---
title: "تفسير سورة التوبة - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/339.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/339"
surah_id: "9"
book_id: "339"
book_name: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن"
author: "الثعالبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة التوبة - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/339)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة التوبة - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي — https://quranpedia.net/surah/1/9/book/339*.

Tafsir of Surah التوبة from "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" by الثعالبي.

### الآية 9:1

> ﻿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [9:1]

قوله عز وجل : بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُّمْ مِّنَ المشركين  \[ التوبة : ١ \]. 
التقدير : هذه الآيةُ براءَةٌ، ويصحُّ أن يرتفع **«براءَةٌ »** ؛ بالابتداء، والخَبَرُ في قوله : إِلَى الذين ، و بَرَاءَةٌ  معناه : تَخَلَّصٌ وتَبَرٍّ من العهود التي بَيْنَكم، وبَيْنَ الكفَّار البادئين بالنَّقْض، قال ابن العَرَبِّي في **«أحكامه »** : تقول : بَرَأْتُ مِنَ الشَّيْءِ أَبْرَأُ بَرَاءَةً، فأنا مِنْه بَرِيءٌ ؛ إِذا أنزلْتَهُ عن نَفْسكَ، وقطَعْتَ سبَبَ ما بينك وبَيْنه، انتهى. 
ومعنى السياحة في الأرض : الذَّهَاب فيها مسرحين آمنين ؛ كالسَّيْح من الماء، وهو الجاري المنبسطُ ؛ قال الضَّحَّاك، وغيره من العلماء : كان من العرب مَنْ لا عَهْدَ بينه وبَيْن النبيِّ صلى الله عليه وسلم جملةً، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ، وتحُسسَ منهم نَقْضٌ، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ ولم ينقضوا، فقوله : فَسِيحُوا فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ  \[ التوبة : ٢ \] هو أَجَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهِ لِمَنْ كان بينه وبينهم عهد، وتحسَّس منهم نقْضَهُ، وأول هذا الأجَلِ يومُ الأذان، وَآخره انقضاء العَشْر الأُوَل مِنْ رَبيعٍ الآخِرِ. 
وقوله سبحانه : فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين  \[ التوبة : ٥ \]. حُكْمٌ مباينٌ للأوَّل، حَكَمَ به في المشركين الذين لا عَهْدَ لهم البتة، فجاء أَجَلُ تأمينهم خمسين يوماً، أوَّلها يومُ الأذانِ، وآخرها انقضاء المُحَرَّم. 
وقوله : إِلَى الذين عَاهَدْتُّم  \[ التوبة : ٤ \]. 
يريد به الذين لَهُمْ عهدٌ، ولم ينقضوا، ولا تُحُسِّسِ منهم نَقْضٌ، وهم فيما روي بَنُو ضَمْرَةَ من كِنَانَة، كان بَقِيَ مِنْ عهدهم يومَ الأذان تِسْعَةُ أشهرٍ.

### الآية 9:2

> ﻿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [9:2]

وقوله عز وجل : واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله  \[ التوبة : ٢ \]. 
أي : لا تفلتون اللَّه، ولا تعجزونه هَرَباً.

### الآية 9:3

> ﻿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:3]

وقوله : وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ  \[ التوبة : ٣ \]. 
أي : إِعلامٌ، و يَوْمَ الحج الأكبر  قال عمر وغيره : هو يَوْمُ عَرَفَة، وقال أبو هريرة وجماعة : هو يوم النَّحْر، وتظاهرتِ الرواياتُ ؛ أن عليًّا أَذَّنَ بهذه الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِثْرَ خُطْبة أبي بَكْر، ثم رأَى أَنه لم يعمَّ الناس بالاستماع، فتتبَّعهم بالأذانِ بها يوم النَّحْر، وفي ذلك اليَوْمِ بَعثَ أبو بَكْرٍ مَنْ يعينه في الأذَانِ بها ؛ كَأَبِي هُرَيْرَة وغيره، وتتَّبعوا بها أيضاً أسْوَاقَ العَرَب، كَذِي المَجَازِ وغيره ؛ وهذا هو سبب الخلاف، فقالتْ طائفةٌ : يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَر : عرفَةُ ؛ حيث وقع أَوَّلُ الأذان، وقالتْ أُخْرَى : هو يومُ النَّحْرِ ؛ حيث وقع إِكمال الأذَان، وقال سفيان بن عُيَيْنَة : المراد باليَوْمِ أيامُ الحجِّ كلُّها ؛ كما تقول : يَوْمُ صفِّينَ، وَيَوْمُ الجَمَلِ ؛ ويتجه أن يوصَفُ ب **«الأَكبر »** ؛ علَى جهة المدحِ، لا بالإِضافة إِلَى أصْغِرَ معيَّنٍ، بل بكون المعنى : الأكبر مِنْ سائر الأيام، فتأمَّله، 
واختصار ما تحتاجُ إِلَيْهِ هذه الآيةُ ؛ على ما ذكَرَ مجاهد وغيره مِنْ صورة تلك الحال : أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم افتتح مكَّة سنةَ ثمانٍ، فاستعمل عليها عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وقضى أَمْرَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، وانصرف إِلى المدينة، فأقام بها حتَّى خرج إِلى تَبُوكَ، ثم انصرفَ مِنْ تَبُوكَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تسْعٍ، فأَراد الحَجَّ، ثم نظر في أَنَّ المشرِكِينِ يَحُجُّون في تلْكَ السَّنَة، ويَطُوفون عُرَاةً، فقال : لا أريدُ أنْ أَرَى ذلك، فأمّر أبا بَكْرٍ على الحَجِّ بالناس، وأنفَذَهُ، ثم أَتْبَعَهُ عليَّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه علَى ناقتِهِ العَضْبَاءِ، وأمره أنْ يؤذِّن في النَّاس بأربعين آيةً : صَدْرُ سورةِ **«بَرَاءَة »**، وقيل : ثَلاَثِينَ، وقيل : عشرين، وفي بعض الروايات : عَشْر آيات، وفي بعضها : تسع آيات، وأمره أن يُؤْذِنَ الناسَ بأربعةِ أشياء، وهي : أَلاَّ يحجَّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يدخُلَ الجَنَّة إِلا نَفْسٌ مؤمنةٌ، وفي بعض الروايات : ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ كَافرٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كان له عنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عهْدٌ، فهو إِلى مدَّته، وفي بعض الروايات : ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَهْدٌ، فأجله أربعةُ أَشهُرٍ يسيحُ فيها، فإِذا انقضت، فإِن اللَّه بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولَهِ. 
قال ( ع ) : وأقول : إنهم كانوا ينادُونَ بهذا كلِّه، فأربعةُ أشهر ؛ للذين لهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ منهم نقضُهُ، والإِبقاء إِلى المدَّة لمن لم يخبر منه نقضٌ، وذكر الطبريُّ أن العرب قالت يومئذٍ : نَحْنُ نَبرأُ مِنْ عهدك، ثم لام بعضُهُمْ بعضاً، وقالوا : ما تَصْنَعُونَ، وقد أسلَمَتْ قريشٌ ؟ فأسلموا كلُّهم، ولم يَسِحْ أحد، 
قال ( ع ) : وحينئذٍ دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً. 
وقوله سبحانه : أَنَّ الله بَرِيءٌ مِّنَ المشركين وَرَسُولُهُ  \[ التوبة : ٣ \]. 
أي : ورسولُهُ بريءٌ منهم. 
وقوله : فَإِن تُبْتُمْ ، أي : عن الكُفْر.

### الآية 9:4

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:4]

وقوله سبحانه : إِلاَّ الذين عاهدتم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ  \[ التوبة : ٤ \]. 
هذا هو الاستثناءُ الذي تقدَّم ذكْره، وقرأ عكرمة وغيره : ينْقُضُوكُمْ  بالضاد المعجمة،  يظاهروا  : معناه : يعاونوا، والظَّهيرُ : المُعِينُ. 
وقوله : إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين  : تنبيهٌ على أنَّ الوفاء بالعَهْد من التقوَى.

### الآية 9:5

> ﻿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:5]

قوله سبحانه : فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم  : الانسلاخ : خروجُ الشيء عن الشيء المتلبِّس به ؛ كانسلاخ الشاة عن الجِلْدِ، فشبه انصرام الأشهر بذلك. 
وقوله سبحانه : فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ . 
قال ابن زَيْد : هذه الآية، وقوله سبحانه : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً  \[ محمد : ٤ \] : هما مُحْكَمَتان ؛ أي : ليستْ إِحداهما بناسخةٍ للأخرى. 
قال ( ع ) : هذا هو الصواب. 
وقوله : وَخُذُوهُمْ  معناه : الأسْر. 
وقوله : كُلَّ مَرْصَدٍ  : معناه : مواضع الغرَّة ؛ حيث يرصدون ونصب  كُلَّ  على الظرف أو بإسقاط الخافِضِ، التقدير : في كُلِّ مَرْصَد. 
وقوله : فَإِن تَابُوا ، أي : عن الكُفْر.

### الآية 9:6

> ﻿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [9:6]

وقوله سبحانه : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك  \[ التوبة : ٦ \]. 
أي : جَلَبَ منك عهداً وجواراً يأمن به،  حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ، يعني القُرْآن، والمعنى : يفهم أحكامه، قال الحسن : وهذه آية محكمة ؛ وذلك سُنَّة إِلى يوم القيامة.

### الآية 9:7

> ﻿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:7]

وقوله سبحانه : إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام  \[ التوبة : ٧ \]. 
قال ابنُ إسحاق : هي قبائلُ بني بَكْر ؛ كانوا دخلوا وقْتَ الحديبية في العهد، فأُمِرَ المسلمون بإِتمام العَهْدِ لمن لم يكُنْ نَقَضَ منهم.

### الآية 9:8

> ﻿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [9:8]

وقوله سبحانه : كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ  \[ التوبة : ٨ \]. 
في الكلام حذْفٌ، تقديره : كيف يكون لهم عهد ونحوه، وفي  كيف  هنا تأكيدٌ لِلاستبعادِ الذي في الأُولَى،

### الآية 9:9

> ﻿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:9]

\[سورة التوبة (٩) : الآيات ٨ الى ١١\]

 كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)
 وقوله سبحانه: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ... الآية: في الكلام حذْفٌ، تقديره:
 كيف يكون لهم عهد ونحوه، وفي **«كيف»** هنا تأكيدٌ لِلاستبعادِ الذي في الأولى، ولا يَرْقُبُوا معناه: لا يُرَاعُوا، ولا يَحْفَظُوا، وقرأ الجمهور **«١»** : إِلًّا، وهو اللَّه عزَّ وجلَّ قاله مجاهد، وأبو مِجْلِزٍ، وهو اسمه بالسُّرْيانية **«٢»**، وعُرِّب، ويجوز أن يراد به العَهْدُ، والعَرَبُ تقول للعهد والحِلْف والجِوَارِ ونحوِ هذه المعاني: **«إِلاًّ»**، والذّمة أيضا: بمعنى الحلف والجوار ونحوه.
 \[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢ الى ١٣\]
 وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)
 وقوله سبحانه: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ... الآية، ويليق هنا ذكْرُ شيء مِنْ حُكْمٍ طعن الذميِّ في الدِّين، والمشهورُ من مذْهَب مالِكٍ: أنه إِذا فعل شيئاً من ذلك مِثْلُ تكذيبِ الشريعة، وسبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قُتِلَ.
 وقوله سبحانه: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، أي: رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودُونَ الناس إِليه، وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنه لا يُعْنَى بها معيَّنٌ وإِنما وَقَعَ الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكَفَرةِ إِلَى يوم القيامة، واقتضت حالُ كفَّار العرب ومحارِبي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَن تكون الإِشارة إِليهم أَولاً، ثم كُلُّ مَنْ دَفَعَ في صدر الشريعة إِلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم.
 وقرأ الجمهور **«٣»** :**«لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ»** (جَمْع يمين)، أي: لا أيمان لهم يُوفَى بها وتُبَرُّ، وهذا المعنَى يشبه الآيةَ، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة: **«لا إيمان لهم»**، وهذا يحتمل وجهين:
 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ١٠).
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١٠).
 (٣) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ١٢)، و **«البحر المحيط»** (٥/ ١٧).

### الآية 9:10

> ﻿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [9:10]

و لاَ يَرْقُبُوا  معناه : لا يُرَاعُوا، ولا يَحْفَظُوا، وقرأ الجمهور :{ إِلاًّ، وهو اللَّه عزَّ وجلَّ ؛ قاله مجاهد، وأبو مِجْلِزٍ، وهو اسمه بالسُّرْيانية، وعُرِّب، ويجوز أن يراد به العَهْدُ، والعَرَبُ تقول للعهد والحِلْف والجِوَارِ ونحوِ هذه المعاني :**«إِلاًّ »**، والذِّمةُ أيضاً : بمعنى الحِلْفِ والجوارِ ونحوه.

### الآية 9:11

> ﻿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [9:11]

\[سورة التوبة (٩) : الآيات ٨ الى ١١\]

 كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)
 وقوله سبحانه: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ... الآية: في الكلام حذْفٌ، تقديره:
 كيف يكون لهم عهد ونحوه، وفي **«كيف»** هنا تأكيدٌ لِلاستبعادِ الذي في الأولى، ولا يَرْقُبُوا معناه: لا يُرَاعُوا، ولا يَحْفَظُوا، وقرأ الجمهور **«١»** : إِلًّا، وهو اللَّه عزَّ وجلَّ قاله مجاهد، وأبو مِجْلِزٍ، وهو اسمه بالسُّرْيانية **«٢»**، وعُرِّب، ويجوز أن يراد به العَهْدُ، والعَرَبُ تقول للعهد والحِلْف والجِوَارِ ونحوِ هذه المعاني: **«إِلاًّ»**، والذّمة أيضا: بمعنى الحلف والجوار ونحوه.
 \[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢ الى ١٣\]
 وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)
 وقوله سبحانه: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ... الآية، ويليق هنا ذكْرُ شيء مِنْ حُكْمٍ طعن الذميِّ في الدِّين، والمشهورُ من مذْهَب مالِكٍ: أنه إِذا فعل شيئاً من ذلك مِثْلُ تكذيبِ الشريعة، وسبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قُتِلَ.
 وقوله سبحانه: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، أي: رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودُونَ الناس إِليه، وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنه لا يُعْنَى بها معيَّنٌ وإِنما وَقَعَ الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكَفَرةِ إِلَى يوم القيامة، واقتضت حالُ كفَّار العرب ومحارِبي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَن تكون الإِشارة إِليهم أَولاً، ثم كُلُّ مَنْ دَفَعَ في صدر الشريعة إِلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم.
 وقرأ الجمهور **«٣»** :**«لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ»** (جَمْع يمين)، أي: لا أيمان لهم يُوفَى بها وتُبَرُّ، وهذا المعنَى يشبه الآيةَ، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة: **«لا إيمان لهم»**، وهذا يحتمل وجهين:
 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ١٠).
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١٠).
 (٣) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ١٢)، و **«البحر المحيط»** (٥/ ١٧).

### الآية 9:12

> ﻿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [9:12]

وقوله سبحانه : وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ  \[ التوبة : ١٢ \]. 
ويليق هنا ذكْرُ شيء مِنْ حُكْمٍ طعن الذميِّ في الدِّين، والمشهورُ من مذْهَب مالِكٍ : أنه إِذا فعل شيئاً من ذلك ؛ مِثْلُ تكذيبِ الشريعة، وسبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قُتِلَ. 
وقوله سبحانه : فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ، أي : رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودُونَ الناس إِليه، وأصوبُ ما يقال في هذه الآية : أنه لا يُعْنَى بها معيَّنٌ وإِنما وَقَعَ الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكَفَرةِ إِلَى يوم القيامة، واقتضت حالُ كفَّار العرب ومحارِبي النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أَن تكون الإِشارة إِليهم أَولاً، ثم كُلُّ مَنْ دَفَعَ في صدر الشريعة إِلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم. 
وقرأ الجمهور : لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ  ( جَمْع يمين )، أي : لا أيمان لهم يُوفَى بها وتُبَرُّ، وهذا المعنَى يشبه الآيةَ، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة : لا إِيمَانَ لَهُمْ ، وهذا يحتملُ وجهين :
أحدهما : لا تصديقَ لهم، قال أبو عَليٍّ : وهذا غَيْرُ قويٍّ ؛ لأنه تكريرٌ، وذلك أنه وَصَفَ أَئمَّة الكُفْرِ بأنهم لا إِيمان لهم، والوجْه في كَسْر الألفِ أَنَّه مصْدَرٌ من آمَنْتُهُ إِيماناً ؛ ومنه قوله تعالى : مِنْ جُوع وَآمَنَهُمْ  \[ قريش : ٤ \] فالمعنى : أنهم لاَ يُؤَمَّنُونَ كما يُؤَمَّنُ أَهْلُ الذمَّة الكتابيُّون ؛ إِذ المشركون ليس لهم إِلا الإِسلام أو السَّيْفَ، قال أبو حاتمْ : فَسَّر الحَسَنُ قراءته :( لا إِسلام لهم ). 
قال ( ع ) : والتكريرُ الذي فَرَّ أبو عَلِيٍّ منه متَّجِهٌ، لأنه بيانُ المهمِّ الذي يوجبُ قَتْلهم.

### الآية 9:13

> ﻿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [9:13]

وقوله عز وجل : أَلاَ تقاتلون قَوْماً نَّكَثُوا أيمانهم وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول  \[ التوبة : ١٣ \]. 
**«ألا »** : عَرْضٌ وتحضيضٌ، قال الحسن : والمراد ب إِخْرَاجٍ الرسول  : إخراجُه من المدينة، وهذا مستقيمٌ ؛ كغزوة أُحُدٍ والأحزاب، وقال السديُّ : المرادُ مِنْ مَكَّة. 
وقوله سبحانه : وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، قيل : يراد أفعالهم بمكَّة بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبالمؤمنين، وقال مجاهدٌ : يراد به ما بَدَأَتْ به قريشٌ مِنْ معونة بني بَكْر حلفائِهِمْ، على خُزَاعَةَ حلفاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان هذا بَدْءَ النقْض، وقال الطبريُّ : يعني فعْلَهم يَوْمَ بدر. 
قال الفَخْر : قال ابن إِسحاق والسُّدِّيُّ والكَلَبِيُّ :( نزلَتْ هذه الآية في كفَّار مَكَّة ؛ نكثوا أيمانهم بعد عَهْدِ الحديبية، وأعانوا بني بَكْر عَلَى خُزَاعة ). انتهى. 
وقوله سبحانه : أَتَخْشَوْنَهُمْ  : استفهام على معنى التقرير والتوبيخ،  فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ، أي : كَامِلِي الإِيمان.

### الآية 9:14

> ﻿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [9:14]

وقوله سبحانه : قاتلوهم يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ  \[ التوبة : ١٤ \]. 
قرّرت الآياتُ قبلها أفعالَ الكَفَرة، ثم حضَّ على القتال مقترناً بذنوبهم ؛ لتنبعث الحميَّة مع ذلك، ثم جزم الأمْرَ بقتالِهِمْ في هذه الآيةَ مقترناً بوَعْدٍ وكِيدٍ يتضمَّن النصْرَ عَلَيْهِم، والظَّفَرَ بهم. 
وقوله سبحانه : يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ ، معناه : بالقتل والأسر، و وَيُخْزِهِمْ ، معناه : يذلَّهم علَى ذنوبهم، يقال : خَزِيَ الرجُلُ يَخْزَى خَزْياً، إِذا ذَلَّ من حيثُ وَقَعَ في عَارٍ، وأَخْزَاهُ غيره، وخزي يخزى خزاية إذا استحيى، وأما قوله تعالى : وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ، فيحتمل أنْ يريد جماعةَ المؤمنين، لأن كلَّ ما يهدي من الكُفْرِ هو شفاءٌ مِنْ هَمِّ صدور المؤمنين، ويحتمل أنْ يريد تخصيصَ قومٍ من المؤمنين، وروي أنهم خُزَاعَةْ ؛ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ، ووجْه تخصيصهم أنهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان يومئذٍ في خُزَاعَةَ مؤمنين كثير ؛ ويقتضي ذلك قولُ الخزاعيِّ المستَنْصِرِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم :\[ الرجز \]
ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا \*\*\*
**وفي آخر الرجز :**
وَقَتَّلُونَا رُكَّعاً وَسُجَّدَا \*\*\*
وقرأ جمهور الناس : و يَتُوبُ  \[ التوبة : ١٥ \] بالرفع على القطْع مما قبله، والمعنَى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يَتُوبُ على بعض هؤلاء الكَفَرة الذين أَمَرَ بقتالهم.

### الآية 9:15

> ﻿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:15]

وعبارةُ ( ص ) : و يَتُوب ، الجمهورُ بالرّفْعِ على الاستئناف، وليس بداخلٍ في جوابِ الأمر ؛ لأن توبته سبحانه على مَنْ يشاء لَيْسَتْ جزاءً على قتال الكُفَّار. انتهى.

### الآية 9:16

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [9:16]

وقوله عز وجل : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ  \[ التوبة : ١٦ \]. 
خطابٌ للمؤمنين ؛ كقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجنة  \[ البقرة : ٢١٤ \] ومعنى الآية : أظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحانٍ، والمراد بقوله : وَلَمَّا يَعْلَمِ الله ، أي : لما يعلم اللَّه ذلك موْجُوداً ؛ كما عَلِمَهُ أَزلاً بشرط الوجود، وليس يَحْدُثُ له علْم تبارك وتعالى عن ذلك، و وَلِيجَةً  : معناه : بِطَانَة ودَخِيلة، وهو مأخوذ من الوُلُوج، فالمعنى : أَمْراً باطناً مما يُنْكَر، وفي الآيةِ طَعْنٌ على المنافقين الذين اتخذوا الوَلاَئِجَ، قال الفَخْر : قال أبو عُبَيْدَة :( كلّ شيءٍ أدخلْتَه في شيءٍ ليس منه، فهو وَلِيجةٌ )، وأصله من الوُلُوج، قال الواحديُّ يقال : هو وَلِيجَةٌ، للواحدِ والجمع. انتهى.

### الآية 9:17

> ﻿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [9:17]

وقوله سبحانه : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ  \[ التوبة : ١٧ \]. إِلى قوله : إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله  \[ التوبة : ١٨ \]. 
لفظ هذه الآية الخَبَرُ، وفي ضمنها أمر المُؤمنين بِعَمارة المساجد، وروي أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ ؛ أَن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ، فاشهدوا لَهُ بالإِيمان ).

### الآية 9:18

> ﻿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [9:18]

( ت ) زاد ابن الخَطِيبِ في روايته :**«فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الأخر  انتهى من ترجمة محمَّد بنِ عبدِ اللَّهِ، وفي الحديثِ عَنْه صلى الله عليه وسلم ؛ أَنَّهُ قَالَ :( إِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِمَنْ كَانَتْ المَسَاجِدُ بَيْتَهُ الأَمْنَ، والأَمَانَ، وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ القِيَامَةِ ) خَرَّجه عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في «المُسْنَد المُنْتَخَب »** له، وروى البغويُّ أيضاً في هذا **«المسند »**، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أَنَّهُ قَالَ :( إِذَا أَوْطَنَ الرَّجُلُ المَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، تَبَشْبَش اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الغَائِبِ لِغَائِبِهمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ ) انتهى من **«الكَوْكَب الدُّرِّيِّ »**. قيل : ومعنى **«يَتَبَشْبَشُ »** : أي يفرح به. 
وقوله سبحانه : وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله . 
يريد : خشيةَ التعظيمِ والعبادةِ، وهذه مرتبةُ العَدْل من الناس، ولا محالة أَنَّ الإِنسان يخشَى غيره، ويخشَى المحاذيرَ الدنياويَّة، وينبغي أن يخشَى في ذلك كلِّه قضاءَ اللَّهِ وتصريفَهُ.

### الآية 9:19

> ﻿۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:19]

وقوله سبحانه : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج  \[ التوبة : ١٩ \]. 
 سِقَايَةَ الحاج  : كانَتْ في بني هَاشِمٍ، وكان العبَّاس يتولاَّها، قال الحسن : ولما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال العبَّاس : ما أَراني إلاَّ أتركُ السقايةَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : أُقِيمُوا عَلَيْهَا فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ   وَعِمَارَةَ المسجد الحرام  : قيلَ : هي حِفْظه ممَّن يظلم فيه، أو يقول هُجْراً، وكان ذلك إِلى العبَّاس، وقيل : هي السّدَانَة وَخِدْمَةِ البَيْت خَاصَّة، وكان ذلك في بني عَبْد الدَّار، وكان يتولاَّها عثمانُ بنُ طَلْحَة، وابنُ عمه شَيْبَةُ، وأقرَّها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لهما ثَانِيَ يَوْمِ الفتحِ، وقال :( خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لاَ يُنَازِعُكُمُوهَا إِلاَّ ظَالِمٌ ). 
واختلف الناس في سبب نزولِ هذه الآية، فقال مجاهدٌ : أُمرُوا بالهجرة، فقال العبَّاس : أنا أسقي الحاجَّ، وقال عثمانُ بن طلحة : أنا حاجبُ الكَعْبَة، وقال محمدُ بنُ كَعْب : إِن العبَّاس وعليًّا وعثمان بن طلحة تَفَاخَرُوا فنزلَتِ الآية، وقيل غير هذا.

### الآية 9:20

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [9:20]

وقوله سبحانه : الذين آمَنُوا وَهَاجَرُوا وجاهدوا فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله  \[ التوبة : ٢٠ \]. 
لما حكم سبحانه في الآية المتقدِّمة بأن الصِّنفين لا يستوون، بيَّن ذلك في هذه الآية الأخيرة، وأوضحه، فعدَّد الإِيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفْس، وحَكَم عَلَى أنَّ أهل هذه الخصالِ أَعظمُ درجةً عند اللَّه مِنْ جميع الخَلْقِ، ثم حَكَمَ لهم بالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ ورضْوانه، والفَوْزُ : بلوغُ البُغْيَةْ، إمَّا في نيل رَغِيبَة، أو نجاةٍ من هَلَكَة، ويَنْظُرُ إِلى معنَى هذه الآية الحديثُ :( دَعُوا لي أَصْحَابِي ؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نِصِيفَهُ ) ؛ ولأن أصحاب هذه الخِصَال علَى سيوفهم انبنى الإِسلام، وتمهَّد الشرْعُ.

### الآية 9:21

> ﻿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [9:21]

وقوله سبحانه : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ورضوان  \[ التوبة : ٢١ \]. 
هذا وعْدٌ كريمٌ مِنْ ربٍّ رحيمٍ، وفي الحديث الصحيح :( إِذَا استقر أَهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّة، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ : هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : وَكَيْفَ لاَ نَرْضَى، يَا رَبَّنَا ؟ فَيَقُولُ : إِنِّي سَأُعْطِيَكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك ! رِضْوَانِي أَرْضَى عَلَيْكُمْ ؛ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً ) الحديثَ.

### الآية 9:22

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [9:22]

ت: زاد ابن الخَطِيبِ في روايته: **«فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. انتهى من ترجمة محمَّد بنِ عبدِ اللَّهِ، وفي الحديثِ عنه صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِمَنْ كَانَتْ المَسَاجِدُ بَيْتَهُ الأَمْنَ، والأَمَانَ، وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ القِيَامَةِ»** خَرَّجه عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في **«المُسْنَد المُنْتَخَب»** له، وروى البغويُّ أيضا في هذا **«المسند»**، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: **«إِذَا أَوْطَنَ الرَّجُلُ المَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، تَبَشْبَش اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الغَائِبِ لِغَائِبِهمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ»**. انتهى من **«الكَوْكَب الدُّرِّيِّ»**، قيل: ومعنى **«يَتَبَشْبَشُ»** : أي يفرح به.
 وقوله سبحانه: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، يريد: خشيةَ التعظيمِ والعبادةِ، وهذه مرتبةُ العَدْل من الناس، ولا محالة أَنَّ الإِنسان يخشَى غيره، ويخشَى المحاذيرَ الدنيويَّة، وينبغي أن يخشَى في ذلك كلّه قضاء الله وتصريفه.
 \[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٩ الى ٢٢\]
 أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
 وقوله سبحانه: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ... الآية: سِقايَةَ الْحاجِّ: كانَتْ في بني هَاشِمٍ، وكان العبَّاس يتولاَّها، قال الحسن: ولما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال العبَّاس: ما أَراني إلاَّ أتركُ السقاية، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: **«أُقِيمُوا عَلَيْهَا فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ»** **«١»** وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: قيلَ: هي حِفْظه ممَّن يظلم فيه، أو يقول هُجْراً، وكان ذلك إِلى العبَّاس، وقيل:
 هي السّدَانَة **«٢»** وَخِدْمَةِ البَيْت خَاصَّة، وكان ذلك في بني عَبْد الدَّار، وكان يتولاَّها عثمانُ بنُ طَلْحَة، وابنُ عمه شَيْبَةُ، وأقرَّها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لهما ثَانِيَ يَوْمِ الفتحِ، وقال: **«خُذَاهَا خَالِدَةً تالدة
 وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٢٧) كلهم من طريق عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري به.
 وقال الترمذي: حديث غريب حسن. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي. وأخرجه أحمد (٣/ ٧٦)، وعبد بن حميد في **«المنتخب»** ص: (٢٨٩) رقم: (٩٢٣)، عن الحسن بن موسى، ثنا ابن لهيعة عن دراج به.
 والحديث ذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٣/ ٣٩١)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
 (١) ذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٣/ ٣٩٦)، وعزاه لأبي الشيخ عن الحسن.
 (٢) سدانة الكعبة: خدمتها، وتولي أمرها، وفتح بابها وإغلاقه. ينظر: **«النهاية»** (٢/ ٣٥٥).**

### الآية 9:23

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [9:23]

وقوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُوا لاَ تتخذوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان  \[ التوبة : ٢٣ \]. 
ظاهر هذه المخاطبة : أنها لجميع المؤمنين كافَّة، وهي باقيةُ الحُكْمِ إلى يوم القيامة، وروتْ فرقة أنها نزلَتْ في الحَضِّ على الهجرة، ورفضِ بلادِ الكُفْر.

### الآية 9:24

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:24]

قوله سبحانه : قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ  \[ التوبة : ٢٣ \]. 
هذه الآيةُ تقوِّي مذهب مَنْ رأى أن هذه الآية والَّتي قبلها إنما مقصودُهُما الحَضِّ على الهجْرة، وفي ضمْن قوله : فَتَرَبَّصُوا  : وعيدٌ بيِّن. 
وقوله : بِأَمْرِهِ ، قال الحَسَنُ : الإشارة إلى عذابٍ أو عقوبةٍ من الله تعالى، 
وقال مجاهدٌ : الإِشارة إِلى فتح مكَّة، وذكر الأَبناء في هذه الآية دون التي قَبْلَها، لما جلبتْ ذِكرهم المَحَبَّة، والأبناء : صَدْرٌ في المحبة وليسوا كذلك، في أن تتبع آراؤهم ؛ كما في الآية المتقدمة، واقترفتموها : معناه : اكتسبتموها،  ومساكِنُ  : جَمْعُ مَسْكَنٍ بفتح الكاف، مَفْعَلٌ من السُّكْنَى، وما كان من هذا معتلَّ الفاءِ، فإِنما يأتي على مَفْعِلٍ ( بكسر العين ) ؛ كموعِدٍ ومَوْطِنٍ.

### الآية 9:25

> ﻿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [9:25]

وقوله سبحانه : لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ  \[ التوبة : ٢١ \]. 
هذه مخاطبةٌ لجميع المؤمنين يعدِّد الله تعالى نِعَمَهُ عليهم، والمواطِنُ المُشَارُ إلَيْها بَدْرٌ والخَنْدَق والنَّضير وقُرَيْظة وخَيْبَر وغيرها، و حُنَيْنٌ  وادٍ بين مكَّة والطائِف. 
وقوله : إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ، رُوِيَ أَن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : حِينَ رَأَى جملته اثني عَشَرَ أَلْفاً :( لَنْ تُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ )، وروي أَنَّ رجلاً من أصحابه قالها فأَراد الله تعالى إظهار العجز ؛ فظهر حين فَرَّ الناسُ. 
( ت ) : العجب جائزٌ في حقِّ غير النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو معصومٌ منه صلى الله عليه وسلم، والصوابُ في فَهْمِ الحديث، أَنه خَرَجَ مَخْرَجَ الإِخبار، لا على وجه العُجْب ؛ وعلى هذا فَهِمُه ابنُ رُشْدٍ وغيره، وأَنه إِذا بلغَ عَدَدُ المسلمين اثني عشر ألفاً حُرِمَ الفِرَارُ، وإن زاد عددُ المُشْرِكين على الضِّعْف ؛ وعليه عَوَّلَ في الفتوى، وقوله تعالى : وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ، معناه : بِرُحْبها ؛ كأنه قال : عَلَى ما هي عليه في نَفْسها رَحْبةً واسعةً، لشدَّة الحال وَصُعوبتها ؛ ف **«مَاء »** : مصدرية. 
وقوله سبحانه : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ  أي : فراراً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، واختصار هذه القصَّة : أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا فتَحَ مكَّة، وكان في عَشَرة ألفاً منْ أصحابه، وانضاف إِليهم ألفانِ من الطُّلَقَاءِ، فصار في اثني عَشَرَ أَلفًا، سمع بذلك كفَّار العرب، فشَقَّ عليهمِ، فجمعتْ له هوازنُ وألفافها، وعليهم مَالِكُ بن عوفٍ النصريُّ، وثقيفٌ، وعليهم عبْد يَالِيلَ بْنُ عَمْرُو وانضاف إِليهم أَخلاطٌ مِنَ الناس حتى كانوا ثلاثينَ أَلْفاً، فخرج إِليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا بحُنَيْنٍ، فلما تصافَّ الناسُ، حمل المشركون من مَحَانِي الوادِي، وانهزم المُسْلِمون، قال قتادة : وكان يقال : إِن الطلقاء مِنْ أَهْل مكَّةَ فرُّوا، وقصدوا إِلقَاءَ الهَزيمة في المُسْلمين، وكان رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بغلته البَيْضَاء قد اكَتَنَفَهُ العَبَّاس عمُّه، وابنُ عَمِّه أبو سفيانَ بْنُ الحارثِ بنِ عبد المُطَّلبِ، وبَيْنَ يدَيْهِ أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وثَمَّ قتل رحمه اللَّه والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ :

أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ  أَنا ابن عَبْدِ المُطَّلِبْفلما رأَى نبيُّ صلى الله عليه وسلم شدَّةَ الحالِ، نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إِلى الأرض ؛ قاله البَرَاءُ بنُ عازب، واستنصر اللَّه عَزَّ وجلَّ، فأَخَذَ قبضةً مِنْ ترابٍ وحصًى، فرمَى بها في وُجُوه الكُفَّار، وقال :**«شَاهَت الوُجُوه »**، ونادَى رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالأنصارِ، وأمَرَ العبَّاسَ أنْ ينادِيَ :( أَيْنَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ ؟ أَيْنَ أَصْحَابُ سُورَةِ البَقَرةِ ؟ ) فَرَجَعَ النّاسُ عَنَقاً واحداً للحَرْبِ، وتصافحوا بالسُّيوفِ والطَّعْنِ والضرب، وهناك قال عليه السلام :( الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ ) وهزم اللَّهُ المشركين، وأَعْلَى كلمةَ الإِسلام إِلى يَوْمِ الدينِ، قال يَعْلَى بن عطاءٍ : فحدَّثني أبناءُ المنهزمين عَنْ آبائهم، قالوا : لم يَبْقَ منَّا أحَدٌ إِلا دخَلَ عينيه مِنْ ذلك التُّرَابِ، واستيعابُ هذه القصة في كتب **«السِّيَر »**. 
و مُّدْبِرِينَ  : نصب على الحال المؤكِّدة ؛ كقوله : وَهُوَ الحق مُصَدِّقًا  البقرة : ٩١ \]، والمؤكِّدة هي التي يدلُّ ما قبلها عليها كدلالة التولِّي على الإِدبار.

### الآية 9:26

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [9:26]

وقوله سبحانه : ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ  \[ التوبة : ٢٦ \]. 
السكينةُ : النَّصْر الذي سَكَنَتْ إِليه ومعه النفُوسُ، والجنودُ : الملائكةُ، والرُّعْبُ، قال أبو حاجز يزيدُ بنُ عامرٍ : كان في أجوافنا مثلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَّسْتِ من الرُّعْبِ،  وَعذَّبَ الذين كَفَرُوا ، أيْ : بالقتل والأسْرِ، وروَى أبو داود، عن سهل بن الحَنْظَلِيَّة أنهم سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، فأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عشِيَّةً، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ مع رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي انطلقت بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حتى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِم بظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ، وشِيَاهِهِمْ، اجتمعوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ :( تِلْكَ غَنِيْمَةُ المُسْلِمِينَ غَداً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) الحديثَ، انتهى. 
فكانوا كذلك غنيمةً بحَمْد اللَّه، كما أخبر صلى الله عليه وسلم.

### الآية 9:27

> ﻿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:27]

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ، ظاهر هذه المخاطبة: أنها لجميع المؤمنين كافَّة، وهي باقيةُ الحُكْمِ إلى يوم القيامة، وروتْ فرقة أنها نزلَتْ في الحَضِّ على الهجرة، ورفضِ بلادِ الكفر.
 وقوله سبحانه: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ...
 الآية: هذه الآيةُ تقوِّي مذهب مَنْ رأى أن هذه الآية والَّتي قبلها إنما مقصودُهُما الحَضِّ على الهجْرة، وفي ضمْن قوله: فَتَرَبَّصُوا: وعيدٌ بيِّن.
 وقوله: بِأَمْرِهِ، قال الحَسَنُ: الإشارة إلى عذابٍ أو عقوبةٍ من الله تعالى **«١»**.
 وقال مجاهدٌ: الإِشارة إِلى فتح مكَّة **«٢»**، وذكر الأَبناء في هذه الآية دون التي قَبْلَها، لما جلبتْ ذِكرهم المَحَبَّة، والأبناء: صَدْرٌ في المحبة وليسوا كذلك، في أن تتبع آراؤهم كما في الآية المتقدمة، واقترفتموها: معناه: اكتسبتموها، ومساكِنُ: جَمْعُ مَسْكَنٍ- بفتح الكاف: ، مَفْعَلٌ من السُّكْنَى، وما كان من هذا معتلَّ الفاءِ، فإِنما يأتي على مَفْعِلٍ (بكسر العين) كموعد وموطن.
 \[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٥ الى ٢٧\]
 لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)
 وقوله سبحانه: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، هذه مخاطبةٌ لجميع المؤمنين يعدِّد الله تعالى نِعَمَهُ عليهم، والمواطِنُ المُشَارُ إلَيْها بَدْرٌ والخَنْدَق والنَّضير وقُرَيْظة وخَيْبَر وغيرها، وحُنَيْنٌ وادٍ بين مكَّة والطائِف.
 وقوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال حين رأى جملته اثني عشر

 (١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٨).
 (٢) أخرجه الطبري (٦/ ٣٣٩) برقم: (١٦٥٨٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٨)، والبغوي (٢/ ٢٧٧)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٤٠٣)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

أَلْفاً: **«لَنْ تُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ»** **«١»**، وروي أَنَّ رجلاً من أصحابه قالها فأَراد الله تعالى إظهار العجز فظهر حين فَرَّ الناسُ.
 ت: العجب جائزٌ في حقِّ غير النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو معصوم منه صلّى الله عليه وسلّم، والصوابُ في فَهْمِ الحديث، أَنه خَرَجَ مَخْرَجَ الإِخبار، لا على وجه العُجْب وعلى هذا فَهِمُه ابنُ رُشْدٍ وغيره، وأَنه إِذا بلغَ عَدَدُ المسلمين اثني عشر ألفاً حُرِمَ الفِرَارُ، وإن زاد عددُ المُشْرِكين على الضِّعْف وعليه عَوَّلَ في الفتوى، وقوله تعالى: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، معناه: بِرُحْبها كأنه قال: عَلَى ما هي عليه في نَفْسها رَحْبةً واسعة، لشدّة الحال وصعوبتها ف **«ما»** : مصدرية.
 وقوله سبحانه: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، أي: فرارا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم واختصار هذه القصّة: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا فتح مكّة، وكان في عشرة آلاف منْ أصحابه، وانضاف إِليهم ألفانِ من الطُّلَقَاءِ، فصار في اثني عشر ألفا، سمع بذلك كفَّار العرب، فشَقَّ عليهمِ، فجمعتْ له هوازنُ وألفافها، وعليهم مَالِكُ بن عوفٍ النصريُّ، وثقيفٌ، وعليهم عبْد يَالِيلَ بْنُ عَمْرُو/ وانضاف إِليهم أَخلاطٌ مِنَ الناس حتى كانوا ثلاثين ألفا، فخرج إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين اجتمعوا بحُنَيْنٍ، فلما تصافَّ الناسُ، حمل المشركون من مَحَانِي الوادِي، وانهزم المُسْلِمون، قال قتادة: وكان يقال: إِن الطلقاء مِنْ أَهْل مكَّةَ فرُّوا، وقصدوا إِلقَاءَ الهَزيمة في المُسْلمين **«٢»**، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَلَى بغلته البَيْضَاء قد اكَتَنَفَهُ العَبَّاس عمُّه، وابنُ عَمِّه أبو سفيانَ بْنُ الحارثِ بنِ عبد المُطَّلبِ، وبَيْنَ يدَيْهِ أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أيمن، وثمّ قتل رحمه الله والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ:

أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ  أَنا ابن عبد المطّلب فلما رأى نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم شدَّةَ الحالِ، نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إِلى الأرض قاله البَرَاءُ بنُ عازب **«٣»**، واستنصر اللَّه عَزَّ وجلَّ، فأَخَذَ قبضةً مِنْ ترابٍ وحصًى، فرمَى بها في وُجُوه الكُفَّار، وقال: **«شَاهَت الوُجُوه»**، ونادى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأنصارِ، وأمَرَ العبَّاسَ أنْ ينادِيَ:
 **«أَيْنَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ؟ أَيْنَ أَصْحَابُ سُورَةِ البَقَرةِ؟»** فَرَجَعَ النّاسُ عَنَقاً واحداً للحَرْبِ، وتصافحوا بالسُّيوفِ والطَّعْنِ والضرب، وهناك قال عليه السلام: **«الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ»** **«٤»**
 (١) ذكره السيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٤٠٤)، وعزاه للبيهقي في **«دلائل النبوة»**.
 (٢) أخرجه الطبري (٦/ ٣٤٠) برقم: (١٦٥٨٨) نحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ١٩). [.....]
 (٣) أخرجه الطبري (٦/ ٣٤٣) برقم: (١٦٥٩٥) وذكره ابن عطية (٣/ ١٩).
 (٤) تقدم في: سورة الأنفال.

### الآية 9:28

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:28]

وقوله عز وجل : يا أيها الذين آمَنُوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ  \[ التوبة : ٢٨ \]. 
قال ابن عباس وغيره : معنى الشِّرْكَ هو الذي نَجَّسهم ؛ كنجاسة الخَمْر، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على المُشْرِكِينَ، وعلى المَسْجِد الحرام، فقاسَ مالكٌ رحمه اللَّه وغيره جَميعَ الكُفَّار من أهْلِ الكتاب وغيرهم ؛ على المشركين، وقَاسَ سائرَ المساجِدِ على المَسْجِدِ الحرامِ، وَمَنَعَ مِنْ دخولِ الجميعِ في جميعِ المساجدِ، وقوَّةُ قوله سبحانه : فَلاَ يَقْرَبُوا  يقتضي أمْرَ المسلمين بمَنْعهم. 
وقوله : بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ، يريد : بعد عامِ تِسْعٍ من الهجرة، وهو عَامُ حَجَّ أبو بَكْرٍ بالنَّاس. 
وقوله سبحانه : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ، أي : فقْراً،  فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ، وكان المسلمون، لَمَّا مُنِعَ المشركون من المَوْسِم، وهم كانوا يجلبون الأطعمةَ والتجاراتِ، قَذَفَ الشيطان في نفوسهم الخَوْفَ من الفَقْر، وقالوا : مِنْ أيْنَ نعيش ؟ فوعَدَهم اللَّه سبحانه بأنْ يغنيهم مِنْ فَضْله، فكان الأمر كما وعد اللَّه سبحانه، فأسلَمَتِ العربُ، فتمادَى حجُّهم وتَجْرُهم، وأغنى اللَّه من فضله بالجهادِ والظهورِ على الأُمَمِ.

### الآية 9:29

> ﻿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [9:29]

وقوله سبحانه : قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الأخر  \[ التوبة : ٢٩ \]. 
هذه الآيةُ تضمَّنت قتالَ أهْلَ الكتاب، قال مجاهد : وعند نزول هذه الآية أخَذَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في غَزْوَ الرُّومِ، ومشَى نحو تَبُوكَ، ونفَى سبحانه عن أَهل الكتاب الإِيمان باللَّه واليوم الآخر ؛ حيث تركوا شَرْعَ الإِسلام ؛ وأَيضاً فكانَتِ اعتقاداتهم غيْرَ مستقيمةٍ، لأنهم تشعّبوا، وقالوا عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ، واللَّهُ ثالِثُ ثلاثةٍ، وغَيْرَ ذلك ؛ ولهم أيضاً في البعث آراءٌ فاسدةٌ ؛ كشراءِ منازِلِ الجنَّة من الرُّهْبَانِ ؛ إِلى غير ذلك من الهَذَيان،  وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق  أي : لا يطيعون، ولا يمتثلون ؛ ومنْه قولُ عائشة :( مَا عَقَلْتُ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ )، والدِّينُ هنا : الشريعةُ، قال ابن القاسِمِ وأشْهَبُ وسَحْنُون : وتؤخذ الجزيةُ منْ مجوس العربِ والأمم كلِّها، وأما عَبَدة الأَوثان والنِّيران وغيرِ ذلك، فجمهور العلماء على قبولِ الجزيةِ منهم، وهو قولُ مالكٍ في **«المدوَّنة »**، 
وقال الشافعيُّ وأبو ثور : لا تؤخذ الجزيةُ إِلا مِنَ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ فقطْ، وأما قَدْرها في مذْهَب مالك وغيره، فأربعةُ دنَانِير عَلَى أهْلِ الذَّهَبِ، وأربعون درْهماً عَلَى أَهْل الفضَّة، وهذا في العَنْوة، وأما الصُّلْح، فهو ما صالحوا عَلَيْه، قليلٌ أو كثيرٌ. 
وقوله : عَن يَدٍ  يحتمل وجوهاً، منها : أنْ يريد عن قُوَّة منكم عليهم، وقَهْرٍ، واليدُ في كلام العرب : القُوَّة، ومنها : أَنْ يريد سَوْقَ الذِّميِّ لها بِيَدِهِ، لا أنْ يبعثها معَ رَسُولٍ ؛ ليكون في ذلك إِذلالٌ لهم، ومنها : أنْ يريد نَقْدَهَا ناجزاً، تقول : بِعْتُهُ يَداً بِيَدٍ، أي : لا يؤخِّروا بها، ومنها : أنْ يريد عن استسلام، يقال : أَلْقَى فلانٌ بيده، إِذَا عَجَز واستسلم.

### الآية 9:30

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [9:30]

وقوله سبحانه : وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ  \[ التوبة : ٣٠ \]. الذي كثر في كُتُب أهْل العلم ؛ أنَّ فرقةً من اليهود قالَتْ هذه المقالة وروي أنه قالها نَفَرٌ يسير منهم فِنحْاص وغيره، قال النَّقَّاش : ولم يبق الآن يهودي يقولها، بل انقرضوا. 
قال ( ع ) : فإِذا قالها ولو واحدٌ من رُؤسَائهم، توجَّهت شنعة المقالة علَى جماعتهم، وحكَى الطبريُّ وغيره ؛ أن بني إِسرائيل أصابتهم فتن وجلاء، وقيل : مَرَض، وأذهب اللَّه عنهم التَّوْراة في ذلك، ونَسُوها، وكان علماؤهم قد دَفَنُوها أول ما أحسُّوا بذلك البلاء، فلما طالَتْ المدة، فُقِدَت التوراة جملةً، فحفَّظها اللَّهُ عُزَيْراً ؛ كرامةً منه له، فقال لبني إِسرائيل : إِن اللَّهَ قد حفَّظني التوراةَ، فجعلوا يَدْرُسُونها من عنْده، ثم إِن التوراة المدْفُونَة وِجِدَتْ، فإِذا هي مساويةٌ لما كان عَزَيْرٌ يدرِّس، فضَلُّوا عند ذلك، وقالوا : إِن هذا لم يتهيَّأْ لعُزَيْرٍ إِلاَ وهو ابن اللَّه، نعوذُ باللَّه من الضَّلال. 
وقوله : بأفواههم ، أي : بمجرَّد الدعوَى من غير حُجَّة ولا برهان، و يضاهئون  قراءةُ الجماعة، ومعناه : يحاكُون ويماثلون، والإشارة بقوله : الذين كَفَرُوا مِن قَبْلُ  إِما لمشركي العرب، إِذ قالوا : الملائكة بناتُ اللَّهِ ؛ قاله الضَّحَّاك، وإِما لأممٍ سالفةٍ قبلها، وإِما للصَّدْر الأول من كَفَرة اليهودِ والنَصَارَى، ويكون  يضاهئون  لمعاصرِي النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإِن كان الضمير في  يضاهئون  للنصارَى فقطْ، كانت الإِشارة ب الذين كَفَرُوا مِن قَبْلُ  إلى اليهود ؛ وعلى هذا فسَّر الطبريُّ، وحكاه غيره عن قتادة. 
وقوله : قاتلهم الله  : دعاءٌ عليهم عامٌّ لأنواع الشَّر، وعن ابن عباس ؛ أن المعنَى : لعنهم اللَّه. قال الداوديُّ : وعن ابن عباس قاتلهم اللَّه : لعنهم اللَّه، وكلُّ شيء في القُرآن : قَتَلَ، فهو لَعْن، انتهى. 
و أنى يُؤْفَكُونَ ، أَي : يُصْرَفُون عن الخَيْر.

### الآية 9:31

> ﻿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [9:31]

وقوله سبحانه : اتخذوا أَحْبَارَهُمْ ورهبانهم  \[ التوبة : ٣١ \]. 
هذه الآية يفسِّرها ما حكاه الطَّبريُّ ؛ أن عدي بن حاتم قال : جئْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وفي عُنُقي صَلِيبُ ذَهَب، فَقَالَ :( يَا عَدِيُّ اطرح هَذَا الصَّلِيبَ مِنْ عُنُقِكَ )، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ : اتخذوا أَحْبَارَهُمْ ورهبانهم أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ ذَلِكَ، وَنَحْنُ لَمْ نَعْبُدْهُمْ ؟ فَقَالَ :( أَلَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ مَا أَحَلُّوا وَتُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمُوا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ، قَالَ : فَذَلِكَ ). ومعنى : سبحانه  تنزيهاً له،

### الآية 9:32

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [9:32]

و نُورَ اللَّهِ  \[ التوبة : ٣٢ \] في هذه الآية : هُدَاه الصادرُ عن القرآن والشَّرْع. 
وقوله : بأفواههم . 
عبارةٌ عن قلَّةِ حيلتهم وضَعْفها.

### الآية 9:33

> ﻿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [9:33]

وقوله : بالهدى  \[ التوبة : ٣٣ \] يعم القرآن وجميعَ الشَّرْع. 
وقوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ، وقد فعل ذلك سبحانه، فالضمير في  لِيُظْهِرَهُ  : عائدٌ على  الدِّين ، وقيل : على الرسول، وهذا وإِنْ كان صحيحاً، فالتأويل الأول أبْرَعُ منه، وأَلْيَقُ بنظامِ الآية.

### الآية 9:34

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:34]

وقوله عز وجل : يا أيها الذين آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل  \[ التوبة : ٣٤ \] المراد بهذه الآية : بيانُ نقائصِ المذكورين، ونَهْيُ المؤمنين عن تلك النقائصِ مترتِّب ضِمْنَ ذلك، واللام في  لَيَأْكُلُونَ  : لامُ التوكيدِ، وصورةُ هذا الأكْلِ هي بأنهم يأخذونَ من أموال أتباعهم ضرائِبَ وفُرُوضاً باسم الكنائسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذلك ممَّا يوهمونهم أنَّ النفقة فيه مِنَ الشَّرْعَ والتَقرُّب إِلى اللَّهَ، وهم خلاَلَ ذلك يحتجنون تلك الأموالَ، كالذي ذكره سليمان في كتاب **«السير »**، عن الراهِبِ الذي استخرج كَنْزَهُ. 
وقوله سبحانه : وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ، أي : عن شريعة الإِسلام والإيمان بنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم. 
وقوله سبحانه : والذين  ابتداءٌ، وخبره  فَبَشِّرْهُم  والذي يظهر من ألفاظ الآية : أنه لما ذَكَر نَقْصَ الأحبار والرهبانِ الآكلين للمَالِ بالباطل، ذَكَرَ بعد ذلك بقَوْلٍ عامٍّ نَقْصَ الكانزين المانعين حقَّ المال، وقرأ طلحةُ بْنُ مُصَرِّف :**«الَّذِينَ يَكْنِزُونَ »** بغير واو، ؛ وعلى هذه القراءة يجري قولُ معاوِيَةَ : أنَّ الآية في أهْل الكتَاب، وخالفه أبو ذَرٍّ، فقال : بل هِيَ فينا. 
و يَكْنِزُونَ  معناه : يجمعون ويحفظون في الأَوعية، وليس مِنْ شرط الكَنْز : الدفْنُ، والتوعُّد في الكنز، إِنما وقع عَلَى منع الحقوق منه، وعلى هذا كثيرٌ من العلماء، وقال عليٌّ رضي اللَّه عنه : أربعةُ آلاف دِرْهَمٍ فما دُونَهَا نفقةٌ، وما زاد علَيْهَا فهو كَنْز، وإِن أَدَّيْتُ زَكَاتَهُ. 
وقال أبو ذَرٍّ وجماعةٌ معه : ما فَضَلَ مِنْ مالِ الرَّجُل على حاجةِ نَفْسِه، فهو كَنْز، وهذان القولان يقتضيان أنَّ الذمَّ في حبس المال، لا في منع زكاته فقطْ. 
( ت ) : وحدَّث أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، عن عليِّ بن أبي طالب، وابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ :( إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ للفُقَرَاءِ في أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ قَدْرَ مَا يَسَعُهُمْ، فَإِنْ مَنَعُوهُمْ حَتَّى يَجُوعُوا وَيَعْرَوا وَيَجْهَدُوا، حَاسَبَهُمُ اللَّهُ حِسَاباً شَدِيداً، وعَذَّبَهُمْ عَذَاباً نُكْراً ) انتهى.

### الآية 9:35

> ﻿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [9:35]

وقوله سبحانه : فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ  \[ التوبة : ٣٥ \]. 
قال ابنُ مَسْعود : واللَّه، لاَ يَمَسُّ دينارٌ ديناراً، بل يُمَدُّ الجلدُ حتى يكوَى بكلِّ دينار، وبكلِّ درهم قال الفخر : قال أبو بكر الوَرَّاقُ : وخُصَّتْ هذه المواضعُ بالذكْرِ ؛ لأن صاحِب المال، إِذا رأى الفقيرَ، قَبَضَ جبينه، وإِذا جلَس إِلى جَنْبه، تباعد عَنْه، وولاَّه ظَهْره. انتهى.

### الآية 9:36

> ﻿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:36]

وقوله سبحانه : إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله  \[ التوبة : ٣٦ \]. 
هذه الآيةُ والتي بعدها تتضمَّن ما كانت العربُ عليه في جاهليَّتها من تحريم شُهُورِ الحلِّ، وتحليلِ شهورِ الحُرْمَةَ، وإِذا نصَّ ما كانت العرب تفعله، تبيَّن معنى الآيات، فالذي تظاهرَتْ به الرواياتُ، ويتخلَّص من مجموع ما ذَكَره النَّاسُ : أن العرب كانَتْ لا عَيْشَ لأكْثَرها إِلا من الغارات وإِعمالِ سِلاَحِها، فكانوا إِذا توالَتْ عليهم حُرْمَةُ الأشهر الحُرُمِ، صَعُبَ عليهم، وأَمْلقوا وكان بنو فُقَيْمٍ من كِنانة أهْلَ دينٍ في العرب، وتَمَسُّكٍ بشرعِ إبراهيمَ عليه السلام، فانتدب منهم القلمس، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ، فنَسِأ الشهورَ للعربِ، ثم خَلَفَهُ عَلَى ذلك بنوه، وذكر الطبريُّ وغيره ؛ أن الأمر كان في عدوانٍ قبل بني مالكِ بن كنانةً، وكانتْ صورة فعلهم : أن العرب كانَتْ إِذا فرغَتْ من حَجِّها، جاء إِليه مَنْ شاء منهم مجتمعين، فقالوا : أَنْسَانَا شَهْراً، أيْ : أخّرْ عنا حرمةَ المُحَرَّم، فاجعلها في صَفَرٍ، فيحلُّ لهم المُحَرَّمَ، فيغيرون فيه، ثم يلتزمُونَ حُرْمَةَ صَفَرٍ ؛ ليوافقوا عدَّة الأشهرِ الحُرُمِ الأربعة قال مجاهد : ويسمُّون ذلك الصَّفَرَ المُحرَّم، ثم يسمون ربيعاً الأوَّل صفراً وربيعاً الآخِرَ ربيعاً الأَوَّل، وهكذا في سائِرِ الشهورِ، وتجيء السنةُ مِنْ ثلاثةَ عَشَرَ شهراً أولها : المحرَّم المُحَلَّل، ثم المحرَّم الذي هو في الحقيقة صَفَرٌ، وفي هذا قال اللَّهُ عزَّ وجَلَّ : إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً  أيْ : ليستْ ثلاثةَ عَشَرَ، ثم كانَتْ حِجَّةُ أبي بَكْرٍ في ذي القَعْدة حقيقةً، وهم يسمُّونه ذَا الحِجَّة، ثم حَجَّ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَنَةَ عَشْرٍ في ذي الحِجَّة حقيقةً، فذلك قوله عليه السلام :( إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ استدار كَهَيْئتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السموات وَالأَرْضِ ؛ السَّنَةُ اثنا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ : ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّة والمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان ). وقوله في  كتاب الله ، أَيْ : فيما كتبه، وأثبته في اللَّوْحِ المحفوظ، أو غيرِهِ، فهي صفةُ فِعْلٍ مثل خَلْقِهِ وَرِزْقِهِ، وليستْ بمعنى قضائه وتقديره ؛ لأن تلكَ هي قَبْلَ خلْق السموات والأرض. 
وقوله سبحانه : مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ  : نصٌّ على تفضيلِ هذه الأربعة وتشريفها، قال قتادة :( اصطفى اللَّه مِنَ الملائكةِ والبَشَرِ رُسُلاً، ومِنَ الشَهور : المُحَرَّمَ ورمَضَانَ، ومِنَ البُقَعِ المساجَدِ، ومِنَ الأيام الجمعةَ، ومِنَ الليالِي ليلةَ القَدْرِ، ومِنَ الكلام ذِكْرُهُ، فينبغي أَنْ يعظَّم ما عَظَّمُ اللَّه ). 
وقوله سبحانه : ذلك الدين القيم ، قالتْ فرقة : معناه : الحسابُ المُسْتَقيم، وقال ابن عباس، فيما حكى المَهْدَوِيُّ : معناه : القضاءُ المستقيم. 
قال ( ع ) : والأصوب عندي أنْ يكون  الدين  ههنا عَلَى أشهر وجوهه، أي : ذلك الشَّرْعُ والطَّاعة. 
وقوله : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ ، أي : في الاثني عَشَرَ شَهْراً، أي : لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمان كلِّه، وقال قتادة : المرادُ الأربعةُ الأشْهُرِ، وخُصِّصتْ تشريفاً لها. 
قال سعيدُ بن المسيِّب : كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحرِّم القتَالَ في الأشْهُرِ الحُرُم ؛ بما أنزل اللَّه في ذلك ؛ حتَّى نزلَتْ **«براءة »**. 
وقوله تعالى : وَقَاتِلُوا المشركين ، معناه : فيهنَّ فأحْرَى في غيرهن، وقوله : كَافَّةً ، معناه : جميعاً.

### الآية 9:37

> ﻿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [9:37]

وقوله سبحانه : إِنَّمَا النسيء  \[ التوبة : ٣٧ \]. 
يعني : فِعْلُ العرب في تأخيرهم الحُرْمَةَ،  زِيَادَةٌ فِي الكفر ، أي : جارٍ مع كفرهم باللَّهِ، وخلافِهِمْ للحقِّ، فالكفر متكثِّر بهذا الفِعْلِ الذي هو باطلٌ في نفْسهِ ؛ وممَّا وُجِدَ في أشعارهم قَوْلُ جِذْلٍ الطَّعَانِ :\[ الوافر \]

وَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي  كِرَامُ النَّاسِ أنَّ لَهُمْ كِرَامَاأَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ  شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَاوقوله سبحانه : يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ، معناه : عاماً من الأعوام، وليس يريد أنَّ تلك كانَتْ مداولةً. 
وقوله سبحانه : لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله ، معناه : ليوافقُوا، والمواطَأَةُ : الموافَقَةُ.

### الآية 9:38

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [9:38]

وقوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الأرض  \[ التوبة : ٣٨ \]. 
هذه الآيةُ بلا خلافٍ أنها نزلَتْ عتاباً على تخلُّف من تخلَّف عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوكَ، وكانَتْ سنةَ تسْعٍ من الهجرةِ بعد الفَتْح بعامٍ، غزا فيها الرُّوم في عِشْرينَ ألْفاً بين راكبٍ وراجلٍ، والنَّفْر : هو التنقُّل بسرعة من مكانٍ إلى مكانٍ، وقوله :**«أثاقلتم »** أصله تَثَاقَلْتُمْ، وكذلك قرأ الأعمش وهو نحو قوله : أَخْلَدَ إِلَى الأرض  \[ الأعراف : ١٧٦ \]. 
وقوله : أَرَضِيتُم  تقريرٌ، والمعنى : أرضيتمْ نَزْرَ الدنيا، عَلى خطيرِ الآخرةِ، وحَظِّها الأَسْعَد، قَالَ ابنُ هِشامٍ ف**«مِنْ »** من قوله : مِنَ الأخرة  للبدل. انتهى. ثم أخبر سبحانه، أنَّ الدنيا بالإِضافة إِلى الآخرة قليلٌ نَزْرٌ، فتعطي قُوةُ الكلام التعجُّبَ مِنْ ضلالِ مَنْ يرضَى النزْرَ الفانِيَ بَدَل الكثير الباقي. 
( ت ) : وفي **«صحيح مُسْلم »** و**«الترمذيِّ »**، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَا الدُّنْيَا في الآخرة إِلاَّ مَثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا تَرْجعٌ ) قال أبو عيسَى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى.

### الآية 9:39

> ﻿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [9:39]

وقوله سبحانه : إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ  \[ التوبة : ٣٩ \]. 
شرطٌ وجوابٌ، ولفظُ **«العذاب »** عامٌّ يدخل تخته أنواعُ عذابِ الدنيا والآخرة. 
وقوله : وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ  : تَوعُّدٌ بأن يبدل لرسوله عليه السلام قوماً لا يقعدون عند استنفاره إِياهم، والضميرُ في قوله : وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا  عائدٌ على اللَّه عز وجل، ويحتملُ أنُ يعود على النبيِّ صلى الله عليه وسلم هو أَلْيَقُ.

### الآية 9:40

> ﻿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:40]

وقوله سبحانه : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله  \[ التوبة : ٤٠ \]. 
هذا أيضاً شرطٌ وجوابٌ، ومعنى الآية : إِنكم إِن تركتم نَصْره، فاللَّه متكفِّل به ؛ إِذ قد نصره في موضع القلَّة والانفراد وكثرةِ العدو، ولَنْ يترك نَصْرَهُ الآن. 
وقوله : إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُوا ، أسند الإخراج إِليهم ؛ تذنيباً لهم، ولما كان مَقْصِدُ أبي سفيان بن الحارثِ الفَخْرَ في قوله : من طردت كل مطرد، لم يقرَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ما عُلِمَ في كتب **«السِّيرَةِ »**، والإِشارةُ إِلى خروجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مكَّة إلى المدينة، وفي صحبته أبو بَكْر، واختصار القصَّة أَنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر إِذْنَ اللَّه سبحانه في الهِجْرة من مكَّة، وكان أبو بَكْر حينَ تَرَكَ ذمَّة ابنِ الدِّغِنَّةِ قد أراد الخروجَ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( اصبر، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُسَهِّلَ الصُّحْبَةَ ) فَلَمَّا أَذِنَ اللَّه لنبيِّه في الخروج، تجهَّز مِنْ دار أبي بَكْر، وخَرَجَا، فبقيا في الغار الذي في جَبَلِ ثَوْرٍ في غَرْبِيِّ مَكَّة ثلاثَ ليالٍ، وخرج المشركُونَ في إِثرهِمْ ؛ حتى انتهوا إِلى الغار، فَطَمَسَ اللَّهُ عَلَيْهِم الأَثَرَ، وقال أبو بَكْرٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : لَوْ نَظَر أَحَدُهُمْ إِلى قدمه، لرآنَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( مَا ظَنُّكَ باثنين اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ) هكذا في الحديث الصحيحِ، ويروَى أن العنكبوتَ نَسَجَتْ على باب الغَار. 
ويُرْوَى أن الحمامة عشَّشَتْ عند باب الغارِ، وكان يروحُ عليهما باللَّبَنِ عامرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. 
وقوله : ثَانِيَ اثنين ، معناه : أحد اثنين، وقوله : إِنَّ الله مَعَنَا ، يريد : بالنصر والنجاة واللُّطْف. 
وقوله سبحانه : وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ، قيل : يريد : لا إله إِلا اللَّه، وقيل : الشرْعَ بأسره.

### الآية 9:41

> ﻿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [9:41]

وقوله سبحانه : انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً  \[ التوبة : ٤١ \] معنى الخِفَّة والثِّقَلِ ههنا : مستعار لمن يمكنه السفَرُ بسهولة، ومن يمكنه بصُعُوبة، وأما من لا يمكنه، كالعُمْيِ ونحوهم، فخارجٌ عن هذا. 
وقال أبو طلحة : ما أسْمع اللَّه عذر أحد، وخرج إِلى الشامِ، فجاهد حتَّى ماتَ. 
وقال أبو أيُّوب : ما أَجدني أبداً إِلا خفيفاً أو ثقيلاً. 
وقوله سبحانه : ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  : تنبيهٌ وهزٌّ للنفوس.

### الآية 9:42

> ﻿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:42]

وقوله سبحانه : لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ  \[ التوبة : ٤٢ \]. 
هذه الآية في المنافقين والمتخلِّفين في غزوة تَبُوكَ، وكَشْفِ ضمائرهم، وأما الآيات التي قبلها، فعامَّة فيهم وفي غيرهم، والمعنى : لو كان هذا الغزوَ لِعَرَضٍ، أي : لمال وغنيمةٍ تنالُ قريباً ؛ بسَفرٍ قاصدٍ يسيرٍ، لبادروا لا لوجه اللَّه،  ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة  وهي المسافةُ الطويلة. 
وقوله : وَسَيَحْلِفُونَ بالله ، يريد : المنافقينَ، وهذا إِخبار بغَيْب.

### الآية 9:43

> ﻿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [9:43]

وقوله عز وجل : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  \[ التوبة : ٤٣ \] هذه الآيةُ هي في صِنْفٍ مُبَالِغٍ في النفاق، استأذنوا دون اعتذار، منهم : الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ التابوت وَمنِ اتبعهم ؛ قال مجاهدٌ : وذلك أَنَّ بعضهم قال : نَسْتَأْذنه، فإِن أَذِنَ في القعودِ قعدنا، وَإِلاَّ قعدنا، وقَدَّم له العَفْوَ قبل العتاب : إِكراماً له صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة : بل قوله سبحانه : عَفَا الله عَنكَ  استفتاح كلامٍ كما تقولُ : أصْلَحَكَ اللَّهُ، وأَعَزَّكَ اللَّهُ، ولم يكنْ منه عليه السلام ذَنْبٌ يعفَى عنه ؛ لأن صورة الاستنفار وقَبُول الأَعْذَار مصروفةٌ إِلى اجتهاده. 
وقوله : حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُوا . 
يريد : في استئذانك، وأنك لو لم تأذن لهم، خرجوا معك. 
وقوله : وَتَعْلَمَ الكاذبين ، أي : بمخالفتكَ، لَوْ لم تأذن ؛ لأنهم عَزَمُوا على العِصْيَان، أذنتَ لهم أو لم تأذن، وقال الطبريُّ : معناه : حتى تعلم الصَّادقين ؛ في أَنَّ لهم عُذْراً، والكاذبين، في أن لا عُذْرَ لهم، والأول أصْوبُ، واللَّه أعلم، وأمَّا قوله سبحانه : في سورة النور : فَإِذَا استئذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ  \[ النور : ٦٢ \] الآية، ففي غزوة الخندَقِ نزلَتْ.

### الآية 9:44

> ﻿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [9:44]

وقوله سبحانه: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا معنى الخِفَّة والثّقل هاهنا: مستعار لمن يمكنه السفَرُ بسهولة، ومن يمكنه بصُعُوبة، وأما من لا يمكنه، كالعُمْيِ ونحوهم، فخارجٌ عن هذا.
 وقال أبو طلحة **«١»** : ما سمع اللَّه عذر أحد، وخرج إِلى الشامِ، فجاهد حتَّى ماتَ.
 وقال أبو أيُّوب: ما أَجدني أبداً إِلا خفيفاً أو ثقيلاً **«٢»**.
 وقوله سبحانه: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: تنبيهٌ وهزّ للنفوس.
 \[سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٢ الى ٤٥\]
 لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)
 وقوله سبحانه: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ، هذه الآية في المنافقين المتخلِّفين في غزوة تَبُوكَ، وكَشْفِ ضمائرهم، وأما الآيات التي قبلها، / فعامَّة فيهم وفي غيرهم، والمعنى: لو كان هذا الغزوَ لِعَرَضٍ، أي: لمال وغنيمةٍ تنالُ قريباً بسَفرٍ قاصدٍ يسيرٍ، لبادروا لا لوجه اللَّه، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وهي المسافةُ الطويلة.
 وقوله: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ، يريد: المنافقينَ، وهذا إِخبار بغيب.
 وقوله عز وجل: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، هذه الآيةُ هي في صِنْفٍ مُبَالِغٍ في النفاق، استأذنوا دون اعتذار، منهم: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ التأبوت وَمنِ اتبعهم قال مجاهدٌ: وذلك أَنَّ بعضهم قال: نَسْتَأْذنه، فإِن أَذِنَ في القعودِ قعدنا **«٣»**، وَإِلاَّ قعدنا، وقَدَّم له العفو قبل العتاب: إكراما له صلّى الله عليه وسلّم، وقالت فرقة: بل قوله سبحانه عَفَا اللَّهُ عَنْكَ:
 استفتاح كلامٍ كما تقولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ، وأَعَزَّكَ اللَّهُ، ولم يكنْ منه عليه السلام ذَنْبٌ يعفَى عنه لأن صورة الاستنفار وقَبُول الأعذار مصروفة إلى اجتهاده.

 (١) أخرجه الطبري (٦/ ٣٧٦) برقم: (١٦٧٥١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧).
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٧).
 (٣) أخرجه الطبري (٦/ ٣٨١) برقم: (١٦٧٧٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٨)، والبغوي في **«تفسيره»** (٣/ ٤٤١)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]

### الآية 9:45

> ﻿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [9:45]

وارتابت قُلُوبُهُمْ  \[ التوبة : ٤٥ \] أيْ : شكَّت و يَتَرَدَّدُونَ ، أي : يتحيَّرون ؛ إِذ كانوا تخطر لهم صِحَّة أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم أحياناً، وأنه غير صحيحٍ أحياناً، فهم مذبذبُونَ.

### الآية 9:46

> ﻿۞ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:46]

وقوله سبحانه : وَلَوْ أَرَادُوا الخروج لأَعَدُّوا  \[ التوبة : ٤٦ \]. 
أيْ : لو أرادوا الخروجَ بنيَّاتهم، لنظروا في ذلك واستعدوا له. 
وقوله : ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ . 
( ص ) : و ولكن  : أصلها أَن تقع بَيْنَ نقيضَيْن أَو ضِدَّيْنِ، أَوْ خَلافَيْن، على خلاف فيه. انتهى. و انبعاثهم  : نفوذَهُمْ لهَذِهِ الغزوة، والتثبيطُ : التَّكْسِيلُ وكَسْر العزم. 
وقوله سبحانه : وَقِيلَ اقعدوا ، يحتمل أنْ يكون حكايةً عن اللَّه، أي : قال اللَّه في سابق قضائِهِ : اقعدوا مع القاعدين، ويحتملُ أنْ يكون حكايةً عنهم، أي : كانَتْ هَذِهِ مقالَةَ بَعْضِهِمْ لبعضٍ، ويحتملُ أنْ يكون عبارةً عن إِذْنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهم في القعود، أيْ : لما كره اللَّه خروجهم، يَسَّر أَنْ قلْتَ لهم : اقعدوا مع القاعدين، والقعودُ ؛ هنا : عبارةٌ عن التخلُّفِ، وكراهيةُ اللَّهِ انبعاثهم : رِفْقٌ بالمؤمنين.

### الآية 9:47

> ﻿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [9:47]

وقوله سبحانه : لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً  \[ التوبة : ٤٧ \]. الخبالُ : الفسادُ في الأشياء المؤتَلِفة ؛ كالمودات، وبَعْضِ الأجرامِ،  لأَوْضَعُوا  معناه : لأسرعوا السَّيْر، و خلالكم  معناه : فيما بينكم. 
قال ( ص ) : خلالكم  جمع خَلَلٍ، وهو الفُرْجَة بين الشيئين، وانتصب على الظَّرف ب لأَوْضَعُوا ، و يَبْغُونَكُمُ  حالٌ، أي : باغين. انتهى. والإِيضاع : سُرْعَةُ السير، ووقَعْتُ  لأَوْضَعُوا  بألف بَعْدَ **«لا »** في المصحف، وكذلك وقعتْ في قوله : أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ  \[ النمل : ٢١ \]  يَبْغُونَكُمُ الفتنة  أي : يطلبون لكم الفتْنَة،  وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ، قال مجاهد وغيره : معناه : جواسيسُ يسمعون الأخبار، ويَنْقُلُونها إِليهم، وقال الجمهور : معناه : وفيكم مُطِيعُونَ سامعون لهم.

### الآية 9:48

> ﻿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [9:48]

وقوله سبحانه : لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ  \[ التوبة : ٤٨ \]. 
في هذه الآية تحقيرٌ لشأنهم، ومعنَى قوله : مِن قَبْلُ  : ما كان من حالهم في أُحُدٍ وغيرها، ومعنى قوله : وَقَلَّبُوا لَكَ الأمور  دبَّروها ظهراً لبطْنٍ، وسعوا بكُلِّ حيلةٍ

### الآية 9:49

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [9:49]

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائذن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي  \[ التوبة : ٤٩ \] نزلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وأسند الطبريُّ أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قالَ :" اغْزُوا تَبُوكَ، تَغْنَمُوا بَنَاتِ الأصْفَرِ ) فقال الجَدُّ : ائذن لَنَا وَلاَ تَفْتِنَّا بالنِّسَاءِ، وقال ابن عبَّاس : إِن الجَدَّ قال : ولكنِّي أُعِينُكَ بِمَالِي. 
وقوله سبحانه : أَلا فِي الفتنة سَقَطُوا . 
أي : في الذي أظْهَرُوا الفِرَارَ منه.

### الآية 9:50

> ﻿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [9:50]

وقوله سبحانه : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ. . .  \[ التوبة : ٥٠ \]، الحسنَةُ هنا بحسب الغَزْوَة : هي الغنيمةُ والظفرُ، والمصيبةُ : الهزيمة والخيبةُ، واللفظ عامٌّ بعد ذلك في كلِّ محبوب ومكروه، ومعنى قوله : قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ، أَيْ : قد أخذنا بالحَزْمِ في تخلُّفنا وَنَظَرْنَا لأنفسنا،

### الآية 9:51

> ﻿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [9:51]

ثم أمر تعالَى نبيَّه، فقال : قل  \[ التوبة : ٥١ \] لهم يا محمَّد : لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا ، وهو إِما ظفراً وسروراً عاجلاً، وإما أن نستشهد فَنَدْخُلَ الجنة، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 9:52

> ﻿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [9:52]

وقوله سبحانه : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين  \[ التوبة : ٥٢ \]. أي : قل للمنافقين، و الحسنيين  : الظَّفَرُ، والشَّهادة. 
وقوله : أَوْ بِأَيْدِينَا ، يريد : القَتْلَ.

### الآية 9:53

> ﻿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ [9:53]

وقوله سبحانه : قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً  \[ التوبة : ٥٣ \]. 
الآية سَبَبُها أَنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ حين قال : ائذن لي ولا تفتنِّي، قال : إِني أعينك بمالي، فنزلَتْ هذه الآية فيه، وهي عامَّة بعده.

### الآية 9:54

> ﻿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [9:54]

وقوله عزَّ وجلَّ : وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ  \[ التوبة : ٥٤ \] وفي **«صحيح مسلم »** عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال :( إِنَّ ثَوَابَ الكَافِرِ عَلَى أَفْعَالِهِ البَرَّةِ هُوَ في الطُّعْمَةِ يَطْعَمُهَا ) وَنَحْوَ ذلك، وهذا مَقْنَعٌ لا يحتاج معه إِلى نَظَرٍ، وإما أَنْ ينتفع بها في الآخرة فلا، و كسالى  : جمع كَسْلاَن.

### الآية 9:55

> ﻿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:55]

وقوله سبحانه : فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحياة الدنيا  \[ التوبة : ٥٥ \]. 
حقَّر في الآية شأْنَ المنافقين، وعلَّل إِعطاء اللَّه لهم الأَمْوَالَ والأولاد ؛ بإِرادته تعذيبهم بها في الحياةِ الدنيا، وفي الآخرة. 
قال ابنُ زَيْد وغيره : تعذيبُهم بها في الدُّنْيَا هو بمصائبها ورزايَاهَا، هِيَ لهم عذابٌ ؛ إذ لا يُؤْجَرُونَ عليها، ومِنْ ذلك قَهْرُ الشَّرعِ لهم على أداء الزكاةِ والحقوقِ والواجبات. 
قال الفَخْرُ : أمَّا كون كثرة الأموال والأولادِ سَبَباً للعذاب في الدنيَا، فحاصَلٌ من وجوه : مِنْهَا : أن كلَّما كان حُبُّ الإِنسان للشيء أَشَدَّ وأقوَى، كان حزنُهُ وتألُّم قلبِهِ علَى فراقه أعظَمَ وأصعَبَ، ثم عند الموتِ يَعْظُمُ حزنه، وتشتدُّ حسرته، لمفارقته المحبوبَ، فالمشغوفُ بحبِّ المال والولدِ لا يزالُ في تَعَبٍ، فيحتاج في اكتساب الأموالِ وتحصيلها إِلى تعبٍ شديدٍ ومشقَّة عظيمةٍ، ثم عند حصولِهَا يحتاجُ إِلى متاعِبَ أَشدَّ وأصعَبَ في حفظها وصونِها ؛ لأن حفظ المَالِ بَعْد حصوله أصْعَبُ من اكتسابه، ثم أنه لا ينتفع، إِلاَّ بالقليلِ مِنْ تلك الأموال، فالتعبُ كثيرٌ، والنفعُ قليلٌ، ثم قالَ : واعلم أنَّ الدنْيَا حلوةٌ خَضِرةٌ، والحواسُّ الخمسُ مائلةٌ إِليها، فإِذا كَثُرت وتوالَتْ استغرقت فيها، وانصرف الإِنسان بكلِّيته إِليها، فيصير ذلك سبباً لحرمانه من ذكْرِ اللَّهِ، ثم أنه يحْصُلُ في قلبه نَوْعُ قسوةٍ وقوةٍ وقهْرٍ، وكلَّما كان المال والجاهُ أَكثر، كَانَتْ تلك القسوةُ أَقوَى، وإِلى ذلك الإِشارةُ بقوله تعالى : إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّءَاهُ استغنى  \[ العلق : ٦، ٧ \] فظهر أن كثرة الأموال والأولاد سَبَبٌ قويٌّ في زوال حُبِّ اللَّه تعالى وحبِّ الآخرة مِنَ القَلْبِ، وفي حصول الدنْيَا وشهواتِهَا في القَلْبِ وعنْدَ الموت ؛ كأَنَّ الإِنسان ينتقلُ من البستان إلى السِّجْن، ومِنْ مجالسة الأقرباءِ والأحبَّة إِلَى موضعِ الغُرْبَة والكُرْبة، فيعظُمُ تألمُّه، ويقوَى حزنه، ثم عند الحَشْر : حَلاَلُهَا حسابٌ، وحرامُها عِقَابٌ، فثبت أن كثرة الأمْوَالِ والأولادِ سَبَبٌ لحصولِ العَذَاب في الدُّنْيا والآخرة.

### الآية 9:56

> ﻿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [9:56]

ثم أخبر سبحانه ؛ أنهم ليسوا مِنَ المؤمنين، وإِنما هم يَفزَعُونَ مِنْهم، والفَرَقُ : الخوف.

### الآية 9:57

> ﻿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [9:57]

وقوله سبحانه : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً  \[ التوبة : ٥٧ \]. 
الملجأ مِنْ لَجَأَ يَلْجَأُ، إِذا أَوَى واعتصم، وقرأ الجمهور :**«أَوْ مَغَارَاتٍ »** بفتح الميم، وهي الغيران في أعراض الجبالِ،  أَوْ مُدَّخَلاً ، معناه : السَّرَبُ والنَّفَقُ في الأرض، وهو تفسير ابن عبَّاس في هذه الألفاظ، وقرأ جمهور الناس :**«يَجْمَحُونَ »** ومعناه يُسْرِعُون. 
قال الفَخْر : قوله : وَهُمْ يَجْمَحُونَ  أي : يسرعون إِسراعاً لا يرد وجوههم شَيْء، ومِنْ هذا يقال : جَمَعَ الفَرَسُ، وفَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الذي إِذا حَمَلَ، لم يردَّه اللجَامُ، انتهى.

### الآية 9:58

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [9:58]

وقوله عز وجل : وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ  \[ التوبة : ٥٨ \]. 
أَيْ : ومن المنافقين مَنْ يلمزك، أيْ : يعيبُكَ ويأخذ منك في الغَيْبة ؛ ومنه قولُ الشاعر :\[ البسيط \]

إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَة  وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَةْومنه قوله سبحانه : وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ  \[ الهمزة : ١ \].

### الآية 9:59

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [9:59]

وقوله سبحانه : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا ءاتاهم الله وَرَسُولُهُ  \[ التوبة : ٥٩ \]. المعنى : لو أن هؤلاء المنافقين رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ الرزْقَ لهم، وما أعطاهم على يدِ رَسُولِهِ، وأقرُّوا بالرغْبَةِ إِلى اللَّهِ، لكان خَيْراً لهم، وحُذِفَ الجوابُ، لدلالة ظاهر الكَلاَمِ عليه، وذلك مِنْ فصيحَ الكلامِ وإِيجازه.

### الآية 9:60

> ﻿۞ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:60]

وقوله سبحانه : إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ  \[ التوبة : ٦٠ \]. 
 إِنَّمَا  في هذه الآيةِ حاصرةٌ تقتضي وقوفَ الصَدقاتِ على الثمانيةِ الأصناف، وإِنما أُخْتُلِفَ في صُورَة القِسْمَةِ، ومَذْهَب مالكٍ وغيره ؛ أَنَّ ذَلِكَ عَلى قَدْر الاجتهاد، وبحسب الحاجة، وأما الفقيرُ والمِسْكين، فقال ابن عبَّاس والحسن ومجاهدٌ والزُّهْرِيُّ وابن زَيْد وغيرهم : المَسَاكِينُ : الذين يَسْعَوْنَ وَيَسْأَلُونَ، والفقراء : الذين يتصَاوَنُون، وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في هذا، وتحريره أن الفقيرَ هو الذي لا مَالَ له إِلا أنه لم يذلَّ نفسه، ولا يذلُّ وجهه ؛ وذلك إِما لتعفُّفٍ مُفْرِطٍ، وإِما لِبُلغَةٍ تكون له، كالحَلُوبة وما أشبهها، والمسكينُ هو الذي يقترن بفقره تذلُّل وخضوعٌ وسؤالٌ، فهذه هي المَسْكَنَة ؛ ويقوِّي هذا أن اللَّه سبحانه قد وَصَف بني إِسرائيل بالمَسْكَنة، وقَرَنها بالذِّلَّة مع غناهم، وإِذا تأمَّلت ما قلناه، بَانَ أنهما صِنْفان موجُودَان في المسلمين. 
( ت ) : وقد أكْثر الناس في الفَرْق بين الفَقِير والمِسْكِين، وأوْلَى ما يعوَّل عليه ما ثَبَتَ في ذلك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزِّنَادِ عن الأعرج عن أبي هريرة ؛ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ )، انتهى. وأوَّل أبو عمر في **«التمهيد »** هذا الحديثَ، فقال : كأنه أراد واللَّه أعلم ليس المسكينُ على تمامِ المَسْكَنة، وعلى الحقيقة إِلا الذي لا يَسْأَلُ النَّاس. انتهى. 
وأَمَّا العاملون : فهم جُبَاتها يستنيبهم الإِمامُ في السعْي على الناس، وجَمْعِ صَدَقَاتهم، قال الجُمْهور : لَهُمْ قَدْر تعبهم ومؤونتهم، وأما  المؤلفة قُلُوبُهُمْ ، فكانوا مُسْلِمين وكافرينَ مستَتِرِينَ مُظْهرين للإِسلام ؛ حتى وثَّقه الاستئلاف في أكثرهم، واستئلافهم إِنما كان لِتُجْلَبَ إلى الإِسلام مَنْفَعة، أو تُدْفَعَ عنه مَضَرَّة، والصحيحُ بَقَاءُ حكمهم ؛ إِن احتيج إِليهم، وأَما  الرقاب ، فمذْهَبُ مالك وغيره هو ابتداء عِتْق مؤْمِن، وأما الغَارِمُ : فهو الرجُلُ يرْكَبه دَيْن في غير مَعْصِيَة ولا سَفَه، كذا قال العلماء، وأما  فِي سَبِيلِ الله ، فهو الغازِي، وإِن كانَ مَلِيًّا ببَلَده، وأمَّا  ابن السبيل ، فهو المسافِرُ، وإِن كان غنيًّا ببلده، وسمي المُسَافِرِ ابْنَ السبيلِ لملازمته السبيلِ. 
ومَنِ ادعى الفقْر صُدِّق إِلاَّ لريبة ؛ فيكلَّف حينئذٍ البيِّنة، وأمَّا إِن ادعى أنه غارمٌ أو ابن السبيل أو غازٍ، ونحو ذلك مما لا يُعْلَم إِلا منه، فلا يعطَى إِلا ببينة، وأهلُ بلد الصَّدقة أَحقُّ بها إِلا أن تَفْضُل فضلةٌ، فتنقل إِلى غيرهم. 
قال ابنُ حَبِيب : وينبغي للإِمام أن يأمِر السُّعَاة بتَفْريقها في المواضِعِ التي جُبِيَتْ فيها، ولا يحمل منها شيْءٌ إِلى الإِمام، وفي الحديثِ :( تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ). 
وقوله سبحانه : فَرِيضَةً مِّنَ الله  : أي : موجبةً محدودةً.

### الآية 9:61

> ﻿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:61]

وقول سبحانه : وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  \[ التوبة : ٦١ \]. 
أي : ومن المنافقين، و يُؤْذُونَ  : لفظٌ يعمُّ أنواع إذَايتهم له صلى الله عليه وسلم، وخص بعد ذلك مِنْ قولهم : هُوَ أُذُنٌ ، وروي أن قائل هذه المقالة نَبْتَلُ بْنُ الحارثِ، وكان من مَرَدَةِ المنافقين، وفيه قال صلى الله عليه وسلم :( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَلِ بْنِ الحَارِثِ )، وكان ثائر الرأس، منتفشَ الشَّعْر، أحمر العينَيْن، أسْفَع الخدَّيْن، مشوَّهاً، قال الحسن البصريُّ ومجاهد : قولهم : هُوَ أُذُنٌ  : أي : يسمع معاذيرنا ويقبلها، أي : فنحن لا نُبَالِي من الوقوع فيه، وهذا تنقُّص بقلَّة الحزم، وقال ابن عبَّاس وغيره : إِنهم أرادوا بقولهم : هُوَ أُذُنٌ  : أي : يسمع كلَّ ما ينقَلُ إِليهِ عنا، ويصغَي إِليه ويقبله، فهذا تَشَكٍّ منه عليه السلام، ومعنى  أُذُنُ  : سماع، وهذا من باب تسمية الشيْء بالشيء، إِذا كان منْهُ بسبب ؛ كما يقال للرؤية : عيْن ؛ وكما يقال للمسنَّة من الإِبل التي قد بَزَلَ نابها : نَاب. 
وقيل : معنى الكلامِ : ذو أُذُنٍ، أَي : ذو سماع، وقيل : إِنه مشتقٌّ من قولهم : أَذِنَ إِلَى شَيْءٍ ؛ إِذا استمع ؛ ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]

صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه  وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُواوقرأ نافع :**«أذن »** بسكون الذال فيهما، وقرأ الباقون بضمِّها فيهما، وكلُّهم قرأ بالإِضافة إِلى ****«خير »**** إِلا ما رُوِيَ عن عاصمٍ، وقرأ الحسن وغيره :**«قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ »** بتنوين **«أُذن »**، ورفع ****«خير »****، وهذا جار على تأويله المتقدِّم، والمعنى : من يقبل معاذيركم خيرٌ لكم، ورُوِيَتْ هذه القراءة عن عاصمٍ، ومعنى **«أذن خيرٍ »** على الإِضافة : أي سَمَاعُ خيرٍ وحقٍّ، و يُؤْمِنُ بالله  معناه : يصدِّق باللَّه،  وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  قيل : معناه : ويصدِّق المؤمنين، واللام زائدة، وقيل : يقال : آمَنْتُ لك، بمعنى : صدَّقتك ؛ ومنه : وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا  \[ يوسف : ١٧ \]. 
قال ( ع ) : وعندي أن هذه التي معها اللامُ في ضِمْنها بَاءٌ، فالمعنَى : ويصدِّق للمؤمنين بما يخبرونه به، وكذلك قوله : وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا  بِمَا نَقُوله. 
( ت ) : ولما كانَتْ أخبار المنافقين تصلُ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تارةً بأِخبار اللَّه له، وتارةً بإِخبار المؤمنين، وهم عدولٌ، ناسب اتصال قوله سبحانه : يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  \[ التوبة : ٦١ \] ؛ بما قبله، ويكون التصديقُ هنا خاصًّا بهذه القضيَّة، وإِن كان ظاهر اللفْظِ عامًّا ؛ إِذ من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يَزَلْ مصدِّقاً باللَّه، وقرأ جميع السبعة إِلاَّ حمزة و**«رَحْمَةٌ »** بالرفع ؛ عطفاً على **«أُذُن »**، وقرأ حمزة وحْده : و**«رَحْمَةٍ »** بالخفض ؛ عطفاً على **«خَيْرٍ »**، وخصَّص الرحمة للذين آمنوا ؛ إِذ هم الذين فازوا ونَجْوا بالرسول عليه السلام. 
وقوله سبحانه : يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ  \[ التوبة : ٦٢ \]. 
يعني : المنافقين.

### الآية 9:62

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [9:62]

وقوله : والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  : التقدير عند سيبَوَيْهِ : واللَّه أحقُّ أَن يرضوه، ورسوله أحَقُّ أن يرضُوه، فحذف الخَبَر من الجملة الأولَى، لدلالة الثانية عليه. 
وقيل : الضمير في **«يرضوه »** عائدٌ على المذكور ؛ كما قال رُؤْبَةُ :\[ الرجز \]

فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ  كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْأي : كَأَنَّ المذكور.

### الآية 9:63

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [9:63]

وقوله : أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ  \[ التوبة : ٦٣ \]. 
 يُحَادِدِ  : معناه : يخالفُ ويشاقُّ.

### الآية 9:64

> ﻿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ [9:64]

وقوله سبحانه : يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِم  \[ التوبة : ٦٤ \]. 
 يَحْذَرُ  : خبرٌ عن حال قلوبهم، وقال الزَّجَّاج وغيره : معنى **«يحذر »** : الأمْرُ، وإِن كان لفظه لفْظَ الخبر ؛ كأنه قال :**«لِيَحْذَرْ »**. 
وقوله سبحانه : قُلِ استهزءوا  : لفظه لفظُ الأمر، ومعناه التهديدُ، ثم أخبر سبحانه ؛ أنَّه مخرجٌ لهم ما يحذَرُونه إِلى حِينِ الوجودُ، وقد فعل ذلك تَبَارَكَ وتعالى في **«سورة بَرَاءَةَ »**، فهي تُسمَّى **«الفَاضِحَةَ »** ؛ لأنها فَضَحَتِ المنافقين.

### الآية 9:65

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [9:65]

وقوله سبحانه : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ  \[ التوبة : ٦٥ \]. 
نَزلَتْ على ما ذكر جماعةٌ من المفسِّرين في وديعةَ بْنِ ثابِتٍ ؛ وذلك أنه مع قَوْمٍ من المنافقين كانوا يَسِيرُونَ في غزوة تَبُوكَ، فقال بعضهم : هذا يريدُ أن يَفْتَحَ قُصُور الشام، ويأخذ حصون بني الأصْفَرِ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ! فوقَفهم رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال لهم : قلتم كذا وكذا، فقالوا : إِنما كنا نخُوضُ وَنَلْعَب، وذكر الطبريُّ عن عبد اللَّه بن عمر ؛ أنه قَالَ : رَأَيْتُ قائل هذه المقالة **«وديعةَ »** متعلِّقاً بحقب نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يماشيها، والحجارةُ تَنْكُبُه، وهو يقول : إِنما كنا نخوض ونَلُعَب، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقوله :( أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ )،

### الآية 9:66

> ﻿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [9:66]

ثم حكم سبحانه عَلَيْهم بالكُفْر، فقال لهم : لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم  \[ التوبة : ٦٦ \]. 
وقوله سبحانه : إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ . 
يريد ؛ فيما ذكره المفسِّرون، رجلاً واحداً، قيل : اسمه مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَر، قاله ابنُ إِسحاق، وذكر جميعهم أنَّه استشهد باليَمَامَةِ، وقد كان تَابَ، وتسمَّى عبد الرحمن، فدعا اللَّه أنْ يَسْتَشْهِدَ، ويُجْهَلَ أمره، فكان كذلك، ولم يوجَدْ جَسَده، وكان مَخْشِيٌّ مع المنافقين الذين قالوا : إِنما كنا نخوضُ وَنَلْعَبُ، فقيل : كان منافقاً، ثم تاب توبةً صحيحةً، وقيل : كان مسلماً مُخْلِصاً إِلا أنه سمع المنافقينَ، فَضَحِكَ لهم، ولم يُنْكِرْ عليهم، فعفا اللَّه عنْه في كلا الوجْهَيْن، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الَّذين قالوا ما تقدَّم.

### الآية 9:67

> ﻿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [9:67]

وقوله سبحانه : المنافقون والمنافقات بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ  \[ التوبة : ٦٧ \]. يريد : في الحُكْم والمَنْزلة في الكُفْر، ولمَّا تقدَّم قبلُ : وَمَا هُم مِّنكُمْ  \[ التوبة : ٥٦ \] حَسُن هذه الإِخبار، و وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ  أي : عن الصدقة، وفعْلِ الخير،  نَسُوا الله  : أَيْ : تركوه ؛ حِينَ تَرَكُوا اتباع نَبيِّه وشَرْعِهِ،  فَنَسِيَهُمْ  : أي : فتركَهم حين لم يَهْدِهِمْ، والكُفَّار ؛ في الآية : المُعْلِنُونَ.

### الآية 9:68

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [9:68]

وقوله : هِيَ حَسْبُهُمْ  \[ التوبة : ٦٩ \] أي : كافيتهم.

### الآية 9:69

> ﻿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [9:69]

وقوله تعالى : كالذين مِن قَبْلِكُمْ  \[ التوبة : ٦٩ \]. 
أي : أنتم، أيها المنافقُونَ، كالذين مِنْ قبلكم كانوا أشدَّ منكم قوةً، فَعَصَوْا ؛ فأهلكوا ؛ فأنتم أولَى بالإِهلاك لمعصيتكم وضَعْفِكم، والخَلاَقُ : الحَظُّ من القَدْرِ والدينِ وجميعِ حال المَرْءِ. فخلاقُ المَرْء : الشيء الذي هُوَ به خليقٌ، والمعنى : عَجَّلوا حَظَّهم في دنياهم، وتركُوا الآخِرَة، فاتبعتموهم أنتُمْ. 
 أولئك حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة  المعنى : وأنتم أيضاً كذلك، ويحتمل أنْ يريد ب أولئك  : المنافقين.

### الآية 9:70

> ﻿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [9:70]

وقوله سبحانه : أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ  \[ التوبة : ٧٠ \]. المعنى ألم يأتِ هؤلاءِ المنافقين خَبَرُ الأُمم السالفة التي عَصَتِ اللَّه ؛ بتكْذيب رسله، فأهلكها. 
و قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ  : نُمْرُود وأصحابه وأَتْبَاعَ دَوْلَته،  وأصحاب مَدْيَنَ  قومُ شُعَيْب،  والمؤتفكات  : أهلُ القرى الأربعةِ أو السَّبْعة التي بعث إِليهم لوطٌ عليه السلام، ومعنى والمؤتفكات  : المنصرفَاتُ والمنْقَلِبَاتُ أُفِكَتْ فَأْتَفَكَتْ لأنها جعل عاليها سافلها، ولفظ البخاريِّ : والمؤتفكات  ائتفكت : انقلبت بهم الأرضُ. انتهى. 
والضمير في  أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم  : عائدٌ على هذه الأمم المذكورة،

### الآية 9:71

> ﻿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:71]

ثم عقَّب سبحانه بذكْر المؤمنين، وما مَنَّ به علَيْهِمْ مِنْ حُسْن الأعمال ؛ ترغيباً وتنشيطاً ؛ لمبادرة ما به أَمَرَ ؛ لطفاً منه بعباده سبحانه، لا ربَّ غيْرُهُ، ولا خَيْر إِلا خيره. 
وقوله سبحانه : وَيُقِيمُونَ الصلاة  \[ التوبة : ٧١ \]. 
قال ابن عباس : هي الصلوات الخمس. 
قال ( ع ) : وبحسب هذا تكون الزَّكَاةُ هي المفروضةُ، والمَدْحُ عندي بالنوافلُ أبلغُ ؛ إِذ من يقيم النوافِلَ أحْرَى بإِقامة الفَرْض، والسين في قوله : سَيَرْحَمُهُمُ  : مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً ؛ لتكون النفوسُ تنعم برجائه سبحانه، وفَضْلُه سبحانه زعيمٌ بالإِنجاز،

### الآية 9:72

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:72]

وذكَر الطبريُّ في قوله تعالى : ومساكن طَيِّبَةً  \[ التوبة : ٧٢ \] عن الحسن أنَّه سأل عنها عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن وأبا هريرة، فقالا : على الخَبِيرِ سَقَطَت ! سَأَلْنَا عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ :( قَصْرٌ فِي الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء، في كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتاً مِنْ زُمُرُّذةٍ خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً ) ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ، ويقرب منها، فاختصرتها طَلَبَ الإِيجاز. 
( ت ) : وتمام الحديث من **«الإِحياءِ »**، وكتاب الآجُرِّيِّ المعروف بكتاب **«النصيحة »**، عن الحسن عن عمرانَ بن حُصَيْن وأبي هريرة، قالا :( على كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، وفِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مَائِدةٍ، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْناً مِنَ الطَّعَامِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفَةً، وَيُعْطَى المُؤْمِنُ فِي كُلِّ غَدَاةٍ مِنَ القُوَّةِ مَا يَأَتِي عَلَى ذَلِكَ أَجْمَعَ )، وأما قوله سبحانه : ورضوان مِّنَ الله أَكْبَرُ ، ففي الحديث الصحيح ؛ ( أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يَقُولُ لِعِبَادِهِ إِذَا استقروا فِي الجَنَّةِ : هَلْ رَضِيتُمْ ؟ ! فَيَقُولُونَ : وَكَيْفَ لاَ نَرْضَى، يَا رَبَّنَا ؟ فَيَقُولُ : إِنِّي سَأُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، رِضْوَانِي، أَرْضَى عَنْكُمْ ؛ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدا ). 
الحديث، وقوله : أَكْبَرُ  : يريد : أَكْبَرُ من جميعِ ما تقدَّم، ومعنى الآيةِ والحديث مُتَّفِقٌ، وقال الحسن بن أبي الحسن : وصل إِلى قلوبهم برضْوَانِ اللَّهِ مِن اللَّذَّة والسُّرور ما هو أَلَذُّ عندهم وأقرُّ لأَعينهم من كل شيء أصابُوه من لَذَّة الجَنَّة، قال الإِمام الفَخْر : وإِنما كان الرضوان أَكْبَرَ ؛ لأَنه عند العارفين نَعِيمٌ رُوحَانِيٌّ، وهو أشرفُ من النعيم الجِسْمَانيِّ. انتهى. انظره في أوائل **«آل عمران »**. 
قال ( ع ) : ويظهر أن يكون قوله تعالى : ورضوان مِّنَ الله أَكْبَرُ  إِشارةً إِلى منازل المقرَّبين الشاربين مِنْ تسنيمٍ، والذين يَرَوْنَ كما يُرَى النَّجْمُ الغَابِرُ في الأُفُق، وجميعُ من في الجنة رَاضٍ، والمنازل مختلفةٌ، وفضْلُ اللَّه مُتَّسِع، و الفوز  : النجاةُ والخَلاَصُ، ومن أُدْخِلَ الجنة فقد فاز، والمقرَّبونَ هم في الفوز العظيم، والعبارةُ عندي ب **«سرور وكمالٍ »** أجوَدُ من العبارة عنها ب**«لذة »**، واللَّذَّة أيضاً مستعملة في هذا.

### الآية 9:73

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [9:73]

وقوله سبحانه : يا أيها النبي جاهد الكفار  \[ التوبة : ٧٣ \]. 
أي : بالسيف، و المنافقين ، أي : باللسان والتعنيفِ والاكفهرار في الوجْه، وبإِقامة الحدود عليهم. 
قال الحَسَن : وأكثر ما كَانَتِ الحدودُ يومئذٍ تصيبُ المنافقين، ومذْهَبُ الطبريِّ ؛ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم ويسترهم، وأما قوله : واغلظ عَلَيْهِمْ ، فلفظةٌ عامَّة في الأفعال والأقوال، ومعنى الغِلَظِ : خَشَنُ الجانب، فهو ضدُّ قوله تعالى : واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين  \[ الشعراء : ٢١٥ \].

### الآية 9:74

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:74]

وقولُهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُوا  \[ التوبة : ٧٤ \]. 
نزلَتْ في الجُلاَسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وقوله : لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ محمَّد حقًّا، لَنَحْنُ شر مِنَ الحُمُر، فسمعها منه رَبِيبُهُ أو رَجُلٌ آخر، فأخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فجاء الجُلاسُ، فَحَلَفَ باللَّه ؛ مَا قالَ هذه الكلمة، فنزلَتِ الآية، فكلمة الكُفْر : هي مقالته هذه ؛ لأن مضمنها قَوِيٌّ في التكذيب، قال مجاهد : وقوله : وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُوا  : يعني : أنَّ الجُلاَس قد كان هَمَّ بقَتْل صاحبه الذي أخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة : نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سَلُولَ، وقوله في غزوة المُرَيْسِيعِ : مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ : سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، و لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل  \[ المنافقون : ٨ \]، فبلَغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فوقفه، فَحَلفَ أَنَّه لم يقُلْ ذلك، فنزلَتِ الآية مكذِّبة له. 
( ت ) وزاد ابن العربيِّ في **«أحكامه »** قولاً ثالثاً ؛ أنَّ الآية نزلَتْ في جماعة المنافقين ؛ قاله الحسن، وهو الصحيحُ ؛ لعموم القول ووجود المعنَى فيه، وفيهم، انتهى. 
وحدَّث أبو بَكْرٍ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، قال : سُئِلَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الهَمِّ : أيؤاخَذُ به صاحِبُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ، إِذَا كَانَ عَزْماً ؛ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قوله تعالى : وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا  الآية، إِلى قوله : فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَّهُمْ ، فجعل عليهم فيه التَّوْبَةِ، قال سفيانُ : الهَمُّ يسوِّد القلْبَ انتهى. 
قال ( ع ) : وعلى تأويل قتادة، فالإِشارة ب كَلِمَةَ الكفر  إِلى تمثيل ابنِ أُبَيٍّ **«سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ »**، 
قال قتادة : والإِشارة ب هَمُّوا  إِلى قوله : لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة  \[ المنافقون : ٨ \]. 
وقال الحَسَنُ : هُمَّ المنافِقُونَ من إِظهار الشرك ومكابرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم بما لم ينالوا، وقال تعالَى : بَعْدَ إسلامهم ، ولم يقل **«بعد إِيمانهم »** ؛ لأن ذلك لم يتجاوزْ ألسنتهم. 
وقوله سبحانه : وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله  كأَنَّ الكلامَ، وما نقموا إِلا ما حقُّه أنْ يُشْكَرَ، وذُكِرَ رسولُ اللَّه في إِغنائهم منْ حَيْثُ كَثُرَتْ أموالهم من الغنائِمِ، ورسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبَبٌ في ذلك، وعلى هذا الحَدِّ قال عليه السلام للأنصارِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ :( كُنْتُمْ عَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ )، قال العراقيُّ : نَقَمُوا  : أي : أنْكَرُوا. 
وقال ( ص ) : إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله  : إِنْ وصلْتَها : مفعولُ نَقَمُوا  : أي : ما كرهوا إِلا إِغْنَاء اللَّه إِياهم، وقيل : هو مفعولٌ من أجله، والمفعولُ به محذوفٌ، أي : ما كرهوا الإِيمانَ إِلاَّ للإغناء. انتهى. 
ثم فتح لهم سبحانَهُ بابَ التَّوْبةِ ؛ رفقاً بهم ولطفاً، فروي أن الجُلاَسَ تَابَ من النفاقِ، وقال : إِن اللَّه قَدْ تَرَكَ لي بَابَ التَّوْبَة، فاعترف وأخْلَصَ، وحَسُنت توبته.

### الآية 9:75

> ﻿۞ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [9:75]

وقوله سبحانه : وَمِنْهُم مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ  \[ التوبة : ٧٥ \]. 
هذه الآية نزلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطب الأنصاريِّ، قال الحسن : وفي مُعَتِّبِ بنِ قُشَيرٍ معه، واختصار ما ذكره الطبريُّ وغيره مِنْ أمره : أنه جاء إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال : يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادع اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مَالاً، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ ذَا مَالٍ، لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ، وَفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرَادَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ :( قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لاَ تُطِيقُهُ ) فَعَاوَدَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَوْ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُسَيِّرَ الجِبَالَ مَعِي ذَهَباً، لَسَارَتْ )، فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فاتخذ غَنَماً، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ ؛ حتى ضاقَتْ به المدينةُ، فتنحَّى عنها، وكَثُرت غنمه، حتَّى كان لا يُصَلِّي إِلا الجُمُعَةَ، ثم كَثُرَتْ حتى تَنَحَّى بعيداً، فترك الصَّلاَة، وَنَجَمَ نِفَاقه، وَنَزَلَ خلال ذلك فَرْضُ الزكاةِ، فبعَث النبيُّ صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقِينَ بكتابه في أخْذ زكاة الغَنَمِ، فلما بلغوا ثَعْلَبَةَ، وقرأ الكِتَابَ، قالَ : هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثم قال لهم : دَعُونِي حَتى أَرَى رَأْيي، فلما أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأَخْبَروه، قال :( وَيْح ثَعْلَبَة ) ثَلاَثاً، ونزلَتْ الآية فيه، فحضر القصَّةَ قريبٌ لثعلبة، فخرج إِليه، فقال : أَدْرِكْ أَمرك، فقد نَزَلَ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَرَغِبَ أَنْ يؤدِّي زكاتَهُ، فأعرض عنه رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقال :( إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَلاَّ آخُذَ زَكَاتَكَ )، فبقي كذلك حَتَّى تُوُفِّي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم وَرَدَ ثَعلبةُ على أبي بَكْر، ثم على عمر، ثم على عثمان، يرغَبُ إِلى كلِّ واحد منهم أنْ يأخذ منه الزكاةَ، فكلُّهم رَدَّ ذلك وأباه ؛ اقتداء بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فبقي ثعلبةُ كذلك حتى هَلَكَ في مدَّة عثمان.

### الآية 9:76

> ﻿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [9:76]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٥:وقوله سبحانه : وَمِنْهُم مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ  \[ التوبة : ٧٥ \]. 
هذه الآية نزلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطب الأنصاريِّ، قال الحسن : وفي مُعَتِّبِ بنِ قُشَيرٍ معه، واختصار ما ذكره الطبريُّ وغيره مِنْ أمره : أنه جاء إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال : يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادع اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مَالاً، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ ذَا مَالٍ، لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ، وَفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرَادَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ :( قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لاَ تُطِيقُهُ ) فَعَاوَدَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَوْ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُسَيِّرَ الجِبَالَ مَعِي ذَهَباً، لَسَارَتْ )، فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فاتخذ غَنَماً، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ ؛ حتى ضاقَتْ به المدينةُ، فتنحَّى عنها، وكَثُرت غنمه، حتَّى كان لا يُصَلِّي إِلا الجُمُعَةَ، ثم كَثُرَتْ حتى تَنَحَّى بعيداً، فترك الصَّلاَة، وَنَجَمَ نِفَاقه، وَنَزَلَ خلال ذلك فَرْضُ الزكاةِ، فبعَث النبيُّ صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقِينَ بكتابه في أخْذ زكاة الغَنَمِ، فلما بلغوا ثَعْلَبَةَ، وقرأ الكِتَابَ، قالَ : هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثم قال لهم : دَعُونِي حَتى أَرَى رَأْيي، فلما أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأَخْبَروه، قال :( وَيْح ثَعْلَبَة ) ثَلاَثاً، ونزلَتْ الآية فيه، فحضر القصَّةَ قريبٌ لثعلبة، فخرج إِليه، فقال : أَدْرِكْ أَمرك، فقد نَزَلَ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَرَغِبَ أَنْ يؤدِّي زكاتَهُ، فأعرض عنه رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقال :( إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَلاَّ آخُذَ زَكَاتَكَ )، فبقي كذلك حَتَّى تُوُفِّي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم وَرَدَ ثَعلبةُ على أبي بَكْر، ثم على عمر، ثم على عثمان، يرغَبُ إِلى كلِّ واحد منهم أنْ يأخذ منه الزكاةَ، فكلُّهم رَدَّ ذلك وأباه ؛ اقتداء بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فبقي ثعلبةُ كذلك حتى هَلَكَ في مدَّة عثمان. ---

### الآية 9:77

> ﻿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [9:77]

وفي قوله تعالى : فَأَعْقَبَهُمْ  \[ التوبة : ٧٧ \]. 
نصٌّ في العقوبة على الذَّنْب بما هو أشدُّ منه. 
وقوله : إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ  : يقتضي موافاتَهُمْ على النِّفَاق، قال ابنُ العربيِّ : في ضمير  يَلْقَوْنَهُ  قولان :
أحدهما : أنه عائدٌ على اللَّه تعالى. 
والثاني : أنه عائدٌ على النفاقِ مجازاً ؛ على تقدير الجَزَاءِ ؛ كأنه قال : فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إِلى يَوْمِ يلقون جَزَاءَهُ. انتهى من **«الأحكام »**.

### الآية 9:78

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [9:78]

ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَبَبٌ في ذلك، وعلى هذا الحَدِّ قال عليه السلام للأنصارِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: **«كُنْتُمْ عَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ»**، قال العراقيُّ: نَقَمُوا: أي: أنْكَرُوا.
 وقال ص: إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ: إِنْ وصلْتَها: مفعولُ نَقَمُوا: أي: ما كرهوا إِلا إِغْنَاء اللَّه إِياهم، وقيل: هو مفعولٌ من أجله، والمفعولُ به محذوفٌ، أي: ما كرهوا الإِيمانَ إِلاَّ للإِغناء. انتهى.
 ثم فتح لهم سبحانَهُ بابَ التَّوْبةِ رفقاً بهم ولطفاً، فروي أن الجُلاَسَ تَابَ من النفاقِ، وقال: إِن اللَّه قَدْ تَرَكَ لي بَابَ التَّوْبَة، فاعترف وأخلص، وحسنت توبته **«١»**.
 \[سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٥ الى ٧٩\]
 وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)
 وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ... الآية: هذه الآية نزلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطب الأنصاريِّ **«٢»**، قال الحسن: وفي معتّب بن قشير معه،

 (١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٢٤) برقم: (١٦٩٩٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٦١)، والبغوي (٢/ ٣١١).
 (٢) جاءت في **«الإصابة»** ترجمة ثعلبة بن حاطب أو ابن أبي حاطب الأنصاري بعد ترجمة ثعلبة بن حاطب بن عمرو وقال في ثعلبة بن حاطب أو ابن حاطب الأنصاري: ذكره ابن إسحاق فيمن بنى مسجد الضرار، وروى الباوردي وابن السكن وابن شاهين وغيرهم في ترجمة الذي قبله من طريق معان بن رفاعة، عن عليّ بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة- أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: **«قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لاَ تطيقه... »**. فذكر الحديث بطوله في دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم له وكثرة ماله ومنعه الصدقة ونزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ....
 وفيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مات ولم يقبض منه الصدقة، ولا أبو بكر، ولا عمر، وأنه مات في خلافة عثمان.
 قال ابن حجر: وفي كون صاحب هذه القصة- إن صحّ الخبر ولا أظنه يصحّ- وهو البدري المذكور قبله- نظر، وقد تأكدت المغايرة بينهما، يقول ابن الكلبي: إن البدري استشهد بأحد، ويقوي ذلك أيضا أن ابن مردويه روى في تفسيره من طريق عطية عن ابن عبّاس في الآية المذكورة. قال: وذلك أن رجلا يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار أتى مجلسا فأشهدهم فقال: لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ [التوبة: ٧٥] الآية فذكر القصّة بطولها، فقال: إنه ثعلبة بن أبي حاطب، والبدريّ اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب وقد ثبت أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: **«لا يدخل النّار أحد شهد بدرا والحديبيّة»**.
 وحكى عن ربّه أنه قال لأهل بدر: **«اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»** فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقا في قلبه، وينزل فيه ما نزل؟ فالظاهر أنه غيره، والله أعلم.

واختصار ما ذكره الطبريُّ **«١»** وغيره مِنْ أمره: أنه جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادع اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مَالاً، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ ذَا مَالٍ، لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ، وَفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرَادَهُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَالَ: **«قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تطيقه»** فعاود، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: **«أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَوْ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُسَيِّرَ الجِبَالَ مَعِي ذَهَباً، لَسَارَتْ»** فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى دَعَا لَهُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِذَلِكَ، فاتخذ غَنَماً، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ حتى ضاقَتْ به المدينةُ، فتنحَّى عنها، وكَثُرت غنمه، حتَّى كان لا يُصَلِّي إِلا الجُمُعَةَ، ثم كَثُرَتْ حتى تَنَحَّى بعيداً، فترك الصَّلاَة، وَنَجَمَ نِفَاقه، وَنَزَلَ خلال ذلك فَرْضُ الزكاةِ، فبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مُصَدِّقِينَ بكتابه في أخْذ زكاة الغَنَمِ، فلما بلغوا ثَعْلَبَةَ، وقرأ الكِتَابَ، قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثم قال لهم: دَعُونِي حَى أَرَى رأيي، فلما أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأَخْبَروه، قال:
 **«وَيْح ثَعْلَبَة»** ثَلاَثاً، ونزلَتْ الآية فيه، فحضر القصَّةَ قريبٌ لثعلبة، فخرج إِليه، فقال: أَدْرِكْ أَمرك، فقد نَزَلَ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم، فَرَغِبَ أَنْ يؤدِّي زكاتَهُ، فأعرض عنه رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: **«إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَلاَّ آخُذَ زَكَاتَكَ»**، فبقي كذلك حتّى توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم وَرَدَ ثَعلبةُ على أبي بَكْر، ثم على عمر، ثم على عثمان، يرغَبُ إِلى كلِّ واحد منهم أنْ يأخذ منه الزكاةَ، فكلّهم ردّ ذلك وأباه اقتداء بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبقي ثعلبةُ كذلك حتى هَلَكَ في مدَّة عثمان **«٢»**.
 وفي قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ: نصٌّ في العقوبة على الذَّنْب بما هو أشدُّ منه.
 وقوله: إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ: يقتضي موافاتَهُمْ على النّفاق، قال ابن العربيّ: في ضمير

 ينظر في: **«أسد الغابة»** (٥/ ٤٨)، **«الإصابة»** (٦/ ٣٣)، **«تهذيب مستمر الأوهام»** (ب ١٤٤)، **«الاستيعاب»** (٣/ ١٣٥٨)، **«الجرح والتعديل»** (٨/ ٢١٥)، **«تجريد أسماء الصحابة»** (٢/ ٦٨)، **«الطبقات الكبرى»** (٥/ ٥٣٠)، (٦/ ٢٩)، **«الأنساب»** (٣/ ١٠٨).
 (١) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٦/ ٤٢٥). [.....]
 (٢) أخرجه الطبري في **«تفسيره»** (٦/ ٤٢٥- ٤٢٦) رقم (١٧٠٠٢) والواحدي في **«الوسيط»** (٢/ ٥١٣) بتحقيقنا، وفي **«أسباب النزول»** ص: (١٩١- ١٩٢) من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي به.
 وذكره الهيثمي في **«المجمع»** (٧/ ٣٤)، وعزاه للطبراني. وقال: وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف وقال العراقي في **«تخريج الإحياء»** (٣/ ١٣٥) سنده ضعيف، والحديث ضعفه الحافظ في **«تخريج الكشاف»** (٧٧) وقال: إسناده ضعيف جدا.
 والحديث ذكره السيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٤٦٧)، وعزاه إلى الحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والعسكري في **«الأمثال»**، والطبراني وابن منده والباوردي وأبو نعيم في **«معرفة الصحابة»** وابن مردويه، والبيهقي في **«الدلائل»** وابن عساكر.

**يَلْقَوْنَهُ قولان:**
 أحدهما: أنه عائدٌ على اللَّه/ تعالى.
 والثاني: أنه عائدٌ على النفاقِ مجازاً على تقدير الجَزَاءِ كأنه قال: فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إِلى يَوْمِ يلقون جَزَاءَهُ. انتهى من **«الأحكام»**.
 ويَلْمِزُونَ: معناه: ينالون بألسنتهم، وأكثر الروايات في سَبَبِ نزول الآية أَنَّ عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ تصدَّق بأربعة آلاف، وأمْسَكَ مثلها.
 وقيل: هو عمر بنُ الخطَّاب تصدَّق بِنِصْفِ مالِهِ، وقيل: عاصمُ بْنُ عَدِيٍّ **«١»** تصدَّق بمائَةِ وَسْقٍ **«٢»**، فقال المنافقون: ما هذا إِلا رياء، فنزلَتِ الآية في هذا كلِّه، وأما المتصدِّق بقليل، فهو أبو عقيل تصدَّق بصاعٍ من تمرٍ، فقال بعضهم: إِن اللَّه غنيٌّ عن صاعِ أبي عقيل، وخرَّجه البخاريُّ **«٣»**، وقيل: إِن الذي لُمِزَ في القليلِ هو أبو خَيْثَمَةَ قاله كعب بن مالك **«٤»**.
 فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ: معناه: يستهزئون ويستخفُّونْ وروى مسلم عن جرير بن
 (١) هو: عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام بن جعل بن عمرو بن ودم بن ذبيان، أبو عبد الله، قال ابن الأثير:
 شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقيل: لم يشهد بدرا بنفسه لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رده من الروحاء واستخلفه على العالية من المدينة، قاله محمد بن إسحاق وابن شهاب وضرب له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسهمه وأجره. توفي سنة ٤٥ وله ١١٥ سنة.
 ينظر ترجمته في: **«أسد الغابة»** (٣/ ١١٤)، **«الإصابة»** (٤/ ٥)، **«الثقات»** (٣/ ٢٨٦)، **«تجريد أسماء الصحابة»** (١/ ٢٨٢)، **«الاستيعاب»** (٢/ ٧٨١)، **«الاستبصار»** (٢٩٨)، **«بقي بن مخلد»** (٢٥٦)، **«الجرح والتعديل»** (٦/ ٣٤٥)، **«أصحاب بدر»** (١٥٨)، **«تهذيب التهذيب»** (٥/ ٤٩)، **«تهذيب الكمال»** (٢/ ٦٣٦)، **«الأعلام»** (٣/ ٢٤٨)، **«التحفة اللطيفة»** (٢/ ٢٧٠)، **«شذرات الذهب»** (١/ ٥٤).
 (٢) الوسق: ستون صاعا وهو ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثلاثون رطلا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد.
 ينظر: **«لسان العرب»** (٤٨٣٦).
 (٣) ورد هذا في حديث أخرجه البخاري (٨/ ١٨١) كتاب **«التفسير»** باب: **«الذين يلمزون المطوعين في الصدقات»** برقم: (٤٦٦٨- ٤٦٦٩) عن ابن مسعود رضي الله عنه، وعن ابن عباس أخرجه الطبري (٦/ ٤٣٠) برقم: (١٧٠١٨) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٦٣)، وابن كثير في ******«تفسيره»****** (٢/ ٣٧٥)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٣/ ٤٧٠)، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٤) أخرجه الطبري في ******«تفسيره»****** (٦/ ٤٣٢) برقم: (١٧٠٣١)، وذكره ابن عطية في ******«تفسيره»****** (٣/ ٦٣)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٣/ ٤٧٠).

### الآية 9:79

> ﻿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:79]

و يَلْمِزُونَ  \[ التوبة : ٧٩ \] معناه : ينالون بألسنتهم، وأكثر الروايات في سَبَبِ نُزُولِ الآية أَنَّ عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ تصدَّق بأربعة آلاف، وأمْسَكَ مثلها، وقيل : هو عمر بنُ الخطَّاب تصدَّق بِنِصْفِ مالِهِ، وقيل : عاصمُ بْنُ عَدِيٍّ تصدَّق بمائَةِ وَسْقٍ، فقال المنافقون : ما هذا إِلا رياء، فنزلَتِ الآية في هذا كلِّه، وأما المتصدِّق بقليل، فهو أبو عقيل تصدَّق بصاعٍ من تمرٍ، فقال بعضهم : إِن اللَّه غنيٌّ عن صاعِ أبي عقيل، وخرَّجه البخاريُّ، وقيل : إِن الذي لُمِزَ في القليلِ هو أبو خَيْثَمَةَ ؛ قاله كعب بن مالك. 
 فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ  معناه : يستهزئون ويستخفُّونْ وروى مسلمٌ عن جَرِيرِ بنِ عبد اللَّهِ، قال : كُنْتُ عند رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال : فجاءَه قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ متقلِّدي السُّيُوف، عَامَّتِهِم مِنْ مُضَرَ، بلِ كلُّهم مِنْ مُضَرَ، فتمعَّر وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؛ لِمَا رَأَى بهم مِن الفَاقَةِ، فدخل ثُمَّ خرج، فأمر بلالاً، فأَذَّن وأقَام، فصلَّى ثم خَطَبَ، فقال : يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحدة  إِلى آخر الآية : إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً  \[ النساء : ١ \] والآية التي في سورة الحشر : اتقوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ  \[ الحشر : ١٨ \] تَصَدَّقَ رَجُلٌ ؛ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّه، مِنْ صَاعِ تَمْره ؛ حَتَّى قَالَ : وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ : ثُمَّ تتابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رأَيْتُ كُومَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ ؛ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ). انتهى.

### الآية 9:80

> ﻿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:80]

وقوله سبحانه : استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ  \[ التوبة : ٨٠ \]. 
المعنى : أَنَّ اللَّه خَيَّر نبيَّه في هذا، فكأنه قال له : إِن شئْتَ فاستغفر لهم، وإِن شئت لا تستغفر، ثم أعلمه أنَّه لا يغفِرُ لهم، وإِن استغفر سبعين مرَّةً، وهذا هو الصحيحُ في تأويل الآية، لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعمر :( إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَيَّرَنِي فاخترت، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي إِذَا زِدتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ لَزِدْتُ ) الحديث، وظاهرُ لفْظِ الحديثِ رفْضُ إِلزام دليل الخطَاب، وظاهرُ صلاته صلى الله عليه وسلم عَلَى ابن أُبَيٍّ أَنَّ كُفْره لم يكنْ يقيناً عنده، ومحالٌ أَنْ يُصلِّيَ على كافرٍ، ولكنه راعى ظواهره من الإِقرار ووَكَلَ سريرته إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ، وعلَى هذا كان سَتْرُ المنافقين، وإِذا ترتَّب كما قلنا التخييرُ في هذه الآيةِ، صَحَّ أَنَّ ذلك التخييرَ هو الَّذِي نُسِخَ بقوله تعالى في سورة المنافقين : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ  \[ المنافقون : ٦ \]. 
( ت ) والظاهر أن الآيتين بمعنًى، فلا نَسْخ، فتأمَّله، ولولا الإِطالة لأَوْضَحْت ذلك. 
قال ( ع ) : وأما تمثيله بالسبعين دُونَ غيرها من الأعدادِ، فلأَنه عددٌ كثيراً مَّا يجيءُ غايةً ومقنعاً في الكَثْرة. 
وقوله : ذلك  إِشارة إِلى امتناع الغُفْرَانِ.

### الآية 9:81

> ﻿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [9:81]

وقوله عزَّ وجلَّ : فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خلاف رَسُولِ الله  \[ التوبة : ٨١ \]. 
هذه آية تتضمَّن وصف حالِهِمْ، على جهة التوبيخ، وفي ضمنها وعيدٌ، وقوله : المخلفون  : لفظٌ يقتضي تحقيرَهُم، وأنهم الذين أبعدهم اللَّه مِنْ رضاه و**«مقْعَد »** : بمعنى القُعُود، و**«خِلاَف »** معناه :**«بَعْدَ »**، ومنه قولُ الشاعر :\[ الطويل \]

فَقُلْ للَّذِي يَبْغِي خِلاَفَ الَّذِي مَضَى  تَأَهَّبْ لأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَديريد : بعد الذي مَضَى، وقال الطبريُّ : هو مصدرُ : خَالَفَ يُخَالِفُ، وقولهم : لاَ تَنفِرُوا فِي الحر  كان هذا القول منهم ؛ لأن غزوة تبوك كَانَتْ في شدَّة الحَرِّ وطِيب الثمار.

### الآية 9:82

> ﻿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:82]

وقوله سبحانه : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً  \[ التوبة : ٨٢ \]
إِشارة إِلى مدة العُمر في الدنيا. 
وقوله : وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا  ؛ إِشارةٌ إِلى تأبيدِ الخلودِ في النَّارِ، فجاء بلَفْظ الأمر، ومعناه الخبر عن حالهم، وتقديرُ الكلام : لِيَبْكُوا كثيراً ؛ إِذ هم معذَّبون، جزاءً بما كانوا يكسبون، وخرَّج ابن ماجه بسنده، عن يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عن أنَسٍ، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( يُرْسَلُ البُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى تَصِيرَ في وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأُخْدُودِ لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهَا السُّفُنُ لَجَرَتْ )، وخرَّجه ابن المبارك أيضاً عن أنسٍ، قال : سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول :( يأيُّها النَّاسُ، ابكوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعَ، فَتَسِيلُ الدِّمَاءُ، فَتُقَرِّحُ العُيُونَ، فَلَوْ أَنَّ سُفُناً أُجْرِيَتْ فِيهَا، لَجَرَتْ )، انتهى من **«التذكرة »**.

### الآية 9:83

> ﻿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ [9:83]

وقوله سبحانه : فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ  \[ التوبة : ٨٣ \]. 
يشبه أنْ تكون هذه الطائفةُ قد حُتِمَ عليها بالموافاة على النفاق، وعُيِّنُوا للنبي صلى الله عليه وسلم.

### الآية 9:84

> ﻿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [9:84]

وقوله : وَمَاتُوا وَهُمْ فاسقون  \[ التوبة : ٨٤ \]. 
نصٌّ في موافاتهم على ذلك ؛ وممَّا يؤيِّد هذا ما روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عَيَّنهم لحذيفةَ بْنِ اليمانِ، وكان الصحابة إِذا رأَوْا حذَيفةَ تأخَّر عن الصَّلاة على جنازة، تأَخَّرُوا هم عنها، وروِي عَنْ حذيفة ؛ أَنه قَالَ يَوْماً : بَقِيَ من المنافقين كَذَا وَكَذَا. 
وقوله : أَوَّلُ  هو بالإِضافة إِلى وَقْت الاستئذان، و**«الخالفون »** : جَمْعُ مَنْ تخلَّف من نساءٍ، وصبيان، وأهْل عذر، وتظاهرت الرواياتُ أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى على عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بن سَلُول، وأَنَّ قوله : وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم  نزلَتْ بعد ذلك، وقد خرَّج ذلك البخاريُّ من رواية عمر بن الخَطَّاب، انتهى.

### الآية 9:85

> ﻿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:85]

وقوله سبحانه : وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم  \[ التوبة : ٨٥ \]. 
تقدم تفسير مثل هذه الآية، و الطَّوْلُ  \[ التوبة : ٨٦ \] في هذه الآية المالُ، قاله ابن عباس وغيره، والإِشارة بهذه الآيةِ إِلى الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ونظرائِهِ،

### الآية 9:86

> ﻿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:86]

و**«القاعدون »** : الزَّمْنَى وأهْلُ العُذْر في الجُمْلَة،

### الآية 9:87

> ﻿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [9:87]

و الخوالف  \[ التوبة : ٨٧ \] النساءُ جَمْعُ خالفةٍ ؛ هذا قول جمهور المفسِّرين. 
وقال أبو جعفر النَّحَّاس : يقال للرجُلِ الذي لا خَيْرَ فيه : خَالِفَةٌ، فهذا جمعه بحَسَبِ اللفظ، والمراد أخسَّةُ الناسِ وأخلافهم ؛ ونحوه عن النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وقالت فرقة : الخوالفُ  : جمعُ خَالِفٍ ؛ كفَارِسٍ وَفَوَارِس، 
 وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ  أي : لا يفهمون،

### الآية 9:88

> ﻿لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [9:88]

و الخَيْرَاتُ  \[ التوبة : ٨٨ \] جمع خَيْرَة، وهو المستحْسَنُ من كلِّ شيء.

### الآية 9:89

> ﻿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:89]

وقوله سبحانه : أَعَدَّ الله لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ذلك الفوز العظيم  \[ التوبة : ٨٩ \]. 
 أَعَدَّ  : معناه يَسَّر وَهَيَّأ، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 9:90

> ﻿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:90]

وقوله سبحانه : وَجَاءَ المعذرون مِنَ الأعراب  \[ التوبة : ٩٠ \]. 
قال ابن عبَّاس وغيره : هؤلاء كانوا مؤمنين، وكانَتْ أَعذارُهُم صادقة، وأصل اللفظة :**«المُعْتَذِرُونَ »**، فقلبت التاءُ ذالاً وأدغمتْ، وقال قتادة، وفرقةٌ معه : بل الذين جاؤوا كفرةٌ، وقولُهُمْ وعُذْرهم كَذِبٌ. 
قال ( ص ) : والمعنى : تكلَّفوا العُذْر، ولا عذر لهم، و كَذَبُوا الله وَرَسُولَهُ ، أي : في إيمانهم. انتهى. 
وقوله : سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ  الآية قوله : مِنْهُمْ  يؤيِّد أن المعذِّرين كانوا مؤمنين، فتأمَّله، قال ابنُ إِسحاق : المعذِّرون : نَفَرٌ من بني غِفَار ؛ وهذا يقتضي أنهم مؤمنون.

### الآية 9:91

> ﻿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:91]

وقوله جلَّت عظمته : لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى  \[ التوبة : ٩١ \]. 
يقولُ : ليس على أهل الأعذار مِنْ ضَعْف بدنٍ أو مرضٍ أو عدمِ نفقةٍ إِثمٌ ؛ والحَرَجُ : الإِثم. 
وقوله : إِذَا نَصَحُوا  : يريد : بنيَّاتهم وأقوالهم سرًّا وجهراً،  مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ  \[ التوبة : ٩١ \] أي : من لائمةٍ تناطُ بِهِمْ، ثم أكَّد الرجاءَ بقوله سبحانه : والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، وقرأ ابنُ عبَّاس :( وَاللَّهُ لأَهْلِ الإِسَاءَة غَفُورٌ رَحِيم )، وهذا على جهة التفسيرِ أشبهُ منه على جهةِ التلاوةِ ؛ لخلافه المُصْحَفَ،

### الآية 9:92

> ﻿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [9:92]

واختلف فيمَنْ المرادُ بقوله : الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ  فقالتْ فرقة : نَزلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ : ستَّة إِخوة، وليس في الصحابة ستَّة إِخوة غيرهم، وقيل : كانوا سبعةً. 
وقيل : نزلَتْ في عائِذِ بْنِ عمرو المُزَنيِّ ؛ قاله قتادة، وقيل : في عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ المزَنِّي. قاله ابن عباس. 
وقوله عَزَّ وجلَّ : وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ  \[ التوبة : ٩٢ \]. 
هذه الآيةُ نزلَتْ في البَكَّائين، واختلف في تعيينهم، فقيل : في أبي موسَى الأشعريِّ وَرَهْطِهِ، وقيل : في بني مُقَرِّنٍ ؛ وعلى هذا جمهور المفسِّرين، وقيل : نزلَتْ في سبعة نَفَرٍ من بطونٍ شتَّى، فهم البَكَّاؤون، وقال مجاهد : البَكَّاؤون هم بنو مُقَرِّن من مُزَيْنة، ومعنى قوله : لِتَحْمِلَهُمْ  أيْ : عَلَى ظَهْر يُرْكَبُ، ويُحْمَل عليه الأثاثُ. 
( ت ) : وقصة أبي موسَى الأشعريِّ ورَهْطِهِ مذكورةٌ في الصَّحيح، قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** : القول بأن الآية نزلَتْ في أبي موسَى وأصحابه هو الصحيحُ، انتهى.

### الآية 9:93

> ﻿۞ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [9:93]

وقوله سبحانه : إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ  \[ التوبة : ٩٣ \]. 
هذه الآيةُ نزلَتْ في المنافقين المتقدِّم ذكْرُهُمْ : عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَمُعَتِّبٌ، وغيرهم.

### الآية 9:94

> ﻿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:94]

وقوله : إِذَا رَجَعْتُمْ  \[ التوبة : ٩٤ \]. 
يريد : مِنْ غزوةَ تَبُوكَ، ومعنَى  لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ  : لن نصدِّقكم، والإِشارة بقوله : قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ  إِلى قوله : مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خلالكم  \[ التوبة : ٤٧ \]، ونحوه من الآيات. 
وقوله سبحانه : وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ  توعُّد، والمعنى : فيقع الجزاءُ عليه. قال الأستاذ أبو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ : اعمل للدنيا بقَدْر مُقَامِكَ فيها، واعمل للآخرة بقَدْر بقائك فيها، واستحي مِنَ اللَّه تعالى بقَدْرِ قُرْبه منْكَ، وأَطِعْهُ بقَدْر حَاجَتِكَ إِليه، وخَفْهُ بقَدْر قُدْرته عليك، واعصه بِقَدْر صَبْرَكَ على النَّار، انتهى. من **«سراج الملوك »**. 
وقوله : ثُمَّ تُرَدُّونَ  يريد البَعْثَ من القبور.

### الآية 9:95

> ﻿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:95]

وقوله عز وجل : سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ  \[ التوبة : ٩٥ \]. 
قيل : إِن هذه الآية من أول ما نَزَلَ في شأن المنافقين في غزوة تَبُوكَ. 
وقوله : إِنَّهُمْ رِجْسٌ  : أي : نَتَنٌ وقَذَر، وناهِيكَ بهذا الوَصْف مَحَطَّةً دنياويةً، ثم عطف بمحَطَّةِ الآخِرَةِ، فقال : وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ، أي : مسكنهم.

### الآية 9:96

> ﻿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [9:96]

وقوله : فَإِن تَرْضَوْا  إِلى آخر الآية \[ التوبة : ٩٦ \]، شَرْطٌ يتضمَّن النهْيَ عن الرضى عنهم، وحُكْم هذه الآية يستمرُّ في كل مغموص عليه ببدْعَةٍ ونحوها.

### الآية 9:97

> ﻿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:97]

وقوله سبحانه : الأعراب أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا  \[ التوبة : ٩٧ \]. 
هذه الآيةُ نزلَتْ في منافقين كانوا في البوادِي، ولا محالة أنَّ خوفهم هناك كان أقلَّ من خوف منافِقِي المدينة، فألسنتهم لذلك مُطْلَقَةٌ، ونفاقهم أنْجَمُ و أجْدَرُ  معناه أحْرَى. 
وقال ( ص ) : معناه أحقُّ، والحُدُودُ هنا : السُّنَن والأحْكَام.

### الآية 9:98

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:98]

وقوله سبحانه : وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا  \[ التوبة : ٩٨ \]. نصٌّ في المنافقين منهم، و**«الدوائر »** : المصائبُ، ويحتمل أن تشتقَّ من دَوَرَانِ الزمانِ، والمعنَى : ينتظر بكم ما تأتي به الأيام، وتدُورُ به، ثم قال على جهة الدعاء : عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ، وكلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فإِنما هو بمعنى إِيجاب الشيْء ؛ لأن اللَّه لا يَدْعُو على مخلوقاته، وهي في قبضته ؛ ومن هذا  وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ  \[ الهمزة : ١ \]،  وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ  \[ المطففين : ١ \]، فهي كلُّها أحكام تامَّة تضمَّنها خبره تعالى. 
( ت ) : وهذه قاعدةٌ جيِّدة، وما وقع له رحمه اللَّه مما ظاهره مخالفٌ لهذه القاعدة، وجب تأويله بما ذَكَرَه هنا، وقد وقَع له ذلك بعد هذا في قوله : صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ  \[ التوبة : ١٢٧ \]، قال : يحتملُ أنْ يكون دعاءً عليهم، ويحتملُ أنْ يكون خبراً، أي : استوجبوا ذلك، وقد أوضَحَ ذلك عند قوله تعالى : قُتِلَ أصحاب الأخدود  \[ البروج : ٤ \]، فانظره هناك.

### الآية 9:99

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:99]

وقوله سبحانه : وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله  \[ التوبة : ٩٩ \]. 
قال قتادة : هذه ثنية اللَّه تعالى من الأعراب، وروي أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في بني مُقَرِّن ؛ وقاله مجاهد  وَيَتَّخِذُ  ؛ في الآيتين بمعنَى : يَجْعَلُهُ قَصْدَهُ، والمعنى : ينوي بنفقته ما ذَكَره اللَّه عنهم، و صلوات الرسول  : دعاؤه، ففي دعائه خَيْرُ الدنيا والآخرة، والضَّمير في قوله : إِنَّهَا  : يحتملُ عودُهُ على النفَقَةِ، ويحتمل عوده على الصَّلوات، وباقي الآية بَيِّن.

### الآية 9:100

> ﻿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:100]

وقوله سبحانه : والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار  \[ التوبة : ١٠٠ \]. 
قال أبو موسى الأشعريُّ وغيره : السابقون الأولون مَنْ صلى القبلتين، وقال عطاء : هم مَنْ شهد بدراً، 
وقال الشَّعْبيُّ : من أدرك بَيْعَة الرِّضْوان،  والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ  يريد سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظِ : التابِعُونَ وسائرُ الأمة، لكن بشريطة الإِحسان، وقرأ عمر بن الخطَّاب وجماعة : و**«الأَنْصَارُ »** بالرفع ؛ عطفاً على **«والسابقون »**، وقرأ ابن كثير :**«مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ »**، وقرأ الباقون :**«تَحْتَها »**، بإِسقاط **«مِنْ »**.

### الآية 9:101

> ﻿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ [9:101]

وقوله سبحانه : وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأعراب منافقون وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُوا عَلَى النفاق  الإِشارة ب**«مَنْ حولكم »** إِلى جُهَيْنة، ومُزَيْنة، وأَسْلَم، وغِفَار، وعُصَيَّة، ولِحيان، وغيرهم مِنَ القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر اللَّه سبحانه عن منافقيهم، وتقدير الآية : ومن أهْل المدينة قومٌ أو منافقُون، هذا أحسنُ ما حُمِلَ اللفظ، و مَرَدُوا  : قال أبو عُبَيْدة معناه : مَرَنُوا عَلَيْه، ولَجُّوا فيه، وقيل غير هذا ممَّا هو قريبٌ منه. 
وقال ابن زَيْد : قاموا عليه، لَمْ يَتُوبوا ؛ كما تاب الآخَرُون، والظاهر مِنَ اللفظة أنَّ التمرُّد في الشيء أو المُرُود عليه إِنما هو اللَّجَاج والاشتهار به، والعتوُّ على الزاجر، ورُكُوبُ الرأسِ في ذلك، وهو مستعملٌ في الشر لا في الخَيْر ؛ ومنه : شَيْطَانٌ مَرِيدٌ وَمَارِدٌ، وقال ابن العربيِّ في **«أحكامه »** : المدينة مَرَدُوا عَلَى النفاق  أي : استمروا عليه، وتحقَّقوا به، انتهى. ذكَره بعد قوله تعالى : الذين اتخذوا مَسْجِدًا ضِرَارًا  \[ التوبة : ١٠٧ \]. 
ثم نفى عزَّ وجلَّ عِلْمَ نبيِّه لهم على التعْيين. 
وقوله سبحانه : سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ . لفظ الآية يقتضي ثَلاَثَ مواطِنَ مِنَ العَذَابِ، ولا خلافَ بين المتأوِّلين أن العذاب العظيم الذي يُرَدُّون إِليه هو عذابُ الآخرةِ، وأكثرُ النَّاس أن العذاب المتوسِّط هو عذاب القبْر، واختُلِفَ في عذاب المَرَّة الأولَى : فقال ابنُ عبَّاس : عذابهم بإِقامة حدود الشَّرْع عليهم، مع كراهيتهم فيه. 
وقال ابن إسحاق : عذابُهم : هو هَمُّهم بظهورِ الإِسْلاَمِ، وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ. وقال ابْنُ عباسٍ أيضاً وهو الأشهر عنه : عذابُهم هو فَضِيحَتُهُمْ وَوَصْمُهُمْ بالنِّفَاقِ. وقيل غيْرُ هَذَا. 
**وقَوْلُهُ عزَّ وجلَّ :**

### الآية 9:102

> ﻿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:102]

وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ  \[ التوبة : ١٠٢ \]. 
قال ابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو عُثْمَانَ : هَذِهِ الآيَةُ في الأَعْرَابِ، وهي عامَّة في الأُمة إلى يَوْمِ القِيَامَةِ. قال أبو عثمان : ما في القرآن آيةٌ أرجى عندي لهذه الأمة منْها. وقال مجاهد : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبي لُبَابَةَ الأنصاريِّ خاصَّةً في شأنه مع بني قُرَيْظَةَ لَمَّا أَشَارَ لَهُمْ إلى حَلْقِهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَرَبَطَ نفسه في ساريَةٍ من سَوَارِي المَسْجِد، وقالتْ فرقة عظيمةٌ : بل نزلَتْ هذه الآيةُ في شَأن المخلَّفين عن غزوة تَبُوك. 
( ت ) : وخَرَّجَ **«البخاريُّ »** بسنده عن سَمُرة بن جنْدُبْ قالَ : قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( أَتَاني اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فابتعثاني فانتهينا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ. وَشَطْرٌ كَأَقْبَح مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالاَ لَهُمْ : اذهبوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُم رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أَحْسَن صُورَةٍ، قَالاَ لِي : هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالاَ : أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ ) انتهى.

### الآية 9:103

> ﻿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:103]

وقوله تعالى : خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً  \[ التوبة : ١٠٣ \]. 
رُوي أن الجماعة التائبة لَمَّا تِيبَ عليهَا، قالوا : يا رسُولَ اللَّه ؛ إِنَّا نُرِيدُ أن نتصدَّق بأموالنا زيادةً في تَوْبَتِنا، فقال لهم صلى الله عليه وسلم :( إِنِّي لاَ أَعْرِضُ لأَمْوَالِكُمْ إِلاَّ بَأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ )، فَتَرَكَهُمْ حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية، فَهُمُ المرادُ بها، فَرُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالِهِمْ، مراعاةً لقوله تعالى : مِنْ أموالهم ، فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء : المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا  أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
وقوله سبحانه : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ  معناه ادع لهم، فإِن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد،

### الآية 9:104

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:104]

والضميرُ في قولِهِ : أَلَمْ يَعْلَمُوا  \[ التوبة : ١٠٤ \] قال ابنُ زَيْدٍ : يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله : وَيَأْخُذُ الصدقات ، قال الزَّجَّاج : معناه : ويقبل الصدقات، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية ؛ منها حديثُ أبي هريرة :( أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ )، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد. 
وقوله : عَنْ عِبَادِهِ  هي بمعنى **«مِنْ »**.

### الآية 9:105

> ﻿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:105]

وقوله سبحانه : وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة  \[ التوبة : ١٠٥ \]. 
هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ، وقال الطبري : المراد بها الذين اعتذروا من المتخلِّفين وتابوا. 
قال ( ع ) : والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير  أَلَمْ يَعْلَمُوا ، ومعنى : فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ، أي : موجوداً معرَّضاً للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ. 
وقال ابنُ العرَبِيِّ في **«أحكامه »** : قوله سبحانه : وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ  هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها : الأمر، أي : اعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى : قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ  \[ التوبة : ٩٤ \] ؛ فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها : التهديد ؛ وذلك لأن النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم. انتهى.

### الآية 9:106

> ﻿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:106]

وقوله سبحانه : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله  \[ التوبة : ١٠٦ \]. 
عَطْفٌ على قوله أولاً : وَآخَرُونَ اعترفوا  \[ التوبة : ١٠٢ \] ومعنى الإِرجاء : التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه ؛ على ما سيأتي إن شاء اللَّه. وقيل : إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا : يكون  والذين اتخذوا  \[ التوبة : ١٠٧ \] بإسقاط واو العطف بدلاً من  آخَرُونَ ، أو خبر مبتدأ، تقديره : هم الذين، وقرأ عاصم وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قُطْرٍ إلاَّ ب **«المدينة »**  والذين اتخذوا ، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ اتخذوا - بإسقاط الواو ؛ على أنه مبتدأ، والخبر : لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ،

### الآية 9:107

> ﻿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:107]

وأما الجماعة المرادة ب الذين اتخذوا مَسْجِدًا ، فهم منافقو بني غَنْم بن عَوْف، وبني سَالمِ بنِ عَوْف، وأسند الطبريُّ، عن ابن إِسحاق، عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال : أَقْبَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ - بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار وكان أصحابُ مسجِدِ الضِّرَارِ، قد أَتَوهُ صلى الله عليه وسلم وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا : يا رسُولَ اللَّهِ ؛ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِداً ؛ لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال :( إِنِّي على جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ )، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ :( انطلقا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه، وَحَرِّقَاه ) فانطلقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلى الله عليه وسلم مَسْجداً في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ ****«قُبَاءٍ »**** وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غَنْم بْنِ عَوْفٍ، وبني سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ ****«قُبَاءٍ »**** مربطاً لحمارِ امرأة من الأنصار، اسمها : لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ : واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّداً من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهراً بذلك، فسمَّاه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فَحَزَّبَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر ب****«مكة »**** مظهراً لعداوته، فلما فتح اللَّه ****«مكة »****، هَرَبَ إِلى **«الطائف »**، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هارباً إِلى الشام، يريد قَيْصَرَ مستنصراً به عَلى رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ابنوا مسجداً، مقاومةً لمسجد **«قُبَاء »**، وتحقيراً له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّداً، وأصحابه من **«المدينة »**، فبَنُوهُ وقالوا : سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله : وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ  يعني : أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ : سيأتي أبو عامر، وقوله : ضِرَارًا  أي : داعيةً للتضارُرِ من جماعتين. 
وقوله : وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين  \[ التوبة : ١٠٧ \]. 
يريدُ : تفريقاً بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد **«قباء »**، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل : أراد بقوله : بَيْنَ المؤمنين  جماعةَ مسجدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وروي : أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، اتخذ مزبَلَةً ترمى فيه الأقذار والقِمَامَات،

### الآية 9:108

> ﻿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [9:108]

وروي : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما نزلَتْ : وَالّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارَا  كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها. 
وقوله : لَّمَسْجِدٌ 
قيل : إن اللام لام قسمٍ، وقيل : هي لام ابتداء، كما تقول : لَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلاً وهي مقتضية تأكيداً، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد ب**«مسجد أسس على التقوى »** : مسجد **«قباء »** وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزَيْد بنِ ثابت ؛ أنه مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثانيَ مرويٌّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي في **«أحكامه »** : وقد رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ ؛ أن المراد ب **«مسجد أُسس على التقوى »** : مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حيث قال اللَّه تباركَ وتعالَى :
 وَتَرَكُوكَ قَائِماً  \[ الجمعة : ١١ \] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال : تمارى رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ : هُوَ مَسْجِدُ ****«قُبَاء »****، وَقَالَ الآخَرُ : هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :**«هُوَ مَسْجِدِي هَذَا »**. قَالَ أبو عيسى : هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم انتهى. 
ومعنى : أَن تَقُومَ فِيهِ  : أي : بصلاتك وعبادتك. 
وقوله : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا  اختلف في الضمير أيضاً، هل يعودُ على مسجدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو على مسجد **«قُبَاءَ »** ؟ روي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ ؟ ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ الاستنجاء، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ ). والبنيانُ الذي أُسِّس على  شفا جُرُفٍ  \[ التوبة : ١٠٩ \] هو مسجدُ الضِّرار ؛ بإِجماع، و**«الشَّفَا »** : الحاشية والشَّفيرُ، و هَارٍ  معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من : هَارَ يَهُورُ ؛ البخاريُّ : هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وانهارت مثله، انتهى. 
وتأسيسُ البناء علَى تقوى ؛ إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه ؛ كما صنع في مَسْجِدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي مسجدِ ****«قُبَاء »****، والتأسيسُ  على شفا جُرُفٍ هَارٍ  إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ.

### الآية 9:109

> ﻿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:109]

وقوله سبحانه : فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ  الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل : بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه انهار في نَارِ جَهَنَّم ؛ قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره ؛ أنه قال : رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه علَى عهد رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ ؛ أنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم رَآهُ حين انهار بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك صلى الله عليه وسلم، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ : رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكاناً يخرجُ منه الدُّخَان وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ابن جُرَيْج : أسنده الطبري. 
قال ابن العربيِّ في **«أحكامه »** وفي قوله تعالَى : فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، مع قوله : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ  \[ القارعة : ٩ \] إِشَارَةٌ إِلَى أَن النار تَحْتُ ؛ كما أن الجَنَّةَ فَوْقُ. انتهى.

### الآية 9:110

> ﻿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:110]

والرِّيبة : الشَّكُّ، وقد يسمى ريبةً فسادُ المعتقدِ، ومعنى الرِّيبةِ، في هذه الآية : أمرٌ يعمُّ الغيظَ والحَنَقَ، ويعمُّ اعتقاد صَوَابِ فعْلهم ونحو هذا ممَّا يُؤدِّي كلُّه إِلى الارتياب في الإِسلامِ، فمقصدُ الكلام : لا يَزَالُ هذا البنيانُ الذي هُدِّم لهم، يُبْقِي في قلوبهم حَزَازَةً وأَثَرَ سُوءٍ، وبالشكِّ فسَّر ابن عباس الريبةَ هنا. 
وبالجملة إِن الريبة هنا تعمُّ معانيَ كثيرةً يأخذ كلُّ منافق منها بحَسَب قَدْره من النِّفاق. 
وقوله : أَلا أَنْ تُقطَّع قلوبهم  \[ التوبة : ١١٠ \]. 
بضم التاء يعني : بالموت، قاله ابن عباس وغيره وفي مُصْحَف أُبَيٍّ :**«حَتَّى المَمَاتِ »**، وفيه :**«حَتَّى تُقَطَّع »**.

### الآية 9:111

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:111]

وقوله عزَّ وجلَ : إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة  \[ التوبة : ١١١ \] هذه الآيةُ نزلَتْ في البَيْعة الثالثة، وهي بيعةُ العَقَبة الكُبْرَى، وهي التي أَنَافَ فيها رجالُ الأنصار على السبعين ؛ وذلك أنهم اجتمعوا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فقالوا : اشترط لك، وَلَرَبِّكَ، والمتكلِّمُ بذلك عبدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَة فاشترط نبيُّ اللَّه حمايته ممَّا يحمُونَ منه أنفسهم، واشترط لربِّهِ التزام الشريعةِ، وقِتَالَ الأَحمَرِ والأَسْوَدِ في الدَّفْع عن الحَوْزَة، فقالوا : مَا لَنَا عَلَى ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : الجَنَّةُ، فَقَالُوا : نَعَمْ، رَبحَ البَيْعُ، لاَ تَقِيلُ وَلاَ تُقَالُ، وفي بعض الرواياتِ :**«وَلاَ نَسْتَقِيلُ »** فنزلَتِ الآية في ذلك. 
وهكذا نقله ابن العربيِّ في **«أحكامه »**، عن عبد اللَّه بن رَوَاحَة، ثم ذكر من طريق الشعبيِّ، عن أبي أمامة أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ نحو كلام ابنِ رَوَاحَةَ. 
قال ابن العربيِّ : وهذا وإن كان سنده مقطوعاً، فإن معناه ثابتٌ مِنْ طرق. انتهى. 
ثم الآية بَعْدَ ذلك عامَّة في كلِّ من جَاهَدَ في سبيلِ اللَّهِ مِنْ أمة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، قال بعضُ العلماء : مَا مِنْ مُسْلِم إلا وللَّه في عُنُقِهِ هذه البَيْعَةُ، وفى بِهَا أو لم يَفِ، وفي الحديث :( أنَّ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرًّا حَتَّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ، فَإِذَا فَعَلَ، فَلاَ بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ )، وأسند الطبريُّ عن كثير من أهْلِ العِلْم ؛ أنهم قالوا : ثَامَنَ اللَّه تَعَالَى في هذه الآية عِبَادَهُ، فَأَغْلَى لهم ؛ وقاله ابن عباس وغيره، وهذا تأويلُ الجمهور. 
وقال ابن عُيَيْنَة : معنى الآية : اشترى منهم أنفسهم ألاَّ يُعْمِلُوهَا إلا في طاعته، وأموالَهُمْ أَلاَّ يُنْفِقُوها إِلاَّ في سبيله، فالآية علَى هذا : أعمُّ من القَتْلِ في سبيل اللَّه. 
وقوله : يقاتلون فِي سَبِيلِ الله  على تأويل ابْنِ عُيَيْنة : مقطوعٌ، ومستأنفٌ، وأما على تأويل الجمهور مِنْ أَنَّ الشراء والبَيْع إِنما هو مع المجاهدين، فهو في موضع الحال. 
وقوله سبحانه : وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التوراة والإنجيل والقرآن  : قال المفسِّرون : يظهر من قوله : فِي التوراة والإنجيل والقرآن  أن كلَّ أُمَّة أُمِرَتْ بالجهاد، ووُعِدَتْ عليه. 
قال ( ع ) : ويحتملُ أَنَّ ميعاد أُمَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تقدَّم ذكره في هذهِ الكُتُب، واللَّه أعلم. 
قال ( ص ) : وقوله : فاستبشروا  ليس للطلب، بل بمعنى : أَبْشِرُوا ؛ كاستوقد، قال أبو عُمَرَ بْنُ عبد البِرِّ في كتابه المسمَّى ب**«بهجة المَجَالِسِ »** وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ :( مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَاباً، فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ مَا وَعَدَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَاباً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ). 
وعن ابن عباس مثله، انتهى. وباقي الآية بَيِّن. 
قال الفَخْر : واعلم أَنَّ هذه الآية مشتملةٌ على أنواع من التأكيدات :
فأولها : قوله سبحانه : إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم ، فكون المشتَرِي هو اللَّه المقدَّس عن الكَذِبِ والحِيلَة مِنْ أَدَلِّ الدلائل على تأكيد هذا العَهْد. 
والثاني : أنه عبر عن إِيصال هذا الثواب بالبَيْعِ والشراءِ، وذلك حَقٌّ مُؤَكَد. 
وثالثها : قوله : وَعْداً ، ووعد اللَّه حقٌّ. 
ورابعها : قوله : عَلَيْهِ ، وكلمةُ عَلى للوجوب. 
وخامسها : قوله : حَقّاً ، وهو تأكيد للتحقيق. 
وسادسها : قوله : فِي التوراة والإنجيل والقرآن ، وذلك يجري مَجْرَى إِشهاد جميع الكُتُب الإِلهية، وجمِيعِ الأَنبياء والمُرْسلين عَلى هذه المبايعة. 
وسابعها : قوله : وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله ، وهو غايةُ التأكيد. 
وثامنها : قوله : فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ ، وهو أيضاً مبالغةٌ في التأكيد. 
وتاسعها : قوله : وذلك هُوَ الفوز . 
وعاشرها : قوله : العظيم  فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوهِ العَشَرةِ في التأكيدِ والتقريرِ والتحقيق. انتهى.

### الآية 9:112

> ﻿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [9:112]

وقوله عزَّ وجلَّ : التائبون العابدون ، إلى قوله : وَبَشِّرِ المؤمنين  \[ التوبة : ١١٢ \]. 
هذه الأوصافُ هي مِنْ صفات المؤمنين الذين ذكر اللَّه أنَّه اشترى منهم أنفُسَهُمْ وأموالهم، ومعنى الآية، على ما تقتضيه أقوالُ العلماء والشَّرْعُ : أنها أوصافُ الكَمَلَةِ من المؤمنين، ذكرها سبحانه، لِيَسْتَبِقَ إِليها أهْلُ التوحيد ؛ حتى يكُونوا في أعْلَى رتبةٍ، والآية الأولى مستقلَّة بنفسها، يقع تَحْتَ تلك المبايعة كلُّ موحِّد قاتَلَ في سبيل اللَّهِ، لتكونَ كلمة اللَّه هي العليا، وإِنْ لم يتَّصفْ بهذه الصفات التي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها، وقالَتْ فرقةٌ : بل هذه الصفاتُ جاءت علَى جهة الشَّرْط، والآيتان مرتبطتان، فلا يَدْخُلُ في المبايعة إِلا المؤْمِنُونَ الذين هُمْ عَلى هذه الأوصاف، وهذا تحريجٌ وتضييقٌ، والأول أصوبُ، واللَّه أعلم. 
والشهادة ماحيةٌ لكلِّ ذنب إلا لمظالِمِ العِبَادِ، وقد روي أن اللَّه عِزَّ وجلَّ يحمل على الشَّهِيدِ مَظَالِمَ العبادِ، ويجازِيهِمْ عنه، خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بالحسنَى. 
و السائحون  : معناه : الصائمون، وروي عن عائشة، أَنها قالَتْ :( سِيَاحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيَام ) أسنده الطبريُّ، وروي أنه من كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
قَالَ الفَخْر : ولما كان أصل السياحة الاستمرار على الذَّهاب في الأرض، سُمِّي الصائم سائحاً ؛ لاستمراره على فِعْل الطاعة وترك المَنْهِيِّ عنه مِنْ المفطِّرات. 
قال الفَخْر : عندي فيه وجْهٌ آخر، وهو أن الإِنسان إذا امتنع مِنَ الأَكل والشُّرب والوِقاع، وسَدَّ عَلَى نفسه بَابَ الشهواتِ، انفتحت له أبوابُ الحكمةُ وتجَلَّتْ له أنوار عالَمِ الجَلالِ ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :( مَنْ أَخْلَصَ للَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ فَيَصير من السائحين في عالَمِ جلالِ اللَّه المنتقلينِ مِنْ مقامٍ إلى مقام، ومن درجةٍ إلى درجةٍ )، انتهى. 
قال ( ع ) : وقال بعضُ النَّاس، وهو في كتاب النَّقَّاش  السائحون  : هم الجائلون بأفكارهم في قُدْرة اللَّه ومَلَكُوتهُ وهذا قولٌ حَسَن، وهو من أفضل العباداتِ، و الراكعون الساجدون  : هم المصلُّون الصَّلوات، كذا قال أهل العلم، ولكن لا يختلف في أنَّ من يكثر النَّوافلَ هو أَدْخَلُ في الاسم، وأَعْرَقُ في الاتصاف. 
وقوله : والحافظون لِحُدُودِ الله  لفظٌ عامٌّ تحته التزام الشريعة. 
( ت ) : قال البخاريُّ : قال ابن عباس : الحدود : الطاعة. 
قال ابن العربيُّ في **«أحكامه »**، وقوله : والحافظون لِحُدُودِ الله  خَاتمةُ البيان، وعمومُ الاشتمال لكلِّ أمْر ونهْي. انتهى. 
وقوله سبحانه : وَبَشِّرِ المؤمنين  : قِيل : هو لفظ عامٌّ، أُمِرَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يبشِّر أمته جميعاً بالخير من اللَّه، وقيل : بل هذه الألفاظ خاصَّة لمن لم يَغْزُ، أي : لما تقدَّم في الآية وعْدُ المجاهدين وفَضْلُهم، أمر صلى الله عليه وسلم، أنْ يبشِّر سائر المؤمنين ممَّن لم يَغْزُ بأنَّ الإيمان مُخَلِّص من النَّار، والحمد للَّه رب العالمين.

### الآية 9:113

> ﻿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [9:113]

وقوله سبحانه : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ  \[ التوبة : ١١٣ \]. 
جمهورُ المفسِّرين أنَّ هذه الآية نزلَتْ في شَأْن أبي طالب، وذلك أن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهِ حين احتضر، فَوَعَظَهُ، وقَالَ :
( أَيْ عَمِّ ؛ قُلْ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ )، وَكَانَ بالحَضْرة أَبو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ : يَا أَبَا طَالِبٍ ؛ أَترغَبُ عن ملَّة عَبْدِ المطَّلِبِ ؟ فَقالَ أبو طَالِبٍ : يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ، لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يُعَيَّرَ بِهَا وَلَدِي مِنْ بَعْدِي، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، ثُمَّ قَالَ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ ؛ إذ لم يسمع منه صلى الله عليه وسلم ما قال العبَّاس، فنزلَتْ : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ  \[ القصص : ٥٦ \] فقال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( وَاللَّهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ )، فَكَانَ يستغفر له حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية، فترك نبيُّ اللَّه الاستغفار لأَبي طالب، وروي أنَّ المؤمنين لما رأَوْا نبيَّ اللَّه يستغفرُ لأبي طالب، جعلوا يَسْتَغْفِرُونَ لموتاهم، فلذلك دَخَلُوا في النَّهْيِ، والآية على هذا ناسخةٌ لفعله صلى الله عليه وسلم ؛ إِذ أفعاله في حُكْم الشرعِ المستقِرِّ، وقال ابن عبَّاس وقتادة وغيرهما : إِنما نزلَتِ الآية بسببِ جماعةٍ من المؤمنين قالوا : نَسْتَغْفِرُ لموتانا ؛ كما استغفر إِبراهيمُ عليه السلام، فنزلَتِ الآية في ذلك،

### الآية 9:114

> ﻿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [9:114]

وقوله سبحانه : وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ  \[ التوبة : ١١٤ \]. 
المعنى : لا حجَّة أَيُّها المؤمنون في استغفار إِبراهيم عليه السلام، فإِن ذلك لم يكُنْ إِلا عن موعدةٍ، واختلف في ذلك، فقيلَ : عن مَوْعِدَةٍ من إِبراهيم، وذلك قوله : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً  \[ مريم : ٤٧ \] وقيل : عن موعِدَةٍ من أبيه له في أنَّهُ سيؤمن، فَقَوِيَ طمعه، فحمله ذلك على الاستغفار له ؛ حتى نُهِيَ عنه، ومَوْعِدَة مِنَ الوَعْدِ، وأما تبيُّنه أنه عَدُوٌّ للَّه، قيل : ذلك بموت آزر على الكُفْر، وقيل : ذلك بأنه نُهِيَ عنه، وهو حيٌّ، وقوله سبحانه : إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ  \[ التوبة : ١١٤ \] ثَنَاءٌ مِنَ اللَّه تعالَى على إِبراهيم، و**«الأَوَّاهُ »** معناهُ الخَائِفُ الذي يُكْثِرُ التَّأَوُّهَ مِنْ خَوفِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، والتَّأَوُّهُ : التوجُّع الذي يَكْثُرُ حَتَّى ينطق الإِنسان معه ب**«أَوَّهْ »** ؛ ومن هذا المعنَى قولُ المُثَقِّب العَبْدِي :\[ الوافر \]

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحُلُهَا بِلَيْلٍ  تَأَوَّهُ أَهَّةَ الرَّجُلِ الحَزِينِويروى : آهَة. وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يُسْمَعُ وَجِيبُ قَلْبِهِ من الخشية، كما تُسْمَعُ أَجنحة النُّسُور، وللمفسِّرين في **«الأَوَّاه »** عباراتٌ كلُّها ترجعُ إِلى ما ذكرتُه. 
( ت ) : روى ابن المبارك في **«رقائقه »**، قال : أخبرنا عبدُ الحميدِ بْنُ بَهْرَام، قال : حدَّثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ : حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّاد، قَالَ :" قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الأَوَّاهُ ؟ قالَ :( الأَوَّاهُ الخَاشِعُ الدَّعَّاءُ المُتَضَرِّعُ ) ؛ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ  " انتهى. 
و حَلِيمٌ  مَعناه : صابرٌ، محتملٌ، عظيمُ العَقْل، والحِلْمُ : العقل.

### الآية 9:115

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [9:115]

وقوله سبحانَهُ : وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ  \[ التوبة : ١١٥ \]. معناه التأنيسُ للمؤمنين، وقيل : إن بعضهم خَافَ عَلَى نَفْسِه مِنَ الاستغفار للمشْركين، فنزلت الآيةُ مُؤْنسة، أيْ : ما كان اللَّه بَعْدَ أَنْ هدَى إِلى الإِسْلاَمِ، وأنقذ مِنَ النار لِيُحْبِطَ ذلك، ويضلَّ أهله ؛ لمواقعتهم ذَنْباً لم يتقدَّم من اللَّه عنه نَهْيٌ، فأما إِذا بيَّن لهم ما يتَّقون من الأمورِ، ويتجنَّبون من الأشياء، فحينئذٍ مَنْ واقع شيئاً من ذلك بعد النَّهْيِ، استوجب العقوبة، وباقي الآية بَيِّنٌ.

### الآية 9:116

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:116]

وقوله سبحانه: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: قِيل: هو لفظ عامّ، أمر صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يبشِّر أمته جميعاً بالخير من اللَّه، وقيل: بل هذه الألفاظ خاصَّة لمن لم يَغْزُ، أي: لما تقدَّم في الآية وعْدُ المجاهدين وفضلهم، أمر صلّى الله عليه وسلّم، أنْ يبشِّر سائر المؤمنين ممَّن لم يَغْزُ بأنَّ الإيمان مُخَلِّص من النَّار، والحمد للَّه رب العالمين.
 \[سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٣ الى ١١٦\]
 مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)
 وقوله سبحانه: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ... الآية:
 جمهورُ المفسِّرين أنَّ هذه الآية نزلَتْ في شَأْن أبي طالب، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دَخَلَ عَلَيْهِ حين احتضر، فَوَعَظَهُ، وقَالَ: **«أَيْ عَمِّ قُلْ لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»**، وَكَانَ بالحَضْرة أَبو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَترغَبُ عن ملَّة عَبْدِ المطَّلِبِ؟ فَقالَ أبو طَالِبٍ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ، لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يُعَيَّرَ بِهَا وَلَدِي مِنْ بَعْدِي، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ إذ لم يسمع منه صلّى الله عليه وسلّم ما قال العبَّاس، فنزلَتْ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ \[القصص: ٥٦\] فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: **«وَاللَّهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»**، فَكَانَ يستغفر له حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية **«١»**، فترك نبيُّ اللَّه الاستغفار لأَبي طالب، وروي أنَّ المؤمنين لما رأَوْا نبيَّ اللَّه يستغفرُ لأبي طالب، جعلوا يَسْتَغْفِرُونَ لموتاهم، فلذلك دَخَلُوا في النّهي، والآية على هذا ناسخة

 (١) أخرجه البخاري (٣/ ٢٦٣) كتاب ****«الجنائز»**** باب: إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلّا الله، حديث (١٣٦٠)، وفي (٧/ ٢٣٢) كتاب **«مناقب الأنصار»** باب: قصة أبي طالب، حديث (٣٨٨٤)، وفي (٨/ ١٩٢) كتاب ****«التفسير»**** باب: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، حديث (٤٦٧٥) وفي (٨/ ٣٦٥) كتاب ****«التفسير»**** باب: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، حديث (٤٧٧٢) وفي (١١/ ٥٧٥) كتاب **«الأيمان والنذور»**، حديث (٦٦٨١)، ومسلم (١/ ٢٤٤- ٢٤٥) - شرح النووي، كتاب **«الإيمان»** باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، حديث (٣٩/ ٢٤)، والنسائي (٤/ ٩٠- ٩١) كتاب ****«الجنائز»**** باب: النهي عن الاستغفار للمشركين، حديث (٢٠٣٥)، وأحمد (٥/ ٤٣٣)، والطبري (٦/ ٤٨٨) رقم: (١٧٣٣٩)، والبيهقي في **«دلائل النبوة»** (٢/ ٣٤٢- ٣٤٣) كلهم من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبيه به، وذكره السيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٥٠٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وابن مردويه.

لفعله صلّى الله عليه وسلّم إِذ أفعاله في حُكْم الشرعِ المستقِرِّ، وقال ابن عبَّاس وقتادة **«١»** وغيرهما: إِنما نزلَتِ الآية بسببِ جماعةٍ من المؤمنين قالوا: نَسْتَغْفِرُ لموتانا كما استغفر إِبراهيمُ عليه السلام، فنزلَتِ الآية في ذلك، وقوله سبحانه: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ...
 الآية: المعنى: لا حجَّة أَيُّها المؤمنون في استغفار إِبراهيم عليه السلام، فإِن ذلك لم يكُنْ إِلا عن موعدةٍ، واختلف في ذلك، فقيلَ: عن مَوْعِدَةٍ من إِبراهيم، وذلك قوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا \[مريم: ٤٧\] وقيل: عن موعِدَةٍ من أبيه له في أنَّهُ سيؤمن، فَقَوِيَ طمعه، فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نُهِيَ عنه، ومَوْعِدَة مِنَ الوَعْدِ، وأما تبيُّنه أنه عَدُوٌّ للَّه، قيل: ذلك بموت آزر على الكُفْر، وقيل: ذلك بأنه نُهِيَ عنه، وهو حيٌّ، وقوله سبحانه: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ثَنَاءٌ مِنَ اللَّه تعالَى على إِبراهيم، و **«الأَوَّاهُ»** معناهُ الخَائِفُ الذي يُكْثِرُ التَّأَوُّهَ مِنْ خَوفِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، والتَّأَوُّهُ: التوجُّع الذي يَكْثُرُ حَتَّى ينطق الإِنسان معه ب **«أَوَّهْ»** ومن هذا المعنَى قولُ المُثَقِّب العَبْدِي: \[الوافر\]

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحُلُهَا بِلَيْلٍ  تَأَوَّهُ أَهَّةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ **«٢»** ويروى: آهَة.
 وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يُسْمَعُ وَجِيبُ قَلْبِهِ **«٣»** من الخشية، كما تُسْمَعُ أَجنحة النُّسُور، وللمفسِّرين في **«الأَوَّاه»** عباراتٌ كلُّها ترجعُ إِلى ما ذكرتُه.
 ت: روى ابن المبارك في **«رقائقه»**، قال: أخبرنا عبدُ الحميدِ بْنُ بَهْرَام، قال:
 حدَّثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّاد، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الأَوَّاهُ؟ قالَ: **«الأَوَّاهُ الخَاشِعُ الدَّعَّاءُ المُتَضَرِّعُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ»** **«٤»** انتهى.
 وحَلِيمٌ مَعناه: صابرٌ، محتملٌ، عظيمُ العَقْل، والحِلْمُ: العقل. وقوله سبحانَهُ:
 وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ... الآية: معناه التأنيسُ للمؤمنين، وقيل: إن
 (١) أخرجه الطبري في ****«تفسيره»**** عن قتادة، وذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٣/ ٥٠٦)، وعزاه أيضا لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٩١). [.....]
 (٣) وجب القلب يجب: وجبا ووجيبا ووجوبا، ووجبانا: خفق واضطرب.
 ينظر: **«لسان العرب»** (٤٧٦٧).
 (٤) أخرجه الطبري في ****«تفسيره»**** (٦/ ٤٩٨) برقم: (١٧٤٣١) من حديث عبد الله بن شداد، وذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٣/ ٥٠٩)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.

### الآية 9:117

> ﻿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:117]

وقوله سبحانه : لَقَد تَّابَ اللهُ على النبي والمهاجرين والأنصار  \[ التوبة : ١١٧ \]. 
التوبةُ مِنَ اللَّه تعالَى هو رُجُوعه بعبده مِنْ حالة إِلى أَرفَعَ منها، فقد تكونُ في الأكثَرِ رُجُوعاً من حالة طاعةٍ إِلى أَكْمَلَ منها، وهذه توبته سبحانه في هذه الآيةِ عَلَى نبيِّه عليه السلام، وأما توبته على المهاجرين والأنصار، فمعرَّضةً لأنْ تكونَ مِنْ تقصير إلى طاعة وجِدٍّ في الغزو ونُصْرَةِ الدِّين، وأما توبته على الفريق الذي كاد يزيغ، فَرُجُوعٌ من حالة محطوطةٍ إلى حال غفران ورضى ؛ وقال الشيخ أبو الحَسَن الشَّاذِلِيُّ رحمه اللَّه في هذه الآية :
ذَكَر اللَّه سبحانه تَوْبَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ لَئِلاَ يستوحِشَ مَنْ أذنب ؛ لأنه ذكر النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار ولم يذنبوا، ثم قال : وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُوا  \[ التوبة : ١١٨ \] فذكر مَنْ لم يُذْنِبْ لِيُؤْنَسَ من قد أذنب، انتهى. 
من **«لطائف المِنَن »** : و سَاعَةِ العسرة  \[ التوبة : ١١٧ \] يريد : وقْت العسرة، والعُسْرة الشِّدَّةُ، وضيقُ الحَالِ، والعُدْمُ، وهذا هو جيشُ العُسْرة الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم :( مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَلَهُ الجنة )، فجهزه عثمانُ بْنُ عفَّان رضي اللَّه عنه بألْفِ جَمَلٍ، وألْف دينارٍ، وجاء أيضاً رجلٌ من الأنصار بِسَبْعِمَائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْر، وهذه غزوةُ تبوكَ. 
( ت ) : وعن ابن عَبَّاس ؛ أنَّه قيل لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّاب : حدِّثنا عن شأنِ سَاعَةِ العُسْرَة، فقال عمر : خَرَجْنَا إلى تبوكَ في قَيْظٍ شديدٍ، فنزلْنا منزلاً أصابنا فيه عَطَشٌ، حتى ظَنَنَّا أَنَّ رقابنا سَتَنْقَطِعُ حتى إنَّ الرجُلَ لَيَنْحَرُ بعيره، فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فيشربه، ثم يَجْعَلُ ما بقي عَلَى كَبِدِهِ، فقال أبو بكر : يا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إِنَّ اللَّه قد عَوَّدَكَ في الدعاءِ خيراً، فادع اللَّهَ، فَقَالَ :( أَتُحِبُّ ذلكَ ؟ ) قَالَ : نَعَمْ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فلم يَرْجِعْهما حتَّى مالَتِ السماء، فَأَظلَّتْ، ثم سَكَبَتْ فملؤوا ما معهم، ثم ذهبْنا ننظر، فلم نجدْها جاوَزَتِ العَسْكَر، رواه الحاكم في **«مستدركه »** على الصحيحين، وقال : صحيحٌ على شرط الشَّيْخَيْن، يعني : مسلماً والبخاريَّ انتهى في **«السلاح »**. 
ووصَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوكَ إِلى أوائلِ بلد العَدُوِّ فصالحه أَهْلُ أذرح وأَيْلَةَ وغيرهما على الجِزْية ونحوها، وانصرف، والزيغ المذْكُور هو ما هَمَّت به طائفةٌ من الانصراف ؛ لِمَا لَقُوا من المشقَّة والعُسْرة. قاله الحسن. 
وقيل : زيغها إِنما كان بظُنُونٍ لها ساءَتْ في معنى عزم النبيِّ صلى الله عليه وسلم على تلك الغزوة، لما رأته من شدَّة الحال وقوَّة العدوِّ والمقصود، ثم أخبر عزَّ وجلَّ ؛ أنه تاب أيضاً على هذا الفريقِ، وراجَعَ به، وأنس بإِعلامه للأمَّة بأنه  رؤوفٌ رحيمٌ . 
والثلاثة الذين خُلِّفوا هم : كعْبُ بن مالِكٍ وهلال بن أمية الوَاقفيُّ ومُرَارَةُ بنُ الرَّبيع العامريُّ، وقد خرَّج حديثهم بكماله البخاريُّ ومسلم، وهو في السِّير ؛ فلذلك اختصرنا سَوْقَهُ، وهم الذين تقدَّم فيهم : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله  \[ التوبة : ١٠٦ \]،

### الآية 9:118

> ﻿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:118]

ومعنى  خُلِّفُوا  أُخِّروا، وتُرِكَ النظرُ في أمرهم، قال كَعْب : وليس بتخلُّفنا عَنِ الغَزْوِ، وهو بَيِّنٌ من لفظ الآية. 
وقوله : وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ  \[ التوبة : ١١٨ \]
 ظَنُّوا  ؛ هنا بمعنى : أيقنوا. 
قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرة رحمه اللَّه : قال بعضُ أهْل التوفيق :( إِذا نزلَتْ بي نازلةٌ مَا مِنْ أي نوع كانَتْ، فَأُلْهِمْتُ فيها اللَّجَأَ، فلا أبالي بها، واللَّجَأُ على وجوه ؛ منها : الاشتغال بالذِّكْرِ والتعبُّدِ وتفويض الأمر له عزَّ وجلَّ، لقوله تعالى على لسان نبيه :( مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلتي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين )، ومنها : الصَّدَقة، ومنها : الدعاء، فكيفَ بالمَجْمُوع، انتهى. 
وقوله سبحانه : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا  لما كان هذا القولُ في تعديد النعم، بدأ في ترتيبه بالجهَة الَّتي هي عَنِ اللَّه عز وجلَّ ؛ ليكون ذلك مِنْها على تلقِّي النعمة مِنْ عنده لا رَبَّ غيره، ولو كان هذا القولُ في تعديد ذَنْبٍ، لكان الابتداء بالجهة التي هِيَ على المُذْنِب، كما قال عز وجل : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ  \[ الصف : ٥ \] ليكون ذلك أشدَّ تقريراً للذنْب عليهم، وهذا مِنْ فصاحة القُرآن وبديعِ نظمِهِ ومُعْجِزِ اتساقه، وبيانُ هذه الآيةِ ومواقعِ ألفاظها إِنما يَكْمُلُ مع مطالعة حديثِ الثلاثة الذين خُلِّفوا في الكُتُب المذكورة، فَانظره، وإِنما عَظُم ذنبهم، واستحقوا عليه ذلك، لأن الشرع يطلبهم مِنَ الجِدِّ فيه بحَسَب منازلهم منه، وتقدُّمهم فيه ؛ إِذ هم أُسْوة وحُجَّة للمنافقين، والطاعنين، إِذ كان كعْبٌ من أهْل العقبة، وصاحباه من أهْل بدر، وفي هذا ما يقتضي أَنَّ الرجُلَ العَالِمَ والمُقْتَدَى به أَقلُّ عذراً في السقوطِ مِنْ سواه. 
وكَتَب الأوزاعيُّ رحمه اللَّه إلى أبي جَعْفَرِ المنصورِ في آخر رسالةٍ : واعلم أَنَّ قرابتك مِنْ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ إِلاَّ عَظِماً، ولا طاعَتَهُ إِلا وجُوباً، ولا النَّاسَ فيما خَالَفَ ذلك مِنْكَ إِلاَّ إِنكاراً، والسلام.

### الآية 9:119

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [9:119]

وقوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُوا اتقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصادقين  \[ التوبة : ١١٩ \]. 
هذا الأمر بالكوْن مع الصَّادقين حَسَنٌ بعد قصَّة الثلاثة حين نَفَعَهم الصِّدْق، وذَهَبَ بهم عَنْ منازل المنافقين، وكان ابنُ مسعودٍ يتأوَّل الآية في صِدْق الحديث، وإِليه نحا كَعْبُ بنُ مالك.

### الآية 9:120

> ﻿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [9:120]

وقوله سبحانه : مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ الله  \[ التوبة : ١٢٠ \]. 
هذه الآية معاتبةٌ للمؤمنين من أهل يَثْرِبَ وقبائل العرب المُجَاورة لها، على التخلُّف عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ، وقُوَّةُ الكلام تعطي الأمر بِصُحْبَتِهِ أَيْنَ ما توجَّه غازياً وبَذْلِ النفوس دونه، و**«المخُمَصَة »** مَفْعَلَةٌ من خُمُوس البَطْنِ، وهو ضُمُوره واستعير ذلك لحالة الجُوع، إِذ الخُمُوص ملازمٌ له، ومن ذلك قولُ الأَعْشَى :\[ الطويل \]
تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاَءً بُطُونُكُمْ \*\*\* وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا وقوله : وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً  لفظٌ عامٌّ لقليلِ ما يصنعه المؤمنون بالكَفَرةِ من أخْذ مالٍ، أو إِيراد هوانٍ وكثيره و نَّيْلاً  مصدر نَالَ يَنَالُ ؛ وفي الحديث :( مَا ازداد قومٌ مِنْ أَهْلِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بُعْداً إِلاَّ ازدادوا مِنَ اللَّهِ قُرْباً ). 
( ت ) : وروى أَبو داود في **«سننه »**، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَاتَ، أَوْ قُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، وإِنَّ لَهُ الْجَنَّةَ )، انتهى.

### الآية 9:121

> ﻿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:121]

قال ابنُ العربي في **«أحكامه »** : قَوْلُه عزَّ وجلَّ : وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ  : يعني إِلاَّ كُتِبَ لهم ثوابُهُ، وكذلك قال في المجاهد :( إِنَّ أَرْوَاثَ دَوَابِّهِ وأَبْوَالَهَا حَسَنَاتٌ له )، وَكَذَلِكَ أَعطَى سبحانه لأَهْل العُذْر من الأجر ما أعطَى للقويِّ العاملِ بفضله، ففي الصحيح، بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في هذه الغزوة بعينها :( إِنَّ بِالمَدِينَةِ قَوْماً مَا سَلَكْتُمْ وَادِياً وَلاَ قَطَعْتُمْ شِعْباً إِلاَّ وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ العُذْرُ ) انتهى.

### الآية 9:122

> ﻿۞ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [9:122]

وقوله سبحانه : وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً  \[ التوبة : ١٢٢ \]. 
قالتْ فرقة : إِن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكَّاناً ومبعوثين لتعليم الشَّرْع، لما سمعوا قولَ اللَّهَ عَزَّ وجلَّ : مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأعراب ، \[ التوبة : ١٢٠ \]، أهمَّهم ذلك، فنفروا إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ خشية أنْ يكونُوا عُصَاةً في التخلُّف عن الغَزْوِ، فنزلَتْ هذه الآية في نَفْرِهِمْ ذلك، وقالتْ فرقة : سَبَبُ هذه الآية أن المنافقين، لما نزلَتِ الآيات في المتخلِّفين، قالوا : هَلَكَ أَهْلُ البوادِي، فنزلَتْ هذه الآية مقيمةً لعُذْرِ أهل البوادي. 
قال ( ع ) : فيجيء قوله : مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأعراب  \[ التوبة : ١٢٠ \] عمومٌ في اللفظ، والمراد به في المَعنَى الجمهورُ والأكْثَرُ، وتجيءُ هذه الآية مبيِّنة لذلك. 
وقالتْ فرقةٌ : هذه الآية ناسِخَةٌ لكُلِّ ما ورد من إِلزام الكافَّة النَّفير والقِتَال، وقال ابنُ عبَّاس ما معناه : أَنَّ هذه الآية مختصَّة بالبعوثِ والسَّرايا والآية المتقدِّمة ثابتةُ الحُكْم مع خروجِ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الغَزْو. 
وقَالَتْ فرقةٌ : يشبه أنْ يكون التفقُّه في الغَزْو وفي السرايا، لِمَا يَرَوْنَ من نُصْرَةِ اللَّه لدينِهِ، وإِظهارِهِ العَدَد القليلَ من المؤمنين على الكثير من الكافرين، وعِلْمِهم بذلك صحَّة دِينِ الإِسلام ومكانَتِهِ قال ( ع ) : والجمهور على أن التفقُّه إِنما هو بمشاهدة رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وصُحْبَته، وقيل غير هذا. 
( ت ) وَصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ :( لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا استنفرتم فانفزوا )، وقد استنفر رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الناس في غزوة تَبُوكَ، وأعلن بها حَسَبَ ما هو مصرَّح به في حديث كَعْب بن مالِكٍ في **«الصِّحَاح »**، فكان العَتَبُ متوجِّهاً على مَنْ تأخَّر عنه بعد العِلْمِ، فيظهر واللَّه أعلم، أنَّ الآية الأولَى باقٍ حكمها ؛ كما قال ابن عباس، وتكون الثانية ليستْ في معنى الغَزْو، بل في شأن التفقُّه في الدِّين على الإِطلاق وهذا هو الذي يُفْهَمُ من استدلالهم بالآية علَى فَضْلِ العلْم. 
وقد قالت فرقة : إِن هذه الآية لَيْسَتْ في معنى الغَزْو، وإِنما سببها قبائلٌ مِنَ العرب أصابتهم مجاعةٌ، فنفروا إلى المدينة لِمَعْنَى المعاشِ، فكادوا يُفْسِدونها، وكان أكثرهم غَيْرَ صحيحِ الإِيمانِ، وإِنما أَضْرَعَه الجُوع، فنزلَتِ الآية في ذلك، والإِنذارُ في الآية عامٌّ للكفر والمعاصي، والحذرِ منها أيضاً ؛ كذلك قال ابن المبارك في **«رقائقه »** : أخبرنا موسَى بْنُ عُبَيْدَة، عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ، قال : إِذا أراد اللَّه تبارك وتعالَى بِعَبْدٍ خيراً، جعل فيه ثلاثَ خصالٍ : فقْهاً في الدِّينِ، وزَهَادةً في الدنيا، وبَصَّرَهُ بعيوبه. انتهى.

### الآية 9:123

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:123]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمَنُوا قَاتِلُوا الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار  \[ التوبة : ١٢٣ \]. 
قيل : إِنَّ هذه الآية نزَلَتْ قبل الأمر بقتال الكُفَّار كافَّة، فهي من التدريجِ الذي كان في أوَّل الإِسلام. 
قال ( ع ) : وهذا ضعيفٌ فإِن هذه السورة من آخر ما نَزَلَ. 
وقالتْ فرقة : معنى الآية أنَّ اللَّه تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أنْ يقاتل كُلُّ فريقٍ منهم الجنْسَ الذي يليه من الكَفَرة. 
وقوله سبحانه : وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً  أي : خشونةً وبأساً، ثم وعَدَ سبحانه في آخر الآية وحَضَّ على التقوَى التي هي مِلاَكُ الدِّينِ والدنيا، وبها يُلْقَى العَدُوُّ، وقد قال بعضُ الصحابة : إِنما تُقَاتِلُونَ النَّاس بأَعمالكم، وَوَعَد سبحانه أنه مع المتَّقِينَ، وَمَنْ كان اللَّه مَعِهُ، فَلَنْ يُغْلَبَ.

### الآية 9:124

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [9:124]

وقوله تعالى : وَإِذَا مَا أُنزِلَت سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا  \[ التوبة : ١٢٤ \]. 
هذه الآية نزلَتْ في شأن المنافقين، وقولهم : أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا  يحتمل أنْ يكون لمنافقينَ مِثْلِهِمْ، أو لقومٍ من قراباتهم ؛ علَى جهة الاستخفاف والتحقير لشأن السُّورة، ثم ابتدأ عزَّ وجلَّ الردَّ عليهم بقوله : فَأَمَّا الذين آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  وذلك أنه إذا نزلَتْ سورةٌ، حَدَثَ للمؤمنين بها تصديقٌ خاصٌّ، لم يكنْ قبلُ، فتصديقهم بما تضمَّنته السورةُ مِنْ أخبار وأمرٍ ونَهْيٍ أمرٌ زائد على الذي كان عِنْدهم قبلُ، وهذا وجْهٌ من زيادة الإِيمان.

### الآية 9:125

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [9:125]

ووجه آخر ؛ أنَّ السورة ربَّما تضمَّنت دليلاً أو تنبيهاً على دليل، فيكون المؤمن قد عَرَفَ اللَّه بعدَّة أدلَّة، فإِذا نزلت السورةُ، زادَتْ في أدلَّته. وَوَجْهٌ آخر من وجوه الزيادة أنَّ الإِنسان ربَّما عرضه شكٌ يسيرٌ، أو لاحَتْ له شبهة مشغِّبة، فإِذا نزلَتِ السورة، ارتَفَعَتْ تلك الشبهة، وقَوِيَ إِيمانه وارتقى اعتقاده عن معارَضَة الشبهاتِ،  الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ  : هم المنافقون، و**«الرجْسُ »** ؛ في اللغة : يجيء بمعنى القَذَرِ، ويجيء بمعنى العذاب، وحالُ هؤلاء المنافقين هي قَذَرٌ، وهي عذابٌ عاجلٌ، كفيلٌ بآجِلٍ، وإِذا تَجدَّد كفْرُهم بسورةٍ، فقد زاد كُفْرهم، فذلك زيادةُ رجْسٍ إِلى رِجْسهم.

### الآية 9:126

> ﻿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [9:126]

وقوله سبحانه : أَوَلاَ يَرَوْنَ  \[ التوبة : ١٢٦ \]. 
يعني : المنافقين، وقرأ حَمزة :**«أَوَلاَ تَرَوْنَ »** بالتاء من فوق على معنى : أولا تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون ؛  أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ ، أي : يُخْتَبرُونَ، وقرأ مجاهدٌ :**«مَرْضَةً أَوْ مَرْضَتَيْنِ »**، والذي يظهر مما قبل الآية، ومما بعدها أَنَّ الفتنة والاختبار إِنما هي بكَشْفِ اللَّه أَسرارهم وإِفشائه عقائدهم ؛ إِذ يعلمون أنَّ ذلك مِنْ عند اللَّه، وبهذا تقومُ الحُجَّة عليهم، وأما الاختبار بالمَرَضِ فهو في المؤمنين.

### الآية 9:127

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [9:127]

وقوله سبحانه : وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ  \[ التوبة : ١٢٧ \]. المعنى : وإِذا ما أنزلَتْ سورةٌ فيها فضيحةُ أسرار المنافقين : نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ  أي : هلْ معكم مَنْ يَنْقُلُ عَنْكم، هَلْ يراكم من أحدٍ حين تتدبِّرون أموركم،  ثُمَّ انصرفوا  عَنْ طريق الاهتداء ؛ وذلك أنهم وقْتَ كشْف أسرارهم والإِعلام بمغيِّبات أمورهم، يقع لهم لا مَحَالة تَعَجُّب وتوقُّف ونَظَر، فلو أريد بهم خَيْرٌ، لكان ذلك الوَقْتُ مَظِنَّةَ الاهتداء، وقد تقدَّم بيانُ قوله : صَرَفَ الله قُلُوبَهُم .

### الآية 9:128

> ﻿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:128]

وقوله عز وجل : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  \[ التوبة : ١٢٨ \]. مخاطبةٌ للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديدِ النعمة عَلَيْهِمْ ؛ إِذْ جاءَهم بلسانِهِمْ، وبما يفهمونه منَ الأَغراض والفصاحةِ، وشُرِّفوا به غَابِرَ الدهْرِ. 
وقوله : مِّنْ أَنفُسِكُمْ  : يقتضي مدْحاً لنسبه صلى الله عليه وسلم، وأنه من صميمِ العَرَبِ، وشَرَفِها، وقرأ عبد اللَّه بن قُسَيْطٍ المَكِّيُّ :**«مِنْ أَنْفَسِكُمْ »** بفتح الفاء ؛ من النَّفَاسة، ورويتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
وقوله : مَا عَنِتُّمْ  : معناه عَنَتُكُمْ ؛ ف**«ما »** مصدريةٌ، والعَنَت : المشقَّة، وهي هنا لفظةٌ عامَّة، أي : عزيز عليه مَا شَقَّ عليكم : مِنْ قتلٍ وأسارٍ وامتحان ؛ بحسب الحَقِّ واعتقادكم أيضاً معه،  حَرِيصٌ َعلَيْكُم  أي : علَى إيمانكم وهداكم. 
وقوله : بالمؤمنين رَءُوفٌ  أي : مبالغٌ في الشفقة عليهم، قال أبو عُبَيْدة : الرَّأْفَة أرقُّ الرحمة.

### الآية 9:129

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [9:129]

ثم خاطَبَ بحانه نبيَّه بقوله : فَإِن تَوَلَّوْا  \[ التوبة : ١٢٩ \] أي : أعرضوا،  فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم  هذه الآية من آخر مَا نَزَلَ، وصلى اللَّه علَى سَيِّدنا ومولانا محمَّد وعلَى آله وصَحْبه وسَلَّم تسليماً.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/9.md)
- [كل تفاسير سورة التوبة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/9.md)
- [ترجمات سورة التوبة
](https://quranpedia.net/translations/9.md)
- [صفحة الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/339.md)
- [المؤلف: الثعالبي](https://quranpedia.net/person/710.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/339) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
