم فيهما بما يشاء من الأمر بعد الأمر، يأمر بأمر ثم بغيره ما يشاء.  يحيي ويميت ، يعني : يحيي الموتى ويميت الأحياء.  وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله ، يعني : من عذاب الله تعالى  مِن وَلِىّ ، يعني : من قريب ينفعكم  وَلاَ نَصِيرٍ ، يعني : مانعاً يمنعكم. وقال الكلبي : يحيي  يعني : في السفر  ويميت  في الحضر، يعني : إن هذا ترغيب في الجهاد لكي لا يمتنعوا مخافة القتل.

### الآية 9:117

> ﻿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:117]

قوله تعالى : لَقَدْ تَابَ الله على النبى ، أي تجاوز عن النبي صلى الله عليه وسلم إذنه للمنافقين بالتخلف، كقوله : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين  \[ التوبة : ٤٣ \] ويقال : لَقَدْ تَابَ الله على النبى  يعني : غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كما ذكر في أول سورة الفتح. ثم قال : والمهاجرين والأنصار ، يعني : تجاوز عنهم ذنوبهم، لما أصابهم من الشدة في ذلك الطريق. 
ثم نعتهم فقال : الذين اتبعوه فِى سَاعَةِ العسرة ، يعني : وقت الشدة في غزوة تبوك كانت لهم العسرة في أربعة أشياء عسرة النفقة والركوب والحر والخوف  مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ، يعني : تميل قلوب طائفة منهم عن الخروج إلى الغزو، ويقال : من بعد ما كادوا أن يرجعوا من غزوتهم من الشدة. ويقال : هم قوم تخلفوا عنه، ثم خرجوا فأدركوه في الطريق.  ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ، يعني : تجاوز عنهم.  إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ ، حين تاب عليهم. قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص  يَزِيغُ قُلُوبُ  بالياء بلفظ المذكر، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث. والتأنيث إذا لم يكن خفيفاً، جاز التذكير والتأنيث، لأن الفعل مقدم فيجوز التذكير والتأنيث.

### الآية 9:118

> ﻿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:118]

قوله : وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ ، يعني : وتاب على الثلاثة، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. قال الفقيه : سمعت أبي رحمه الله يذكر بإسناده، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها، حتى كانت غزوة تبوك إلا بدراً، فلم يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أحداً تخلف عن بدر، إنَّما خرج يريد العير فخرجت قريش معينين لعيرهم، فالتقوا على غير موعد. ثم لم أتخلف عن غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها، فأذن للناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوتهم، وذلك حين طابت الظلال وطابت الثمار، وكان كل ما أراد غزوة إلا ورّى بغيرها، وكان يقول :**«الْحَرْبُ خُدْعَةٌ »**، فأراد في غزوة تبوك أن يتأهب الناس أهبتهم، وأنا أيسر ما كنت قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفة الحال، وأنا في ذلك أصبو إلى الظلال وطيب الثمار. 
فلم أزل كذلك، حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم غازياً بالغداة، وذلك يوم الخميس. وكان يحب أن يخرج الناس يوم الخميس، فأصبح غادياً، فقلت : انطلق غادياً إلى السوق غداً فأشتري ثم ألحق بهم، فانطلقت إلى السوق من الغد فعسر عليّ بعض شأني، فرجعت فقلت : أرجع غداً إن شاء الله. فألحق بهم، فعسر عليّ بعض شأني فلم أزل كذلك، حتى التبس بي الريب وتخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف في المدينة، فيحزنني أن لا أرى أحداً تخلف إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق. وكان الجميع من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وثمانين رجلاً، ولم يذكرني النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فلما بلغ تبوك قال :" فَمَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ " فقال رجل من قومي : خلفه يا رسول الله حسن برديه والنظر إلى عطفيه. فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت يا هذا، والله يا نبي الله ما نعلم منه إلاَّ خيراً. 
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، وقفل ودنا من المدينة، جعلت أتذكر بماذا أخرج من سخطة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ذي رأي من أهلي، حتى إذا أقبل النبي صلى الله عليه وسلم راح عني الباطل وعرفت ألا أنجو إلاَّ بالصدق. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم ضحى، فصلى في المسجد ركعتين. وكان إذا جاء من السفر فعل ذلك، فدخل المسجد وصلى ركعتين، ثم جلس فجعل يأتيه من تخلف فيحلفون له ويعتذرون إليه، ويستغفر لهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى. 
فدخلت المسجد، فإذا هو جالس فلما رآني تبسَّم تبسُّم المُغضب، فجئت فجلست بين يديه. فقال :**« أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ »** فقلت بلى يا نبي الله. فقال :**« ما خَلَّفَكَ »** فقلت : والله لو أني بين أحد من الناس غيرك جلست، فخرجت من سخطه عليّ بعذر، ولقد أوتيت جَدَلاً، ولكني قد علمت يا رسول الله أني لو أخبرتك اليوم بما تجد عليّ فيه وهو حق، فإني أرجو فيه عفو الله، وإن حدثتك حديثاً ترضى علي فيه وهو كذب، أوشك الله أن يطلعك عليّ. والله يا نبي الله ما كنت قط أيسر ولا أخف حالاً حين تخلفت عنك. قال :**« أمَّا هذا فَقَدْ صَدَقَكُمْ الحَدِيثَ قُمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله فِيكَ »**. فقمت فسار على أثري ناس من قومي يؤنبونني وقالوا : والله ما نعلمك أذنبت ذنباً قط قبل هذا، فهلا اعتذرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما يرضى عنك، فكان استغفاره سيأتي من وراء ذلك ولم تقف نفسك موقفاً لا تدري ما يقضى لك فيه. 
فلم يزالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي، فقلت : هل قال هذا القول أحد غيري ؟ قالوا : نعم فقلت : من هو ؟ فقالوا : هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدراً، لي فيهما أسوة، فقلت : والله لا أرجع إليه في هذا أبداً، ولا أكذب نفسي. قال : فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامنا الثلاثة. قال : فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكر لنا الناس حتى ما هم بالذين نعرفهم، وتنكرت لنا الأرض، حتى ما هي بالتي نعرف. 
وكنت أقوى أصحابي، فكنت أخرج وأطوف بالأسواق وآتي المسجد وآتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وأقول : هل حرك شفتيه بالسلام. فإذا قمت أصلي إلى سارية، فأقبلت على صلاتي، نظر إلي بمؤخر عينيه، فإذا نظرت إليه، أعرض عني. واستكان صاحباي فجعلا يبكيان الليل والنهار، ولا يطلعان رؤوسهما فبينما أنا أطوف بالسوق، إذا برجل نصراني جاء بطعام له يبيعه يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون إليّ، فأتاني وأتاني بصحيفة من ملك غسان وإذا فيها : أما بعد، فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولست بدار مضيقة ولا هوان، فالحق بنا نواسيك. فقلت : هذا أيضاً من البلاء، يعني : الدعوة إلى الكفرَ فسجَّرْت لها التنور فأحرقتها فيه. 
فلما مضت أربعون ليلة، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتاني فقال :**« اعْتَزِل امْرَأَتَكَ »**. فقلت : أطلقها ؟ فقال :**« لا، ولكن لا تَقْرَبْهَا »**. فجاءت امرأة هلال بن أمية، فقالت : يا نبي الله إن هلالاً شيخ ضعيف، فهل تأذن لي أن أخدمه ؟ قال :
**« نَعَمْ، ولكن لا يَقْرَبَنَّكِ »**. فقالت : يا نبي الله، والله ما به حركة من شيءٍ، ما زال مكباً يبكي الليل والنهار منذ كان من أمره ما كان. قال كعب : فلما طال علي البلاء، اقتحمت على أبي قتادة حائطه، وهو ابن عمي، فسلمت عليه فلم يرد عليّ جواباً، فقلت : أنشدك الله يا أبا قتادة أتعلم أني أحب الله ورسولهُ ؟ فسكت ثم قلت أنشدك بالله يا أبا قتادة أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟ حتى عاودته ثلاث مرات قال : الله ورسوله أعلم فلم أملك نفسي أن بكيت، ثم اقتحمت الحائط خارجاً. 
حتى إذا مضت خمسون ليلة من حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا، صليت على ظهر بيت لنا صلاة الفجر، ثم جلست وأنا في المنزلة التي قال الله تعالى : ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ  إذ سمعت نداء من ذروة سلع اسم جبل أن أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجداً، وعرفت أن الله تعالى قد جاء بالفرج. ثم جاء رجل يركب على فرس، يركض يبشرني، فكان الصوت أسرع من فرسه، فأعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين، وانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وجعل الأنصار يستقبلونني فوجاً فوجاً ويهنئونني ويبشرونني. ولم يقم أحد من المهاجرين غير طلحة بن عبيد الله، قام وتلقاني بالتهنئة، فما نسيت ذلك منه. 
وانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر وكان إذا سُرَّ بالأمر، استنار وجهه كالقمر، فجئت فجلست بين يديه فقال :**« أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أمُّكَ »**. فقلت : يا نبي الله أمن عندك أم من عند الله ؟ قال :**« بل من عند الله »** قوله تعالى : لَقَدْ تَابَ الله على النبى والمهاجرين والأنصار  إلى قوله : وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ  الآية. فقلت : يا نبي الله، إن من توبتي ألا أحدث إلاَّ صدقاً، وأن أنخلع من مالي كله صدقة لله ورسوله. قال :**« أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك »**. قال : فما أنعم الله عليّ نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدقته أنا وصاحباي، ألا نكون كذبنا فهلكنا كما هلكوا. وإني لأرجو ألا يكون الله أبلى أحداً في الصدق كما أبلاني ما تعمدت لكذبة قط وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. 
وروى الزهري عن كعب بن مالك قال : كانت توبتنا نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ثلثا الليل، فقالت أم سلمة : يا نبي الله ألا نبشر كعباً بن مالك ؟ قال :
**« إذاً يَحْطِمَنَّكُمْ النَّاسُ وَيَمْنَعُونَكُمْ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ »**. وكانت أم سلمة محسنة في شأني، تحزن بأمري وذلك قوله تعالى : وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ  يعني : وتاب الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك. ويقال  وَعَلَى الثلاثة الذين تخلفوا  عن التوبة، يعني : أبا لبابة  خُلّفُواْ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ، يعني : بسعتها،  وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ، يعني : ضاقت قلوبهم،  وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله ، يعني : علموا وأيقنوا أن لا مفر من عذاب الله  إِلاَّ إِلَيْهِ ، يعني : إلا بالتوبة إليه  ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ ، يعني : يتجاوز عنهم حتى تابوا ويقال : أكرمهم فوفقهم للتوبة كي يتوبوا. ويقال : تاب عليهم ليتوب من بعدهم ويقتدي بهم.  إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم ، يعني : المتجاوز لمن تاب، الرحيم بهم بعد التوبة.

### الآية 9:119

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [9:119]

قوله تعالى : مّسْتَقِيمٍ يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله ، يعني : اخشوا الله ولا تعصوه، يعني : من أسلم من أهل الكتاب.  وَكُونُواْ مَعَ الصادقين  ؛ قال الضحاك : يعني : مع الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وأعمالهم، وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو بإخلاص ونية، ويقال : هذا الخطاب للمنافقين الذين كانوا يعتذرون بالكذب، ومعناه : يا أيها الذين آمنوا  في العلانية  اتقوا الله ،  وكونوا مع الصادقين  الذين صدقوا. 
وروي عن كعب بن مالك أنه قال : فينا نزلت : وَكُونُواْ مَعَ الصادقين  وقال الكلبي : وكونوا مع الصادقين  يعني : الأنصار والمهاجرين الذين صلوا القبلتين، وقال مقاتل : الذين وصفهم الله تعالى في آية أخرى : إِنَّمَا المؤمنون الذين ءَامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَأذِنُوهُ إِنَّ الذين يَسْتَأذِنُونَكَ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ واستغفر لَهُمُ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  \[ النور : ٦٢ \] الآية ويقال : مَعَ الصادقين  في إيمانهم، يعني : أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً رضوان الله عليهم حدثنا الفقيه أبو جعفر قال : حدثنا أبو بكر القاضي قال : حدثنا أحمد بن جرير قال : حدثنا قتيبة قال : حدثنا عبد الرحمن البخاري، عن جويبر، عن الضحاك في قوله : وَكُونُواْ مَعَ الصادقين  قال : أمروا أن يكونوا مع أبي بكر وعمر وأصحابهما رضي الله عنهم.

### الآية 9:120

> ﻿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [9:120]

قوله تعالى : مَا كَانَ لأهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الأعراب ، يعني : المنافقين الذين بالمدينة وحوالي المدينة.  أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله  في الغزو  وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ، يعني : لا ينبغي أن يكونوا بأنفسهم أبرّ وأشفق من نفس محمد صلى الله عليه وسلم. وأن يتركوا محبته، ويقال : وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ ، يعني : بإبقاء أنفسهم على نفسه، يعني : ينبغي لهم أن يتبعوه حينما يريد.  ذلك ، يعني : النهي عن التخلف، ويقال : ذلك التحضيض الذي حضّهم عليه.  بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ  في غزوهم  ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ ، يعني : ولا تعب ولا مشقة في أجسادهم. ثم قال : وَلاَ مَخْمَصَةٌ ، يعني : مجاعة.  فِى سَبِيلِ الله وَلاَ \*\*\* يَطَأُونَ مَوْطِئًا ، يعني : أرضاً وموضعاً من سهل أو جبل.  يَغِيظُ الكفار ، يعني : يحزن الكفار،  وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً ، يعني : لا يصيبون من عدو قتلاً أو غارة أو هزيمة،  إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ، يعني : ثواب عمل صالح، يعني : يضاعف حسناتهم على حسنات القاعدين  إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ، يقول : لا يبطل ثواب المجاهدين. وفي هذه الآية دليل أن ما أصاب الإنسان من الشدة يكتب له بذلك ثواب قال بعضهم : لا يكتب له بالشدة ثواب، ولكن يحط عنه الخطيئة، وقال بعضهم : لا يكون بالمشقة أجر، ولكن بالصبر على ذلك.

### الآية 9:121

> ﻿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:121]

ثم قال عز وجل : وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً  في الجهاد  صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ، يعني : قليلاً ولا كثيراً.  وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا  من الأودية مقبلين إلى العدو أو مدبرين  إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ  يعني كتب لهم ثواب  لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  يقول : ليجزيهم بأعمالهم ؛ ويقال يجزيهم أحسن من أعمالهم، لأنه يعطي بحسنة واحدة عشرة، إلى سبعمائة، إلى ما لا يدرك حسابه، ويقال : ليجزيهم بأحسن أعمالهم ويصبر سائر أعمالهم فضلاً.

### الآية 9:122

> ﻿۞ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [9:122]

قوله : وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ، روي عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ، يعني : ما كان للمؤمنين لينفروا جميعاً ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة.  فَلَوْلاَ نَفَرَ ، يقول : فهلا خرج  مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ ، يعني : عصبة من جماعة، ويقم طائفة مع النبي صلى الله عليه وسلم،  لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين ، يعني : ليتعلموا العلم وشرائع الدين. فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن وتعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم، فيعلمونهم ويقولون : إن الله تعالى قد أنزل على نبيكم بعدكم كذا وكذا ؛ وهذا قوله : وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ، يعني : يتعظون بما أمروا ونهوا عنه. 
ولها وجه آخر، وهو ما روي أيضاً، عن معاوية بن صالح، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما دعا على مضر بالسنين، أجدبت بلادهم. وكانت القبيلة تقبل بأسرهم، حتى يلحقوا بالمدينة ويعلنوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا بمؤمنين، فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائرهم وحذَّر قومهم أن يفعلوا فعلهم بعد ذلك، وهو قوله : وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ . 
وروى أسباط بن السدي قال : أقبلت أعراب هذيل وأصابتهم مجاعة، واستعانوا بتمر المدينة وأظهروا الإسلام، وكانوا يفخرون على المؤمنين، فيقولوا : نحن أسلمنا طائعين بغير قتال وأنتم قوتلتم، فنحن خير منكم، فآذوا المؤمنين، فأنزل الله تعالى فيهم يخبرهم بأمرهم قال : وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً  أي جميعاً  فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ منهم  يعني : من كل بطن طائفة. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعوا كلامه، ثم رجعوا إلى قومهم فأخبروهم  لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  يعني : يتعظون فيعملون به ولا يعملون بخلافه. وفي هذه الآية دليل أن أخبار الآحاد مقبولة ويجب العمل بها لأن الله تعالى أخبر أن الطائفة من الفرقة، إذا تفقهت في الدين وأنذرت قومهم، صحّ ذلك. ولفظ الطائفة يتناول الواحد والأكثر لأن أقل الفرقة اثنان، والطائفة من الاثنين واحد.

### الآية 9:123

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:123]

قوله : يَحْذَرُونَ يا أيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار ، يعني : ما حولكم وبقربكم، وهم بنو قريظة والنضير وفدك وخيبر، فأمر الله تعالى كل قوم بأن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار. قال أبو جعفر الطحاوي : منع الله تعالى نبيه عن قتال الكفار بقوله : وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ثم أباح قتال من يليه بقوله : قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار ، ثم أباح قتال جميعهم بقوله : فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  \[ التوبة : ٥ \]  وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين ، يعني : معين لهم ينصرهم على عدوهم.

### الآية 9:124

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [9:124]

قوله تعالى : وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ  من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فَمِنْهُمْ  ؛ أي من المنافقين  مَن يقُولُ  بعضهم لبعض : أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه  السورة  إيمانا ، يعني : تصديقاً بهذه السورة مع تصديقكم استهزاء بها. 
قال الله تعالى : فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ  يعني : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم،  فَزَادَتْهُمْ إيمانا  : يعني : تصديقاً بهذه السورة مع تصديقهم بالله تعالى وثباتاً على الإيمان.  وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ، يفرحون بما أنزل من القرآن. 
قال الفقيه : حدثنا محمد بن الفضل، وأبو القاسم الشنابازي قالا : حدثنا فارس بن مردويه قال : حدثنا محمد بن الفضل العابد قال : حدثنا يحيى بن عيسى قال : حدثنا أبو مطيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان يزيد وينقص ؟ قال :**« لا، الإيمانُ مُكَمَّلٌ فِي القَلْبِ. زِيَادَتُهُ وَنُقْصَانُهُ كُفْرٌ »**. قال الفقيه : حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال : حدثنا أبو عمران المؤدب الدستجردي قال : حدثنا صخر بن نوح قال : حدثنا مسلم بن سالم، عن ابن الحويرث، عن عون بن عبد الله قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خطبته : لو كان الأمر على ما يقول الشكاك الضلال ؛ إن الذنوب تنقص الإيمان، لأمسى أحدنا حين ينقلب إلى أهله وهو لا يدري ما ذهب من إيمانه أكثر أو أبقى.

### الآية 9:125

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [9:125]

وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ، يعني : شك ونفاق،  فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ، قال الكلبي : شكاً إلى شكهم، وقال مقاتل : إثماً على إثمهم، وقال القتبي : أصل الرجس النتن، ثم قد سمي الكفر والنفاق رجساً لأنهما نتن.  وَمَاتُواْ وَهُمْ كافرون ، يعني : ماتوا على الكفر، لأنهم كانوا كفاراً في السر، ولم يكونوا مؤمنين في الحقيقة.

### الآية 9:126

> ﻿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [9:126]

أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ  ؛ قرأ حمزة : أَوْ لاَ تَرَوْنَ  بالتاء ؛ ويكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقرأ الباقون بالياء، يعني : أو لا يرون  المنافقون ولا يعتبرون.  أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ ، يقول يبتلون بإظهار ما في صدورهم من النفاق في كل عام.  مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ  من نفاقهم وكفرهم في السر،  وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ، يعني : لا يتعظون ولا يتفكرون. قال الكلبي : كانوا ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين، فيعاقبون ثم يتوبون عن نقض العهد، وقال مقاتل : وذلك أنهم إذا خلوا، تكلموا بما لا يحل لهم. فإذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرهم بما تكلموا به، فيعرفون أنه نبي. ثم يأتيهم الشيطان فيحدثهم أنه يخبرهم بما بلغه عنهم، فيشكون فيه، فذلك قوله : يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، يعني : يعرفون مرة أنه نبي وينكرون مرة أُخرى  ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ  عن ذلك  وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ  فيما أخبرهم، ويقال : يُفْتَنُونَ  يعني : يبتلون بالأمراض والأسقام، ويعاهدون الله : لو زال عنا لفعلنا كذا وكذا، ثم لا يفون به ولا يتوبون من النفاق  وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ  أي لا يتعظون بما أنزل عليهم.

### الآية 9:127

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [9:127]

قوله : وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ  من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل سورة براءة، فيها عيب المنافقين،  نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ  ؛ ويتغامزون ويقولون فيما بينهم : هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ  من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا رآهم أحد قاموا وصلوا، وإن لم يرهم أحد لم يصلوا. قال تعالى : ثُمَّ انصرفوا ، يعني : خرجوا من المسجد، ويقال : انصرفوا من الإيمان.  صَرَفَ الله قُلُوبَهُم  عن الإيمان، وعزل قلوبهم عن الفهم بخروجهم من المسجد وانصرافهم عن الإيمان، ويقال : هذا على وجه الدعاء واللعن، كقوله : وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بأفواههم يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ  \[ التوبة : ٣٠ \] ؛ ويقال : هذا على معنى التقديم، ومعناه صرف الله قلوبهم، لأنهم انصرفوا عن الإيمان. ويقال : هذا على معنى التقديم، ومعناه صرف الله قلوبهم، لأنهم انصرفوا عن الإيمان.  بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ  أمر الله تعالى.

### الآية 9:128

> ﻿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:128]

قوله : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ ، قال مقاتل : يعني : أهل مكة قد جاءكم رسول من أنفسكم تعرفونه ولا تنكرونه ؛ ويقال : هذا الخطاب لجميع العرب  لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ  يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم  مّنْ أَنفُسِكُمْ  يعني : من جميع العرب، لأنه لم يكن في العرب قبيلة إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيها قرابة. وهذا من المجاز والاستعارة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيهم ولم يجىء من موضع آخر، معناه ظهر فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ويقال : هذا الخطاب لجميع الناس  لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ  يعني : آدمياً مثلكم قرأ بعضهم  مّنْ أَنفُسِكُمْ  بنصب الفاء يعني : من أشرفكم وأعزكم، وهي قراءة شاذة. 
ثم قال تعالى : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ، يعني : شديد عليه ما أثمتم وعصيتم  حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ، قال الكلبي : يعني : على إيمانكم ؛ وقال مقاتل : حريص عليكم  بالرشد والهدى ؛ وقال قتادة : حريص على من لم يسلم أن يسلم. ثم قال : بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ ، أي رفيق بجميع المؤمنين، رحيم بهم.

### الآية 9:129

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [9:129]

ثم قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : فَإِن تَوَلَّوْاْ ، يعني : إن أعرضوا عنك ولم يؤمنوا بك،  فَقُلْ حَسْبِىَ الله  يعني قل : كفاني الله وفوضت أمري إلى الله ووثقت به.  لاَ إله إِلاَّ هُوَ ، يعني : لا ناصر ولا رازق ولا معين إلاّ هو.  عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، يعني : به أثق  وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم ، يعني : خالق السرير العظيم أعظم من السموات والأرض. وقرأ بعضهم  العظيم  بالرفع فجعل العظيم من نعت الله تعالى، وقراءة العامة  العظيم  بالخفض ويكون العظيم نعتاً للعرش. 
وذكر عن عثمان بن عفان أنه لما جمع القرآن في المصحف، كان لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد بها رجلان، فجاء خزيمة بن ثابت بهاتين الآيتين  لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ من أنفسكم  إلى آخر السورة، فلم يطلب منه البينة وأثبته في المصحف. وروي عن حذيفة أنه قال : يسمون سورة براءة سورة التوبة وهي سورة العذاب. عن ابن عباس أنه قال : كنا نسميها الفاضحة، فما زالت تنزل في المنافقين ومنهم، حتى أشفق كل واحد على نفسه ؛ والله أعلم بالصواب.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/9.md)
- [كل تفاسير سورة التوبة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/9.md)
- [ترجمات سورة التوبة
](https://quranpedia.net/translations/9.md)
- [صفحة الكتاب: بحر العلوم](https://quranpedia.net/book/324.md)
- [المؤلف: أبو الليث السمرقندي](https://quranpedia.net/person/4160.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/324) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
