---
title: "تفسير سورة التوبة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/350"
surah_id: "9"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة التوبة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة التوبة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/9/book/350*.

Tafsir of Surah التوبة from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 9:1

> ﻿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [9:1]

براءة  رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه الآيات براءة، ويصح أن ترتفع بالابتداء والخبر في قوله : إلى الذين  وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفاً ما، وجاز الإخبار عنها، وقرأ عيسى بن عمر **«براءةً »** بالنصب على تقدير التزموا براءة ففيها معنى الإغراء، و  براءة  معناها تخلص وتبرؤ من العهود التي بينكم وبين الكفار البادئين بالنقض، تقول برئت إليك من كذا، فبرىء الله تعالى ورسوله بهذه الآية إلى الكفار من تلك العهود التي كانت ونقضها الكفار، وقرأ أهل نجران **«منِ الله »** بكسر النون من **«من »**، وهذه الآية حكم من الله عز وجل بنقض العهود والموادعات التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين طوائف المشركين الذين ظهر منهم أو تحسس من جهتهم نقض، ولما كان عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لازما لأمته حسن أن يقول  عاهدتهم  قال ابن إسحاق وغيره من العلماء : كانت العرب قد وافقها[(١)](#foonote-١) رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً عاماً على أن لا يصد أحد عن البيت الحرام ونحو ذلك من الموادعات، فنقض ذلك بهذه الآية وأجل لجميعهم أربعة أشهر، فمن كان له مع النبي صلى الله عليه وسلم عهد خاص وبقي منه أقل من الأربعة أشهر بلغ به تمامها، ومن كان أمده أكثر من أربعة أشهر أتم له الأربعة الأشهر **«يسيح فيها »** في الأرض أي يذهب مسرحاً آمناً كالَّسْيح من الماء وهو الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد :\[ السريع \]
لو خفت هذا منك ما نلتني\*\*\* حتى نرى خيلاً أمامي تسيحْ[(٢)](#foonote-٢)
وهذا ينبىء عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشعر من الكفار نقضاً وتربصاً به إلا من الطائفة المستثناة، وقال ابن عباس رضي الله عنه : أول الأشهر الأربعة شوال وحينئذ نزلت الآية، وانقضاؤها عند انسلاخ الأشهر الحرم وهو انقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يوماً فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم نزول الآية، وأجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : اعترض هذا بأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع ويحتمل أن البراءة قد كانت سمعت من أول شوال، ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج الأكبر، وقال السدي وغيره : بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع الآخر، وهي الحرم استعير لها الاسم بهذه الحرمة والأمن الخاص الذي رسمه الله وألزمه فيها، وهي أجل الجميع ممن له عهد وتحسس منه نقض وممن لا عهد له، وقال الضحاك وغيره من العلماء : كان من العرب من لا عهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة، وكان منهم من بينه وبينهم عهد وتحسس منهم النقض وكان منهم من بينه وبينهم عهد ولم ينقضوا. 
فقوله  فسيحوا في الأرض أربعة أشهر  هو أجل ضربه لمن كان بينه وبينهم عهد وتحسس منهم نقضه، وأول هذا الأجل يوم الأذان وآخره انقضاء العشر الأول من ربيع الآخر، وقوله  فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ، هو حكم مباين للأول حكم به في المشركين الذين لا عهد لهم البتة، فجاء أجل تأمينهم خمسين يوماً أولها يوم الأذان وآخرها انقضاء المحرم، وقوله  إلى الذين عاهدتم ، يريد به الذين لهم عهد ولم ينقضوا ولا تحسس منهم نقض، وهم فيما روي بنو ضمرة من كنانة عاهد لهم المحسر بن خويلد وكان بقي من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : إنما أجل الله أربعة أشهر من كان عهده ينصرم عند انقضائها أو قبله، والمعنى فقل لهم يا محمد سيحوا، وأما من كان له عهد يتمادى بعد الأربعة الأشهر فهم الذين أمر الله لهم بالوفاء، ١ - واثق فلانا: عاهده، وفي أكثر النسخ الخطية: وافقها بالفاء، ولفظ "البحر المحيط": "أوثقها"..
٢ - السّيْح: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، والسياحة: الذهاب في الأرض للعبادة والترهب، ومنه الحديث الشريف: (لا سياحة في الإسلام)، ويقال كما في اللسان: ساح في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيْحا وسيحانا، فمعنى أن الخيل تسيح أنها تذهب في الأرض، هذا والبيت موجود في الديوان..
٣ - يوم الأذان هو يوم الإعلام بهذه الأحكام التي جاءت في هذه الآية نحو العهود مع المشركين، وهو اليوم الذي أذن فيه عليّ رضي الله عنه وقرأ هذه السورة على الناس، وقد اختلف الناس فيه فقيل: هو يوم عرفة، وقيل: هو يوم النحر- وسيأتي بيان ذلك في تفسير قوله تعالى: يوم الحج الأكبر..

### الآية 9:2

> ﻿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [9:2]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١: براءة  رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه الآيات براءة، ويصح أن ترتفع بالابتداء والخبر في قوله : إلى الذين  وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفاً ما، وجاز الإخبار عنها، وقرأ عيسى بن عمر ****«براءةً »**** بالنصب على تقدير التزموا براءة ففيها معنى الإغراء، و  براءة  معناها تخلص وتبرؤ من العهود التي بينكم وبين الكفار البادئين بالنقض، تقول برئت إليك من كذا، فبرىء الله تعالى ورسوله بهذه الآية إلى الكفار من تلك العهود التي كانت ونقضها الكفار، وقرأ أهل نجران ****«منِ الله »**** بكسر النون من ****«من »****، وهذه الآية حكم من الله عز وجل بنقض العهود والموادعات التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين طوائف المشركين الذين ظهر منهم أو تحسس من جهتهم نقض، ولما كان عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لازما لأمته حسن أن يقول  عاهدتهم  قال ابن إسحاق وغيره من العلماء : كانت العرب قد وافقها[(١)](#foonote-١) رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً عاماً على أن لا يصد أحد عن البيت الحرام ونحو ذلك من الموادعات، فنقض ذلك بهذه الآية وأجل لجميعهم أربعة أشهر، فمن كان له مع النبي صلى الله عليه وسلم عهد خاص وبقي منه أقل من الأربعة أشهر بلغ به تمامها، ومن كان أمده أكثر من أربعة أشهر أتم له الأربعة الأشهر ****«يسيح فيها »**** في الأرض أي يذهب مسرحاً آمناً كالَّسْيح من الماء وهو الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد :\[ السريع \]
لو خفت هذا منك ما نلتني\*\*\* حتى نرى خيلاً أمامي تسيحْ[(٢)](#foonote-٢)
وهذا ينبىء عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشعر من الكفار نقضاً وتربصاً به إلا من الطائفة المستثناة، وقال ابن عباس رضي الله عنه : أول الأشهر الأربعة شوال وحينئذ نزلت الآية، وانقضاؤها عند انسلاخ الأشهر الحرم وهو انقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يوماً فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم نزول الآية، وأجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : اعترض هذا بأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع ويحتمل أن البراءة قد كانت سمعت من أول شوال، ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج الأكبر، وقال السدي وغيره : بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع الآخر، وهي الحرم استعير لها الاسم بهذه الحرمة والأمن الخاص الذي رسمه الله وألزمه فيها، وهي أجل الجميع ممن له عهد وتحسس منه نقض وممن لا عهد له، وقال الضحاك وغيره من العلماء : كان من العرب من لا عهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة، وكان منهم من بينه وبينهم عهد وتحسس منهم النقض وكان منهم من بينه وبينهم عهد ولم ينقضوا. 
فقوله  فسيحوا في الأرض أربعة أشهر  هو أجل ضربه لمن كان بينه وبينهم عهد وتحسس منهم نقضه، وأول هذا الأجل يوم الأذان وآخره انقضاء العشر الأول من ربيع الآخر، وقوله  فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ، هو حكم مباين للأول حكم به في المشركين الذين لا عهد لهم البتة، فجاء أجل تأمينهم خمسين يوماً أولها يوم الأذان وآخرها انقضاء المحرم، وقوله  إلى الذين عاهدتم ، يريد به الذين لهم عهد ولم ينقضوا ولا تحسس منهم نقض، وهم فيما روي بنو ضمرة من كنانة عاهد لهم المحسر بن خويلد وكان بقي من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : إنما أجل الله أربعة أشهر من كان عهده ينصرم عند انقضائها أو قبله، والمعنى فقل لهم يا محمد سيحوا، وأما من كان له عهد يتمادى بعد الأربعة الأشهر فهم الذين أمر الله لهم بالوفاء، ١ - واثق فلانا: عاهده، وفي أكثر النسخ الخطية: وافقها بالفاء، ولفظ "البحر المحيط": "أوثقها"..
٢ - السّيْح: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، والسياحة: الذهاب في الأرض للعبادة والترهب، ومنه الحديث الشريف: (لا سياحة في الإسلام)، ويقال كما في اللسان: ساح في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيْحا وسيحانا، فمعنى أن الخيل تسيح أنها تذهب في الأرض، هذا والبيت موجود في الديوان..
٣ - يوم الأذان هو يوم الإعلام بهذه الأحكام التي جاءت في هذه الآية نحو العهود مع المشركين، وهو اليوم الذي أذن فيه عليّ رضي الله عنه وقرأ هذه السورة على الناس، وقد اختلف الناس فيه فقيل: هو يوم عرفة، وقيل: هو يوم النحر- وسيأتي بيان ذلك في تفسير قوله تعالى: يوم الحج الأكبر..


---


وقوله  واعلموا أنكم غير معجزي الله ، معناه واعلموا أنكم لا تفلتون الله ولا تعجزونه هرباً من عقابه، ثم أعلمهم بحكمه بخزي الكافرين، وذلك حتم إما في الدنيا وإما في الآخرة.

### الآية 9:3

> ﻿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:3]

وقوله تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس  الآية،  وأذان  معناه إعلام وإشهار، و  الناس  ها هنا عام في جميع الخلق، و  يومَ  منصوب على الظرف والعامل فيه  آذان  وإن كان قد وصف فإن رائحة الفعل باقية، وهي عاملة في الظروف، وقيل لا يجوز ذلك إذ قد وصف المصدر فزالت عنه قوة الفعل، ويصح أن يعمل فيه فعل مضمر تقتضيه الألفاظ، وقيل العامل في صفة الأذان وقيل العامل فيه  مخزي . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بعيد، و  يوم الحج الأكبر  قال عمر وابن عمر وابن المسيب وغيرهم : هو يوم عرفة، وقال به علي، وروي عنه أيضاً أنه يوم النحر، وروي ذلك عن أبي هريرة وجماعة غيرهم، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال منذر بن سعيد وغيره : كان الناس يوم عرفة مفترقين إذ كانت الحمس تقف بالمزدلفة وكان الجمع يوم النحر بمنى، فلذلك كانوا يسمونه الحج الأكبر أي من الأصغر الذي هم فيه مفترقون. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا زال في حجة أبي بكر لأنه لم يقف بالمزدلفة، وقد ذكر المهدوي أن الحمس ومن اتبعها وقفوا بالمزدلفة في حجة أبي بكر، والذي تظاهرت به الأحاديث في هذا المعنى أن علياً رضي الله عنه أذن بتلك الآية يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر، ثم رأى أنه لم يعلم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر، وفي ذلك اليوم بعث معه أبو بكر من يعينه بالأذان بها كأبي هريرة وغيره، وتتبعوا بها أيضاً أسواق العرب كذي المجاز وغيره، فمن هنا يترجح قول سفيان إن  يوم  في هذه الآية بمعنى أيام، بسبب ذلك قالت طائفة  يوم الحج الأكبر  عرفة حيث وقع أول الأذان وقالت طائفة أخرى : هو يوم النحر حيث وقع إكمال الأذان، واحتجوا أيضاً بأنه من فاته الوقوف يوم عرفة فإنه يجزيه الوقوف ليلة النحر، فليس يوم عرفة على هذا يوم الحج الأكبر. 
قال القاضي أبو محمد : ولا حجة في هذا، وقال سفيان بن عيينة : المراد أيام الحج كلها كما تقول يوم صفين ويوم الجمل يريد جميع أيامه، وقال مجاهد  يوم الحج الأكبر  أيام منى كلها، ومجامع المشركين حيث كانوا بذي المجاز وعكاظ حين نودي فيهم ألا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كما قال عثمان لعمر حين عرض عليه زواج حفصة : إني قد رأيت ألا أتزوج يومي هذا، وكما ذكر سيبويه : تقول لرجل : وما شغلك اليوم ؟ وأنت تريد في أيامك هذه، واختلف لم وصف بالأكبر ؟ فقال الحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن الحارث بن نوفل لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون وصادف أيضاً عيد اليهود والنصارى. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف أن يصفه الله في كتابه بالكبر لهذا، وقال الحسن أيضاً : إنما سمي أكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو القول الذي يشبه نظر الحسن، وبيانه أن ذلك اليوم كان المفتتح بالحق وإمارة الإسلام بتقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبذت فيه العهود وعز فيه الدين وذل الشرك، ولم يكن ذلك في عام ثمان حين ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج عتاب بن أسيد[(١)](#foonote-١) كان أمر العرب على أوله، فكل حج بعد حج أبي بكر فمتركب عليه فحقه لهذا أن يسمى أكبر، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : الحج أكبر بالإضافة إلى الحج الأصغر وهي العمرة، وقال الشعبي : بالإضافة إلى العمرة في رمضان فإنها الحج الأصغر، وقال مجاهد : الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وهذا ليس من هذه الآية في شيء، وقد تقدم ما ذكره منذر بن سعيد ويتجه أن يوصف بالأكبر على جهة المدح لا بإضافة إلى أصغر معين، بل يكون المعنى الأكبر من سائر الأيام فتأمله، واختصار ما تحتاج إليه هذه الآية على ما ذكر مجاهد وغيره من صورة تلك الحال، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح مكة سنة ثمان، فاستعمل عليها عتاب بن أسيد وقضى أمر حنين والطائف وانصرف إلى المدينة فأقام بها حتى خرج إلى تبوك، ثم انصرف من تبوك في رمضان سنة تسع فأراد الحج ثم نظر في أن المشركين يحجون في تلك السنة ويطوفون عراة فقال لا أريد أن أرى ذلك، فأمر أبا بكر على الحج بالناس وأنفذه، ثم أتبعه علي بن أبي طالب على ناقته العضباء، وأمره أن يؤذن في الناس بأربعة أشياء، وهي :( لا يحج بعد العام مشرك، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وفي بعض الروايات ولا يدخل الجنة كافر، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته )[(٢)](#foonote-٢)، وفي بعض الروايات، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر يسيح فيها، فإذا انقضت ف  إن الله بريء من المشركين ورسوله . 
قال القاضي أبو محمد : وأقول : إنهم كانوا ينادون بهذا كله، فهذا للذين لهم عهد وتحسس منهم نقضه، والإبقاء إلى المدة لمن لم يخبر منه نقض، وذكر الطبري أن العرب قالت يومئذ : نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب، فلام بعضهم بعضاً وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش ؟ فأسلموا كلهم ولم يسح أحد. 
قال القاضي أبو محمد : وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجا ً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر علياً أن يقرأ على الناس الأربعين آية صدر سورة براءة قبل ثلاثين، وقيل عشرين، وفي بعض الروايات عشر آيات، وفي بعضها تسع آيات، ذكرها النقاش[(٣)](#foonote-٣)، وقال سليمان بن موسى الشامي ثمان وعشرون آية، فلحق أبا بكر في الطريق فقال له أبو بكر : أمير أو مأمور، فقال بل مأمور فنهضا حتى بلغا الموسم، فلما خطب أبو بكر بعرفة : قال : قم يا علي، فأدِّ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علي ففعل، قال ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر، فجعلت أتتبع الفساطيط يوم النحر، وقرأ جمهور الناس **«أن الله بريء »** بفتح الألف على تقدير بأن الله، وقرأ الحسم والأعرج :**«إن الله »** بكسر الألف على القطع، إذ الأذان في معنى القول، وقرأ جمهور الناس **«ورسولُه »** بالرفع على الابتداء وحذف الخبر **«ورسوله بريء منهم »**، هذا هو عند شيخنا الفقيه الأستاذ أبي الحسن بن الباذش[(٤)](#foonote-٤) رحمه الله معنى العطف على الموضع، أي تؤنس بالجملة الأولى التي هي من ابتداء وخبر فعطفت عليها هذه الجملة، وقيل : هو معطوف على موضع المكتوبة قبل دخول **********«أن »********** التي لا تغير معنى الابتداء بل تؤكده وإذ قد قرئت بالكسر[(٥)](#foonote-٥) لأنه لا يعطف على موضع **********«أن »********** بالفتح، وانظره فإنه مختلف في جوازه، لأن حكم **********«أن »********** رفع حكم الابتداء إلا في هذا الموضع وما أشبهه، وهذا قول أبي العباس وأبي علي رحمهما الله، ومذهب الأستاذ[(٦)](#foonote-٦) على مقتضى كلام سيبويه أن لا موضع لما دخلت عليه **********«أن »********** إذ هو معرب قد ظهر فيه عمل العامل ولأنه لا فرق بين **********«أن »********** وبين ليت ولعل، والإجماع أن لا موضع لما دخلت عليه هذه[(٧)](#foonote-٧)، وقيل : عطف على الضمير المرفوع الذي في **«بريء »**، وحسن ذلك أن المجرور قام مقام التوكيد، كما قامت **«لا »** في وقوله تعالى : ما أشركنا ولا آباؤنا [(٨)](#foonote-٨) وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر **«رسولَه »** بالنصب عطفاً على لفظ المكتوبة، وبهذه الآية امتحن معاوية أبا الأسود حتى وضع النحو إذ جعل قارئاً يقرأ بخفض **«ورسولِه »**، والمعنى في هذه الآية بريء من عهودهم وأديانهم براءة عامة تقتضي المحارجة وإعمال السيف، وقوله  فإن تبتم  أي عن الكفر ووعدهم مع شرط التوبة وتوعدهم مع شرط التولي، وجاز أن تدخل البشارة في المكروه لما جاء مصرحاً به مرفوع الأشكال.

١ - عتاب بن أسيد (بفتح الهمزة من أسيد): صحابي جليل، أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي صلوات الله وسلامه عليه على مكة وذلك حين سار إلى حنين وحجّ بالناس عام الفتح، وأقرّه أبو بكر على مكة إلى أن مات، قالوا: وكان صالحا فاضلا، وكان حين استعمله النبي صلى الله عليه وسلم شديدا على المريب، لينا على المؤمنين، وكان يقول: والله لا أعلم متخلفا عن هذه الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه فإنه لا يتخلف عنها إلا منافق، وقد تزوج بنت أبي جهل حتى لا يتزوجها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على فاطمة رضي الله عنها، وقد ولدت له ابنه عبد الرحمن. (الإصابة. والاستيعاب)..
٢ - الحديث مروي من طرق كثيرة، فقد أخرجه ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وأخرج أحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن المسيب. (الدر المنثور)..
٣ - هو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد- أبو بكر النقاش- مقرئ مفسر، وكان إمام أهل العراق في القراءات والتفسير، قرأ القرآن على هارون بن موسى الأخفش، وروى الحديث عن أبي مسلم الكجّي، وصنف تفسيرا سماه "شفاء الصدور"، وله: "الإشارة في غريب القرآن" و"الموضح في معاني القرآن" و"دلائل النبوة" و"القراءات". وقد ضعفه جماعة منهم الدارقطني. (طبقات المفسرين). وله ترجمة في إرشاد الأريب، وفي الأنساب، وفي تذكرة الحفاظ، والبداية والنهاية، ووفيات الأعيان، وغيرها..
٤ - علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي المعروف بابن الباذش، من العلماء بالعربية من كتبه: "المقتضي من كلام العرب"، و"شرح كتاب سيبويه" و"شرح أصول ابن السّرّاج في النحو" و"شرح الإيضاح" للفارسي. (الأعلام)..
٥ - واضح أن الواو زائدة قبل كلمة (إذ)- وهكذا وجدناها في جميع الأصول..
٦ - يعني بالأستاذ أبا الحسن بن الباذش. وقد سبق التعريف به في الصفحة السابقة..
٧ - قال أبو حيان في "البحر المحيط ٥-٦" (وهذا كلام فيه تعقب لأن علة كون (أنّ) لا موضع لما دخلت عليه ليس ظهور عمل العامل بدليل: "ليس زيد بقائم" و"ما في الدار من رجل"، فإنه ظهر عمل العامل ولهما موضع، وقوله: "والإجماع\*\*\*الخ" يريد أن (ليت) لا موضع لها من الإعراب بالإجماع، وليس كذلك، لأن الفراء خالف وجعل حكم "ليت، ولعل، وكأن ولكن، وأن" حكم (إن) في كون اسمهن له موضع)..
٨ - من الآية (١٤٨) من سورة (الأنعام)..

### الآية 9:4

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:4]

هذا هو الاستثناء الذي تقدم ذكره في المشركين الذين بقي من عهدهم تسعة أشهر وكانوا قد وفوا بالعهد على ما يجب، وقال قتادة : هم قريش الذين عوهدوا زمن الحديبية. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا مردود بإسلام قريش في الفتح قبل الأذان بهذا كله، وقال ابن عباس : قوله  إلى مدتهم  إلى الأربعة الأشهر التي في الآية، وقرأ الجمهور **«ينقصوكم »** بالصاد غير منقوطة، وقرأ عطاء بن يسار وعكرمة وابن السميفع **«ينقضوكم »** بالضاد من النقض وهي متمكنة مع العهد ولكنها قلقة في تعديلها إلى الضمير، ويحسن ذلك أن النقض نقض وفاء وحق للمعاهد، وكذلك تعدى **«أتموا »** ب **«إلى »** لما كان العهد في معنى ما يؤدى ويبرأ به[(١)](#foonote-١) وكأنهم يقتضون العهد، و  يظاهروا  معناه يعاونوا، والضمير المعين، وأصله من الظهر كان هذا يسند ظهره إلى الآخر والآخر كذلك وقوله  إن الله يحب المتقين  تنبيه عكلى أن الوفاء بالعهد من التقوى.

١ -في بعض النسخ: ويبرأ به..

### الآية 9:5

> ﻿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:5]

وقوله تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم  الآية، الانسلاخ خروج فالشيء عن الشيء المتلبس به كانسلاخ الشاة عن الجلد والرجل عن الثياب، ومنه قوله تعالى : نسلخ منه النهار [(١)](#foonote-١) فشبه انصرام الأشهر أسمائها وأحكامها من الزمن بذلك[(٢)](#foonote-٢)، وقد تقدم القول فيمن جعل له انقضاء الأشهر الحرم أجلاً وما المعنى ب  الأشهر الحرم  بما أغنى عن إعادته، وقوله  فاقتلوا المشركين . أمر بقتال المشركين فخرج الأمر بذلك بلفظ اقتلوا على جهة التشجيع وتقوية النفس، أي هكذا يكون أمركم معهم، وهذه الآية نسخت كل موادعة في القرآن أو مهادنة وما جرى مجرى ذلك وهي على ما ذكر مائة آية وأربع عشرة آية، وقال الضحاك والسدي وعطاء : هذه الآية منسوخة بقوله  فإما منّاً بعد وإما فداء [(٣)](#foonote-٣) وقالوا لا يجوز قتل أسير البتة صبراً إما أن يمن عليه وإما أن يفادى، وقال قتادة ومجاهد وغيرهما : قوله  فإما منّاً بعد وإما فداء  \[ محمد : ٤٧ \] منسوخ بهذه الآية، وقالوا لا يجوز المن على أسير ولا مفاداته، ولا شيء إلا القتل، وقال ابن زيد : هما محكمتان. 
قال القاضي أبو محمد : ولم يفسر أكثر من هذا، و قوله هو الصواب، والآيتان لا يشبه معنى واحدة، معنى الأخرى، وذلك أن هذه الآية قوله  فاقتلوا المشركين   وخذوهم واحصروهم  أفعال إنما تمتثل مع المحارب المرسل المناضل، وليس للأسير فيها ذكر ولا حكم وإذا أخذ الكافر خرج عن درجات هذه الآية وانتقل إلى حكم الآية الأخرى، وتلك الآية لا مدخل فيها لغير الأسير، فقول ابن زيد هو الصواب، وقوله  خذوهم  معناه الأسر، وقوله  كل مرصد  معناه في مواضع الغرة حيث يرصدون، وقال النابغة[(٤)](#foonote-٤) :\[ الطويل \]
أعاذل إن الجهل من لذة الفتى\*\*\* وإن المنايا للنفوس بمرصد[(٥)](#foonote-٥)
ونصب  كل  على الظرف، وهو اختيار الزجّاج، أو بإسقاط الخافض التقدير في كل مرصد، أو على كل مرصد، وحكى سيبويه ضرب الظهر والبطن[(٦)](#foonote-٦)، وقوله تعالى : فإن تابوا  يريد من الكفر فهي متضمنة الإيمان، ثم قرن بها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تنبيهاً على مكان الصلاة والزكاة من الشرع[(٧)](#foonote-٧)، وقوله  فخلوا سبيلهم  تأمين، وقال أنس بن مالك : هذا هو دين الله الذي جاءت به الرسل وهو من آخر ما نزل قبل اختلاف الأهواء، وفيه قال النبي صلى الله عليه :**«من فارق الدنيا مخلصاً لله تعالى مطيعاً له لقي الله وهو عنه راض »**[(٨)](#foonote-٨) ثم وعد بالمغفرة في صيغة الخبر عن أوصافه تعالى.

١ - من الآية (٣٧) من سورة (يس)..
٢ - يقال: سلخت الشهر إذا صرت في أواخر أيامه، قال أبو الهيثم: يقال: أهللنا هلال شهر كذا أي دخلنا فيه ولبسناه فنحن نزداد كل ليلة إلى مُضيّ نصفه لباسا منه، ثم نسلخه عن أنفسنا بعد تكامل النصف منه جزءا فجزءا حتى نسلخه كله، وأنشد:
 إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله كفى قائلا سلخي الشهور وإهلالي
 ويقال أيضا: سلخت المرأة درعها: نزعته..
٣ - من الآية (٤) من سورة (محمد)..
٤ - البيت لعدي بن ويد، وقد نسبه القرطبي للنابغة أيضا، ونسبه في اللسان لعدّي بن زيد وهو الصواب، وهو من قصيدة مطلعها:
 أتعرف رسم الدار من أم معبد؟ نعم، ورماك الشوق قبل التجلد.
 .
٥ -العدل: اللوم، والعاذل هنا زوجه، وقد أشار إليها في بيت آخر قبل هذا يقول فيه: 
 وعاذلة هبّت بليل تلومني فلما غلّت في اللوم قلت لها اقصدي
 ويروى الشطر الثاني: (وإن المنايا للرجال بمرصد). والمعنى: إن المرء قد يطلب اللذة جهلا إذ يتوهم فيها السعادة في حين أنها تنتهي به إلى التعاسة، وإن الموت يترصد الناس ويتربص بهم لينقض عليهم..
٦ - المرصد: مفعل من رصد يرصد بمعنى رقب- يكون مصدرا وزمانا ومكانا، قال عامر بن الطفيل:
 ولقد علمت وما إخالك ناسيا أن المنيّة للفتى بالمرصد
 وقال الزمخشري: كل مرصد: كل ممرّ ومجتاز ترصدونهم فيه، وانتصابه على الظرف كقوله تعالى: لأقعدن لهم صراطك المستقيم. وقال الزجاج : مرصد: ظرف كقولك: ذهبت مذهبا، وردّه أبو علي الفارسي لأن المرصد هو المكان الذي يرصد فيه العدو فهو مكان مخصوص لا يحذف الحرف منه إلا سماعا كما حكى سيبويه: دخلتُ البيتَ، وكقول الشاعر: كما عَسَل الطريقَ الثّعلبُ، قال أبو حيان الأندلسي ردا على الفارسي: يصح انتصابه على الظرف لأن قوله: \[واقعدوا\] ليس معناه حقيقة القُعود، بل المعنى ارصدوهم في كل مكان يرصد فيه، ومتى كان العامل من لفظ الظرف أو معناه جاز أن يعمل فيه بغير واسطة: تقول: "جلست مجلس زيد وقعدت مجلس زيد" تريد: في مجلس زيد. هذا والذي قدّر الواسطة المحذوفة (على) هو الأخفش قال: معناه: على كل مرصد- فحذف الحرف وأعمل الفعل- والذي عليه النحاة أن حذف الحرف وإعمال الفعل مخصوص بالشعر، كقول الشاعر:
 تحنّ فتبدي ما بها من صبابة وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني 
 أي: لقضى عليّ.
٧ -هذا هو التعليل الذي يراه ابن عطية لذكر الصلاة والزكاة بعد التوبة أو معها، ولكن كثيرا من العلماء يرون رأيا آخر هو أن الله تعالى علّق القتل على الشرك، ثم قال: فإن تابوا وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة من غير اعتبار لشيء آخر كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين هما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فلا سبيل إلى إلغائهما، ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)، قال ابن العربي: فانتظم القرآن والسنة واطّراد، ويرى العلماء أن ذلك فيمن يترك الصلاة والزكاة مستحلا لذلك. وقد يلتقي تعليل ابن عطية برأي العلماء عند التأمل والنظر الدقيق..
٨ - أخرجه ابن جرير عن أنس ولكن بلفظ: (من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئا فارقها والله راض عنه)..

### الآية 9:6

> ﻿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [9:6]

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بعد الأمر بقتال المشركين بأن يكون متى طلب مشرك عهداً يأمن به يسمع القرآن ويرى حال الإسلام أن يعطيه ذلك، وهي الإجارة وهو من الجوار، ثم أمر بتبليغه المأمن إذا لم يرض الإسلام ولم يهد إليه، قال الحسن : هي محكمة سنة[(١)](#foonote-١) إلى يوم القيامة، وقال مجاهد وقال الضحاك والسدي : هذا منسوخ بقوله  فاقتلوا المشركين  \[ التوبة : ٥ \]، وقال غيرهما : هذه الآية إنما كان حكمها مدة الأربعة الأشهر التي ضربت لهم أجلاً، وقوله سبحانه : حتى يسمع كلام الله  يعني القرآن[(٢)](#foonote-٢) وهي إضافة صفة إلى موصوف لا إضافة خلق إلى خالق، والمعنى ويفهم أحكامه وأوامره ونواهيه، فذكر السماع بالأذان إذ هو الطريق إلى الفهم وقد يجيء السماع في كلام العرب مستعملاً بمعنى الفهم كما تقول لمن خاطبته فلم يقبل منك أنت لم تسمع قولي تريد لم تفهمه، وذلك في كتاب الله تعالى في عدة مواضع، و  أحد  في هذه الآية مرتفع بفعل يفسره قوله  استجارك  ويضعف فيه الابتداء لولاية الفعل، لأن قوله تعالى : ذلك  إشارة إلى هذا اللطف في الإجازة والإسماع وتبليغ المأمن ولا يعلمون نفي علمهم بمراشدهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

١ - هكذا في جميع الأصول، وفي القرطبي نقلا عن الحسن أيضا، والمعنى بها يكاد يكون غير واضح..
٢ - لما كان القرآن أعظم المعجزات ومصدر الهداية والإرشاد علّق السماع به.
 و(حتى) يصح أن تكون للغاية، أي: إلى أن يسمع، ويصح أن تكون للتعليل-وهي في الحالين متعلقة بـ \[أجره\]، ولا يصح أن يكون من باب التنازع وذلك لمانع لفظي، وهو لو أعمل الأول وهو \[استجارك\] لأضمر في الثاني \[أجره\] وحتى لا تجر المضمر، لكن من النحويين من أجاز أن تجر (حتى) المضمر على خلاف رأي الجمهور، ولا مانع عند هؤلاء أن يكون من باب المتنازع، مع العلم بأنه لا مانع من حيث المعنى من كونه من باب التنازع، وإنما المانع لفظي كما قلنا- ذكر ذلك أبو حيان في "البحر المحيط".

### الآية 9:7

> ﻿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:7]

وقوله تعالى  كيف يكون للمشركين عهد عند الله . 
الآية لفظ استفهام وهو على جهة التعجب والاستبعاد، أي على أي وجه يكون للمشركين عهد وهم قد نقضوا وجاهروا بالتعدي ثم استثنى من عموم المشركين القوم الذين عوهدوا عند المسجد الحرام أي في ناحيته وجهته، وقال ابن عباس فيما روي عنه : المعني بهذا قريش، وقال السدي : المعني بنو جذيمة بن الديل. وقال ابن إسحاق : هي قبائل بني بكر كانوا دخلوا وقت الحديبية في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش فلم يكن نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر فأمر المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض، وقال قوم : المعني خزاعة قاله مجاهد وهو مردود بإسلام خزاعة عام الفتح، وقال بعض من قال إنهم قريش إن هذه الآية نزلت فلم يستقيموا بل نقضوا فنزل تأجيلهم أربعة أشهر بعد ذلك، وحكى الطبري هذا القول عن ابن زيد وهو ضعيف متناقض، لأن قريشاً وقت الأذان بالأربعة الأشهر لم يكن منهم إلا مسلم، وذلك بعد فتح مكة بسنة وكذلك خزاعة، قاله الطبري وغيره، وقوله  إن الله يحب المتقين  يريد به الموفين بالعهد من المؤمنين، فلذلك جاء بلفظ معرف للوفاء بالعهد متضمن للايمان.

### الآية 9:8

> ﻿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [9:8]

بعد  كيف  في هذه الآية فعل مقدر ولا بد، يدل عليه ما تقدم، فيحسن أن يقدر كيف يكون لهم عهد ونحوه قول الشاعر :\[ الطويل \]
وخيرتماني إنما الموت في القرى\*\*\* فكيف وهاتا هضبة وكثيب[(١)](#foonote-١)
وفي  كيف  هنا تأكيد للاستبعاد الذي في الأولى، و  لا يرقبوا  معناه لا يراعوا ولا يحافظوا وأصل الارتقاب بالبصر، ومنه الرقيب في الميسر وغيره، ثم قيل لكل من حافظ على شيء وراعاه راقبه وارتقبه، وقرأ جمهور الناس ****«إلاً »**** وقرأ عكرمة مولى ابن عباس بياء بعد الهمزة خفيفة اللام ****«إيلاً »**** وقرأت فرقة ****«ألاً »**** بفتح الهمزة، فأما من قرأ ****«إلاً »**** فيجوز أن يراد به الله عز وجل قاله مجاهد وأبو مجلز، وهو اسمه بالسريانية، ومن ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع كلام مسيلمة فقال هذا كلام لم يخرج من إل[(٢)](#foonote-٢)، ويجوز أن يراد به العهد والعرب تقول للعهد والخلق والجوار ونحو هذه المعاني إلاً، ومنه قول أبي جهل :\[ الطويل \]
لإل علينا واجب لا نضيعه\*\*\* متين فواه غير منتكث الحبل[(٣)](#foonote-٣)
ويجوز أن يراد به القرابة، فإن القرابة في لغة العرب يقال له إل، ومنه قول ابن مقبل :\[ الرمل \]
أفسد الناس خلوفٌ خلّفوا\*\*\* قطعوا الإل وأعراق الرحم[(٤)](#foonote-٤)
أنشده أبو عبيدة على القرابة، وظاهره أنه في العهود، ومنه قول حسان \[ الوافر \]
لعمرك أن إلَّك في قريش\*\*\* كإل السقب من رأل النعام[(٥)](#foonote-٥)
وأما من قرأ ****«ألاً »**** بفتح الهمزة فهو مصدر من فعل للإل الذي هو العهد، ومن قرأ ****«إيلاً »**** فيجوز أن يراد به الله عز وجل، فإنه يقال أل وأيل، وفي البخاري قال الله : جبر، وميك، وسراف : عبد بالسريانية، وإيل : الله عز وجل[(٦)](#foonote-٦)، ويجوز أن يريد  إلاً  المتقدم فأبدل من أحد المثلين ياء كما فعلوا ذلك في قولهم أما وأيما، ومنه قول سعد بن قرط يهجو أمه :\[ البسيط \]
يا ليت أمنا شالت نعامتها\*\*\* أيما إلى جنة أيما إلى نار[(٧)](#foonote-٧)
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة :\[ الطويل \]
رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت\*\*\* فيضحي وأما بالعشي فيخصر[(٨)](#foonote-٨)
وقال آخر :\[ الرجز \]
لا تفسدوا آبا لكم\*\*\* أيما لنا أيما لكم[(٩)](#foonote-٩)
قال أبو الفتح ويجوز أن يكون مأخوذاً من آل يؤول إذا ساس[(١٠)](#foonote-١٠). 
قال القاضي أبو محمد : كما قال عمر بن الخطاب : قد ألنا وإيل علينا، فكان المعنى على هذا : لا يرقبون فيكم سياسة ولا مداراة ولا ذمة، وقلبت الواو ياء لسكونها والكسرة قبلها. والذمة «أيضاً بمعنى المتاب والحلف والجوار، ونحوه قول الأصمعي : الذمة كل ما يجب أن يحفظ ويحمى[(١١)](#foonote-١١)، ومن رأى الإل أنه العهد جعلها لفظتين مختلفتين لمعنى واحد أو متقارب، ومن رأى الإل لغير ذلك فهما لفظان لمعنيين،  وتأبى قلوبهم  معناه تأبى أن تذعن لما يقولونه بالألسنة، وأبى يأبى شاذ لا يحفظ فعل يفعل بفتح العين في الماضي والمستقبل، وقد حكي ركن يركن، وقوله  وأكثرهم  يريد به الكل أو يريد استثناء من قضى له بالإيمان كل ذلك محتمل.

١ - هذا البيت لكعب بن سعيد الغنوي (مجموع أشعار العرب -١٤) من قصيدة له يرثي أخا له، ورواية البيت فيه:
 وحدثتماني أنما الموت في القرى فكيف وهاتا روضة وقليب؟
 والتقدير: فكيف مات؟ والبيت في شواهد سيبويه وفي جمهرة أشعار العرب: "هضبة وقليب"، قال الشنتمري: أراد بالقليب القبر، وأصله البئر، كأن الشاعر حذّر من وباء الأمصار وهي القُرى فخرج إلى البادية فرأى قبرا فعلم أنه لا نجاة من الموت فقال هذا ينكر على من حذّره من الإقامة في القرى. هذا وقد جاء حذف الفعل بعد (كيف) لدلالة المعنى عليه في قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد؟..
٢ - قال الزهري: الإلّ: اسم الله بالعبرانية، وأصله من الأليل وهو البريق، وقال السهيلي في "الروض": حذار أن تقول هو اسم الله تعالى فتسمي الله باسم لم يسمّ به نفسه لأنه نكرة، ونفى ذلك أيضا صاحب اللسان لأنه لم يسمع. وأصل الإل في اللغة: التحديد، ومنه الألّة للحربة، ومنه أذن مؤللة أي محددة، ومنه ول طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدّة والانتصاب: 
 مؤلّلتان يعرف العتق فيهما كسامعتي شاة بحومل مفرد
 أي هما مثل أذني ثور وحشي مفرد في هذه الرملة المعروفة بحومل..
٣ - نكَثَ الحبل: نقضه، وانتكث الحبل: انتقض أي تفكك وتفرقت خيوطه. والإلّ في البيت بمعنى: العهد والحِلف والجوار كما ذكر ابن عطية..
٤ - الخُلُوف: جمع خلف بسكون اللام، وهم الذين يخلفون غيرهم في ديارهم خيارا كانوا أو شرارا، وقيل: هو خاص بالأشرار، يقال: هؤلاء خلف سوء وهم الأخساء الأراذل، والإلّ في البيت: القرابة على ما قال أبو عبيدة، وإن كان المعنى ينسجم مع العهد كما قال ابن عطية رحمه الله، والأعراق: جمع عرق وهو أصل الشيء..
٥ - استشهد صاحب اللسان بالبيت على أن (الإلّ) بمعنى القرابة، ونسبه أيضا لحسان ابن ثابت، والسقب: ولد الناقة، والرّأل: ولد النعام. يقول: إن قرابتك من قريش مثل قرابة ولد الناقة لولد النعام..
٦ - معنى ذلك أن هذه الأسماء تحمل معنى العبودية لله، فهي كلها بمعنى "عبد الله"..
٧ -نسب إلى البيت إلى سعد بن قرط، أو سعد بن قرين، أو معبد بن قرط، وهو فيه يدعو على أمه بالموت وقد كان عاقا لها، والبيت في الخزانة ٤/٤٣١، وفي شواهد السيوطي ٦٧، وفي مغني اللبيب ٨٥، والنحويون يستشهدون بهذا البيت على أمور منها: فتح الهمزة في (إما)، والإبدال، وأن (إما) الثانية عاطفة عند أكثرهم، قالوا: وزعم يونس، والفارسي، وابن كيسان أنها غير عاطفة كالأولى، ووافقهم ابن مالك لأنها غالبا ما تلازم الواو، ومن غير الغالب جاء هذا البيت..
٨ -عارضت: غدت في عرض السماء، ويضحى: يبرز للشمس، ويخصر: يبرد، والبيت كناية عن مواصلة السفر بالنهار وفي العشي، وهو في الديوان، وذكره في الحزانة ٤/٥٥٢..
٩ - لم نعثر على قائله، والشاهد فيه إبدال الميم ياء في إما الأولى وإما الثانية..
١٠ - يقال: أُلْتُ الشيء أولا وإيالا، سُسْتُه، والإيالة: السياسة، وآل عليهم أولا وإيالا وإيالة: ولي، وفي المثل: "قد أُلْنا وإيلَ علينا". نسبه ابن برّي إلى عمر وقال: معناه: سُسْنا وسيس علينا. وقال الشاعر:
 أبا مالك فانظر فإنك حالب صرى الحرب فانظر أي أول تؤولها
 (عن اللسان)..
١١ - قال أبو عبيدة معمر: الذمة: التذمّم، وجمع ذمّة: ذمم، وبئر ذمة (بفتح الذال): قليلة الماء، وجمعها: ذمام، وأهل الذمة: أهل العقد..

### الآية 9:9

> ﻿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:9]

وقوله تعالى : اشتروا بآيات الله  الآية اللازم من ألفاظ هذه الآية أن هذه الطائفة الكافرة الموصوفة بما تقدم لما تركت آيات الله ودينه وآثرت الكفر وحالها في بلادها كل ذلك كالشراء والبيع، لما كان ترك قد مكنوا منه وأخذ لما يمكن نبذه، وهذه نزعة مالك رحمه الله في منع اختيار المشتري فيما تختلف آحاد جنسه ولا يجوز التفاضل فيه[(١)](#foonote-١)، وقد تقدم ذكر ذلك في سورة البقرة وقوله  فصدوا عن سبيله  يريد صدوا أنفسهم وغيرهم، ثم حكم عليهم بأن عملهم سيء، و  ساء  في هذه الآية إذ لم يذكر مفعولها يحتمل أن تكون مضمنة كبئس، فأما إذا قلت ساءني فعل زيد فليس تضمين بوجه، وإن قدرت في هذه الآية مفعولاً زال التضمين، وروي أن أبا سفيان بن حرب جمع بعض العرب على طعام وندبهم إلى وجه من وجوه النقض فأجابوا إلى ذلك فنزلت الآية، وقال بعض الناس : هذه في اليهود. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا القول وإن كانت ألفاظ هذه الآية تقتضيه فما قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه، ويختل أسلوب القول به.

١ - مفهوم الآية أن هؤلاء الكفرة لم يخيروا بين الدخول في الإسلام والبقاء على كفرهم إلا مع بيان الحقيقة لهم، وهي ما ينالهم من العذاب الأليم الدائم إن هم اختاروا الكفر، وبناء على هذا المفهوم أخذ الإمام مالك رحمه الله حكما في عمليات البيع والشراء يمنع بمقتضاه الإنسان من الشراء على أن يختار في كل ما تختلف آحاد جنسه ولا يجوز فيه التفاضل إلا مع بيان ثمن كل فرد من أفراد الجنس المذكور توضيحا للحقيقة..

### الآية 9:10

> ﻿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [9:10]

وقوله تعالى : لا يرقبون  الآية، وصف لهذه الطائفة المشترية يضعف ما ذهب إليه من قال إن قوله  اشتروا بآيات الله  هو في اليهود، وقوله تعالى : في مؤمن  إعلام بأن عداوتهم إنما هي بحسب الإيمان فقط، وقوله أولاً  فيكم  كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن التي وقعت فزال هذا الاحتمال بقوله  في مؤمن ، ثم وصفهم تعالى بالاعتداء والبداءة بالنقض للعهود والتعمق في الباطل.

### الآية 9:11

> ﻿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [9:11]

تابوا  رجعوا عن حالهم، والتوبة منهم تتضمن، ثم قرن تعالى بإيمانهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، قال ابن عباس : حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة، وقال ابن زيد : قرن الله الصلاة بالزكاة ولم يرض بإحداهما دون الأخرى[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا مر أبو بكر رضي الله عنه وقت الردة، و **«الأخوة في الدين »** هي أخوة الإسلام وجمع الأخ منها إخوان وجمعه من النسب إخوة قاله بعض اللغويين، وقد قيل إن الأخ من النسب يجمع على إخوان أيضاً وذلك ظاهر من قوله تعالى  ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم [(٢)](#foonote-٢) ويبين ذلك قوله تعالى في آخر الآية  أو صديقكم  \[ النور : ٦١ \] وكذلك قوله في هذه السورة  قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم [(٣)](#foonote-٣)، فأما الأخ من التوادّ ففي كتاب الله  إنما المؤمنون أخوة [(٤)](#foonote-٤)، وقال أبو هريرة في البخاري كان إخوتي من المهاجرين يشغلهم صفق بالأسواق[(٥)](#foonote-٥) فيصح من هذا كله أن الأخ يجمع إخوة وإخواناً سواء كان من نسب أو مودة، وتفصيل الآية بيانها وإيضاحها. 
١ - في هذا المعنى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من فرق بين ثلاث فرق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة، من قال: أطيع الله ولا أطيع الرسول، والله تعالى يقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ومن قال: أقيم الصلاة ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. ومن فرق بين شكر الله وشكر والديه، والله عز وجل يقول: أن اشكر لي ولوالديك..
٢ - من الآية (٦١) من سورة (النور)..
٣ - من الآية (٢٤) من هذه السورة-(براءة) أو (التوبة)..
٤ - من الآية (١٠) من سورة (الحجرات)..
٥ - الصفق بالأسواق هو البيع والشراء، يقال: صفق البيع، أمضاه، وكانت العرب إذا أرادوا إنفاذ البيع ضرب أحدهما يده على يد صاحبه، فقالوا: صفق يده، أو صفق على يده بالبيع فوصفوا به البيع..

### الآية 9:12

> ﻿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [9:12]

وقوله تعالى : وإن نكثوا أيمانهم  الآية ؛ النكث النقض وأصله في كل ما قبل ثم حل، فهي في الأيمان والعهود مستعارة، وقوله  وطعنوا في دينكم  أي بالإستنقاص والحرب وغير ذلك مما يفعله المشرك، وهذه استعارة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر أسامة : إن تطعنوا فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، الحديث[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : ويليق هنا ذكر شيء من طعن الذمي في الدين فالمشهور من مذهب مالك رحمه أنه : إذا فعل شيئاً من ذلك مثل تكذيب الشريعة وسب النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه قتل، وقيل إذا كفر وأعلن بما هو معهود من معتقده وكفره أدِّب على الإعلان وترك، وإذا كفر بما ليس من معهود كفره كالسب ونحوه قتل، وقال أبو حنيفة في هذا : إنه يستتاب، واختلف إذا سب الذمي النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم تقية القتل فالمشهور من المذهب أن يترك، وقد قال صلى الله عليه وسلم **«الإسلام يجب ما قبله »**[(٢)](#foonote-٢) وفي العتبية أنه يقتل ولا يكون أحسن حالا من المسلم، وقوله تعالى  فقاتلوا أئمة الكفر  أي رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودون الناس إليه، وقال قتادة : المراد بهذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهما. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا إن لم يتأول أنه ذكرهم على جهة المثال ضعيف لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير، وروي عن حذيفة أنه قال : لم يجىء هؤلاء بعد. 
قال القاضي أبو محمد : يريد أن ينقرضوا فهم يحيون أبداً ويقتلون، وأصوب ما في هذا أن يقال إنه لا يعنى بها معين، وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين بالعهود من الكفرة إلى يوم القيامة دون تعيين، واقتضت حال الكفار العرب ومحاربي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الإشارة إليهم أولاً بقوله  أئمة الكفر  وهم حصلوا حينئذ تحت اللفظة إذ الذي يتولى قتال النبي والدفع في صدر شريعته هو إمام كل من يكفر بذلك الشرع إلى يوم القيامة، ثم تأتي في كل جيل من الكفار أئمة خاصة بجيل جيل، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو **«أيمة »** بهمزة واحدة وبعدها ياء مكسورة، وقد روي عن نافع مد الهمزة، وروى عنه ابن أبي أويس ******«أأمة »****** بهمزتين وأصلها ******«أأمة »****** وزنها أفعلة جمع إمام كعماد وأعمدة، نقلت حركة الميم إلى الهمزة التي هي فاء الفعل[(٣)](#foonote-٣) وأدغمت الميم الأخرى وقلبت الهمزة ياء لانكسارها ولاجتماع همزتين من كلمة واحدة، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ******«أأمة »****** والتعليل واحد، إلا أنهم لم يقلبوا الهمزة ياء، وقرأ المسيبي[(٤)](#foonote-٤) عن نافع **«آيمة »** بهمزة ممدودة، وقرأ هشام عن أبي عامر بمدة بين الهمزتين[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ الناس الجم الغفير لا **«أيمان لهم »** على جمع يمين، وليس المراد نفي الأيمان جملة، وإنما المعنى لا أيمان لهم يوفى بها ويبر، وهذا المعنى يشبه الآية، وقرأ الحسن وعطاء وابن عامر وحده من السبعة ****«لا إيمان لهم »****، وهذا يحتمل وجهين أحدهما لا تصديق، قال أبو علي وهذا غير قوي لأنه تكرير وذلك أنه وصف أئمة الكفر بأنهم ****«لا إيمان لهم »**** فالوجه في كسر الألف أنه مصدر من آمنه إيماناً، ومنه قوله تعالى : آمنهم من خوف [(٦)](#foonote-٦) فالمعنى أنهم لا يؤمنون كما يؤمن أهل الذمة الكتابيون، إذ المشركون لم يكن لهم إلا الإسلام أو السيف، قال أبو حاتم فسر الحسن قراءته لا إسلام لهم. 
قال القاضي أبو محمد : والتكرير الذي فر أبو علي منه متجه لأنه بيان المهم الذي يوجب قتلهم لا إسلام لهم.

١ - الحديث رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم، ولفظه كما في البخاري: (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا وأمّر عليهم أسامة ابن زيد، فطعن بعض الناس في إمرته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنتم تطعنون في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده)..
٢ - رواه ابن سعيد عن الزبير وعن جبير بن مطعم بلفظ (الإسلام يجبّ ما كان قبله)، ورمز له الإمام السيوطي في "الجامع الصغير" بأنه ضعيف..
٣ - معنى ذلك أن الهمزة الأولى هي همزة الجمع، والثانية همزة الأصل التي كانت في (إمام)- وكان إدغام الميم في الميم للمجانسة..
٤ - المُسيّبيّ: هو إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن المسيب، أبو محمد المسيب المدني، إمام جليل، عالم بالحديث، قيّم في قراءة نافع، ضابط لها، قال أبو حاتم السجستاني: إذا حدثت عن المسيبيّ عن نافع ففرغ سمعك وقلبك فإنه أتقن الناس، وأعرفهم بقراءة أهل المدينة. (غاية النهاية ١/١٥٧- ١٥٨)..
٥ - الأولى حينئذ أن تكتب (أآئمة) ويمكن أن تكتب (آئمة)، وتأمل الفرق بين هذه القراءة وبين قراءة المسيّبي عن نافع..
٦ - من الآية (٤) من سورة (قريش)..

### الآية 9:13

> ﻿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [9:13]

قوله  ألا تقاتلون  عرض وتحضيض، وقوله  وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة ، قال الحسن بن أبي الحسن : المراد من المدينة، وهذا مستقيم كغزوة أحد والأحزاب وغيرهما، وقال السدي : المراد من مكة فهذا على أن يكون المعنى هموا وفعلوا، أو على أن يقال هموا بإخراجه بأيديهم فلم يصلوا إلى ذلك بل خرج بأمر الله عز وجل، وهذا يجري مع إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان بن الحارث قوله :\[ الطويل \]
وردني إلى الله من\*\*\* طردته كل مطرد
ولا ينسب الإخراج إليهم إلا إذا كان الكلام في طريق تذنيبهم كما قال تعالى  وإخراج أهله منه أكبر عند الله [(١)](#foonote-١) وقوله : من قريتك التي أخرجتك [(٢)](#foonote-٢)، والأول هو على أن ما فعلوا به من أسباب الإخراج هو الإخراج، وقوله  أول مرة  قيل يراد أفعالهم بمكة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، وقال مجاهد : يراد به ما بدأت به قريش من معونة بني بكر حلفائهم على خزاعة حلفاء رسول الله عليه وسلم، فكان هذا بدء النقض، وقال الطبري : يعني فعلهم يوم بدر، وقوله  أتخشونهم  استفهام على معنى التقرير والتوبيخ، وقوله  فالله  مرتفع بالابتداء و  أحق  خبره،  أن تخشوه  بدل من اسم الله بدل اشتمال أو في موضع نصب على إسقاط خافض تقديره بأن تخشوه، ويجوز أن يكون  الله  ابتداء و  أحق  ابتداء ثان[(٣)](#foonote-٣) و  أن تخشوه  خبر الثاني والجملة خبر الأول، وقوله  إن كنتم مؤمنين  كما تقول افعل كذا إن كنت رجلاً أي رجلاً كاملاً، فهذا معناه إن كنتم مؤمنين كاملي الإيمان، لأن إيمانهم قد كان استقر.

١ - من الآية (٢١٧) من سورة (البقرة)..
٢ - من الآية (١٣) من سورة (محمد)..
٣ - هكذا في جميع الأصول، وقال أبو حيان تعليقا على ذلك: "وحسن الابتداء بالنكرة لأنها أفعل التفضيل، وقد أجاز سيبويه أن تكون المعرفة خبرا للنكرة في نحو: أقصد رجلا خير منه أبوه"..

### الآية 9:14

> ﻿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [9:14]

وقوله  قاتلوهم يعذبهم الله  الآية، قررت الآيات قبلها أفعال الكفرة ثم حَّضض على القتال مقترناً بذنوبهم لتنبعث الحمية مع ذلك، ثم جزم الأمر بقتالهم في هذه الآية مقترناً بوعد وكيد يتضمن النصرة عليهم والظفر بهم، وقوله  يعذبهم  معناه بالقتل والأسر وذلك كله عذاب،  ويخزهم  معناه يذلهم على ذنوبهم يقال خزي الرجل خزياً إذا ذل من حيث وقع في عار وأخزاه غيره وخزي خزاية إذا استحيا، وأما قوله  ويشف صدور قوم مؤمنين  فإن الكلام يحتمل أن يريد جماعة المؤمنين لأن كل ما يهد من الكفر هو شفاء من هم صدور المؤمنين، ويحتمل أن يريد تخصيص قوم من المؤمنين، وروي أنهم خزاعة قاله مجاهد والسدي ووجه تخصيصهم أنهم الذين نقض فيهم العهد ونالتهم الحرب وكان يومئذ في خزاعة مؤمنون كثير، ويقتضي ذلك قول الخزاعي عن المستنصر بالنبي صى الله علي وسلم :\[ الرجز \]
ثُمّتَ أسلمنا فلم تنزع يدا\*\*\* وفي آخر الرجز :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* وقتلونا ركّعاً وسجّداً[(١)](#foonote-١)

١ - الخزاعي الذي قال هذا الرجز اسمه عمرو بن سالم، وقصته أن صلح الحديبية جعل بني بكر يدخلون في عقد قريش وعهدهم، وخزاعة تدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده، وبقيت الهدنة سبعة عشر شهرا بين الطرفين، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليلا بماء لهم يقال له: "الوتير" قرب مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوا بني بكر على خزاعة بالكراغ والسلاح، وركب عمرو بن سالم هذا حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيات أنشده إياها، ومنها:
 اللهم إني ناشد محمـــــدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
 كنّا والدا وكنت ولـــــدا ثُمّت أسلمنا ولم ننزع يدا
 فانصر رسول الله نصرا أعتدا وادعوا عباد الله يأتو مددا
 **إلى أن يقول:**
 هم بيتونا بالهجير هجّـــدا وقتّلونا ركّعا وسجّــدا
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نُصرتَ يا عمرو بن سالم) وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وكان أن كتم مخرجه، وسأل الله أن يُعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم، وكان نصر الله الأكبر، وتم فتح مكة..

### الآية 9:15

> ﻿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:15]

وقرأ جمهور الناس **«ويُذهب غيظ قلوبهم »** على إسناد الفعل إلى الله عز وجل، وقرأت فرقة **«ويَذهب غيظ قلوبهم »** على إسناد الفعل إلى الغيظ، وقرأ جمهور الناس **«يتوبُ »** بالرفع على القطع مما قبله، والمعنى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يتوب على بعض هؤلاء الكفرة الذين أمر بقتالهم، قال أبو الفتح : وهذا أمر موجود سواء قوتلوا أو لم يقاتلوا، فلا وجه لإدخال التوبة في جواب الشرط الذي في  قاتلوهم  على قراءة النصب، وإنما الوجه الرفع على الاستئناف والقطع، وقرأ الأعرج وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وعمرو بن عبيد وأبو عمرو فيما روي عنه **«ويتوبَ »** بالنصب على تقدير وأن يتوب، ويتوجه ذلك عندي إذا ذهبت إلى أن التوبة إنما يراد بها هنا أن قتل الكافرين والجهاد في سبيل الله هو توبة لكم أيها المؤمنون وكمال لإيمانكم، فتدخل التوبة على هذا في شرط القتال[(١)](#foonote-١)، و  عليم حكيم  صفتان نسبتهما إلى الآية واضحة.

١ - بدأت الآية الكريمة بأمر هو (قاتلوهم)، وبعده جوابه (يعذبهم الله)، وفي الأمر معنى الشرط، والتقدير: إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ثم جاء بعد الجواب قوله (ويخزهم)، و(ينصركم عليهم)، و(يشف صدور قوم)، (ويذهب غيظ قلوبهم)- وكلها مجزومة بالعطف على \[يعذب\]، ويجوز فيها كلها الرفع على القطع من الأول والاستئناف، ويجوز النصب على إضمار (أن) وهو ما يسمى الصرف عند الكوفيين، وعليه قول الشاعر:
 فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والشهر الحرام
 ونأخذ بعده بذناب عـيش أجبّ الظهر ليس له سنام
 وإن شئت رفعت (نأخذ) على القطع، وإن شئت نصبته. لكن جاءت بعد ذلك جملة ويتوب الله والقراءة فيها بالرفع على الاستئناف، ولا يجوز الجزم لأنه ليس من جنس الأول، لأن القتال غير موجب لهم التوبة من الله كما أوجب لهم العذاب والخزي، وكما أوجب شفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظهم، ونظير قوله تعالى: فإن يشإ الله يختم على قلبك فقد تم الكلام، ثم قال سبحانه: ويمح الله الباطل، هذا وقد ذكر ابن عطية التعليل المقبول لجواز النصب في \[ويتوب\] على معنى أن نعتبر الجهاد في سبيل الله وقتل الكفار توبة..

### الآية 9:16

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [9:16]

أم  في هذه الآية ليست المعادلة، وإنما هي المتوسطة في الكلام، وهي عند سيبويه التي تتضمن إضراباً عن اللفظ لا عن معناه، واستفهاماً فهي تسد مسد بل وألف الاستفهام، وهي التي في قولهم :**«أنها لإبل أم شاء »** التقدير بل أهي شاء، وقوله  أن تتركوا  يسد عند سيبويه مسد مفعولي **«حسب »**، وقال المبرد :**«أن »** وما بعدها مفعول أول والثاني محذوف. 
قال القاضي أبو محمد : كان تقديره مهملين أو سدى ونحو ذلك، وقوله  ولما  هي دخلت على لم وفيها مبالغة، ومعنى الآية أظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحان ؟ ف  لما  في هذه الآية بمنزلة قول الشاعر \[ الفرزدق \] :\[ الطويل \]
بأيدي رجال لم َيشيموا سيوفهم\*\*\* ولم تكثر القتلى بها حين سُلَّتِ[(١)](#foonote-١)
قال القاضي أبو محمد : والمراد بقوله  ولما يعلم  لما يعلم ذلك موجوداً كما علمه أزلاً بشرط الوجود ولما يظهر فعلكم واكتسابكم الذي يقع عليه الثواب والعقاب ففي العبارة تجوز وإلا فحتم أنه قد علم الله في الأزل الذين وصفهم بهذه الصفة مشروطاً وجودهم، وليس يحدث له علم[(٢)](#foonote-٢) تبارك وتعالى عن ذلك، و  وليجة  معناه بطانة ودخيلة، وقال عبادة بن صفوان الغنوي :\[ الطويل \]
ولائجهم في كل مبدىً ومحضر\*\*\* إلى كل من يرجى ومن يتخوفُ[(٣)](#foonote-٣)
وهو مأخوذ من الولوج، فالمعنى أمراً باطناً مما ينكره الحق، وهذه الآية مخاطبة للمؤمنين معناها أنه لا بد من اختبارهم فهي كقوله  أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم [(٤)](#foonote-٤) وكقوله  ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [(٥)](#foonote-٥) وفي هذه الآية طعن على المنافقين الذين اتخذوا الولائج لا سيما عندما فرض القتال، وقرأ جمهور الناس **«والله خبير بما تعملون »** بالتاء على المخاطبة، وقرأ الحسن ويعقوب في رواية رويس وسلام بالياء على الحكاية عن الغائب. 
١ - الشاعر هو الفرزدق، والبيت في المدح، وكلمة (شام) من الأضداد، يقال: شام السيف شيما: سلّه وأغمده، والمراد هنا الإغماد، والواو في قوله: (ولم تكثر) واو الحال، أي: لم يغمدوها والقتلى بها لم تكثر، وإنما يغمدونها بعد أن تكثر القتلى، ومن الشواهد الواضحة على أن شام بمعنى أغمد قول الطرماح:
 وقد كنت ِشمُت السيف بعد استلاله وحاذرت يوم الوعد ما قيل في الوعد.
٢ - نص هذه الجملة في بعض النسخ: "وليس يحدث أنه علم"..
٣ - الولائج: جمع وليجة وهو بطانة الرجل وخاصته، والمبدى خلاف المحضر، قاله في اللسان، وقال: البدو والبادية والبداة والبداوة: خلاف الحضر، وفي الحديث: (من بدا جفا)، أي: من نزل البادية صار فيه جفاء الأعراب، والرجاء ضد الخوف، يقول: إن بطانتهم من كل نوع، من البدو، ومن الحضر، فهم موضع القصد من الجميع. وهم موضع الرجاء والخوف..
٤ - من الآية (٢١٤) من سورة (البقرة)..
٥ - الآيتان (١، ٢) من سورة (العنكبوت)..

### الآية 9:17

> ﻿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [9:17]

وقوله تعالى  ما كان للمشركين  الآية[(١)](#foonote-١)، معناه ما كان للمشركين بحق الواجب أن يعمروا، وهذا هو الذي نفى الله عز وجل وإلا فقد عمروا مساجده قديماً وحديثاً وتغلباً وظلماً، وقرأ حماد بن أبي سلمة عن ابن كثير والجحدري **«مسجد الله »** بالإفراد في الموضعين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وقتادة وغيرهم ****«مساجد »**** بالجمع في الموضعين، وقرأ ابن كثير أيضاً وأبو عمرو **«مسجد »** بالإفراد في هذا الموضع الأول و ****«مساجد »**** بالجمع في الثاني، كأنه ذكر أولاً فيه النازلة ذلك الوقت، ثم عمت المساجد ثانياً في الحكم الثابت ما بقيت الدنيا، ولفظ الجمع يقتضي عموم المساجد كلها، ويحتمل أن يراد به المسجد الحرام في الموضعين وحده على أن يقدر كل موضع سجود فيه مسجداً ثم يجمع، ولفظ الإفراد في الموضعين يقتضي خصوص المسجد الحرام وحده، ويحتمل أن يراد به الجنس فيعم المساجد كلها ولا يمنع من ذلك إضافته كما ذهب إليه من لا بصر له، وقال أبو علي الثاني في هذه القراءة يراد به الأول وسائر المساجد كلها حكمها حكم المسجد الحرام، وقوله  شاهدين على أنفسهم بالكفر  إشارة إلى حالهم إذ أقوالهم وأفعالهم تقتضي الإقرار بالكفر والتحلي به، وقيل الإشارة إلى قولهم في التلبية إلا شريك هو لك ونحو ذلك، وحكى الطبري عن السدي أنه قال : الإشارة إلى أن النصراني كان يقول أن نصراني واليهودي كذلك والوثني يقول أنا مشرك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا لم يحفظ، ثم حكم الله تعالى عليهم بأن أعمالهم  حبطت  أي بطلت ولا أحفظها تستعمل إلا في السعي والعمل، ويشبه أن يكون من الحبط وهو داء قاتل يأخذ السائمة إذا رعت وبيلاً وهو الذي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم **«إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم »** الحديث[(٢)](#foonote-٢).

١ - قيل في سبب نزول هذه الآية: إن العباس لما أسر وعيّر بالكفر وقطيعة الرحم قال: تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا، فقال علي" ألكم محاسن؟ قال: "نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجاج، ونفكّ العاني"، فنزلت هذه الآية ردا عليه، ولهذا قال الزمخشري: معنى الآية: "ما صحّ وما استقام لهم ذلك"، وهذا هو معنى قول ابن عطية هنا: "ما كان للمشركين بحق الواجب أن يعمروا، وهذا هو الذي نفي الله عز وجل، وإلا فقد عمروا مساجده قديما وحديثا وتغلبا وظلما"..
٢ - هذا جزء من حديث طويل رواه الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجل: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما شأنك تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك؟ فرأينا أنه ينزل عليه، قال: فمسح عنه الُّرَحَضاء فقال: أين السائل؟ وكأنه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلمّ، إلا آكلة الخضراء أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ورتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة)..

### الآية 9:18

> ﻿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [9:18]

المعنى في هذه الآية  إنما يعمر مساجد الله  بالحق لهم والواجب، ولفظ هذه الآية الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة المساجد، وقد قال بعض السلف إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به الظن، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا عليه بالإيمان »**[(١)](#foonote-١) وقد تم تقدم القول في قراءة مسجد، وقوله  واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة  يتضمن الإيمان بالرسول إذ لا يتلقى ذلك إلا منه، وقوله  ولم يخش إلا الله  حذفت الألف من **«يخشى »** للجزم، قال سيبويه : واعلم أن الأخير إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع، ويريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، وهذه المرتبة العدل بين الناس، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره ويخشى المحاذير الدنياوية وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه، و **«عسى »** من الله واجبة حيثما وقعت في القرآن، ولم يرج الله بالاهتداء إلا من حصل في هذه المرتبة العظيمة من العدالة، ففي هذا حض بليغ على التقوى.

١ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي، وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والنسائي، والبيهقي في شعب الإيمان- عن أبي سعيد، ورمز له الإمام السيوطي بالصحة. (الجامع الصغير)..

### الآية 9:19

> ﻿۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:19]

وقرأ الجمهور **«أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام »** وقرأ ابن الزبير[(١)](#foonote-١) وأبو وجزة[(٢)](#foonote-٢) ومحمد بن علي وأبو جعفر القاري[(٣)](#foonote-٣) **«أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام »**[(٤)](#foonote-٤)، وقرأها كذلك ابن جبير إلا أنه نصب **«المسجدَ »** على إرادة التنوين في ****«عمرة »**** وقرأ الضحاك وأبو وجزة وأبو جعفر القاري **«سُقاية الحاج »** بضم السين[(٥)](#foonote-٥) **«وعمرة »**، فأما من قرأ **«سقاية وعمارة »** ففي الكلام عنده محذوف إما في أوله وإما في آخره فإما أن يقدر **«أجعلتم أهل سقاية »** وإما أن يقدر كفعل من آمن بالله. وأما من قرأ **«سقاة »** و ****«عمرة »**** فنمط قراءته مستو، وأما قراءة الضحاك فجمع ساق إلا أنه ضم أوله كما قالوا عرف وعُراف وظئر وظُؤار[(٦)](#foonote-٦)، وكان قياسه أن يقال سقاء وإن أنث كما أنث من الجموع حجارة وغيره. فكان القياس سقية من أول مرة على التأنيث قاله ابن جني، و  سقاية الحاج  كانت في بني هاشم وكان العباس يتولاها، قال الحسن : ولما نزلت هذه الآية قال العباس : ما أراني إلا أترك السقاية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«أقيموا عليها فإنها لكم خير »**[(٧)](#foonote-٧)،  وعمارة المسجد  قيل هي حفظه من الظلم فيه ويقال هجراً، وكان ذلك إلى العباس، وقيل هي السدانة خدمة البيت خاصة، وكانت في بني عبد الدار وكان يتولاها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الدار، وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة المذكور هذان هما اللذان دفع إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة في ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه العباس وعلي رضي الله عنهما، وقال صلى الله عليه وسلم لعثمان وشيبة :
**«يوم وفاء وبر خذوها خالدة تالدة لا ينازعكموها إلا ظالم »**[(٨)](#foonote-٨). 
قال القاضي أبو محمد : يعني السدانة واختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فقيل إن كفار قريش قالوا لليهود إنَّا نسقي الحجيج ونعمر البيت، أفنحن أفضل أم محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ؟ فقالت لهم أحبار اليهود بل أنتم، فنزلت الآية في ذلك، وقيل إن الكفار افتخروا بهذه الأشياء فنزلت الآية في ذلك، وأسند الطبري إلى النعمان بن بشير أنه قال : كنت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فقال أحدهم ما أتمنى بعد الإسلام إلا أن أكون ساقي الحاج، وقال الآخر إلا أن أكون خادم البيت وعامره، وقال الثالث إلا أن أكون مجاهداً في سبيل الله، فسمعهم عمر بن الخطاب فقال : اسكتوا حتى أدخل على النبي صلى الله ليه وسلم فأستفتيه فدخل عليه فاستفتاه فنزلت الآية في ذلك[(٩)](#foonote-٩)، وقال ابن عباس والضحاك : إن المسلمين عيروا أسرى بدر بالكفر فقال العباس بل نحن سقاة الحاج وعمرة البيت فنزلت الآية في ذلك[(١٠)](#foonote-١٠)، وقال مجاهد : أمروا بالهجرة فقال العباس أنا أسقي الحاج وقال عثمان بن طلحة أنا حاجب للكعبة فلا نهاجر فنزلت  أجعلتم سقاية الحاج  إلى قوله  حتى يأتي الله بأمره ، [(١١)](#foonote-١١) وقال مجاهد وهذا كله قبل فتح مكة، وقال محمد بن كعب : إن العباس وعلياً وعثمان بن طلحة تفاخروا فقال العباس أنا ساقي الحاج وقال عثمان أنا عامر البيت ولو شئت بت فيه وقال علي أنا صاحب جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي آمنت وهاجرت قديما، فنزلت الآية في ذلك[(١٢)](#foonote-١٢).

١ - هو عبد الله بن الزبير بن العوّام القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه، ولد عام الهجرة، وحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة فكان أول شيء دخل في جوفه هو ريق النبي صلى الله عليه وسلم، وردت عنه =الروايات في حروف القرآن، وقتل سنة ٧٣ من الهجرة، وهو قول الجمهور (الإصابة)..
٢ - اسمه يزيد بن عبيدة السعدي المدني، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وتوفي سنة ١٣٠ من الهجرة. (طبقات القراء)..
٣ - هو يزيد بن القعقاع أبو جعفر المخزومي المدني القاري، أحد القراء العشرة المشهورين، تابعي كبير القدر (طبقات القراء)..
٤ -(سُقاة) في هذه القراءة: جمع ساق مثل رام ورماة، و(عمرة) بفتح العين وحذف الألف: جمع عامر مثل صانع وصنعة. قال ابن الجزري في كتابه "النشر في القراءات العشر" :"وهي رواية ميمونة والقورسي عن أبي جعفر، وكذا رواها ابن جبير عن ابن جماز"..
٥ - قال القرطبي تعقيبا على هذه القراءة: وهي لغة..
٦ - العُراق: العظم أكل لحمه. والظّئر: المرضعة لغير ولدها، يقال: ظأرت المرأة والناقة على غير ولدها: عطفت..
٧ - أخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: أجعلتم سقاية الحاج قال: أرادوا أن يدعوا السقاية والحجابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوها فإن لكم فيها خيرا). (الدر المنثور)..
٨ - عثمان بن طلحة بن أبي طلحة: اسمه عبد الله بن عبد العزّى، أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر مع خالد بن الوليد. وشهد الفتح مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة ودخل معه بلال وعثمان بن طلحة، وأسامة بن زيد، وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من عثمان مفتاح البيت فدخل فمكث فيه نهارا ثم خرج، وقد سكن عثمان بالمدينة إلى أن مات بها سنة اثنين وأربعين من الهجرة..
٩ - أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه- عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. وفيه: (فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم\*\*\* الخ (الدر المنثور)..
١٠ - أخرجه ابن جرير، وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
١١ - أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، وابن مردويه- عن عبد الله بن عبيدة رضي الله عنه، وأخرج الفريابي مثله عن ابن سيرين. (الدر المنثور)..
١٢ - أخرج مثله أبو نعيم في فضائل الصحابة، وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه، وفيه "شيبة بن عثمان" بدلا من "عثمان"..

### الآية 9:20

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [9:20]

لما حكم الله تعالى في الآية المتقدمة بأن الصنفين لا يستوون بين ذلك في هذه الآية الأخيرة وأوضحه، فعدد الإيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس، وحكم أن أهل هذه الخصال  أعظم درجة عند الله  من جميع الخلق، ثم حكم لهم بالفوز برحمته ورضوانه، والفوز بلوغ البغية إما في نيل رغبته أو نجاة من مهلكة، وينظر إلى معنى هذه الآية الحديث الذي جاء **«دعوا لي أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه »**[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : لأن أصحاب هذه الخصال على سيوفهم انبنى الإسلام وهم ردوا الناس إلى الشرع.

١ -رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس رضي الله عنه، ولفظه: (ادعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهبا ما بلغتم أعمالهم). قال الإمام السيوطي، وهو حديث صحيح. وفي الصحيحين وغيرهما من الصحاح عن أبي سعيد الخدري أنه صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)..

### الآية 9:21

> ﻿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [9:21]

وقوله تعالى : يبشرهم ربهم  الآية، هذه آية وعد، وقراءة الناس **«يُبَشِّرهم »** بضم الياء وكسر الشين المشددة، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف وحميد بن هلال **«يَبْشُرهم »** بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين خفيفة، وأسند الطبري إلى جابر بن عبد الله أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله عز وجل أعطيتكم أفضل من هذا، فيقولون ربنا أي شيء أفضل من هذا ؟ قال : رضواني »**[(١)](#foonote-١)، وفي البخاري في كتاب السنة منه **«فلا أسخط عليكم أبداً »**، وقرأ الجمهور **«ورِضوان »** بكسر الراء، وقرأ عاصم وعمرو **«ورُضوان »** بضم الراء وقرأ الأعمش بضم الراء والضاد جميعاً، قال أبو حاتم لا يجوز هذا[(٢)](#foonote-٢).

١ -الحديث رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، ولفظه كما جاء في كتاب التوحيد في البخاري: (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لله يقول لأهل الجنة: يأهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تُعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: احل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا)..
٢ - رد عليه أبو حيان في "البحر" فقال: "ينبغي أن يجوز، فقد قالت العرب: "سلطان" بضم اللام، وأورده التصريفيون في أبنية الأسماء".

### الآية 9:22

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [9:22]

فنزلت أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ إلى قوله حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وقال مجاهد وهذا كله قبل فتح مكة، وقال محمد بن كعب: إن العباس وعليا وعثمان بن طلحة تفاخروا فقال العباس أنا ساقي الحاج وقال عثمان أنا عامر البيت ولو شئت بت فيه وقال علي أنا صاحب جهاد الكفار مع النبي ﷺ والذي آمنت وهاجرت قديما، فنزلت الآية في ذلك.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٠ الى ٢٣\]
 الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)
 لما حكم الله تعالى في الآية المتقدمة بأن الصنفين لا يستوون بين ذلك في هذه الآية الأخيرة وأوضحه، فعدد الإيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس، وحكم أن أهل هذه الخصال أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ من جميع الخلق، ثم حكم لهم بالفوز برحمته ورضوانه، والفوز بلوغ البغية إما في نيل رغبته أو نجاة من مهلكة، وينظر إلى معنى هذه الآية الحديث الذي جاء **«دعوا لي أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»**.
 قال القاضي أبو محمد: لأن أصحاب هذه الخصال على سيوفهم انبنى الإسلام وهم ردوا الناس إلى الشرع، وقوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ الآية، هذه آية وعد، وقراءة الناس **«يبشّرهم»** بضم الياء وكسر الشين المشددة، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف وحميد بن هلال **«يبشرهم»** بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين خفيفة، وأسند الطبري إلى جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ **«إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله عز وجل أعطيتكم أفضل من هذا، فيقولون ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ قال:
 رضواني»**، وفي البخاري في كتاب السنة منه **«فلا أسخط عليكم أبدا»**، وقرأ الجمهور ****«ورضوان»**** بكسر الراء، وقرأ عاصم وعمرو ****«ورضوان»**** بضم الراء وقرأ الأعمش بضم الراء والضاد جميعا، قال أبو حاتم لا يجوز هذا وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ الآية، ظاهر هذه المخاطبة أنها لجميع المؤمنين كافة، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة، وروت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر، فالمخاطبة على هذا هي للمؤمنين الذين كانوا في مكة وغيرها من بلاد العرب خوطبوا بأن لا يوالوا الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعا في سكنى بلاد الكفر، ولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التبع للآباء و **«إخوان»** في هذه الآية جمع أخ النسب، وكذلك هو في قوله تعالى: أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ \[النور: ٦١\] وقرأ عيسى بن عمر **«أن استحبوا»** بفتح الألف من **«أن»** وقرأ الجمهور **«إن»** بكسر الألف على الشرط، واسْتَحَبُّوا متضمنة معنى فضلوا

### الآية 9:23

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [9:23]

وقوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم  الآية، ظاهر هذه المخاطبة أنها لجميع المؤمنين كافة، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة، وروت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر، فالمخاطبة على هذا هي للمؤمنين الذين كانوا في مكة وغيرها من بلاد العرب خوطبوا بأن لا يوالوا الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعاً في سكنى بلاد الكفر، ولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التبع للآباء و **«إخوان »** هذه الآية جمع أخ النسب، وكذلك هو في قوله تعالى : أو بيوت إخوانكم [(١)](#foonote-١) وقرأ عيسى بن عمر **«أن استحبوا »** بفتح الألف من **«أن »** وقرأ الجمهور **«إن بكسر الألف على الشرط، و  استحبوا  متضمنة معنى فضلوا وآثروا ولذلك تعدت ب »** على «ثم حكم الله عز وجل بأن من والاهم واتبعهم في أغراضهم فإنه ظالم أي واضع للشيء غير موضعه، وهذا ظلم المعصية لا ظلم الكفر.

١ - من الآية (٦١) من سورة (النور)..

### الآية 9:24

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:24]

هذه الآية تقوي مذهب من رأى أن هذه والتي قبلها إنما مقصودها الحض على الهجرة، وفي ضمن قوله : فتربصوا  وعيد بين، وقوله  بأمره  قاله الحسن الإشارة إلى عذاب أو عقوبة من الله، وقال مجاهد[(١)](#foonote-١) : الإشارة إلى فتح مكة، والمعنى فإذا جاء الله بأمره فلم تسلفوا ما يكون لكم أجراً ومكانة في الإسلام. 
قال القاضي أبو محمد : وذكر الأبناء في الآية لما جلبت ذكرهم المحبة، والأبناء صدر في المحبة وليسوا كذلك في أن تتبع آراؤهم كما في الآية المتقدمة، وقرأ جهور الناس **«وعشيرتكم »**، وقرأ عاصم وحده بخلاف عنه وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وعصمة **«وعشيراتكم »**، وحسن هذا الجمع إذ لكل أحد عشيرة تختص به، ويحسن الإفراد أن أبا الحسن الأخفش قال إنما تجمع العرب عشائر ولا تكاد تقول عشيرات، و  اقترفتموها  معناه اكتسبتموها، وأصل الاقتراف والمقارفة مقاربة الشيء[(٢)](#foonote-٢)،  وتجارة تخشون كسادها  بيّن في أنواع المال، وقال ابن المبارك : الإشارة إلى البنات اللواتي لا يتزوجن لا يوجد لهن خاطب[(٣)](#foonote-٣)  ومساكن  جمع مسكن بفتح الكاف مفعل من السكنى، وما كان من هذا معتل الفاء فإنما يأتي على مفعل بكسر العين كموعد وموطن، والمساكن القصور والدور، و  أحب  خبر كان، وكان الحجاج بن يوسف يقرؤها **«أحبُّ »** بالرفع وله في ذلك خبر مع يحيى بن يعمر سأله الحجاج هل تسمعني الجن قال نعم في هذا الحرف، وذكر له رفع أحب فنفاه. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك خارج في العربية على أن يضمر في كان الأمر والشأن[(٤)](#foonote-٤) ولم يقرأ بذلك، وقوله  والله لا يهدي القوم الفاسقين  عموم لفظ يراد به الخصوص فيمن يوافي على فسقه، أو عموم مطلق على أنه لا هداية من حيث الفسق.

١ - مجاهد: يكنى أبا الحجّاج، وهو مولى عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي، أسند مجاهد إلى ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، ومات سنة اثنتين ومائة يوم السبت وهو ساجد. راجع (صفوة الصفوة-الجزء الثاني)..
٢ - قال القرطبي: أصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره..
٣ - نقل المفسرون هنا بيت شعر يؤيد هذا المعنى، وهو:
 كسدن من الفقر في قومهن وقد زادهنّ مقامي كسودا.
 ولكن أبا حيان قال تعقيبا على رأي ابن المبارك: "وتفسير ابن المبارك بأن ذلك إشارة إلى البنات اللواتي لا يتزوجن لقلة خطابهن تفسير قريب ينبو عنه اللفظ"..
٤ - يجوز- في غير القرآن- رفع (أحبّ) على الابتداء والخبر، واسم كان مضمر فيها، والمبتدأ والخبر في محل نصب خبر كان، وعليه أنشد سيبويه قول العُجير السلولي:
 إذا متّ كان الناس صنفان: شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع
 **كما أنشد لهشام أخي ذي الرّمة:**
 هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبذول..

### الآية 9:25

> ﻿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [9:25]

هذه مخاطبة لجميع المؤمنين يعد الله نعمه عليهم، و  مواطن  جمع موطِن بكسر الطاء، والموطِن موضع الإقامة أو الحلول لأنه أول الإقامة، و **«المواطن »** المشار إليها بدر والخندق والنضير وقريظة، ولم يصرف  مواطن  لأنه جمع ونهاية جمع،  ويوم  عطف على موضع قوله  في مواطن  أو على لفظة بتقدير وفي يوم، فانحذف حرف الخفض، و  حنين  واد بين مكة والطائف قريب من ذي المجاز وصرف حين أريد به الموضع والمكان، ولو أريد به البقعة لم يصرف كما قال الشاعر \[ حسان رضي الله عنه \] :\[ الكامل \]
نصروا نبيَّهم وشدُّوا أزْرَه\*\*\* بحنينَ يومَ تَوَاكلِ الأبطالِ[(١)](#foonote-١)
وقوله  إذ أعجبتكم كثرتكم  روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حين رأى حملته اثني عشر ألفاً قال :**«لن نغلب اليوم من قلة »**، روي أن رجلاً من أصحابه قالها فأراد الله إظهار فأراد الله إظهار العجز فظهر حين فر الناس، ثم عطف القدر بنصره، وقوله  وضاقت عليكم الأرض بما رحبت  أي بقدر ما هي رحبة واسعة لشدة الحال وصعوبتها، ف **«ما »** مصدرية، وقوله  ثم وليتم مدبرين  يريد فرار الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو محمد : واختصار هذه القصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما فتح مكة وكان في عشرة آلاف من أصحابه وانضاف إليه ألفان من الطلقاء فصار في اثني عشر ألفاً سمع بذلك كفار العرب فشق عليهم فجمعت له هوازن وألفافها وعليهم مالك بن عوف النصري وثقيف وعليهم عبد ياليل بن عمرو، وانضاف إليهم أخلاط من الناس حتى كانوا ثلاثين ألفاً فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اجتمعوا بحنين، فلما تصافَّ الناس حمل المشركون من مجاني الوادي، فانهزم المسلمون، قال قتادة : ويقال إن الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة شهباء، وقال أبو عبد الرحمن الفهري : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، يومئذ وكان على فرس قد اكتنفه العباس عمه وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وبين يديه أيمن بن أم أيمن، وثم قتل رحمه الله، فلما رأى رسول الله عليه وسلم شدة الحال نزل عن بغلته إلى الأرض، قاله البراء بن عازب، واستنصر الله عز وجل فأخذ قبضة من تراب وحصى فرمى بها وجوه الكفار، وقال : شاهت الوجوه، وقال عبد الرحمن : تطاول من فرسه فأخذ قبضة التراب ونزلت الملائكة لنصره ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا للأنصار، وأمر رسول الله عليه وسلم العباس أن ينادي أين أصحاب الشجرة أين أصحاب سورة البقرة، فرجع الناس عنقاً واحداً[(٢)](#foonote-٢) وانهزم المشركون، قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم قالوا لم يبق منا أحد إلا دخل في عينيه من ذلك التراب، واستيعاب هذه القصة في كتاب السير. 
وظاهر كلام النحاس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أربعة عشر ألفاً، وهذا غلط، و  مدبرين  نصب على الحال المؤكدة كقوله : وهو الحق مصدقاً [(٣)](#foonote-٣) والمؤكدة هي التي يدل ما قبلها عليها كدلالة التولي على الإدبار.

١ - البيت لحسّان بن ثابت (الصحاح-حنن) قال: وحنين: موضع يذكر ويؤنث، فإن قصدت به البلدة والموضع ذكّرته وصرفته، كقوله تعالى: يوم حنين، وإن قصدت به البلدة والبقعة أنثته ولم تصرفه كما قال الشاعر: وساق البيت. وقال الفراء في معاني القرآن": "وقوله ويوم حنين: واد بين مكة والطائف. وجرى حنين لأنه اسم لمذكر، وإذا سميت ماء أو واديا أو جبلا باسم مذكر لا علة فيه أجريته، من ذلك حنين وبدر وأحد وحراء وثبير ودابق وواسط. وإنما سمي واسطا بالقصر الذي بناه الحجاج بين الكوفة والبصرة، ولو أراد البلدة أو اسما مؤنثا لقال: واسطة، وربما جعلت العرب (واسط وحنين وبدر) اسما لبلدته التي هو فيها فلا يجرونه، وأنشد بعضهم: نصروا نبيهم\*\*\*الخ"..
٢ - بضم العين والنون: جماعة واحدة، ومنه حديث فزارة: (انظروا إلى عنق الناس) أي: جماعتهم، ومنه حديث الحديبية: (وإن نجوا تكن عنق قطعها الله) أي: جماعة من الناس. قاله ابن الأثير في النهاية..
٣ - من الآية (٩١) من سورة (البقرة)، وفيها يقول سبحانه: ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم..

### الآية 9:26

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [9:26]

وقوله تعالى : ثم أنزل الله سكينته  الآية،  ثم  هاهنا على بابها من الترتيب، و **«السكينة »** النصر الذي سكنت إليه ومعه النفوس والحال، والإشارة بالمؤمنين إلى الأنصار على ما روي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى في ذلك اليوم يا معشر الأنصار، فانصرفوا وهو ردوا الهزيمة، و **«الجنود »** الملائكة، و **«الرعب »** قال أبو حاجز يزيد بن عامر[(١)](#foonote-١) كان في أجوافنا مثل ضربة الحجر في الطست من الرعب، **«وعذاب الذين كفروا »** هو القتل الذي استحرَّ فيهم والأسر الذي تمكن في ذراريهم، وكان مالك بن عوف النصري قد أخرج الناس بالعيال والذراري ليقاتلوا عليها، فخطأه في ذلك دريد بن الصمة، وقال لمالك بن عوف راعي ضأن وهل يرد المنهزم شي ؟ وفي ذلك اليوم قتل دريد بن الصمة القتلة المشهورة، قتله ربيعة بن رفيع بن أهبان السلمي، ويقال ابن الدغنة[(٢)](#foonote-٢).

١ - يزيد بن عامر بن الأسود بن حبيب- أبو حاجر السوائي، قال أبو حاتم: له صحبة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، كان شهد حنينا مع المشركين، ثم أسلم، ولما انهزم المشركون يوم حنين لحق بالطائف فقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أتاني مسلما لرددت عليه أهله وماله) فلحق به، فردّ عليه أهله وماله، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة منها:
 ما إن رأيت ولا سمعت بواحد في الناس كلهم كمثل محمد.
٢ - يزيد بن رُفيع (بالتصغير) بن ثعلبة- السلمي، كان يقال له: ابن الدّغُنّة، وهي أمه، ويقال: اسمها لدغة، وجزم بذلك ابن هشام، والكلبي، وأبو عبيدة، وفي غزوة حنين أدرك ربيعة دريد بن الصمة وهو في شجار له (أي هودج أو سرير) فظنه أولا امرأة، فإذا به شيخ، وفي قصة قتله له أن دريدا قال له: فإذا رجعت إلى أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فلما أخبرها بذلك قالت: لقد اعتق أمهات لك، ألا تكرّمت عن قتله لمّا أخبرك بمنّه علينا؟ فقال: ما كنتُ لأتكرّم عن رضا الله ورسوله. (عن الإصابة هو والهامش السابق)..

### الآية 9:27

> ﻿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:27]

وقوله  ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء  إعلام بأن من أسلم وتاب من الكفار الذين نجوا ذلك اليوم فإنهم مقبولون مسلمون موعودون بالغفران والرحمة.

### الآية 9:28

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:28]

قال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما : صفة المشرك بالنجس إنما كانت لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل، وقال ابن عباس وغيره : بل معنى الشرك هو الذي كنجاسة الخمر، قال الحسن البصري : من صافح مشركاً فليتوضأ. 
قال القاضي أبو محمد : فمن قال بسبب الجنابة أوجب الغسل على من يسلم من المشركين، ومن قال بالقول الآخر لم يوجب الغسل، والمذهب كله على القول بإيجاب الغسل إلا ابن عبد الحكم فإنه قال : ليس بواجب، وقرا أبو حيوة **«نِجْس »** بكسر النون وسكون الجيم[(١)](#foonote-١)، ونص الله تعالى في هذه الآية على المشركين وعلى المسجد الحرام، فقاس مالك رحمه الله غيره جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المشركين، وقاس سائر المساجد على المسجد الحرام، ومنع من دخول الجميع في جميع المساجد وكذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع [(٢)](#foonote-٢)، وقال الشافعي هي عامة في الكفار خاصة في المسجد الحرام، فأباح دخول اليهود والنصارى والوثنيين في سائر المساجد، ومن حجته حديث ربط ثمامة بن أثال[(٣)](#foonote-٣)، وقال أبو حنيفة هي خاصة في عبدة الأوثان وفي المسجد الحرام، فأباح دخول اليهود والنصارى في المسجد الحرام وغيره، ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد، وقال عطاء : وصف المسجد بالحرام ومنع القرب يقتضي منعهم من جميع الحرم. 
قال القاضي أبو محمد : وقوة قوله  فلا يقربوا  يقتضي أمر المسلمين بمنعهم، وقال جابر بن عبد الله وقتادة : لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبداً لمسلم، وعبدة الأوثان مشركون بإجماع، واختلف في أهل الكتاب، فمذهب عبد الله بن عمر وغيره أنهم مشركون، وقال جمهور أهل العلم ليسوا بمشركين، وفائدة هذا الخلاف تتبين في فقه مناكحهم وذبائحهم وغير ذلك، وقوله  بعد عامهم هذا  يريد بعد عام تسع من الهجر وهو عام حج أبو بكر بالناس وأذن علي بسورة براءة[(٤)](#foonote-٤)، وأما قوله  وإن خفتم عيلة  قال عمرو بن فائد : المعنى وإذ خفتم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه عجمة والمعنى : بارع ب \[ إن \]، وكان المسلمون لما منع المشركون من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات قذف الشيطان في نفوسهم الخوف من الفقر وقالوا : من أين نعيش ؟ فوعدهم الله بأن يغنيهم من فضله، قال الضحاك : ففتح عليهم باب أخذ الجزية من أهل الذمة، بقوله  قاتلوا الذين لا يؤمنون  \[ التوبة : ٢٩ \] إلى قوله  وهم صاغرون  \[ التوبة : ٢٩ \]، وقال عكرمة : أغناهم بإدرار المطر عليهم. 
قال القاضي أبو محمد : وأسلمت العرب فتمادى حجهم وتجرهم[(٥)](#foonote-٥) وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأمم، و **«العيلة »** الفقر، يقال : عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، قال الشاعر :\[ أحيحة \]
وما يدري الفقير متى غناه\*\*\* وما يدري الغني متى يعيل[(٦)](#foonote-٦)
وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود، **«عايلة »** وهو مصدر كالقايلة من قال يقيل، وكالعاقبة والعافية، ويحتمل أن تكون نعتاً لمحذوف تقديره حالاً عائلة، وحكى الطبري أنه يقال : عال يعول إذا افتقر.

١ - وهذا على تقدير حذف الموصوف، أي: جنس نجس، أو ضرب نجس، وهو اسم فاعل من (نجس) فخففوه بعد الإتباع..
٢ - من الآية (٣٦) من سورة (النور)..
٣ - خالف ابن العربي الإمام الشافي في رأيه وفي حجته بحديث ثُمامة هذا فقال: "وهذا جمود منه (أي من الشافعي) على الظاهر، لأن قوله عز وجل: إنما المشركون نجس تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة، فإن قيل: فقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم ثُمامة في المسجد وهو مشرك، قيل: أجاب علماؤنا عن هذا الحديث- وإن كان صحيحا- بأجوبة أحدها: أن ذلك كان متقدما على نزول الآية". وقد نقل القرطبي رأي ابن العربي هذا تعقيبا على رأي الشافعي..
٤ - قال قتادة: بل سنة عشر، وأيّده ابن العربي فقال: "وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ، وإن من العجب أن يقال: إنه سنة تسع وهو العام الذي وقع فيه الأذان، ولو دخل غلام رجل داره يوما فقال له مولاه: لا تدخل هذه الدار بعد يومك، لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه". نقل ذلك أيضا القرطبي عن ابن العربي..
٥ - يقال: تجر تجرا وتجارة: مارس البيع والشراء، ويقال: اتّجر، ويقال: تاجر فلان فلانا: اتّجر معه (المعجم الوسيط)..
٦ - قال هذا البيت أحيحة بن الحلاج، من أربعة أبيات ذكرها صاحب اللسان في عيل. وعال يعيل من باب ضرب، والمصدر: عيلة وعيُول..

### الآية 9:29

> ﻿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [9:29]

هذه الآيات تضمنت قتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى حتى يقتلوا أو يؤدوا الجزية، قال مجاهد : وعند نزول هذه الآية أخذ رسول الله صلة الله عليه وسلم في غزو الروم ومشى نحو تبوك، ومن جعل أهل الكتاب مشركين في هذه الآية عنده ناسخة بما فيها من أخذ الجزية لقوله تعالى : فاقتلوا المشركين [(١)](#foonote-١) ونفى عنهم الإيمان بالله واليوم الآخر من حيث تركوا شرع الإسلام الذي يجب عليهم الدخول فيه، فصار جميع ما لهم في البعث وفي الله عز وجل من تخيلات واعتقادات لا معنى لها، إذ تلقوها من غير طريقها، وأيضاً فلم تكن اعتقاداتهم مستقيمة لأنهم تشعبوا وقالوا : عزيز ابن الله والله ثالث ثلاثة وغير ذلك، ولهم أيضاً في البعث آراء كشراء منازل الجنة من الرهبان، وقول اليهود في النار نكون فيها أياماً بعد ونحو ذلك، وأما قوله  لا يحرمون ما حرم الله ورسوله  فبين، ونص على مخالفتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما قوله  ولا يدينون  فمعناه ولا يطيعون ويمتثلون، ومنه قول عائشة : ما عقلت أبوي إلا وهما يدينان الدين[(٢)](#foonote-٢)، والدين في اللغة لفظة مشتركة وهي هاهنا الشريعة، وهي مثل قوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام [(٣)](#foonote-٣)، وأما قوله  من الذين أوتوا الكتاب  فنص في بني إسرائيل وفي الروم وأجمع الناس في ذلك، وأما المجوس فقال ابن المنذر : لا أعلم خلافاً في أن الجزية تؤخذ منهم. 
قال القاضي أبو محمد : وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«سنوا بهم سنة أهل الكتاب »**[(٤)](#foonote-٤)، فقال كثير من العلماء معنى ذلك في أخذ الجزية منهم، وليسوا أهل الكتاب، فعلى هذا لم يتعد التشبيه إلى ذبائحهم ومناكحهم، وهذا هو الذي ذكره ابن حبيب في الواضحة، وقال بعض العلماء : معناه سنوا بهم سنة أهل الكتاب إذ هم أهل كتاب، فعلى هذا يتجه التشبيه في ذبائحهم وغيرها، والأول هو قول مالك وجمهور أصحابه، وروي أنه قد كان بعث في المجوس نبي اسمه زرادشت، وأما مجوس العرب فقال ابن وهب : لا تقبل منهم جزية ولا بد من القتال أو الإسلام، وقال سحنون وابن القاسم وأشهب : تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم كلها، وأما عبدة الأوثان من العرب فلم يستثن الله فيهم جزية ولا بقي منهم على الأرض بشر، قال ابن حبيب وإنما لهم القتال أو الإسلام وهو قول ابن حنيفة. 
قال القاضي أبو محمد : ويوجد لابن القاسم أن الجزية تؤخذ منهم، وذلك أيضاً في التفريع لابن الجلاب وهو احتمال لا نص، وأما أهل الكتاب من العرب فذهب مالك رحمه الله إلى أن الجزية تؤخذ منهم، وأشار إلى المنع من ذلك أبو حنيفة، وأما السامرة والصابئون فالجمهور على أنهم من اليهود والنصارى تؤخذ منهم الجزية وتؤكل ذبائحهم، وقالت فرقة لا تؤكل ذبائحهم، وعلى هذا لا تؤخذ الجزية منهم، ومنع بعضهم الذبيحة مع إباحة أخذ الجزية منهم وأما عبدة الأوثان والنيران وغير ذلك فجمهور العلماء على قبول الجزية منهم، وهو قول مالك في المدونة، وقال الشافعي وأبو ثور : لا تؤخذ الجزية إلا من اليهود والنصارى والمجوس فقط ومذهب مالك رحمه الله أن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال البالغين الأحرار العقلاء، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، ولا تضرب على الصبيان والنساء والمجانين ولا تضرب على رهبان الديارات والصوامع المنقطعين، قال مالك في الواضحة : وأما إن كانت قد ضربت عليهم ثم انقطعوا بعد ذلك فلا تسقط عنهم، وأما رهبان الكنائس فتضرب عليهم، واختلف في الشيخ الفاني، ومن راعى أن علتها الإذلال أمضاها في الجميع وقال النقاش[(٥)](#foonote-٥) : العقوبة الشرعية تكون في الأموال والأبدان فالجزية من عقوبات الأموال، وأما قدرها فذهب رحمه الله وكثير من أهل العلم على ما فرضه عمر رضي الله عنه وذلك أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهماً على أهل الفضة، وفرض\*\*\*
\*\*\*. رضي الله ضيافة وأرزاقاً وكسوة، قال مالك في الواضحة ويحط ذلك عنهم اليوم لما
\*\*\*\*\*\*. عليهم من اللوازم، فهذا أحد ما ذكر عن عمر وبه أخذ مالك، قال سفيان الثوري :**«رويت عن عمر ضرائب مختلفة »**. 
قال القاضي أبو محمد : وأظن ذلك بحسب اجتهاده رضي الله عنه في يسرهم وعسرهم، وقال الشافعي وغيره : قدر الجزية دينار على الرأس، ودليل ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً بذلك[(٦)](#foonote-٦) وأخذه جزية اليمن كذلك أو قيمته معافر[(٧)](#foonote-٧) وهي ثياب، وقال كثير من أهل العلم ليس لذلك في الشرع حد محدود وإنما ذلك إلى اجتهاد الإمام في كل وقت وبحسب قوم قوم، وهذا كله في العنوة[(٨)](#foonote-٨)، وأما الصلح فهو ما صولحوا عليه من قليل أو كثير، واختلف في المذهب في العبد الذي يعتقه الذمي أو المسلم هل يلزمه جزية أم لا ؟ وقال ابن القاسم لا ينقص أحد من أربعة دنانير كان فقيراً أو غنياً، وقال أصبغ : يحط الفقير بقدر ما يرى من حاله، وقال ابن الماجشون : لا يؤخذ من الفقير شيء، والجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا كافى عن ما أسدى إليه، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، وهي كالقعدة والجلسة. 
ومن هذا المعنى قول الشاعر :\[ الكامل \]
يجزيك أو يثني عليك وإن من\*\*\* أثنى عليك يما فعلتَ كمن جزى[(٩)](#foonote-٩)
وقوله تعالى : عن يد  يحتمل تأويلات، منها أن يريد سوق الذمي لها بيده لا مع رسول ليكون في ذلك إذلال له، ومنها أن يريد عن نعمة منكم قبلهم في قبولها منهم وتأمينهم، واليد في اللغة النعمة والصنع الجميل، ومنها أن يريد عن قوة منكم عليهم وقهر لا تبقى لهم معه راية ولا معقل، و **«اليد »** في كلام العرب القوة، يقال : فلان ذو يد ويقال ليس لي بكذا وكذا يد أي قوة، ومنها أن يريد أن ينقذوها ولا يؤخروا بها كما تقول بعته يداً بيد، ومنها أن يريد عن استسلام منهم وانقياد على نحو قولهم ألقى فلان بيده إذا عجز واستسلم، وقوله  وهو صاغرون  لفظ يعم وجوهاً لا تنحصر لكثرتها ذكر منها عن عكرمة أن يكون قابضها جالساً والدافع من أهل الذمة قائم، وهذا ونحوه داع إلى صغارهم.

١ - من الآية (٥) من سورة (التوبة)..
٢ - قال ابن جرير: "كل مطيع ملكا أو ذا سلطان فهو دائن له، يقال منه: دان فلان لفلان فهو يدين له دينا"، ثم استشهد بقول زهير:
 لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك
 و(جو) واد بعينه، ودين عمرو: طاعته وسلطانه، وهو عمرو بن هند، وفدك: قرية في وادي القرى، وهو في هذا البيت يخاطب الحارث بن ورقاء الصيداوي من بني أسد، وكان أغار على بني عبد الله بن غطفان فغنم واستاق إبلا لزهير فهو يقول له: لئن حللت بحيث لا أدركك فسيصلك هجائي، وسأدنس عرضك كما يدنس الودكُ القبطية..
٣ - من الآية (١٩) من سورة (آل عمران)..
٤ - ذكر في الموطأ عن مالك بن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سنّوا بهم سنة أهل الكتاب). وفي (الدر المنثور): "أخرجه مالك، والشافعي، وأبو عبيدة في كتاب "الأموال"، وابن أبي شيبة- عن جعفر عن أبيه، ثم ساق نص الحديث..
٥ - محمد بن الحسن بن محمد بن زياد، أبو بكر النقاش، عالم بالقرآن وتفسيره، أصله من الموصل، ونشأته ببغداد، كان في مبدأ أمره يتعاطى نقش السقوف والحيطان فعرف بالنقاش. من تصانيفه: شفاء الصدور. خ" في التفسير، و"الإشارة" في غريب القرآن، و"الموضح" في القرآن ومعانيه، و"المعجم الكبير" في أسماء القُرّاء وقراءاتهم، و"مختصره" و"أخبار القصاص"، قال الذهبي: "وقد اعتمد الداني في التيسير على روايته للقراءات، والله أعلم فإن قلبي لا يسكن إليه، وهو عندي متهم، عفا الله عنه. توفي سنة ٣٥١هـ-٩٦٢م. (وفيات الأعيان، وإرشاد الأريب)..
٦ - رواه النسائي، والإمام أحمد في مسنده، ولفظه: عن معاذ قال: (بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو = =تبيعة، ومن كل أربعين مسنّة، ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر). (المسند ٥/ ٢٣٠)..
٧ - قال في الصحاح: "ومعافر بفتح الميم: حي من همدان، لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، لأنه جاء على مثال ما لا ينصرف من الجمع، وإليهم تنسب الثياب المعافرية، تقول: ثوب معافري فتصرفه لأنك أدخلت عليه ياء النسبة ولم تكن في الواحد"..
٨ - يقال: عنا الشيء عنوة: أخذه قسرا وقهرا. والعنوة: القهر، وفي حديث الفتح: (أنه دخل مكة عنوة) أي قهرا وغلبة..
٩ - قال في (اللسان): "الجزاء: المكافأة على الشيء"، وقال: "الجزية: خراج الأرض، والجمع: جزي وجزي، وجزية الذمي منه، والجمع الجزى، مثل لحية =ولحى، وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله، ومنه الحديث (ليس على مسلم جزية)، وقد استشهد كل المفسرين بهذا البيت، ولم نقف على قائله..

### الآية 9:30

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [9:30]

الذي كثر في كتب أهل العلم أن فرقة من اليهود تقول هذه المقالة وروي أنه لم يقلها إلا فنحاص، وقال ابن عباس : قالها أربعة من أحبارهم، سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، وقال النقاش : لم يبق يهودي يقولها بل انقرضوا. 
قال القاضي أبو محمد : فإذا قالها واحد فيتوجه أن يلزم الجماعة شنعة المقالة لأجل نباهة القائل فيهم، وأقوال النبهاء أبداً مشهورة في الناس يحتج بها، فمن هنا صح أن تقول الجماعة قول نبيها، وقرأ عاصم والكسائي ****«عزير ابن الله »**** بتنوين عزير، والمعنى أن ابناً على هذا خبر ابتداء عن عزير، وهذا هو أصح المذاهب لأن هذا هو المعنى المنعيّ عليهم، و  عزير  ونحوه ينصرف عجمياً كان أو عربياً، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ****«عزير ابن الله »**** دون تنوين عزير، فقال بعضهم ******«ابن »****** خبر عن ****«عزير »**** وإنما حذف التنوين من عزير لاجتماع الساكنين[(١)](#foonote-١) ونحوه قراءة من قرأ  أحد الله الصمد [(٢)](#foonote-٢) قال أبو علي وهو كثير في الشعر، وأنشد الطبري في ذلك \[ الرجز \]
لَتَجِدَنِّي بالأمير برّا
وبالقناةِ مدْعساً مكرا
إذا عطيف السلمي فرا[(٣)](#foonote-٣)
قال القاضي أبو محمد : فالألف على هذه القراءة والتأويل ثابتة في ******«ابن »****** وقال بعضهم ******«ابن »****** صفة ل ****«عزير »**** كما تقول زيد بن عمرو وجعلت الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد وحذف التنوين إذا جاء الساكنان كأنهما التقيا من كلمة واحدة «، والمعنى عزير ابن الله معبودنا وإلهنا أو المعنى معبودنا أو إلهنا عزير ابن الله. 
قال القاضي أبو محمد : وقياس هذه القراءة والتأويل أن يحذف الألف من ابن **«لكنها تثبت في خط المصحف، فيترجح من هذا كله أن قراءة التنوين في »** عزير «أقواها، وحكى الطبري وغيره أن بني إسرائيل أصابتهم فتن وبلاء وقيل مرض وأذهب الله عنهم التوراة في ذلك ونسوها، وكان علماؤهم قد دفنوها أول ما أحسوا بذلك البلاء، فلما طالت المدة فقدت التوراة جملة فحفظها الله عزيراً كرامة منه له، فقال لبني إسرائيل إن الله قد حفظني التوراة فجعلوا يدرسونها من عنده، ثم إن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي مساوية لما كان عزير يدرس، فضوا عند ذلك وقالوا إن هذا لن يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله، وظاهر قول النصارى  المسيح ابن الله  أنها بنوة النسل كما قالت العرب في الملائكة وكذلك يقتضي قول الضحاك والطبري وغيرهما، وهذا أشنع في الكفر، قال أبو المعالي : أطبقت النصارى على أن المسيح إله وأنه ابن الإله. 
قال القاضي أبو محمد : ويقال إن بعضهم يعتقدها بنوة ُحُنٍّو ورحمة، وهذا المعنى أيضاً لا يحل أن تطلق البنوة عليه، وهو كفر لمكان الإشكال الذي يدخل من جهة التناسل وكذلك كفرت اليهود في قولهم  عزير ابن الله  وقولهم نحن أبناء الله، وإنما توجد في كلام العرب استعارة البنوة عبارة عن نسب وملازمات تكون بين الأشياء إذا لم يشكل الأمر وكان أمر النسل لاستحالة من ذلك قول عبد الملك بن مروان : وقد زبنتنا الحرب وزبناها[(٤)](#foonote-٤) فنحن بنوها وهي أمنا يريد للملازمة ومن ذلك قول حديث بن مخفض :\[ الطويل \]
بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم\*\*\* وآباؤهمْ أبناء صدق فأنجبوا[(٥)](#foonote-٥)
ومن ذلك ابن نعش وابن ماء وابن السبيل ونحو ذلك ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
\*والأرض تحملنا وكانت أمنا\*
ومنه أحد التأويلات في قوله صلى الله عليه وسلم **«لا يدخل الجنة ابن زنى »**[(٦)](#foonote-٦) أي ملازمة والتأويل الآخر أن لا يدخلها مشكل الأمر والتأويلان في قول النصارى  المسيح ابن الله  كما تقدم من الصفة والخبر إلا أن شغب التنوين ارتفع هاهنا، و  عزير  نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقوله  بأفواههم  يتضمن معنيين : أحدهما إلزامهم المقالة والتأكيد في ذلك كما قال  يكتبون الكتاب بأيديهم [(٧)](#foonote-٧)، وكقوله  ولا طائر يطير بجناحيه [(٨)](#foonote-٨)، والمعنى الثاني في قوله  بأفواهم  أي هو ساذج لا حجة عليه ولا برهان[(٩)](#foonote-٩) غاية بيانه أن يقال بالأفواه قولاً مجرداً نفس دعوى[(١٠)](#foonote-١٠)، و  يضاهون  قراءة الجماعة ومعناه يحاكون ويبارون ويماثلون، وقرأ عاصم وحده من السبعة وطلحة بن مصرف **«يضاهئون »** بالهمز على أنه من ضاهأ وهي لغة ثقيف بمعنى ضاهى. 
قال القاضي أبو محمد : ومن قال إن هذا مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء وهي التي لا تحيض وقيل التي لا ثدي لها سميت بذلك لشبهها بالرجال فقوله خطأ قاله أبو علي : لأن الهمزة في ضاهأ أصلية، وفي ضهياء زائدة كحمراء[(١١)](#foonote-١١)، وإن كان الضمير في  يضاهون  لليهود والنصارى جميعاً فالإشارة بقوله  الذين كفروا من قبل  هي إما لمشركي العرب إذ قالوا الملائكة بنات الله وهم أول كافر وهو قول الضحاك : وإما لاسم سالفة قبلهما، وإما للصدر الأول من كفرة اليهود والنصارى، ويكون  يضاهون  لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان الضمير في  يضاهون  للنصارى فقط كانت الإشارة ب  الذين كفروا من قبل  إلى اليهود، وعلى هذا فسر الطبري وحكاه الزهراوي عن قتادة، وقوله  قاتلهم الله  دعاء عليهم عام لأنواع الشر، ومعلوم أن من قاتله الله فهو المغلوب المقتول، وحكى الطبري عن ابن عباس أن المعنى لعنهم الله[(١٢)](#foonote-١٢)، و أنى يؤفكون  مقصده أنى توجهوا أو أنى ذهبوا، وبدل مكان هذا الفعل المقصود فعل سوء يحق لهم، وذلك فصيح في الكلام كما تقول لعن الله الكافر أنى هلك كأنك تحتم عليه بهلاك وكأنه حتم عليهم في هذه الآية بأنهم يؤفكون، ومعناه يحرمون ويصرفون عن الخير، والأرض المأفوكة التي لم يصبها مطر، قال أبو عبيدة  يؤفكون  معناه يحدون. 
قال القاضي أبو محمد : يريد من قولك رجل محدود أي محروم لا يصيب خيراً، وكأنه من الإفك الذي هو الكذب، فكأن المأفوك هو الذي تكذبه أراجيه فلا يلقى خيراً[(١٣)](#foonote-١٣)، ويحتمل أن يكون قوله تعالى : أنى يؤفكون  ابتداء تقرير، أي بأي سبب ومن أي جهة يصرفون عن الحق بعدما تبين لهم، و **«قاتل »** في هذه الآية بمعنى قتل وهي مفاعلة من واحد وهذا كله بين.

١ - يرى أبو حيان في "البحر" أنّ من زعم ذلك وكذلك من زعم أن (ابنا) صفة لـ \[عزير\] وقه بين علمين فحذف تنوينه والخبر محذوف، أي: معبودنا- فقوله متمحّل، لأن الذي أنكر عليهم إنما هو نسبة البنوّة إلى الله تعالى..
٢ - الآيتان (١، ٢) من سور (الإخلاص)..
٣ -دعسه بالرمح يدعسه دعسا: طعنة، ورجل مدعس: طعّان، ويكون بالصاد، قال صاحب اللسان: "وهو الأعرف"، وقال سيبويه: "وكذلك الأنثى بغير هاء، ولا يجمع بالواو والنون لأن الهاء لا تدخل مؤنثة". والشاهد في قوله: "عُطيف السلمي" بدون تنوين في (عُطيف)..
٤ - ومنه قولهم: "حرب زبون" لأنها تزبن الناس أي تدفعهم وتصدمهم على التشبيه بالناقة الزّبون وهي التي تدفع حالبها عن حلبها، وفي حديث معاوية: "فربما زبنت فكسرت أنف حالبها"..
٥ - يصفهم بالمجد والشرف من جهة الأمهات ومن جهة الآباء، ومعنى "لم تقعد بهم أمهاتهم": لم تقصر من ناحية الشرف، يقال: فلان مقعد الحسب إذا لم يكن له شرف، وقد أقعده آباؤه وتقعدوه، قال الطّرماح يهجو رجلا:
 ولكنه عبد تقعد رأيه لئام الفحول وارتخاص المناكح
 وأنجب الرجل: ولد نجيبا. والنجيب الكريم، قال الشاعر:
 أنجب أزمان والده به إذ نجلاه فنعم ما نجلا.
٦ -تقدم الكلام على هذا عند تفسير قوله تعالى: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس وهي الآية (١٧٩) من سورة (الأعراف)..
٧ - من الآية (٧٩) من سورة (البقرة)..
٨ - من الآية (٣٨) من سورة (الأنعام)..
٩ - وردت كلمة (ساذج) في بعض النسخ بالدال المهملة أي (سادج)، والسّدج والتّسدّج: الكذب وتقوّل الأباطيل، وقد سدج سْدجا وتسدّج أي: تكذب، قال الشاعر: "فينا أقاويل امرئ تسدّجا"، فالمعنى: هو كلام كاذب لا حجة عليه..
١٠ - هكذا بالأصل..
١١ - اختلف العلاء في (ضهيأ) هل يمد أولا؟ فقال ابن ولاّد: امرأة ضهيأ، وهي التي لا تحيض، مهموز غير ممدود، وسيبويه يمده فيجعله ضهياء، والهمزة فيه زائدة لأنهم عند الجمع يقولون: نساء ضهي فيحذفون الهمزة، ونقل أبو الحسن عن النجيرميّ "امرأة ضهياء" بالمدّ والهاء. جمع بين علامتي تأنيث، حكاه عن أبي عمر الشيباني، وأنشد: 
 "ضهياءة أو عاقر جماد".
 .
١٢ - قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل شيء في القرآن قتل فهو لعن، ومنه قوله أبان بن ثغلب:
 قاتلها الله تلحاني وقد علَمت أني لنفسي إفسادي وإصلاحي
 وقال النقاش: أصل "قاتل الله" الدعاء، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشر وهم لا يريدون الدعاء، وأنشد الأصمعي:
 يا قاتل الله ليلى كيف تُعجبني وأخبر الناس أني لا أباليها؟
 .
١٣ - من الإفك بمعنى الصرف عن الحق قوله تعالى: يؤفك عنه من أفك أي: يصرف عن الإيمان من صُرف، ومنه أيضا قوله تعالى: أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا أي: لتصرفنا وتصدنا؟ ويأتي الأفيك والمأفوك بمعنى المخدوع عن رأيه، وبمعنى من لا حزم له ولا حيلة، وعليه قول الشاعر: "مالي أراك عاجزا أفيكا"؟..

### الآية 9:31

> ﻿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [9:31]

واحد **«الأحبار »** حِبر بكسر الحاء، ويقال حَبر بفتح الحاء والأول أفصح، ومنه مداد الحبر، والحَبر بالفتح : العالم، وقال يونس بن حبيب : لم أسمعه إلا بكسر الحاء، وقال الفراء : سمعت فتح الحاء وكسرها في العالم، وقال ابن السكيت الحِبر : بالكسر المداد والحَبر بالفتح العالم، و **«الرهبان »** جمع راهب وهو الخائف من الرهبة، وسماهم  أرباباً  وهم لا يعبدوهم لكن من حيث تلقوا الحلال والحرام من جهتهم، وهو أمر لا يتلقى إلا من جهة الله عز وجل ونحو هذا قال ابن عباس وحذيفة بن اليمان وأبو العالية، وحكي الطبري أن عدي بن حاتم قال :**«جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب، فقال : يا عدي اطرح هذا الصليب من عنقك، فسمعته يقرأ  اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، فقلت يا رسول الله وكيف ولم نعبدهم ؟ فقال أليس تستحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا ؟ قلت نعم. قال فذاك »**[(١)](#foonote-١)،  والمسيح  عطف على الأحبار والرهبان، و  سبحانه  نصب على المصدر والعامل فيه فعل من المعنى لأنه ليس من لفظ سبحان فعل، والتقدير أنزهه تنزيهاً، فمعنى  سبحانه  تنزيهاً له، واحتج من يقول إن أهل الكتاب مشركون بقوله تعالى  عما يشركون ، والغير يقول إن اتخاذ هؤلاء الأرباب ضرب ما من الإشراك وقد يقال في المرائي إنه أشرك وفي ذلك آثار.

١ - أخرجه ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسّنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عدي بن حاتم ولكن دون ذكر الصليب الذي في عنقه. (الدر المنثور)، وفي تفسير ابن كثير أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم، وفيه أنه رضي الله عنه لما بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فرّ إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على الرسول صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي إلى المدينة وكان رئيسا في قومه طيء، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدّث الناس بقدومه فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدّي صليب.. الخ..

### الآية 9:32

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [9:32]

وقوله تعالى : يريدون أن يطفئوا نور الله  الآية،  نور الله  في هذه الآية هداه الصادر عن القرآن والشرع المثبت في قلوب الناس فمن حيث سماه نوراً سمي محاولة إفساده والصد في وجهه إطفاء، وقالت فرقة : النور القرآني. 
قال القاضي أبو محمد : ولا معنى لتخصيص شيء مما يدخل تحت المقصود بالنور، وقوله  بأفواههم  عبارة عن قلة حيلتهم وضعفها، أخبر عنهم أنهم يحاولون مقاومة أمر جسيم بسعي ضعيف فكان الإطفاء بنفخ الأفواه، ويحتمل أن يراد بأقوال لا برهان عليها فهي لا تجاوز الأفواه إلى فهم سامع، وقوله  ويأبى  إيجاب يقع بعده أحياناً إلا وذلك لوقوعه هو موقع الفعل المنفي، لأن التقدير ولا يريد الله إلا أن يتم نوره وقال الفراء : هو إيجاب فيه طرف من النفي، ورد الزجاج على هذه العبارة وبيانه ما قلناه[(١)](#foonote-١).

١ - قال الزجاج: الجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف، وأدوات الجحد: ما، ولا، وإن، وليس، وهذه لا أطراف لها ينطق بها، ولو كان الأمر كما أراد-أي الفراء- لجاز: كرهت إلا زيدا، وقد رد عليه ابن عطية، وخلاصته أن (أبى) منع وامتناع فضارعت النفي، قال الشاعر:
 وهل لي أم غيرها إن تركتها؟ أبى الله إلا أن أكون لها ابُنما.

### الآية 9:33

> ﻿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [9:33]

وقوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق  الآية،  رسوله  يراد به محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله  بالهدى  يعم القرآن وجميع الشرع، وقوله  ودين الحق  إشارة إلى الإسلام والملة بجمعها وهي الحنيفية، وقوله  ليظهره  قال أبو هريرة وأبو جعفر محمد بن علي وجابر بن عبد الله[(١)](#foonote-١) ما معناه : إن الضمير عائد على الدين وإظهاره عند نزول عيسى ابن مريم وكون الأديان كلها راجعة إلى دين الإسلام فذلك إظهاره. 
قال القاضي أبو محمد : فكأن هذه الفرقة رأت الإظهار على أتم وجوهه أي حتى لا يبقى معه دين آخر، وقالت فرقة  ليظهره على الدين  أي ليجعله أعلاها وأظهرها وإن كان معه غيره كان دونه. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا لا يحتاج إلى نزول عيسى بل كان هذا في صدر الأمة وهو حتى الآن إن شاء الله وقالت فرقة : الضمير عائد على الرسول، ومعنى  ليظهره  ليطلعه ويعلمه الشرائع كلها والحلال والحرام. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل وإن كان صحيحاً جائزاً فالآخر أبرع منه وأليق بنظام الآية وأحرى مع كراهية المشركين، وخص  المشركون  هنا بالذكر لما كانت كراهية مختصة بظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم فذكره العظم[(٢)](#foonote-٢) والأول ممن كره ذلك وصد فيه، وذكر الكافرون في الآية قبل لأنها كراهية إتمام نور الله في قديم الدهر وفي باقيه، فعم الكفر من لدن خلق الدنيا إلى إنقراضها إذ قد وقعت الكراهية والإتمام مراراً كثيرة.

١ - هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السلمي، صحابي، من المكثرين في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه جماعة من الصحابة، غزا تسع عشرة غزوة، وكانت له في أواخر حياته حلقة في المسجد النبوي، روى له البخاري ومسلم وغيرهما ١٥٤٠ حديثا، توفي ٧٨هـ (الإصابة، وكشف النقاب، وتهذيب الأسماء)..
٢ - عُظم الشيء ومعظمه: جُلُّه وأكثره، وعُظْم الشيء: أكبره، وفي الحديث: "أنه كان يُحدّث ليلة عن بني إسرائيل لا يقوم فيها إلا إلى عظم صلاة". كأنه أراد: لا يقوم إلا إلى الفريضة. ومنه الحديث: "فأسندوا عظم ذلك إلى ابن الدخشم"، أي معظمه. (اللسان)، أما الأول فجمع أول يريد السابقين..

### الآية 9:34

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:34]

المراد بهذه الآية بيان نقائص المذكورين، ونهي المؤمنين عن تلك النقائص مترتب ضمن ذلك، واللام في  ليأكلون  لام التأكيد، وصورة هذا الأكل هي بأنهم يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضاً باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما يوهمونهم أي النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله، وهم خلال ذلك يحتجنون[(١)](#foonote-١) تلك الأموال كالذي ذكره سلمان في كتاب السير عن الراهب الذي استخرج كنزه[(٢)](#foonote-٢)، وقيل كانوا يأخذون منهم من غلاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدين والقيام بالشرع، وقيل كانوا يرتشون في الأحكام، ونحو ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى  بالباطل ، يعم هذا كله، وقوله  يصدون ، الأشبه هنا أن يكون معدى أي يصدون غيرهم وهذا الترجيح إنما هو لنباهة منازلهم في قومهم و **«صد »** يستعمل واقفاً ومتجاوزاً، ومنه قول الشاعر \[ عمرو بن كلثوم \] :\[ الوافر \]
 صددت الكأس عنا أم عمرو\*\*\* وكان الكأس مجراها اليمينا[(٣)](#foonote-٣)
و  سبيل الله  الإسلام وشريعة محمد عليه السلام، ويحتمل أن يريد ويصدون عن سبيل الله في أكلهم الأموال بالباطل، والأول أرجح، وقوله  والذين  ابتداء وخبره  فبشرهم ، ويجوز أن يكون  والذين  معطوفاً على الضمير في قوله  يأكلون  على نظر في ذلك، لأن الضمير لم يؤكد، وأسند أبو حاتم إلى علباء بن أحمد أنه قال : لما أمر عثمان بكتب المصحف أراد أن ينقص الواو في قوله  والذين يكنزون  فأبى ذلك أبي بن كعب وقال :**«لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي »** فألحقها. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى إرادة عثمان يجري قول معاوية، إن الآية في أهل الكتاب وخالفه أبو ذر فقال : بل هي فينا، فشكاه إلى عثمان فاستدعاه من الشام ثم خرج إلى الربذة[(٤)](#foonote-٤)، والذي يظهر من الألفاظ أنه لما ذكر نقص الأحبار والرهبان الآكلين المال بالباطل ذكر بعد ذلك بقول عامر نقص الكافرين المانعين حق المال، وقرأ طلحة بن مصرف **«الذين يكنزون »** بغير واو، و  يكنزون  معناه يجمعون ويحفظون في الأوعية، ومنه قول المنخل الهذلي :\[ البسيط \]
 لا در دري إن أطعمت نازلهم\*\*\* قرْف الحتيِّ وعندي البر مكنوز[(٥)](#foonote-٥)
أي محفوظ في أوعيته، وليس من شروط الكنز الدفن لكن كثر في حفظه المال أن يدفنوه حتى تورق في المدفون اسم الكنز، ومن اللفظة قولهم رجل مكتنز الخلق أي مجتمع، ومنه قول الراجز :\[ الرجز \]
 على شديد لحمه كناز\*\*\* بات ينزيني على أوفاز[(٦)](#foonote-٦)
والتوعد في الكنز إنما وقع على منع الحقوق منه، ولذلك قال كثير من العلماء : الكنز هو المال الذي لا تؤدى زكاته وإن كان على وجه الأرض، وأما المدفون إذا خرجت زكاته فليس بكنز كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كل ما أديت زكاته فليس بكنز »**[(٧)](#foonote-٧) وهذه الألفاظ مشهورة عن ابن عمر وروي هذا القول عن عكرمة والشعبي والسدي ومالك وجمهور أهل العلم، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة وما زاد عليها فهو كنز وإن أديت زكاته، وقال أبو ذر وجماعة معه : ما فضل من مال الرجل عن حاجة نفسه فهو كنز، وهذان القولان يقتضيان أن الذم في حبس المال لا في منع زكاته فقط، ولكن قال عمر بن عبد العزيز : هي منسوخة بقوله  خذ من أموالهم صدقة [(٨)](#foonote-٨) فأتى فرض الزكاة على هذا كله. 
قال القاضي أبو محمد : كان مضمن الآية لا تجمعوا مالاً فتعذبوا فنسخه التقرير الذي في قوله  خذ من أموالهم  \[ التوبة : ١٠٣ \] والضمير في قوله  ينفقونها  يجوز أن يعود على الأموال والكنوز التي يتضمنها المعنى، ويجوز أن يعود على الذهب والفضة هما أنواع، وقيل عاد على الفضة واكتفي بضمير الواحد عن الضمير الآخر إذا فهمه المعنى وهذا نحو قول الشاعر \[ قيس بن الخطيم \] :\[ المنسرح \]
 نحن بما عندنا وأنت بما \*\*\* عندك راضٍ والرأي مختلفُ[(٩)](#foonote-٩)\*\*\*
ونحن قول حسان :\[ الخفيف \]
 إنّ شرَخ الشباب والشّعَر الأس\*\*\* ود ما لم يعاص كان جنونا[(١٠)](#foonote-١٠)
وسيبويه يكره هذا في الكلام، وقد شبه كثير من المفسرين هذه الآية بقوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها [(١١)](#foonote-١١) وهي لا تشبهها، لأن **«أو »** قد فصلت التجارة عن اللهو وحسنت عود الضمير على أحدهما دون الآخر، والذهب تؤنث وتذكر والتأنيث أشهر، وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قد ذم الله كسب الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه، فقال عمر : أنا أسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسأله، فقال **«لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة تعين المؤمن على دينه »**[(١٢)](#foonote-١٢) وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت الآية **«تباً للذهب تباً للفضة »**[(١٣)](#foonote-١٣)، فحينئذ أشفق أصحابه وقالوا ما تقدم، والفاء في قوله  فبشرهم ، جواب كما في قوله  والذين  من معنى الشرط، وجاءت البشارة مع العذاب لما وقع التصريح بالعذاب وذلك أن البشارة تقيد بالخير والشر فإذا أطلقت لم تحمل إلا على الخير فقط، وقيل بل هي أبداً للخير فمتى قيدت بشر فإنما المعنى أقم لهم مقام البشارة عذاباً أليماً، وهذا نحو قول الشاعر \[ عمرو بن معديكرب \] :\[ الوافر \]
وخيل قد دلفت لها بخيلٍ\*\*\* تحيةَ بيْنِهمْ ضرْبٌ وجيعُ[(١٤)](#foonote-١٤)

١ - من قولهم: احتجن الشيء بمعنى احتوى عليه وضمّه إليه، ويقال: احتجن عليه بمن حجر، فهو من الإحتجان بمعنى جمع الشيء وضمه، وفي بعض النسخ (يحتجبون) والمعروف أن الاحتجاب بمعنى جمع الشيء وضمه، وفي بعض النسخ (يحتجبون) والمعروف أن الاحتجاب معناه الاختفاء خلف ستار، وعبارة القرطبي (يحجبون)..
٢ - الكنز للراهب والذي استخرج هذا الكنز هو سلمان الفارسي. وفي العبارة غموض..
٣ - البيت لعمرو بن كلثوم- من معلقته المشهورة، وقد سبق الاستشهاد به عند تفسير قوله تعالى في الآية (٣٤) من سورة الأنفال: وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام..
٤ - الربذة بفتح الراء المشددة، وبفتح الباء: موضع قريب من المدينة. وظاهر الخبر أن عثمان هو الذي أخرج أبا ذر إلى الربذة، ولكن يظهر من رواية البخاري أنه عرض عليه ذلك وترك له حرية الخروج إليها، فقد روى البخاري عن زيد بن وهب قال: (مررت بالربذة فإذا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينه في ذلك، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن اقدم المدينة، فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: = إن شئت تنحيت فكنت قريبا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا عليّ حبشيا لسمعت وأطعت)..
٥ - الدّرّ: اللبن، والدّر أيضا: العمل من خير أو شر، ومنه قولهم: لله درّك، يكون مدحا ويكون ذما، وغلب في مجال المدح: لله "درّك"، وفي مجال الذم: "لا درّ درّك". قال الفراء: وقد استعملوه من غير أن يقولوا (لله)، فيقولون: درّ درّ فلان، ولا درّ درُّه، ومنه هذا البيت. ويروى: "نازلهم" بدلا من "جائعهم"، وقِرْفُ الحتيّ هو سويق المُقل، والمقل هو ثمر شجر الدوم ينضج ويؤكل، يقول: إنه نزل بقوم فكان قراه عندهم قرف الحتي، فلما نزلوا به قال: لا درّ درّي\*\*\*الخ..
٦ - الراجز يصف جملا، وقد رواه في (اللسان) غير منسوب وبلفظ آخر، قال: 
 أسوق عيرا مائل الجهاز صعبا ينزيني على أوفاز
 واللحم الكناز: المجتمع الصلب، والنّزو: الوثبان، يقال: نزا ينزو، ومنه: أنزاه ونزّاه تنزية، والوفز: ألا يطمئن في قعود، ويقال" قعد على أوفاز من الأرض، = = يقول: إن جملي صلب مجتمع اللحم يثب بي في سرعة فينزيني فلا أطمئن في قعودي عليه..
٧ - أخرج ابن عدي، والخطيب عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي مال أديت زكاته فليس بكنز)، وأخرجه ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه موقوفا..
٨ - من الآية (١٠٣) من سورة (التوبة).
٩ - البيت لقيس بن الخطيم، وقد أنشده سيبويه مستشهدا على جواز الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر عند فهم المعنى، إذ لم يقل: رضوان..
١٠ - الشاهد فيه أنه لم يقل: يُعاصيا، ومثل هذا البيت والذي قبله في الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر إذا فُهم المعنى قول ابن أحمر يصف رجلا كانت بينه وبينه مشاجرة في بئر (تسمى الطوي)، وأن هذا الرجل رماه بأمر يكرهه، ورمى أباه بمثله على براءتهما منه:
 رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن أجل الَّطوِّي رماني..
١١ - من الآية (١١) من سورة (الجمعة)..
١٢ - رواه الترمذي وحسنه، ورواه ابن ماجة من غير وجه عن سالم بن أبي الجعد، ذكر ذلك القرطبي وابن كثير، وفي ابن كثير أن الإمام أحمد رواه عن ثوبان بلفظ: لما في الذهب والفضة ما نزل قالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال عمر: فأنا أعلم لكم ذلك، فأوضع على بعير فأدركه وأنا في أثره (قائل ذلك ثوبان)، فقال: يا رسول الله أي المال نتخذ؟ قال: (قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة تعين أحدكم على أمر الآخرة)..
١٣ - رواه عبد الرزاق عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تبا للذهب تبا للفضة) يقولها ثلاثا، قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال عمر\*\*\*الخ (ابن كثير)..
١٤ - قائل هذا البيت عمرو بن معد يكرب، والدّلف: المشي رويدا في خطو متقارب، وقيل: هو فوق الدبيب، والشاهد في البيت أن في كلمة (تحية) استعارة تهكمية فيها السخرية منهم كما في قوله تعالى: فبشرهم بعذاب أليم وفيهما نزّل التضادّ منزلة التناسب..

### الآية 9:35

> ﻿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [9:35]

وقوله تعالى  يوم يحمى عليها  الآية : يوم  ظرف والعامل فيه  أليم  وقرأ جمهور الناس **«يحمى »** بالياء بمعنى يحمى الوقود، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«تحمى »** بالتاء من فوق بمعنى تحمى النار والضمير في عليها عائد على الكنوز أو الأموال حسبما تقدم، وقرأ قوم **«جباهم »** بالإدغام وأشموها الضم حكاه أبو حاتم، وردت أحاديث كثيرة في معنى هذه الآية من الوعيد لكنها مفسرة في منع الزكاة فقط لا في كسب المال الحلال وحفظه، ويؤيد ذلك حال أصحابه وأموالهم رضي الله عنهم، فمن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم :**«من ترك بعده كنزاً لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع »** الحديث[(١)](#foonote-١). وأسند الطبري قال كان نعل سيف أبي هريرة من فضة فنهاه أبو ذر، وقال : قال رسول الله صلة الله عليه وسلم :**«من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها »**[(٢)](#foonote-٢)، وأسند إلى أبي أمامة الباهلي قال : مات رجل من أهل الصفة فوجد في برده دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كية ثم مات آخر فوجد له ديناران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيتان »**[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا إما لأنهما كانا يعيشان من الصدقات وعندهما التبر وإما لأن هذا كان في صدر الإسلام، ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه، ولو كان ضبط المال ممنوعاً لكان حقه أن يخرج كله لا زكاته فقط، وليس في الأمة من يلزم هذا، وقوله  هذا ما كنزتم  إشارة إلى المال الذي كوي به، ويحتمل أن تكون إلى الفعل النازل بهم، أي هذا جزاء ما كنزتم، وقال ابن مسعود : والله لا يمس دينار ديناراً بل يمد الجلد حتى يكوى بكل دينار وبكل درهم، وقال الأحنف بن قيس : دخلت مسجد المدينة وإذا رجل خشن الهيئة رثها يطوف في الحلق وهو يقول : بشر أصحاب الكنوز بكي في جباهم وجنوبهم وظهورهم، ثم انطلق يتذمر وهو يقول وما عسى تصنع في قريش.

١ - رواه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الزكاة –باب إثم مانع الزكاة- ولفظه: (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شُجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه ثم يأخذ بلهزمته –يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا ولا يحسبن الذين يبخلون الآية..
٢ - أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وابن مردويه عن ثوبان رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
٣ - أسنده الطبري إلى أبي أمامة، ذكر ذلك القرطبي كما ذكره ابن عطية، وفي ابن كثير أن الإمام أحمد رواه عن يزيد بن الصّرم قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: مات رجل من أهل الصفة وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيّتان"، صلوا على صاحبكم، ورواه قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان بمثل إسناد الطبري إلا أنه قال: "بمئزره" بدلا من "بردته"..

### الآية 9:36

> ﻿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:36]

هذه الآية والتي بعدها تتضمن ما كانت العرب شرعته في جاهليتها من تحريم شهور الحِل وتحليل شهور الحرمة، وإذا نص ما كانت العرب تفعله تبين معنى الآيات فالذي تظاهرت به الروايات وينفك عن مجموع ما ذكر الناس، أن العرب كانت لا عيش لأكثرها إلا من الغارات وإعمال سلاحها فكانوا إذا توالت عليهم حركة ذي القعدة وذي الحجة والمحرم صعب عليهم وأملقوا، وكان بنو فقيم[(١)](#foonote-١) من كنانة أهل دين في العرب وتمسك بشرع إبراهيم عيه السلام، فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسأ الشهور للعرب، ثم خلفه على ذلك ابنه عباد بن حذيفة، ثم خلف ابنه قلع بن عباد، ثم خلفه ابنة أمية بن قلع، ثم خلفه ابنه عوف بن أمية، ثم خلفه ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وعليه قام الإسلام، وذكر الطبري وغيره أن الأمر كان في عدوان قبل بني مالك بن كنانة، وكانت صورة فعلهم أن العرب كانت إذا فرغت من حجها جاء إليه من شاء منهم مجتمعين، فقالوا أنسئنا شهراً أي آخّر عنا حرمة المحرم فاجعلها في صفر، فيحل لهم المحرم فيغيرون فيه ويعيشون ثم يلتزمون حرمة صفر ليوافقوا عدة الأشهر الأربعة، قال مجاهد : ويسمون ذلك الصفر المحرم، ثم يسمون، ربيعاً، ربيعاً الأول صفراً وربيعاً الآخر ربيعاً الأول، وهكذا في سائر الشهور يستقبلون سنتهم من المحرم الموضوع لهم فيسقط على هذا حكم المحرم الذي حال لهم، وتجيء السنة من ثلاثة عشر شهراً أولها المحرم المحلل ثم المحرم الذي هو في الحقيقة صفر، ثم استقبال السنة كما ذكرنا، ففي هذا قال الله عز وجل  إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً  أي ليست ثلاثة عشر شهراً، قال الطبري حدثني ابن وكيع عن عمران بن عيينة عن حصين عن أبي مالك قال : كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهراً، قال مجاهد : ثم كانوا يحجون في كل شهر عامين ولاء، وبعد ذلك يبدلون، فيحجون عامين ولاء، ثم كذلك حتى كانت حجة أبي بكر في ذي القعدة حقيقة، وهم يسمونه ذا الحجة، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة حقيقة، فذلك قوله إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان[(٢)](#foonote-٢) وفي حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطب في حجة الوداع فساق الحديث فقال فيه :**«أولهن رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم »**. 
قال القاضي أبو محمد : ويجيء في أكثر الكتب أنهم كانوا يجعلون حرمة المحرم في صفر ويسكت عن تمام القصة، والذي ذكرناه هو بيانها، وأما كون المحرم أول السنة العربية وكان حقه إذ التاريخ من الهجرة أن يكون أول السنة في ربيع الأول فإن ذلك فيما يرون لأن عمر بن الخطاب دون ديوان المسلمين وجعل تاريخه المحرم إذ قبله انقضاء الموسم والحج فكان الحج خاتمة للسنة، واعتد بعام الهجرة وإن كان قد نقص من أوله شيء، ولما كانت سنة العرب هلالية بدأ العام من أول شهر ولم يكن في الثاني عشر من ربيع الذي هو يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ولا كان عند تمام الحج لأنه في كسر شهر، وأما الأربعة الحرم فهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم **«ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان »** قصد التفريق بينه وبين ما كانت تفعله قبائل ربيعة بأسرها، فإنها كانت تجعل رجبها رمضان وتحرمه ابتداعاً منها، وكانت قريش ومن تابعها في ذلك من قبائل مضر على الحق، فقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ونسبه إلى مضر إذ كان حكمه وتحريمه إنما كان من قبل قريش، وفي المفضليات لبعض شعراء الجاهلي \[ عوف بن الأحوص العامري \] : الوافر \]
وشهر بني أمية والهدايا \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . 
\*\*\*\*\*\*. . [(٣)](#foonote-٣)
البيت ؛ قال الأصمعي : يريد رجباً، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع **«اثنا عْشر شهراً »** بسكون العين[(٤)](#foonote-٤) وذلك تخفيف لتوالي الحركات، وكذلك قرأ أحد عشر وتسعة عشر[(٥)](#foonote-٥) وقوله  في كتاب الله  أي فيما كتبه وأثبته في اللوح المحفوظ أو غيره، فهي صفة فعل مثل خلقه ورزقه وليست بمعنى قضائه وتقديره لأن تلك هي قبل خلق السموات والأرض، **«والكتاب »** الذي هو المصدر هو العامل في  يوم  وفي قوله  في كتاب الله  متعلقة بمستقرة أو ثابتة ونحوه، ويقلق أن يكون الكتاب القرآن في هذا الموضع، وتأمل، ولا يتعلق في بعده للتفرقة بين الصلة والموصول بخبر **«إن »**[(٦)](#foonote-٦) وقوله  منها أربعة حرم  نص على تفضيل هذه الأربعة وتشريفها، قال قتادة : اصطفى الله من الملائكة والبشر رسلاً ومن الشهور المحرم ورمضان، ومن البقع المساجد، ومن الأيام الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الكلام ذكره فينبغي أن يعظم ما عظم الله، وقوله  ذلك الدين القيم ، قالت فرقة : معناه الحساب المستقيم، وقال ابن عباس فيما حكى المهدوي : معناه القضاء المستقيم. 
قال القاضي أبو محمد : والأصوب عندي أن يكون الدين ها هنا على أشهر وجوهه، أي ذلك الشرع والطاعة لله،  القيم  أي القائم المستقيم، وهو من قام يقوم بمنزلة سيد من ساد يسود أصله قيوم، وقوله  فلا تظلموا فيهن أنفسكم  الضمير عائد على ال  اثنا عشر شهراً ، أي لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمن كله، وقال قتادة : الضمير عائد على الأربعة الأشهر[(٧)](#foonote-٧)، ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها بالتخصيص والذكر وإن كان منهياً عنه في كل الزمن، وزعم النحاة أن العرب تكنى عما دون العشرة من الشهور، فيهن وعما فوق العشرة فيها، وروي عن الكسائي أنه قال إني لأتعجب من فعل العرب هذا، وكذلك يقولون فيما دون العشرة من الليالي خلون وفيما فوقها خلت وقال الحسن معنى فيهن أي بسببهن ومن جراهن في أن تحلوا حرامها وتبدلوه بما لا حرمة له، وحكى المهدوي أنه قيل **«لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتل »**. ثم نسخ بفرض القتال في كل زمن، قال سعيد بن المسيب في كتاب الطبري : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحرم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله في ذلك حتى نزلت براءة. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله  وقاتلوا المشركين  معناه فيهن فأحرى في غيرهن، وقوله  كافة  معناه جميعاً وهو مصدر في موضع الحال، قال الطبري : كالعاقبة والعافية فهو على هذا كما تقول خاصة وعامة، ويظهر أيضاً أنه من كف يكف أي جماعة تكف من عارضها، وكذلك نقل الكافة أي تكف من خالفها، فاللفظة على هذا اسم فاعل، وقال بعض الناس : معناه يكف بعضهم بعضاً عن التخلف، وما قدمناه أعم وأحسن، وقال بعض الناس : كان الفرض بهذه الآية قد توجه على الأعيان ثم نسخ ذلك بعد وجعل فرض كفاية. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الذي قالوه لم يعلم قط من شرع النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ألزم الأمة جميعاً النفر، وإنما معنى الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة، ثم قيدها بقوله  كما يقاتلونكم  فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم، وأما الجهاد الذي ينتدب إليه فإنما هو فرض على الكفاية إذا قام به بعض الأمة سقط عن الغير، وقوله  واعلموا أن الله مع المتقين  خبر في ضمنه أمر بالتقوى ووعد عليها بالنصر والتأييد.

١ - بضم الفاء وفتح القاف بعدهما ياء ساكنة، والقلمّس بفتح القاف واللام وتشديد الميم، وكان القلمّس هذا يقوم بعد صدورهم من منى فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: أنشئنا شهرا، أي أخّر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، فيحل لهم المحرم\*\*\*الخ..
٢ - الحديث رواه الإمام أحمد عن أبي بكرة، ورواه البخاري في التفسير وغيره، ورواه مسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وابن جرير عن أبي هريرة، ورواه البزار عن محمد بن معمر، ورواه ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو ثابت في كتب التفسير والسير من طرق عدة..
٣ - هذا شطر بيت قاله عوف بن الأحوص العامري ضمن أبيات يهجو بها رجلا من بني الحارث بن كعب، وهي:
 وإني والذي حجت قريش محارمه وما جمعت حراء
 وشهر بني أمية والهدايا إذا حبست مضرجها الدماء
 أذمك ما ترقرق ماء عيني علي إذا من الله العفــاء
 ومضرجها: اسم فاعل، "والدماء" فاعله، و"ها" عائدة على الهدايا، وهو منصوب على الحال من ضمير الهدايا في "حُبست"، وهو جائز لأن إضافة الصفة كاسم الفاعل إلى معمولها ليست محضة فلا تفيد تعريفا (راجع همع الهوامع ٢/ ٤٧) وأذمك معناها: لا أذمك..
٤ - قرأ بها أيضا هبيرة عن حفص كما قال في "البحر المحيط"، قال: بإسكان العين مع إثبات الألف، وهو جمع بين ساكنين على غير حده، كما روي: "التقت حلقتا البطان" بإثبات ألف "حلقتا"..
٥ - الأولى من قوله تعالى في الآية (٤) من سورة (يوسف): إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، والثانية من قوله تعالى في الآية (٣٠) من سورة (المدثر): عليها تسعة عشر. ولكن لا يوجد هنا التقاء بين ساكنين..
٦ - وهو اثنا عشر شهرا، وهذا هو رأي أب علي، وقد نقله عنه أيضا أبو حيان في "البحر" وعلق عليه بقوله: "وهو كلام صحيح".
٧ - والسبب أنه إليها أقرب، ولأن لها مزية في تعظيم الظلم لقوله تعالى: فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وليس المعنى أن الظلم في غير هذه الأيام جائز، بل هو حرام في كل وقت وبخاصة في هذه الأوقات..

### الآية 9:37

> ﻿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [9:37]

النسيء  على وزن فعيل مصدر بمعنى التأخير، تقول العرب أنسأ الله في أجلك ونسأ في أجلك. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«من سره النساء في الأجل والسعة في الرزق فليصل رحمه »**[(١)](#foonote-١) وقرأ جمهور الناس والسبعة ********«النسيء »******** كما تقدم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه وقوم معه في الشاذ[(٢)](#foonote-٢) **«النسيّء »** بشد الياء، وقرأ فيما روى عنه جعفر بن محمد والزهري ********«النسيء »********، وقرأ أيضاً فيما روي عنه ****«النسء »**** على وزن الَّنسع وقرأت فرقة ******«النسي »******. فأما ********«النسيء »******** بالمد والهمز فقال أبو علي هو مصدر مثل النذير والنكير وعذير الحي[(٣)](#foonote-٣) ولا يجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول لأنه يكون المعنى إنما المؤخر زيادة والمؤخر الشهر ولا يكون الشهر زيادة في الكفر. 
قال القاضي أبو محمد : وقال أبو حاتم هو فعيل بمعنى مفعول، وينفصل عن إلزام أبي علي بأن يقدر مضاف كان المعنى إنما إنساء النسيء، وقاله الطبري هو من معنى الزيادة أي زيادتهم في الأشهر، وقال أبو وائل كان النسيء رجلاً من بني كنانة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وأما ******«النسي »****** فهو الأول بعينه خففت الهمزة وقيل قلبت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء، وأما ****«النسء »**** هو مصدر من نسأ إذا أخر، وأما ******«النسي »****** فقيل تخفيف همزة النسيء وذلك على غير قياس، وقال الطبري هو مصدر من نسي ينسى إذا ترك. 
قال القاضي أبو محمد : والنسيء هو فعل العرب في تأخيرهم الحرمة، وقوله  زيادة في الكفر  أي جار في كفرهم بالله وخلاف منهم للحق فالكفر متكثر بهذا الفعل الذي هو باطل في نفسه[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : ومما وجد في أشعارها من هذا المعنى قول بعضهم :\[ الوفر \]
ومنا منسىء الشهر القلمس[(٥)](#foonote-٥)\*\*\*
وقال الآخر :\[ الكامل \]
نسؤوا الشهور بها وكانوا أهلها\*\*\* من قبلكم والعز لم يتحول[(٦)](#foonote-٦)
ومنه قول جذل الطعان :\[ الوافر \]
وقد علمت معدّ أَنَّ قومي\*\*\* كرام الناس أن لهم كراما
فأي الناس فاتونا بوتر\*\*\* وأي الناس لم تعلك لجاما
ألسنا الناسئين على معد\*\*\* شهور الحل نجعلها حراما[(٧)](#foonote-٧)
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر **«يَضِل »** بفتح الياء وكسر الضاد، وقرأ ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة وعمرو بن ميمون ****«يُضِل »**** بضم الياء وكسر الضاد فإما على معنى يضل الله وإما على معنى يضل به الذين كفروا أتباعهم، ف  الذين  في التأويل الأول في موضع نصب، وفي الثاني في موضع رفع، وقرأ عاصم أيضاً وحمزة والكسائي وابن مسعود فيما روي عنه ****«يُضِل »**** بضم الياء وفتح الضاد على المفعول الذي لم يسم فاعله، ويؤيد ذلك قوله تعالى : زين  للتناسب في اللفظ، وقرأ أبو رجاء **«يَضل »** من ضل يضل على وزن فعل بكسر العين يفعل بفتحها وهي لغتان يقال ضل يضل وضل يضل والوزن الذي ذكرناه يفرق بينهما، وكذلك يروى قول النبي صلى الله عليه وسلم، **«حتى يضَل الرجل إن يدر كم صلى »** بفتح الضاد وكسرها[(٨)](#foonote-٨)، وقوله  يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً  معناه عاماً من الأعوام وليس يريد أن تلك مداولة في الشهر بعينه عام حلال وعام حرام. 
قال القاضي أبو محمد : وقد تأول بعض الناس القصة أنهم كانوا إذا شق عليهم توالي الأشهر الحرم أحل لهم المحرم وحرم عليهم صفر بدلاً منه ثم مشت الشهور مستقيمة على أسمائها المعهودة فإذا كان من قابل حرم المحرم على حقه وأحل صفر، ومشت الشهور مستقيمة، ورأت هذه الطائفة أن هذه كانت حالة القوم. 
قال القاضي أبو محمد : والذي قدمناه قبل أليق بألفاظ الآيات، وقد بينه مجاهد وأبو مالك، وهو مقتضى قول النبي صلى الله عليه وسلم، **«إن الزمان قد استدار »** مع أن هذا الأمر كله قد تقضى والله أعلم. أي ذلك كان، وقوله  ليواطئوا  معناه ليوافقوا والمواطأة الموافقة تواطأ الرجلان على كذا إذا اتفقا عليه، ومعنى ليواطئوا عدة ما حرم الله ليحفظوا في كل عام أربعة أشهر في العدد. 
قال القاضي أبو محمد : فأزالوا الفضيلة التي خص الله بها الأشهر الحرم وحدها بمثابة أن يفطر أحد رمضان ويصوم شهراً من السنة بغير مرض أو سفر، وقوله  زين  يحتمل هذا التزيين أن يضاف إلى الله عز وجل والمراد به خلقه لكفرهم وإقرارهم عليه وتحبيبه لهم، ويحتمل أن يضاف إلى مغويهم ومضلهم من الإنس والجن، ثم أخبر تعالى أنه لا يهديهم ولا يرشدهم، وهو عموم معناه الخصوص في الموافين أو عموم مطلق لكن لا هداية من حيث هم كفار. 
قال القاضي أبو محمد : وذكر أبو علي البغدادي في أمر ********«النسيء »******** أنه كان إذا صدر الناس من منى قام رجل يقال له نعيم بن ثعلبة فيقول أنا الذي لا أعاب ولا يرد لي قضاء فيقولون أنسئنا شهراً أي أخّر عنا حرمة المحرم فاجعلها في صفر. 
قال القاضي أبو محمد : واسم نعيم لم يعرف في هذا وما أرى ذلك إلا كما حكى النقاش من بني فقيم كانوا يسمون القلامس واحدهم قلمس وكانوا يفتون العرب في الموسم، يقوم كبيرهم في الحجر ويقوم آخر عند الباب ويقوم آخر عند الركن فيفتون. 
قال القاضي أبو محمد : فهم على هذا عدة، منهم نعيم وصفوان ومنهم ذرية القلمس حذيفة وغيرهم. 
قال القاضي أبو محمد : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، **«لا عدوى ولا هامة ولا صفر »**[(٩)](#foonote-٩)، فقال بعض الناس : إنه يريد بقوله لا صفر هذا النسيء، وقيل غير ذلك. 
١ - أخرجه البخاري في كتاب البيوع بلفظ: (من سرّه أن يبسط له رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه)، وأخرجه مسلم في كتاب البر، وأبو داود في كتاب الزكاة..
٢ - هذه القراءة ليست من الشاذ، فقد قرأ بها نافع، قال أبو حيان في "البحر": وقرأ الزهري، وحميد، وأبو جعفر، وورش عن نافع والحلواني: (النسي) بتشديد الياء =من غير همز". ونقل القرطبي عن النحاس قوله: "ولم يرو أحد عن نافع فيما علمناه (إنما النسي) بلا همز إلا ورش وحده". وعلى هذا يكون معنى قول ابن عطية: "وقوم معه في الشاذ" وقوم ممن يعدّون في الشاذ، وليس غرضه أن يجعل هذه القراءة من الشاذ..
٣ - العذير: العاذر، يقال: عذيرك من فلان، بالنصب، أي: هات من يعذرك، فعيل بمعنى فاعل، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو ينظر إلى ابن مُلجم:
 \*عذيرك من خليلك من مراد\*
 والعاذر والعذير: من يفعل شيئا لقومه فيقبلون عذره فلا يلومونه، فيكون كأنه اعتذر عن التقصير وهم قبلوا عذره، كمن يتخذ طعاما لقومه في ختان أو عرس، وإضافة "عذير" للحي على معنى اللام وليست من إضافة المصدر إلى مفعوله، لأن أعذر المذكور لازم، قال ذو الأصبح العدواني: 
 عذير الحي من عدوا ن كانوا حية الأرض
 بغى بعض على بعض فلم يرعوا على بعض
 يقول: هات عذرا فيما فعل بعضهم ببعض من التباعد والتباغض والقتل، ولم يرع بعضهم على بعض بعد ما كانوا حية يحذرها الناس جميعا.
 .
٤ - قال بعض العلماء: لأن الكافر إذا أحدث معصية ازداد كفرا، قال تعالى: فزادتهم رجسا إلى رجسهم، كما أن المؤمن إذا أحدث طاعة ازداد إيمانا، قال تعالى: فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. ذكر ذلك أبو حيان في "البحر". وقال القرطبي: "لما فعلته العرب من جمعها من أنواع الكفر، فإنها أنكرت وجود الله، وأنكرت البعث، وأنكرت بعثة الرسل". الخ..
٥ - القلمّس بفتح القاف واللام وتشديد الميم سبقت الإشارة إليه، واسمه حذيفة ابن عبد من بني فقيم من بني كنانة، وشاعرهم يقول هذا الشعر افتخارا منه لأن الذي يظفر بالنسيء تختاره العرب للرياسة، وروي هذا الشطر من بحر الوافر: "ومنا ناسئ" بدلا من "منسئ"..
٦ - لم نقف على قائل هذا البيت، والشاعر فيه يفخر بقوم كان لهم النسيء قبل غيرهم ولا يزال العز فيهم لم يتحول عنهم..
٧ - هذه الأبيات مختلف في نسبتها، فصاحب اللسان، وصاحب التاج ينسبان البيت الأخير فيها إلى عمير بن قيس بن جذل الطّعان، والألوسي والقرطبي ينسبانه إلى الكميت، وواضح أن ابن عطية ينسبها كلها إلى عمير هذا لكن خطأ النساخ جعله: جذل الطعان..
٨ - أخرجه أبو داود في كتاب "الصلاة"ن ورواه في الموطأ في النداء" (عن المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) جـ ٣ ص ٥١٥..
٩ - رواه الشيخان، وأبو داود عن أبي هريرة، وعن السائب بن زيد، وكذلك أخرجه الإمام أحمد في مسنده بهذا اللفظ عن أبي هريرة، وعن السائب بن زيد، وأخرجه هو ومسلم في صحيحه عن جابر بلفظ: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا غول)..

### الآية 9:38

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [9:38]

هذه الآية هي بلا اختلاف نازلة عتاباً على تخلف من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام غزا فيها الروم في عشرين ألفاً بين راكب وراجل، وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين كثير ومنافقون فالعتاب في هذه الآية هو للقبائل وللمؤمنين الذين كانوا بالمدينة، وخص الثلاثة كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية بذلك التذنيب الشديد بحسب مكانهم من الصحبة إذ هم من أهل بدر وممن يقتدى بهم، وكان تخلفهم لغير علة حسب ما يأتي، وقوله  ما لكم  استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ، وقوله  قيل  يريد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن صرفه الفعل لا يسمى فاعلة يقتضي إغلاظاً ومخاشنة ما، و **«النفر »** هو التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث، يقال في ابن آدم نفر إلى الأمر ينفر نفيراً ونفراً، ويقال في الدابة نفرت تنفرُ بضم الفاء نفوراً[(١)](#foonote-١)، وقوله  اثاقلتم  أصله تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء فاحتيج إلى ألف الوصل كما قال  فادارأتم [(٢)](#foonote-٢) وكما تقول اَّزَّين، وكما قال الشاعر \[ الكسائي \] :\[ البسيط \]
تولي الضجيع إذا ما استافها خصراً\*\*\* عذب المذاق إذا ما اتّابَع القبل[(٣)](#foonote-٣)
وقرأ الأعمش فيما حكى المهدوي وغيره ****«تثاقلتم »**** على الأصل، وذكرها أبو حاتم **«تتثاقلتم »** بتاءين ثم ثاء مثلثة، وقال هي خطأ أو غلط، وصوب ****«تثاقلتم »**** بتاء واحدة وثاء مثلثة أن لو قرىء بها، وقوله  اثاقلتم إلى الأرض  عبارة عن تخلفهم ونكولهم وتركهم الغزو لسكنى ديارهم والتزام نخلهم وظلالهم، وهو نحو من أخلد إلى الأرض، وقوله : أرضيتم  تقرير يقول أرضيتم نزر الدنيا على خطير الآخرة وحظها الأسعد، ثم أخبر فقال إن الدنيا بالإضافة إلى الآخرة قليل نزر، فتعطي قوة الكلام التعجب من ضلال من يرضى النزر بدل الكثير الباقي[(٤)](#foonote-٤).

١ -ويقال أيضا "تنفر" بكسر الفاء كما قال صاحب اللسان. ويقال: قوم نفور، ومنه قوله تعالى: ولوا على أدبارهم نفورا الإسراء (٤٦)..
٢ - من قوله تعالى في الآية (٧٢) من سورة (البقرة): وإذ قتلتم نفسا فاّادرأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون..
٣ - البيت أنشده الكسائي كما قال القرطبي. وساف الشيء يسوفه ويسافه سوفا وساوفه واستافه، كل ذلك بمعنى: شمّه، والخصر بكسر الصاد: البارد من كل شيء. والشاهد في قوله: اتّابع، إذ أصلها "تتابع"، ومن الكلمات التي حصل فيها الإدغام على مثال "اثّاقلتم" "اطيّرنا" في قوله تعالى في سورة النمل: قالوا اطيرنا بك وبمن معم، "وازينت" في قوله تعالى في سورة يونس: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينّت..
٤ - النّزر: القليل التافه من كل شيء..

### الآية 9:39

> ﻿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [9:39]

وقوله  إلا تنفروا  الآية،  إلا تنفروا يعذبكم  شرط وجواب، وقوله  يعذبكم  لفظ عام يدخل تحته أنواع عذاب الدنيا والآخرة، والتهديد بعمومه أشد تخويفاً، وقالت فرقة يريد يعذبكم بإمساك المطر عنكم، وروي عن ابن عباس أنه قال : استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة من القبائل فقعدت فأمسك الله عنها المطر وعذبها به، و  أليم  بمعنى مؤلم بمنزلة قول عمرو بن معديكرب :\[ الوافر \]
أمن ريحانة الداعي السميع \*\*\*. . [(١)](#foonote-١)
وقوله  ويستبدل قوماً غيركم  توعد بأن يبدل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً لا يقعدون عند استنفاره إياهم، والضمير في وقوله  ولا تضروه شيئاً  عائد على الله عز وجل أي لا ينقص ذلك من عزه وعز دينه، ويحتمل أن يعود على النبي صلى الله عليه وسلم وهو أليق،  والله على كل شيء قدير  أي على كل شيء مقدور وتبديلهم منه ليس بمحال ممتنع.

١ - هذا صدر بيت، وهو بتمامه:
 أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع؟
 والسميع بمعنى: المسمع، قال الأزهري: ولست أنكر أن يكون السميع سامعا، ويكون مسمعا كما قال عمرو بن معد يكرب، ولكنه شاذ.

### الآية 9:40

> ﻿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:40]

هذا أيضاً شرط وجواب والجواب في الفاء من قوله  فقد  وفيما بعدها، قال النقاش : هذه أول آية نزلت من سورة براءة، ومعنى الآية أنكم إن تركتم نصره فالله متكفل به، إذ فقد نصره في موضع القلة والانفراد وكثرة العدو، فنصره إياه اليوم أحرى منه حينئذ، وقوله  إذ أخرجه الذين كفروا  يريد فعلوا من الأفاعيل ما أدى إلى خروجه، وأسند الإخراج إليهم إذ المقصود تذنيبهم، ولما كان مقصد أبي سفيان بن الحارث الفخر في قوله : من طردت كل مطرد، لم يقرره النبي صلى الله عليه وسلم، والإشارة إلى خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وفي صحبته أبو بكر، واختصار القصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينتظر أمر الله عز وجل في الهجرة من مكة، وكان أبو بكر حين ترك ذمة ابن الدغنة قد أراد الخروج من مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم **«اصبر فلعل الله أن يسهل في الصحبة »**، فلما أذن الله لرسوله في الخروج تجهز من دار أبي بكر وخرجا فبقيا في الغار الذي في جبل ثور في غربي مكة ثلاث ليال، وخرج المشركون في أثرهم حتى انتهو إلى الغار، فطمس عليهم الأثر، وقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم : لو نظر أحدهم لقدمه لرآنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :**«ما ظنك باثنين الله ثالثهما »**. 
ويروى أن العنكبوت نسجت على باب الغار، ويروى أن الحمامة عششت عند باب الغار، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يجعل ثماماً[(١)](#foonote-١) في باب الغار فتخيله المشركون نابتاً وصرفهم الله عنه، ووقع في الدلائل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نبتت على باب الغار**«راءة »** أمرها الله بذلك في الحين، قال الأصمعي : جمعها راء وهي نبات من السهل. 
وروي أن أبا بكر لما دخل الغار خرق رداءه فسدَّ به كواء[(٢)](#foonote-٢) الغار لئلا يكون فيها حيوان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم. 
وروي أنه بقيت واحدة فسدها برجله فوقى الله تعالى، وكان يروح عليهما باللبن عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وقوله  ثاني اثنين  معناه أحد اثنين، وهذا كثالث ثلاثة ورابع أربعة فإذا اختلف اللفظ فقلت رابع ثلاثة فالمعنى صير الثلاثة بنفسه أربعة، وقرأ جمهور الناس **«ثانيَ اثنين »** بنصب الياء من **«ثاني »**. 
قال أبو حاتم : لا يعرف غير هذا وقرأت فرقة **«ثاني اثنين »** بسكون الياء من ثاني، قال أبو الفتح : حكاها أبو عمرو بن العلاء، ووجهه أنه سكن الياء تشبيهاً لها بالألف. 
قال القاضي أبو محمد : فهذه كقراءة ما بقي من الربا[(٣)](#foonote-٣) وكقوله جرير :\[ البسيط \]
هو الخليفةُ فارضوا ما رضي لكمُ\*\*\* ماضي العزيمة ما في حكمه جنف[(٤)](#foonote-٤)
و **«صاحبه »** أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وروي أن أبا بكر الصديق قال يوماً وهو على المنبر : أيكم يحفظ سورة التوبة، فقال رجل أنا، فقال اقرأ فقرأ، فلما انتهى إلى قوله  إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا  بكى وقال أنا والله صاحبه، وقال الليث : ما صحب الأنبياء مثل أبي بكر الصديق، وقال سفيان بن عيينة : خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله : إلا تنصروه . 
قال القاضي أبو محمد : أقول بل خرج منها كل من شاهد غزوة تبوك ولم يتخلف، وإنما المعاتبة لمن تخلف فقط، أما إن هذه الآية منوهة بأبي بكر حاكمة بقدمه وسابقته في الإسلام رضي الله عنه، وقوله : إن الله معنا  يريد به النصر والإنجاء واللطف[(٥)](#foonote-٥)، وقوله تعالى : فأنزل الله سكينته عليه  الآية، قال حبيب بن أبي ثابت : الضمير في  عليه  عائد على أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل ساكن النفس ثقة بالله عز وجل. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول من لم ير السكينة إلا سكون النفس والجأش، وقال جمهور الناس : الضمير عائد على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أقوى، و **«السكينة »** عندي إنما هي ما ينزله الله على أنبيائه من الحياطة لهم والخصائص التي لا تصلح إلا لهم[(٦)](#foonote-٦)، كقوله تعالى : فيه سكينة من ربكم [(٧)](#foonote-٧) ويحتمل أن يكون قوله  فأنزل الله سكينته  إلى آخر الآية يراد به ما صنعه الله لنبيه إلى وقت تبوك من الظهور والفتوح لا أن تكون هذه الآية تختص بقصة الغار والنجاة إلى المدينة، فعلى هذا تكون ****«الجنود »**** الملائكة النازلين ببدر وحنين، ومن رأى أن الآية مختصة بتلك القصة قال ****«الجنود »**** ملائكة بشروه بالنجاة وبأن الكفار لا ينجح لهم سعي، وفي مصحف حفصة **«فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما »**، وقرأ مجاهد **«وأأيده »** بألفين، والجمهور **«وأيّده »** بشد الياء، وقوله : وجعل كلمة الذين كفروا السفلى  يريد بإدحارها ودحضها وإذلالها،  وكلمة الله هي العليا  قيل : يريد لا إله الا الله، وقيل : الشرع بأسره، وقرأ جمهور الناس **«وكلمةُ »** بالرفع على الابتداء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ويعقوب **«وكلمةَ »** بالنصب على تقدير وجعل كلمة، قال الأعمش : ورأيت في مصحف أنس بن مالك المنسوب إلى أبيّ بن كعب **«وجعل كلمته هي العليا »**.

١ - الثُّمامُ: نبت معروف في البادية، ولا تجهده النّعم إلا في الجدوبة. والثمام: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، وربما حُشي به وسدّ به خصاص البيوت، والثمام: نبت ضعيف قصير لا يطول، وفي حديث عمر رضي الله عنه: اغزوا والغزو حلو خضر قبل أن يصير ثُماما، جاء ذلك كله في (لسان العرب)..
٢ - الكوُّ والكوّة: الخرق في الحائط، والثقب في البيت، والجمع كوى بالقصر نادر وكواء بالمدّ، والكاف مكسورة فيهما، وقال اللحياني: من قال كوّة ففتح فجمعه كواء ممدود، والكوة بالضم لغة، ومن قال كوّة بالضم فجمعه كوى مكسور مقصور..
٣ - من قوله تعالى في الآية (٢٧٨) من سورة (البقرة): يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين..
٤ - الأصل في الكلام كما رضي" بفتح الياء، ولكن الشاعر سكّن هنا على أساس تشبيه الياء بالألف، فكما أن الحركة لا تصل إلى الألف فهي كذلك هنا لا تصل إلى الياء، والجنف: الميل والجور..
٥ - قال المُحاسبيّ: يعني: معهما بالنصر والدفاع، لا على معنى ما عمّ به الخلائق فقال: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم فمعناه العموم، وأنه يسمع ويرى من الكفار والمؤمنين..
٦ -وقال ابن عباس رضي الله عنهما: السكينة: الرحمة، وقال قتادة: الوقار، وقال ابن قتيبة. الطمأنينة. وكلها أقوال متقاربة..
٧ - من الآية (٢٤٨) من سورة (البقرة)..

### الآية 9:41

> ﻿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [9:41]

هذا أمر من الله عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالنفر إلى الغزو فقال بعض الناس هذا أمر عام لجميع المؤمنون تعين به الفرض على الأعيان في تلك المدة، ثم نسخه الله عز وجل، بقوله : وما كان المؤمنون لينفروا كافة [(١)](#foonote-١)، روي ذلك عن الحسن وعكرمة، وقال جل الناس : بل هذا حض والأمر في نفسه موقوف على فرض الكفاية ولم يقصد بالآية فرضه على الأعيان، وأما قوله  خفافاً وثقالاً  فنصب على الحال من الضمير في قوله  انفروا ، ومعنى الخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر[(٢)](#foonote-٢) بسهولة ومن يمكنه بصعوبة، وأما من لا يمكنه كالعمي ونحوهم فخارج عن هذا. 
وروي أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أعليَّ أن أنفر ؟ فقال له نعم، حتى نزلت  ليس على الأعمى حرج [(٣)](#foonote-٣)، وذكر الناس من معاني الخفة والثقل أشياء لا وجه لتخصيص بعضها دون بعض، بل هي وجوه متفقة، فقيل **«الخفيف »** الغني **«والثقيل »** الفقير : قاله مجاهد، وقيل الخفيف الشاب والثقيل الشيخ قاله الحسن وجماعة، وقيل الخفيف النشيط والثقيل الكاسل، قاله ابن عباس وقتادة، وقيل المشغول ومن لا شغل له قاله الحكم بن عيينة وزيد بن علي، وقيل الذي له ضيعة هو الثقيل ومن لا ضيعة له هو الخفيف قاله ابن زيد : وقيل الشجاع هو الخفيف والجبان هو الثقيل حكاه النقاش، وقيل الرجل هو الثقيل والفارس هو الخفيف قاله الأوزاعي. 
قال القاضي أبو محمد : وهذان الوجهان الآخران ينعكسان، وقد قيل ذلك ولكنه بحسب وطأتهم على العدو فالشجاع هو الثقيل وكذلك الفارس والجبان هو الخفيف وكذلك الراجل وكذلك ينعكس الفقير والغني فيكون الغني هو الثقيل بمعنى صاحب الشغل ومعنى هذا أن الناس أمروا جملة. 
وهذه الأقوال إنما هي على معنى المثال في الثقل والخفة، وقال أبو طلحة : ما أسمع الله عذراً أحداً وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات. 
وقال أبو أيوب : ما أجدني أبداً إلا ثقيلاً أو خفيفاً، وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلاً سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له يا عم إن الله قد عذرك، فقال يا ابن أخي إنَّا قد أمرنا بالنفر خفافاً وثقالاً، وأسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص وهو على تابوت صراف وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو فقال له لقد عذرك الله، فقال أتت علينا سورة البعوث  انفروا خفافاً وثقالاً ، وروي سورة البحوث، وقوله تعالى : بأموالكم وأنفسكم  وصف لأكمل ما يكون من الجهاد وأنفسه عند الله تعالى : فحض على كمال الأوصاف، وقدمت الأموال في الذكر إذ هي أول مصرف وقت التجهيز فرتب الأمر كما هو في نفسه، ثم أخبر أن ذلك لهم خير للفوز برضى الله وغلبة العدو ووراثة الأرض، وفي قوله : إن كنتم تعلمون  تنبيه وهز للنفوس.

١ - من الآية (١٢) من سورة (التوبة)..
٢ - في بعض النسخ: لمن يمكنه النّفر..
٣ - تكررت- فهي في الآية (٦١) من سورة (النور)، وفي الآية (١٧) من سورة (الفتح) وهي المقصودة هنا..

### الآية 9:42

> ﻿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:42]

وقوله : لو كان عرضاً قريباً  الآية، ظاهر هذه الآية وما يحفظ من قصة تبوك أن الله لما أمر رسوله بغزو الروم نذب الناس وكان ذلك في شدة من الحر وطيب من الثمار والظلال، فنفر المؤمنون، واعتذر منهم لا محالة فريق لا سيما من القبائل المجاورة للمدينة، ويدل على ذلك قوله في أول هذه الآية
 يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض  \[ التوبة : ٣٨ \]، لأن هذا الخطاب ليس للمنافقين خاصة بل هو عام، واعتذر المنافقون بأعذار كاذبة، وكانوا بسبيل كسل مفرط وقصد للتخلف وكانت أعذار المؤمنين خفيفة ولكنهم تركوا الأولى من التحامل، فنزل ما سلف من الآيات في عتاب المؤمنين، ثم ابتدأ من هذه الآية ذكر المنافقين وكشف ضمائرهم، فيقول لو كان هذا الغزو لعرض أي لمال وغنيمة تنال قريباً بسفر قاصد يسير لبادروا إليه، لا لوجه الله ولا لظهور كلمته، ولكن بعدت عليهم الشقة في غزو الروم أي المسافة الطويلة، وذكر أبو عبيدة أن أعرابياً قدم البصرة وكان قد حمل حمالة فعجز عنها، وكان معه ابن له يسمى الأحوص، فبادر الأحوص أباه بالقول، فقال : إنا من تعلمون، وابنا سبيل، وجئنا من شقة، ونطلب في حق، وتنطوننا[(١)](#foonote-١) ويجزيكم الله فتهيأ أبوه ليخطب فقال له :**«يا، إياك، إني قد كفيتك »**. 
قال القاضي أبو محمد : يا تنبيه وإياك نهي، وقرأ عيسى ابن عمر **«الشِّقة »** بكسر الشين، وقرأ الأعرج **«بعِدت »** بكسر العين، وحكى أبو حاتم أنها لغة بني تميم في اللفظتين، وقوله  سيحلفون بالله  يريد المنافقين، وهذا إخبار بغيب، وقوله  يهلكون أنفسهم  يريد عند تخلفهم مجاهرة وكفرهم، فكأنهم يوجبون على أنفسهم الحتم بعذاب الله. 
ثم أخبر أن الله الذي هو أعدل الشاهدين يعلم كذبهم وأنهم كانوا يستطيعون الخروج ولكنهم تركوه كفراً ونفاقاً، وهذا كله في الجملة لا بتعيين شخص ولو عين لقتل بالشرع، وقرأ الأعمش على جهة التشبيه بواو ضمير الجماعة **«لوُ استطعنا »** بضم الواو، ذكره ابن جني، ومثله بقوله[(٢)](#foonote-٢) تعالى : لقد ابتغوا الفتنة [(٣)](#foonote-٣)  فتمنوا الموت [(٤)](#foonote-٤) و  اشتروا الضلالة [(٥)](#foonote-٥).

١ - لغة في "تعطوننا"، وهي لغة أهل اليمن، وفي الحديث: (اليد المنطية خير من اليد السفلى)، وفي حديث الدعاء (لا مانع لما أنطيت، ولا منطي لما منعت). وقد جاءت في بعض النسخ على اللغة المشهورة: "تعطوننا"..
٢ - هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: "ومثله قوله" ولكن أخطأ النساخ، ولعله أراد: (مثّله) بفتح الميم وشد الثاء المفتوحة، يعني ابن جني..
٣ - من الآية (٤٨) من سورة (التوبة)..
٤ - من الآية (٦) من سورة (الجمعة)..
٥ - من قوله في الآية (١٦) من سورة (البقرة): أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى، وتكررت في الآية (١٧٥) من نفس السورة..

### الآية 9:43

> ﻿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [9:43]

هذه الآية في صنف مبالغ في النفاق واستأذنوا دون اعتذار، منهم عبد الله بن أبيّ والجد بن قيس ورفاعة بن التابوت ومن اتبعهم فقال بعضهم ائذن لي ولا تفتني، وقال بعضهم : ائذن لنا في الإقامة، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استيفاء منه صلى الله عليه وسلم، وأخذاً بالأسهل من الأمور وتوكلاً على الله، وقال مجاهد : إن بعضهم قال نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإلا قعدنا فنزلت الآية في ذلك. 
وقالت فرقة : إن رسول صلى الله عليه وسلم، أذن لهم دون أن يؤمر بذلك فعفي عنه ما يلحق من هذا، وقدم له ذكر العفو قبل العتاب إكراماً له صلى الله عليه وسلم، وقال عمرو بن ميمون الأودي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر فيهما بشيء. 
هذه، وأمر أسارى بدر، فعاتبه الله فيهما، وقالت فرقة بل قوله في هذه الآية  عفا الله عنك  استفتاح كلام، كما تقول أصلحك الله وأعزك الله، ولم يكن منه صلى الله عليه وسلم، ذنب يعفى عنه لأن صورة الاستنفار قبول الأعذار مصروفة إلى اجتهاده، وأما قوله  لم أذنت  فهي على معنى التقرير[(١)](#foonote-١)، وقوله  الذين صدقوا  يريد استئذانك وأنك لو لم تأذن لهم خرجوا معك وقوله  وتعلم الكاذبين  يريد في أنهم استأذنوك يظهرون لك أنهم يقفون عند حدك وهو كذبة قد عزموا على العصيان أذنت لهم أو لم تأذن، وقال الطبري معناه حتى تعلم الصادقين في أن لهم عذراً والكاذبين في أن لا عذر لهم. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا التأويل يختلط المتعذرون وقد قدمنا أن فيهم مؤمنين كالمستأذنين وهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر والأول أصوب والله أعلم. 
وأدخل الطبري أيضاً في تفسير هذه الآية عن قتادة أن هذه الآية نزلت بعدها الآية الأخرى في سورة النور  فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم [(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : هذا غلط لأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات، فأباح الله له أن يأذن فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى.

١ - قال أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة المعروف بنفطويه: "كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وألا يفعل حتى ينزل عليه الوحي، كما قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة)، وقد قال الله تعالى: ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء، فكان له أن يفعل ما يشاء مما لم ينزل عليه فيه وحين واستأذنه المتخلفون في التخلف واعتذروا واختار أيسر الأمرين تكرّما وتفضلا منه عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا يكون قوله تعالى: عفا الله عنك افتتاح كلام وليس عفوا عن ذنب، كما قال صلى الله عليه وسلم: (عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق) وما وجبتا قط، ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك. اهـ. مع بعض التصرف..
٢ - من الآية (٦٢) من سورة (النور)..

### الآية 9:44

> ﻿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [9:44]

وقوله  لا يستأذنك  الآية. نفي عن المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في التخلف دون عذر كما فعل الصنف المذكور من المنافقين، وقوله  أن يجاهدوا  يحتمل أن تكون  أن  في موضع نصب على معنى لا يستأذنون في التخلف كراهية أن يجاهدوا، قال سيبويه ويحتمل أن تكون في موضع خفض. 
قال القاضي أبو محمد : على معنى لا يحتاجون إلى أن يستأذنوا في أن يجاهدوا بل يمضون قدماً، أي فهم أحرى ألا يستأذنوا في التخلف، ثم أخبر بعلمه تعالى  بالمتقين  وفي ذلك تعيير للمنافقين وطعن عليهم بين.

### الآية 9:45

> ﻿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [9:45]

هذه الآية تنص على أن المسأذنين إنما هم مخلصون للنفاق،  وارتابت قلوبهم  معناه شكّت، والريب نحو الشك،  يترددون  أي يتحيرون لا يتجه لهم هدى، ومن هذه الآية نزع أهل الكلام في حد الشك أنه تردد بين أمرين، والصواب في حده أنه توقف بين أمرين، والتردد في الآية إنما هو في ريب هؤلاء المنافقين إذ كانوا تخطر لهم صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً، وأنه غير صحيح أحياناً، ولم يكونوا شاكين طالبين للحق لأنه كان يتضح لهم لو طلبوه، بل كانوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كالشاة الحائرة بين الغنمين[(١)](#foonote-١)، وأيضاً فبين الشك والريب فرق ما، وحقيقة الريب إنما هو الأمر يستريب به الناظر فيخلط عليه عقيدته فربما أدى إلى شك وحيرة وربما أدى إلى علم ما في النازلة التي هو فيها، ألا ترى أن قول الهذلي :
كأني أريته بريب[(٢)](#foonote-٢)
لا يتجه أن يفسر بشك قال الطبري : وكان جماعة من أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية التي ذكرنا في سورة النور، وأسند عن الحسن وعكرمة أنهما قالا في قول  لا يستأذنك الذين يؤمنون  \[ التوبة : ٤٤ \] إلى قوله  فهم في ريبهم يترددون  نسختها الآية التي في النور،  إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله  \[ الآية : ٦٢ \] إلى  إن الله غفور رحيم  \[ النور : ٦٢ \]. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا غلط وقد تقدم ذكره.

١ - هي الشاة المتردّدة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع، ومنه الحديث: (مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين غنمين)، (اللسان)..
٢ - الهذلي هو خالد بن زهير، وهذا البيت جاء آخر أبيات يقول فيها:
 يا قوم مالي وأبا ذؤيب
 كنت إذا أتيته من غيب
 يشم عطفي ويبز ثوبي
 كأني أربته بريــب
 وعلق عليها ابن برّي بقوله: والصحيح في هذا أن (رابني) بمعنى شكّكني وأوجب عندي ريبة، كما قال الآخر:
 وقد رابني من دلوي اضطرابها
 وأما (أراب) فإنه يأتي متعديا وغير متعدّ، فمن عدّاه جعله بمعنى (راب) كقول خالد، وأما غير المتعدي فمعناه: أتى بريبة. (اللسان)..

### الآية 9:46

> ﻿۞ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:46]

وقوله تعالى  ولو أرادوا الخروج  الآية، حجة على المنافقين، أي ولو أرادوا الخروج بنياتهم لنظروا في ذلك واستعدوا له قبل كونه، و **«العدة »** ما يعد للأمر ويروى له من الأشياء[(١)](#foonote-١)، وقرأ جمهور الناس ****«عُدة »**** بضم العين وتاء تأنيث، وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنه معاوية بن محمد ****«عُدة »**** بضم العين وهاء إضمار يريد **«عدته »** فحذفت تاء التأنيث لما أضاف، كما قال **«وأقام الصلاة »** يريد إقامة الصلاة، هذا قول الفراء، وضعفه أبو الفتح، وقال : إنما حذف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير عوضاً منها، وقال أبو حاتم : هو جمع ( عدة ) على ( عد )، كبرة وبر، ودرة ودر، والوجه فيه ُعدد ولكن لا يوافق خط المصحف، وقرأ عاصم فيما روى عنه أبان وزر بن حبيش **«عِده »** بكسر العين وهاء إضمار وهو عندي اسم لما يعد كالذبح والقتل[(٢)](#foonote-٢) لأن العدو سمي قتلاً إذ حقه أن يقتل هذا في معتقد العرب حين سمته،  انبعاثهم  نفوذهم لهذه الغزوة، و **«التثبيط »** التكسيل وكسر العزم، وقوله  وقيل ، يحتمل أن يكون حكاية عن الله تعالى أي قال الله في سابق قضائه  اقعدوا مع القاعدين ، ويحتمل أن يكون حكاية عنهم أي كانت هذه مقالة بعضهم لبعض إما لفظاً وإماً معنى، فحكي في هذه الألفاظ التي تقتضي لهم مذمة إذ القاعدون النساء والأطفال، ويحتمل أن يكون عبارة عن إذن محمد صلى الله عليه وسلم لهم في القعود، أي : لما كره الله خروجهم يسر أن قلت لهم : اقعدوا مع القاعدين ، والقعود هنا عبارة عن التخلف والتراخي كما هو في قول الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\*. \*\*\* واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي[(٣)](#foonote-٣)
وليس للهيئة في هذا كله مدخل، وكراهية الله انبعاثهم رفق بالمؤمنين.

١ - من الروية في الأمر، وهي النظر وعدم العجلة، بمعنى التفكير فيه، قال ابن الأثير: الرويّة: ما يروّي الإنسان في نفسه من القول والفعل، أي يزوّر ويفكر، وأصلها الهمز، يقال: روّأت في الأمر. (عن اللسان)..
٢ - الذّبح والقتل بكسر الذال والقاف هو ما يعدّ للذبح والقتل، وفي التنزيل وفديناه بذبح عظيم أي: بكبش يُذبح، قال الأزهري: هو بمنزلة المذبوح والذّبيح، وهو بمنزلة الطحن بمعنى المطحون، والقطف بمعنى القطوف، وفي حديث الضحية (فدعا بذبح فذبحه). (عن اللسان)..
٣ - البيت للحطيئة في قصيدة مشهورة قالها يهجو الزبرقان بن بدر، وهو بتمامه:
 دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي.
 أي المطعوم المكسوّ. ومعناه يحمل قسوة في الهجاء علّق عليها النقاد..

### الآية 9:47

> ﻿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [9:47]

وقوله تعالى : لو خرجوا فيكم  الآية، خبر بأنهم لو خرجوا لكان خروجهم مضرة، وقولهم  إلا خبالاً  استثناء من غير الأول، وهذا قول من قدر أنه لم يكن في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبال، فيزيد المنافقون فيه، فكأن المعنى ما زادوكم قوة ولا شدة لكن خبالاً، ويحتمل أن يكون استثناء غير منقطع وذلك أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك كان فيه منافقون كثير ولهم لا محالة خبال، فلو خرج هؤلاء لالتأموا مع الخارجين فزاد الخبال، والخبال الفساد في الأشياء المؤتلفة الملتحمة كالمودات وبعض الأجرام، ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
يا بني لبينى لستما بيدِ\*\*\* إلاّ يداً مخبولة العضدِ[(١)](#foonote-١)
وقرأ ابن أبي عبلة **«ما زادكم »** بغير واو[(٢)](#foonote-٢). 
وقرأ جمهور الناس  لأوضعوا  ومعناه لأسرعوا السير، و  خلالكم  معناه فيما بينكم من هنا إلى هنا لسد الموضع الخلة بين الرجلين، والإيضاع سرعة السير[(٣)](#foonote-٣)، وقال الزجّاج  خلالكم  معناه فيما يخل بكم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وماذا يقول في قوله : فجاسوا خلال الديار [(٤)](#foonote-٤) وقرأ مجاهد فيما حكى النقاش عنه، **«ولأوفضوا »** وهو أيضاً بمعنى الإسراع ومنه قوله تعالى : إلى نصب يوفضون [(٥)](#foonote-٥)، وحكي عن الزبير أنه قرأ **«ولأرفضوا »** قال أبو الفتح : هذه من رفض البعير إذا أسرع في مشيه رقصاً ورقصاناً، ومنه قول حسان بن ثابت :\[ الكامل \]

بزجاجة رفضت بما في قعرها  رقص القلوص براكب مستعجل[(٦)](#foonote-٦)ووقعت **«ولا أوضعوا »** بألف بعد **«لا »** في المصحف، وكذلك وقعت في قوله  أو لأذبحنه [(٧)](#foonote-٧)، قيل وذلك لخشونة هجاء الأولين[(٨)](#foonote-٨) قال الزجّاج : إنما وقعوا في ذلك لأن الفتحة في العبرانية وكثير من الألسنة تكتب ألفاً. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن تمطل حركة اللام فيحدث بين اللام والهمزة التي من أوضع[(٩)](#foonote-٩)، وقوله : يبغونكم الفتنة  أي يطلبون لكم الفتنة، وقوله  وفيكم سماعون  قال سفيان بن عيينة والحسن ومجاهد وابن زيد معناه جواسيس يستمعون الأخبار وينقلونها إليهم، ورجحه الطبري، قال النقاش : بناء المبالغة يضعف هذا القول، وقال جمهور المفسرين معناه وفيكم مطيعون سامعون لهم، وقوله  والله عليم بالظالمين  توعد لهم ولمن كان من المؤمنين على هذه الصفة. 
١ -هذا البيت لأوس، أنشده الزجاج ليدلل على أن الخبال هو الفساد وذهاب الشيء، ذكر ذلك في اللسان. والرواية فيه:
 أبني لبُيني لستم بيد إلا يدا مخبولة العضد.
٢ - والمعنى: ما زادكم خروجهم إلا خبالا..
٣ - ومنه قول دريد بن الصمة:
 يا ليتني فيها جــــذع أخب فيها وأضــــع
 **وقول الآخر:**
 أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب..
٤ - من الآية (٥) من سورة (الإسراء)..
٥ - من الآية (٤٣) من سورة (المعارج)..
٦ - قبل هذا البيت:
 إن التي ناولتني فرددتهـــا ُقتلْت ُقتلَت فهاتها لم تقتل
 كلتاهما حلب العصير فعاِطني بزجاجة أرخامها للمفصل
 والقلوصُ: الفتية من الإبل بمنزلة الجارية الفتاة من النساء، وقيل: هي الثنية، وقيل: هل كل أنثى من الإبل حين تركب، وسميت قلوصا لطول قوائمها وهي لم تجسم بعد..
٧ - من الآية (٢١) من سورة (النمل)..
٨ - الأولين: هم السابقون جمع أوّل. يريد أن هجاءهم لم يكن قد ناله التهذيب..
٩ - قال في "الكشاف": "كانت الفتحة تكتب ألفا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفا أخرى، ومثل ذلك لا أذبحنّه،" وقال في الألوسي: "كتب قوله تعالى: ولا أوضعوا في الإمام بألفين الثانية منهما هي فتحة الهمزة، والفتحة =ترسم لها ألف كما ذكره الداني". وكلام صاحب الكشاف فيه ما قاله الزجاج، ورأي ابن عطية قريب من رأي الألوسي، وهي كلها أقوال متقاربة..

### الآية 9:48

> ﻿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [9:48]

في هذه الآية تحقير شأنهم، وذلك أنه أخبر أنهم قد لما سعوا على الإسلام فأبطل الله سعيهم، ومعنى قوله : من قبل  ما كان من حالهم من وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه سلم ورجوعهم عنه في أحد وغيرها، ومعنى  وقلبوا لك الأمور  دبروها ظهراً لبطن ونظروا في نواحيها وأقسامها وسعوا بكل حيلة، وقرأ مسلمة بن محارب **«وقلَبوا لك »** بالتخفيف في اللام، و  أمر الله  الإسلام ودعوته.

### الآية 9:49

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [9:49]

وقوله تعالى  ومنهم من يقول ائذن لي  نزلت في الجد بن قيس، **«وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما أمر بالغزو إلى بلاد الروم حرض الناس فقال للجد بن قيس :( هل لك العام في جلاد بني الأصفر ؟ )، وقال له وللناس :( اغزوا تغنموا بنات الأصفر )، فقال له الجد بن قيس : ائذن لي في التخلف ولا تفتني بذكر بنات الأصفر، فقد علم قومي أني لا أتمالك عن النساء إذا رأيتهن، ذكر ابن إسحاق نحو هذا من القول الذي فيه فتور كثير وتخلف في الاعتذار[(١)](#foonote-١)، وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«اغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر »**، فقال الجد ائذن لي ولا تفتنا بالنساء، وهذا منزع غير الأول إذا نظر، وهو أشبه بالنفاق والمحادة[(٢)](#foonote-٢)، وقال ابن عباس إن الجد قال : ولكني أعينك بمالي، وتأول بعض الناس قوله  ولا تفتني  أي لا تصعب علي حتى أحتاج إلى مواقعة معصيتك ومخالفتك، فسهل أنت عليّ ودعني غير مجلح[(٣)](#foonote-٣)، وهذا تأويل حسن واقف مع اللفظ، لكن تظاهر ما روي من ذكر بنات الأصفر، وذلك معترض في هذا التأويل، وقرأ عيسى بن عمر **«ولا تُفتني »** بضم التاء الأولى قال أبو حاتم هي لغة بني تميم، والأصفر هو الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام وكان أصفر اللون فيقال للروم بنو الأصفر، ومن ذلك قول أبي سفيان : َأِمَر َأْمُر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر، ومنه قول الشاعر \[ عدي بن زيد العبادي \] :\[ الخفيف \]
وبنو الأصفر الكرام ملوك الر\*\*\* وم لم يبق منهمُ مذكور[(٤)](#foonote-٤)
وذكر النقاش والمهدوي أن الأصفر رجل من الحبشة وقع ببلاد الروم فتزوج وأنسل بنات لهن جمال وهذا ضعيف، وقوله : ألا في الفتنة سقطوا  أي في الذي أظهروا الفرار منه بما تبين لك وللمؤمنين من نفاقهم وصح عندكم من كفرهم وفسد مما بينكم وبينهم، و  سقطوا  عبارة منبئة عن تمكن وقوعهم ومنه على الخبير سقطت[(٥)](#foonote-٥)، ثم قال  وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ، وهذا توعد شديد لهم أي هي مآلهم ومصيرهم كيف ما تقلبوا في الدنيا فإليها يرجعون فهي محيطة بهذا الوجه.

١ - أخرجه ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن جابر بن عبد
 الله مع اختلاف يسير في الألفاظ، (الدر المنثور) (والسيرة النبوية عن ابن إسحاق)..
٢ - الحديث في تفسير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
٣ - من قولهم: جلّح في الأمر ركب رأسه فيه، أو أقدم عليه ومضى فيه..
٤ - البيت لعدّي بن زيد العبادّي..
٥ - قيل: إن هذا المثل لمالك بن جبير العامري أحد حكماء العرب، وقد تمثل به الفرزدق للحسين بن علي رضي الله عنهما حين أقبل يريد العراق والفرزدق يريد الحجاز، وذلك حين سأله الحسين بقوله: ما وراءك؟ فأجابه قائلا: "على الخبير سقطت"، قلوب الناس معك وألسنتهم مع بني أمية ينزل من السماء. فقال الحسين رضي الله عنه: صدقتني. (مجمع الأمثال للميداني) ١/ ٦٤٨..

### الآية 9:50

> ﻿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [9:50]

وقوله تعالى : إن تصبك حسنة  الآية، أخبر تعالى عن معتقدهم وما هم عليه، و **«الحسنة »** هنا بحسب الغزوة هي الغنيمة والظفر، و **«المصيبة »** الهزم والخيبة، واللفظ عام بعد ذلك في كل محبوب ومكروه، ومعنى قوله : قد أخذنا أمرنا من قبل ، أي حزمنا نحن في تخلفنا ونظرنا لأنفسنا.

### الآية 9:51

> ﻿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [9:51]

وقوله تعالى  قل لن يصيبنا  الآية، أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يرد على المنافقين ويفسد عليهم فرحهم بأن يعلمهم أن الشيء الذي يعتقدونه مصيبة ليس كما اعتقدوه، بل الجميع مما قد كتبه الله عز وجل للمؤمنين، فإما أن يكون ظفراً وسروراً في الدنيا وإما أن يكون ذخراً للآخرة، وقرأ طلحة بن مصرف **«قل هل يصيبنا »**، ذكره أبو حاتم، وعند ابن جني وقرأ طلحة بن مصرف وأعين قاضي الري **«قل لن يصيِّبنا »** بشد الياء التي بعد الصاد وكسرها كذا ذكر أبو الفتح وشرح ذلك وهو وهم، والله أعلم. 
قال أبو حاتم : قال عمرو بن شفيق سمعت أعين قاضي الري يقرأ **«قل لن يصيبنا »** النون مشددة، قال أبو حاتم : ولا يجوز ذلك لأن النون لا تدخل مع لن، ولو كانت لطلحة بن مصرف لجازت لأنها مع **«هل »**، قال الله عز وجل  هل يذهبن كيده ما يغيظ [(١)](#foonote-١) وقوله : كتب الله  يحتمل أن يريد ما قضى وقدر. 
ويحتمل أن يريد ما كتب الله لنا في قرآننا علينا من أنّا إما أن نظفر بعدونا وإما أن نستشهد فندخل الجنة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الاحتمال يرجع إلى الأول وقد ذكرهما الزجّاج، وقوله : وعلى الله فليتوكل المؤمنون ، معناه مع سعيهم وجدهم إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا قول أكثر العلماء وهو الصحيح، والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدة عمره ومنه مظاهرته بين درعين، وتخبط الناس في معنى التوكل في الرزق فالأشهر والأصح أن الرجل الذي يمكنه التحرف الحلال المحض الذي لا تدخله كراهية ينبغي له أن يمتثل منه ما يصونه ويحمله كالاحتطاب ونحوه، وقد قرن الله تعالى الرزق بالتسبب، ومنه  وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليكم رطباً جنياً [(٢)](#foonote-٢) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الطير :**«تغدو خماصاً »** الحديث[(٣)](#foonote-٣). 
ومنه قوله :**«قيدها وتوكل »**[(٤)](#foonote-٤) وذهب بعض الناس إلى أن الرجل القوي الجلد إذا بلغ من التوكل إلى أن يدخل غاراً أو بيتاً يجهل أمره فيه ويبقى في ذكر الله متوكلاً يقول إن كان بقي لي رزق فسيأتي الله به وإن كان رزقي قد تم مت إذ ذلك حسن بالغ عند قوم، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه كان في الحرم رجل ملازم، يخرج من جيبه المرة بعد المرة بطاقته ينظر فيها ثم يصرفها ويبقى على حاله حتى مات في ذلك الموضع، فقرأت البطاقة فإذا فيها مكتوب
 واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا [(٥)](#foonote-٥). 
قال القاضي أبو محمد : وهذه الطريقة لا يراها جل أهل العلم بل ينبغي أن يسعى الرجل لقدر القوت سعياً جميلاً لا يواقع فيه شبهة، فإن تعذر عليه جميع ذلك وخرج إلى حد الاضطرار فحينئذ إن تسامح في السؤال وأكل الميتة وما أمكنه من ذلك فهو له مباح، وإن صبر وتحتسب نفسه كان في أعلى رتبة عند قوم، ومن الناس من يرى أن فرضاً عليه إبقاء رمقه وأما من يختار الإلقاء باليد - والسعي ممكن - فما كان هذا قط من خلق الرسول ولا الصحابة ولا العلماء، والله سبحانه الموفق للصواب، ومن حجج من يقول بالتوكل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله **«يدخل الجنة سبعون ألفاً من أمتي بلا حساب وهم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطببون وعلى ربهم يتوكلون »**[(٦)](#foonote-٦)، وفي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعكاشة بن محصن[(٧)](#foonote-٧) أن يكون منهم، فقيل ذلك لأنه عرف منه أنه معد لذلك، وقال للآخر سبقك بها عكاشة ورُدّت الدعوة، فقيل : ذلك لأنه كان منافقاً، وقيل بل عرف منه أنه لا يصح لهذه الدرجة من التوكل. 
فالمعنى في هذه الآية الرد على المنافقين في معتقدهم في المؤمنين، وإزالة ظنهم أن المؤمنين تنزل بهم مصائب، والإعلام بأنها حسنى كيف تصرفت.

١ - من الآية (١٥) من سورة (الحج)..
٢ - من الآية (٢٥) من سورة (مريم)..
٣ - هذا جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم، عن عمر رضي الله عنه، وقد رمز له في "الجامع الصغير" بالصحة، ولفظه كاملا: (لو أنكم تتوكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا)..
٤ - رواه ابن خزيمة، والطبراني من حديث عمرو بن أمية الضمري بإسناد جيد، وأما الرواية المشهورة (اعقلها وتوكل) فقد أخرجها الترمذي عن أنس كما قال في الجامع الصغير حيث رمز لها بالضعف، لكن رواها ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن أمية الضمري بإسناد صحيح. (راجع شرح المناوي للجامع الصغير)..
٥ - من الآية (٤٨) من سورة (الطور)..
٦ - حديث متفق عليه، وقد رواه البخاري في كتاب الرقاق، ورواه مسلم في كتاب الجنة وكتاب الإيمان، وفي الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الُّرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما الذي تخوضون فيه)؟ فأخبروه فقال: (هم الذين لا يرقون\*\*\*الخ)..
٧ - هو عكاشة (بتشديد الكاف) بن محصن بن حرثان الأسدي، من بني غنم، صحابي من أمراء السرايا، يعدّ من أهل المدينة، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل في حرب الردة ببزاخة (بأرض نجد)، قتله طلحة بن خويلد الأسدي سنة ١٢هـ. (عن الإصابة، والروض الأنف، والأعلام)..

### الآية 9:52

> ﻿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [9:52]

و  تربصون  معناه تنتظرون و **«الحسنيان »** الشهادة والظفر[(١)](#foonote-١) وقرأ ابن محيصن :**«إلا احدى الحسنيين »** بوصل ألف  إحدى . 
قال القاضي أبو محمد : وهذه لغة ليست بالقياس وهذا مثل قول الشاعر :\[ الكامل \]
يا أبا المغيرة رب أمر معضل[(٢)](#foonote-٢)
وقول الآخر :\[ الكامل \]
إن لم أقاتل فالبِسيني برقعا[(٣)](#foonote-٣)
وقوله  بعذاب من عنده ، يريد الموت بإحداث الأسف، ويحتمل أن يكون توعداً بعذاب الآخرة، وقوله  بأيدينا ، يريد القتل وقيل  بعذاب من عنده  يريد أنواع المصائب والقوارع وقوله : فتربصوا إنَّا معكم متربصون  وعيد وتهديد.

١ - في الحديث الشريف: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يُخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخل الجنة أو يرجع إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة) وهو حديث طويل رواه مسلم، وروى البخاري بعضه- عن أبي هريرة. (منهاج الصالحين)..
٢ - أعضله الأمر: غلبه، ويقال: أمر عُضال ومعضل، فأوله عُضال فإذا لزم فهو مُعضل، والشاهد في البيت هو وصل همزة "أبا"..
٣ - البُرقُع "بضم الباء والقاف"، والبُرقع "بضم الباء وفتح القاف"، والبُرقْوع: معروف، وهو للدواب ونساء الأعراب، وفيه خرقان للعينين، قال توبة بن الحمير:
 وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها
 والشاهد في البيت الذي أورده ابن عطية وصل الهمزة في "فالبسيني"..

### الآية 9:53

> ﻿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ [9:53]

وقوله  قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً  سببها : أن الجد بن قيس حين قال  ائذن لي ولا تفتني  \[ التوبة : ٤٩ \] قال إني أعينك بمال فنزلت هذه الآية فيه وهي عامة بعده، والطوع والكره يعمان كل إنفاق، وقرأ ابن وثاب والأعمش **«وكُرها »** بضم الكاف. 
قال القاضي أبو محمد : ويتصل ها هنا ذكر أفال الكافر إذا كانت براً كصلة القرابة وجبر الكسير وإغاثة المظلوم هل ينتفع بها أم لا، فاختصار القول في ذلك أن في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال **«إن ثواب الكافر على أفعاله البرة هو في الطعمة يطعمها »** ونحو ذلك، فهذا مقنع لا يحتاج معه إلى نظر، وأما ينتفع بها في الآخرة فلا، دليل ذلك أن عائشة أم المؤمنين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله : أرأيت عبد الله بن جدعان أينفعه ما كان يطعم ويصنع من خير فقال :**«لا إنه لم يقل يوماً، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين »**[(١)](#foonote-١) ودليل آخر في قول عمر رضي الله عنه لابنه : ذاك العاصي بن وائل لا جزاه الله خيراً وكان هذا القول بعد موت العاصي، الحديث بطوله، ودليل ثالث في حديث حكيم بن حزام على أحد التأويلين : أعني في قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«أسلمت على ما سلف لك من خير »**، ولا حجة في أمر أبي طالب كونه في ضحضاح من نار[(٢)](#foonote-٢) لأن ذلك إنما هو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وبأنه وجده في غمرة النار فأخرجه، ولو فرضنا أن ذلك بأعماله لم يحتج إلى شفاعة[(٣)](#foonote-٣)، وأما أفعال الكافر القبيحة فإنها تزيد في عذابه وبذلك هو تفاضلهم في عذاب جهنم، وقوله : أنفقوا  أمر في ضمنه جزاء وهذا مستمر في كل أمر معه جواب فالتقدير : إن لم تنفقوا لم يتقبل منكم، وأما إذا عري الأمر من جواب فليس يصحبه تضمن الشرط.

١ - الحديث في "صحيح مسلم"، وعبد الله بن جدعان (بضم الجيم وسكون الدال) التيمي القرشي، أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وكانت له جفنة يأكل منها الطعام القائم والراكب، وهو الذي خاطبه أمية بن أبي الصلت بأبيات منها:
 أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك؟ إن شيمتك الحياء..
٢ - روى مسلم عن العباس قال: قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: (نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح). والضحضاح في الأرض: ما رقّ من الماء على وجه الأرض، ما يبلغ الكعبين، فاستعاره للنار..
٣ - أما غير أبي طالب فقد أوضح التنزيل أمرهم بقوله: فما تنفعهم شفاعة الشافعين، وقال مخبرا عن الكافرين: فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم. ولولا شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي طالب لكان كغيره، ويتبين ذلك مما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)، ومن حديث العباس رضي الله عنه: (ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النار). (ذكر ذلك القرطبي)..

### الآية 9:54

> ﻿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [9:54]

يحتمل أن يكون معنى الآية : وما منعهم الله من أن تقبل إلا لأجل أنهم كفروا، ف  أن  الأولى على هذا في موضع خفض نصبها الفعل حين زال الخافض، و **«أن »** الثانية، في موضع نصب مفعول من أجله، ويحتمل أن يكون التقدير : وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا لأجل كفرهم، فالأولى على هذا في موضع نصب، ويحتمل أن يكون المعنى : وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا كفرهم، فالثانية في موضع رفع فاعلة، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم :**«أن تقبل منهم نفقاتهم »** وقرأ حمزة والكسائي ونافع فيما روي عنه :**«أن يقبل منهم نفقاتهم »** بالياء وقرأ الأعرج بخلاف عنه : أن تقبل منهم نفقتهم **«بالتاء من فوق وإفراد النفقة، وقرأ الأعمش، »** أن يقبل منهم صدقاتهم، وقرأت فرقة :**«أن نقبل منهم نفقتهم »** بالنون ونصب النفقة، و  كسالى  جمع كسلان، وكسلان إذا كانت مؤنثته كسلى لا ينصرف بوجه وإن كانت مؤنثته كسلانة فهو ينصرف في النكرة ثم أخبر عنهم تعالى أنهم **«لا ينفقون دومة إلا على كراهية »** إذ لا يقصدون بها وجه الله ولا محبة المؤمنين، فلم يبق إلا فقد المال وهو من مكارههم لا محالة.

### الآية 9:55

> ﻿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:55]

وقوله تعالى : فلا تعجبك أموالهم  الآية، حقر هذا اللفظ شأن المنافقين وعلل إعطاء الله لهم الأموال والأولاد بإرادته تعذيبهم بها، واختلف في وجه التعذيب فقال قتادة : في الكلام تقديم وتأخير، فالمعنى **«فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة »**، وقال الحسن : الوجه في التعذيب أنه بما ألزمهم فيها من أداء الزكاة والنفقة في سبيل الله. 
قال القاضي أبو محمد : فالضمير في قوله  بها  عائد في هذا القول على **«الأموال »** فقط، وقال ابن زيد وغيره :**«التعذيب »** هو بمصائب الدنيا ورزاياها هي لهم عذاب إذ لا يؤجرون عليها، وهذا القول وإن كان يستغرق قول الحسن فإن قول الحسن يتقوى تخصيصه بأن تعذيبهم بإلزام الشريعة أعظم من تعذيبهم بسائر الرزايا وذلك لاقتران الذلة والغلبة بأوامر الشريعة لهم قوله : وتزهق أنفسهم ، يحتمل أن يريد ويموتون على الكفر، ويحتمل أن يريد **«وتزهق أنفسهم »** من شدة التعذيب الذي ينالهم[(١)](#foonote-١)، وقوله  وهم كافرون  جملة في موضع الحال على التأويل الأول، وليس يلزم ذلك على التأويل الثاني.

١ - قال القرطبي في هذه الآية: " نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين، سبق بذلك القضاء"، وأشار ابن عطية إلى هذا الرأي في الاحتمال الأول الذي ذكره، وقال الرماني والزمخشري: "المعنى: إنما يريد الله أن يملي لهم ويستدرجهم ليعذبهم"، ووضحه الزمخشري بقوله: "كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا وهم كافرون ملتهون بالتمتع عن النظر إلى العاقبة". وأراد أبو حيان أن يدفع شبهة المعتزلة فوضح المعنى بقوله: "والذي يظهر من حيث عطف (وتزهق) على (ليعذب) أن المعنى: ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ونبّه على عذاب الآخرة بعلته وهو زهوق أنفسهم على الكفر، لأن من مات كافرا عذّب في الآخرة"..

### الآية 9:56

> ﻿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [9:56]

وقوله  ويحلفون  الآية، أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون أنهم من المؤمنين في الدين والشريعة ثم أخبر تعالى عنهم على الجملة لا على التعيين أنهم ليسوا من المؤمنين، وإنما هم يفزعون منهم فيظهرون الإيمان وهو يبطنون النفاق، و **«الفرق »**، الخوف، والفروقة الجبان[(١)](#foonote-١) وفي المثل وفرق خير من حبين[(٢)](#foonote-٢).

١ - يقال: رجل فرق وفرُق وفروقة وفرّوق وفروقة: فزع شديد الفزع، (اللسان)..
٢ - صيغة هذا المثل كما ذكره الميداني: "فرقا أنفع من حب"، وأول من قاله الحجاج للغضبان بن القبعثرى الشيباني، وكان قد قال لأهل العراق حين خلفوا الحجاج بقيادة ابن الجارود وأهل البصرة:" يا أهل العراق تعشّوا الجدي قبل أن يتغداكم"، فلما قتل الحجاج ابن الجارود قبض على الغضبان وجماعة، لكن عبد الملك بن مروان أمر بإخراجهم من السجن، وطلب الحجاج الغضبان وقال له: إنك لسمين، قال: من يكن ضيف الأمير يسمن، فقال: أأنت قلت لأهل العراق: تعشوا الجدي قبل أن يتغداكم؟ قال: ما نفعت قائلها ولا ضرت من قيلت فيه، فقال الحجاج: (أو فرقا خير من حب) فأرسلها مثلا يضرب في موضع قولهم: (رهبوت خير من رحموت)، أي: لأن يفرق منك فرقا خير من أن يموت. (مجمع الأمثال للميداني)..

### الآية 9:57

> ﻿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [9:57]

**«الملجأ »** من لجأ يلجأ إذا أوى واعتصم، وقرأ جمهور الناس **«أو مَغارات »** بفتح الميم، وقرأ سعيد بن عبد الرحمن بن عوف **«أو مُغارات »** بضم الميم وهي الغيران في أعراض الجبال ففتح الميم من غار الشيء إذا دخل كما تقول غارت العين إذا دخلت في الحجاج[(١)](#foonote-١)، وضم الميم من أغار الشيء غيره إذا أدخله، فهذا وجه من اشتقاق اللفظة، وقيل إن العرب تقول : غار الرجل وأغار بمعنى واحد أي دخل، قال الزجّاج : إذا دخل الغور فيحتمل أن تكون اللفظة أيضاً من هذا. 
قال القاضي أبو محمد : ويصح في قراءة ضم الميم أن تكون من قولهم حبل مُغار أي مفتول ثم يستعار ذلك في الأمر المحكم المبروم، فيجيء التأويل على هذا : لو يجدون عصرة[(٢)](#foonote-٢) أو أموراً مرتبطة مشددة تعصمهم منكم أو مدخلاً لولوا إليه، وقرأ جمهور الناس **«أو مُدخلاً »** أصله مفتعل وهو بناء تأكيد ومبالغة ومعناه السرب والنفق[(٣)](#foonote-٣) في الأرض، وبما ذكرناه في الملجأ والمغارات، **«والمُدخل »** فسر ابن عباس رضي الله عنه، وقال الزجّاج **«المُدخل »** معناه قوماً يدخلونهم في جملتهم وقرأ مسلمة بن محارب والحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه **«أو مَدخلاً »** فهذا من دخل وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش **«أو مدّخّلاً »** بتشديدهما[(٤)](#foonote-٤) وقرأ أبي بن كعب **«مندخلاً »** قال أبو الفتح هذا كقول الشاعر \[ الكميت \] :\[ البسيط \]
ولا يدي في حميت السمن تندخل[(٥)](#foonote-٥)
قال القاضي أبو محمد : وقال أبو حاتم : قراءة أبي بن كعب **«متدخلاً »** بتاء مفتوحة، وروي عن الأعمش وعيسى **«مُدخلاً »** بضم الميم فهو من أدخل، وقرأ الناس  لولوا  وقرأ جد أبي عبيدة بن قرمل[(٦)](#foonote-٦) **«لوالوا »** من الموالاة، وأنكرها سعيد بن مسلم وقال : أظن لوالوا بمعنى للجؤوا[(٧)](#foonote-٧)، وقرأ جمهور الناس، **«يجمحون »** معناه يسرعون مصممين غير منثنين، ومنه قول مهلهل :\[ البسيط \]
لقد جمحت جماحاً في دمائهم\*\*\* حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا[(٨)](#foonote-٨)
وقرأ أنس بن مالك **«يجمزون »** ومعناه يهربون، ومنه قولهم في حديث الرجم : فلما أذلقته الحجارة جمز[(٩)](#foonote-٩). 
١ - الحجاج بفتح الحاء وبكسرها: العظم المستدير حول العين، وفي الحديث: (كانت الضبع وأولادها في حجاج عين رجل من العماليق). (النهاية في غريب الحديث-لابن الأثير)..
٢ -العُصرة: الملجأ والمنجاة، يقال: عصر بالشيء واعتصر به: لجأ إليه. (اللسان)..
٣ - السّرب بفتح السين المشددة والراء: حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض، وهو أيضا: حجر الثعلب والأسد والضبع والذئب. والنفق: مثله وزنا ومعنى. والجمع منهما أسراب وأنفاق..
٤ -يريد بتشديد الدال والخاء..
٥ - البيت للكميت، وهو بتمامه:
 لا خطوتي تتعاطى غير موضعها ولا يدي في حميت السمن تندخل
 قال في اللسان: وليس بالفصيح. ورواية "البحر" و"الألوسي" مثل رواية ابن عطية: السمن، والذي في "اللسان" و"التاج": "في حميت السكن" بسكون الكاف، اسم جمع لساكن، مثل ركب وراكب، وصحب وصاحب. والحميت هو الزق الذي نتف ما عليه من شعر، وهو للسمن..
٦ -هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا. ورواية "البحر" أوضح، ولفظها: "وروى ابن أبي عبيد بن معاوية بن نوفل، (بدلا من "قرمل") "عن أبيه عن جده وكانت له صحبة"..
٧ - قال في اللسان: وأل إليه وألا ووءولا ووئيلا ووءال مواءلة ووئالا: لجأ، والموئل: الملجأ..
٨ - الجموح هو الإسراع الذي لا يرده شيء، ومنه قولهم: "فرس جموح" وهو الذي لم يردّه اللجام، ونقل في اللسان عن الأزهري أن هذا قد يكون عيبا في الفرس، وهذا إذا كان من عادته ركوب الرأس. ويسمى جماحا، وقد يكون مدحا للفرس بمعنى السرعة والنشاط ومصدره الجموح، ومنه قول امرئ القيس:
 جموحا مروحا وإحضارها كمعمعة السعف الموقد
 لكن بيت المهلهل لا ينطبق عليه هذا الكلام، فهو يصور سرعته التي لا تنثني في إسالة دمائهم حتى قضى عليهم، والبيت في رواية "البحر المحيط": حتى رأيت ذوي أجسامهم جمدوا..
٩ -جاء ذلك في حديث ماعز بن مالك رضي الله عنه، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال له: (لعلك قبّلت، أو غمزت أو نظرت..) فقال: لا يا رسول الله، فأمر برجمه، فلما أذلقته الحجارة جمز وفرّ"، ومعنى أذلقته: بلغت منه الجهد حتى قلق، ومعنى جمز: أسرع هاربا من القتل..

### الآية 9:58

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [9:58]

وقوله تعالى : ومنهم من يلمزك  الآية، الضمير في قوله  ومنهم  عائد على المنافقين، وأسند الطبري إلى أبي سعيد الخدري أنه قال : جاء ابن ذي الخويصرة التميمي[(١)](#foonote-١) رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً فقال : اعدل يا محمد الحديث المشهور بطوله، وفيه قال أبو سعيد : فنزلت في ذلك  ومنهم من يلمزك في الصدقات [(٢)](#foonote-٢)، وروى داود بن أبي عاصم أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصدقة فقسمها ووراءه رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل فنزلت الآية[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : وهذه نزعة منافق، وكذلك روي من غير ما طريق أن الآية نزلت بسبب كلام المنافقين إذ لم يعطوا بحسب شطط آمالهم، و  يلمزك  معناه يعيبك ويأخذ منك في الغيبة ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة\*\*\* وأن أغيب فأنت الهامز اللمز[(٤)](#foonote-٤)
ومنه قول رؤبة :\[ الرجز \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* في ظل عصري باطلي ولمزي[(٥)](#foonote-٥)
والهمز أيضاً في نحو ذلك ومنه قوله تعالى  ويل لكل همزة لمزة [(٦)](#foonote-٦) وقيل لبعض العرب : أتهمز الفأرة فقال : إنها تهمزها الهرة قال أبو علي : فجعل الأكل همزاً، وهذه استعارة كما استعار حسان بن ثابت الغرث في قوله :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . 
\*\*\*\*\*\* \*\*\* وتصبح غرثى من لحوم الغوافل[(٧)](#foonote-٧)
تركيباً على استعارة الأكل في الغيبة. 
قال القاضي أبو محمد : ولم يجعل الأعرابي الهمز الأكل، وإنما أراد ضربها إياها بالناب والظفر، وقرأ جمهور الناس **«يلمِزك »** بكسر الميم، وقرأ ابن كثير فيما روى عنه حماد بن سلمة **«يلمُزك »** بضم الميم، وهي قراءة أهل مكة وقراءة الحسن وأبي رجاء وغيرهم، وقرأ الأعمش **«يُلمّزك »**[(٨)](#foonote-٨)، وروى أيضاً حماد بن سلمة عن ابن كثير **«يلامزك »**، وهي مفاعلة من واحد لأنه فعل لم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم.

١ -اسمه حرقوص بن زهير، وفي القرطبي والدر المنثور وتفسير ابن كثير أنه هو ذو الخويصرة وليس ابنه، وأنه أصل الخوارج..
٢ - هذا حديث طويل، أخرجه البخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: =(ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟) فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وسلم: (دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم). الخ (الدر المنثور، وابن كثير، والشوكاني..
٣ - أخرجه سنيد، وابن جرير. (الدر المنثور)..
٤ - رواه في اللسان ولم ينسبه، ولفظه فيه:
 إذا لقيتك عن شحط تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمز
 وفي بعض النسخ: فأنت الهامز اللمزه. والمكاشرة: الابتسام في وجه من تلقاه، تبتسم في وجهه والقلب يكرهه، روي عن أبي الدرداء "إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتقليهم" أي تكرههم. والهمز واللمز هو اغتياب الناس والغض منهم..
٥ - هما بيتان من مشطور الرجز، قالهما رؤبة في أرجوزة له ص ٦٤ من ديوانه (طبعة ليبسك سنة ١٩٠٣)، يقول فيهما:
 قاربت بين عنقي وجمزي في ظل عصري باطلي ولمزي
 والعنق (بفتح العين والنون): ضرب من سير الإبل والدابة، وهو سير مسبطر، قاله في اللسان، ومعناه: سير ممتد، والجمز: مصدر جمز الإنسان والبعير والدابة جمزا، وهو عدو دون الحضر الشديد وفوق العنق، ومما روي في العنق قول الراجز:
 يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سليمان فنستريحا
 .
٦ - الآية (١) من سورة (الهمزة)..
٧ - هذا عجز بيت قاله حسان في أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، والبيت بتمامه:
 حصان رزان ما تزنّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
 والغرث: أيسر الجوع، وقيل شدته، وقيل: هو الجوع عامة، وفي حديث علي رضي الله عنه: "أبيت مبطانا وحولي غرثى"؟ وحسان رضي الله عنه يصور امتناع عائشة رضي الله عنها عن الخوض في أعراض الغافلات في صورة الجائعة التي امتنعت عن أكل اللحوم..
٨ - بضم الياء وتشديد الميم المكسورة. (راجع فتح القدير للشوكاني)..

### الآية 9:59

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [9:59]

وقوله  ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله  الآية، وصف للحال التي ينبغي أن يكون عليها المستقيمون، يقول تعالى : ولو أن هؤلاء المنافقين رضوا قسمة الله الرزق لهم وما أعطاهم على يدي رسوله ورجوا أنفسهم فضل الله ورسوله وأقروا بالرغبة إلى الله لكان خيراً لهم وأفضل مما هم فيه، وحذف الجواب من الآية لدلالة ظاهر الكلام عليه، وذلك من فصيح الكلام وإيجازه.

### الآية 9:60

> ﻿۞ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:60]

إنما  في هذه الآية حاصرة تقتضي وقوف  الصدقات  على الثمانية الأصناف، وإنما اختلف في صورة القسمة فقال مالك وغيره : ذلك على قدر اجتهاد الإمام وبحسب أهل الحاجة، وقال الشافعي : هي ثمانية أقسام على ثمانية أصناف لا يخل بواحد منها إلا أن  المؤلفة  انقطعوا. 
قال القاضي أبو محمد : ويقول صاحب هذا القول : إنه لا يجزيء المتصدق والقاسم من كل صنف أقل من ثلاثة، وأما الفقير والمسكين فقال الأصمعي وغيره : الفقير أبلغ فاقة، وقال غيرهم : المسكين أبلغ فاقة. 
قال القاضي أبو محمد : ولا طريق إلى هذا الاختلاف ولا إلى الترجيح إلا النظر النظر في شواهد القرآن والنظر في كلام العرب وأشعارها، فمن حجة الأولين قول الله عز وجل  أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر [(١)](#foonote-١) واعترض هذا الشاهد بوجوه منها، أن يكون سماهم **«مساكين »** بالإضافة إلى الغاصب وإن كانوا أغنياء على جهة الشفقة كما تقول في جماعة تظلم مساكين لا حيلة لهم وربما كانوا مياسير ومنها : أنه قرىء **«لمسّاكين »** بشد السين بمعنى : دباغين يعملون المسوك[(٢)](#foonote-٢) قاله النقاش وغيره ومنها : أن تكون إضافتها إليهم ليست بإضافة ملك بل كانوا عاملين بها فهي كما تقول : سرج الفرس، ومن حجة الآخرين قول الراعي :\[ البسيط \]
أما الفقير الذي كانت حلوبته\*\*\* وفق العيال فلم يترك له سبد[(٣)](#foonote-٣)
وقد اعترض هذا الشاهد بأنه إنما سماه فقيراً بعد أن صار لا حلوبة له، وإنما ذكر الحلوبة بأنها كانت، وهذا اعتراض يرده معنى القصيدة ومقصد الشاعر بأنه إنما يصف سعاية أتت على مال الحي بأجمعه، فقال : أما الفقير فاستؤصل ماله فكيف بالغني مع هذه الحال، وذهب من يقول : إن المسكين أبلغ فاقه إلى أنه مشتق من السكون، وأن الفقير مشتق من فقار الظهر كأنه أصيب فقارة فيه لا محالة حركة، وذهب من يقول إن الفقير أبلغ فاقه : إلى أنه مشتق من فقرت البئر إذا نزعت جميع ما فيها، وأن المسكين من السكن. 
قال القاضي أبو محمد : ومع هذا الاختلاف فإنهما صنفان يعمهما الإقلال والفاقة، فينبغي أن يبحث على الوجه الذي من أجله جعلهما الله اثنين، والمعنى فيهما واحد، وقد اضطرب الناس في هذا، فقال الضحاك بن مزاحم : الفقراء  هم من المهاجرين  والمساكين  من لم يهاجر، وقال النخعي نحوه، قال سفيان : يعني لا يعطى فقراء الأعراب منها شيئاً. 
قال القاضي أبو محمد :**«والمسكين السائل »** يعطى في المدينة وغيرها، وهذا القول هو حكاية الحال وقت نزول الآية، وأما منذ زالت الهجرة فاستوى الناس، وتعطى الزكاة لكل متصف بفقر، وقال عكرمة : الفقراء  من المسلمين،  والمساكين  من أهل الذمة، ولا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، وقال الشافعي في كتاب ابن المنذر **«الفقير »** من لا مال له ولا حرفة سائلاُ كان أو متعففاً **«والمسكين الذي له حرفة أو مال ولكن لا يغنيه ذلك سائلاً كان أو غير سائل، وقال قتادة بن دعامة : الفقير الزمن[(٤)](#foonote-٤) المحتاج، والمسكين الصحيح المحتاج، وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري وابن زيد وجابر بن زيد ومحمد بن مسلمة :»** المساكين **«الذين يسعون ويسألون، و »** الفقراء «هم الذين يتصاونون، وهذا القول الأخير إذا لخص وحرر أحسن ما يقال في هذا، وتحريره : أن الفقير هو الذي لا مال له إلا أنه لم يذل ولا بذل وجهه، وذلك إما لتعفف مفرط وإما لُبْلَغة تكون له كالحلوبة وما أشبهها، والمسكين هو الذي يقترن بفقره تذلل وخضوع وسؤال، فهذه هي المسكنة، فعلى هذا كل مسكين فقير وليس كل فقير مسكيناً، ويقوي هذا أن الله تعالى قد وصف بني إسرائيل بالمسكنة وقرنها بالذلة مع غناهم، وإذا تأملت ما قلناه بان أنهما صنفان موجودان في المسلمين، ويقوي هذا قوله تعالى :
 للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف [(٥)](#foonote-٥) وقيل لأعرابي : أفقير أنت فقال : إني والله مسكين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«وليس المسكين بهذا الطوّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين هو الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه »**، اقرأوا إن شئتم  لا يسألون الناس إلحافاً [(٦)](#foonote-٦)، فدل هذا الحديث على أن المسكين في اللغة هو الطواف، وجرى تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على المتصاون مجرى تقديم  الفقراء  في الآية لمعنى الاهتمام إذ هم بحيث إن لم ُيَتَهَّمم بهم هلكوا، والمسكين يلح ويذكر بنفسه، وأما العامل فهو الرجل الذي يستنيبه الإمام في السعي على الناس وجمع صدقاتهم، وكل من يصرف من عون لا يستغنى عنه فهو من  العاملين  لأنه يحشر الناس على الساعي[(٧)](#foonote-٧)، وقال الضحاك : للعاملين ثمن ما عملوا على قسمة القرآن، وقال الجمهور : لهم قدر تعبهم ومؤنتهم قاله مالك والشافعي في كتاب ابن المنذر، فإن تجاوز ذلك ثمن الصدقة فاختلف، فقيل يتم لهم ذلك من سائر الأنصباء وقيل، بل يتم لهم ذلك من خمس الغنيمة، واختلف إذا عمل في الصدقات هاشمي فقيل : يعطى منها عمالته[(٨)](#foonote-٨) وقيل : بل يعطاها الخمس، ولا يجوز للعامل قبول الهدية والمصانعة ممن يسعى عليه، وذلك إن فعله رد في بيت المال كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن اللتبية[(٩)](#foonote-٩) حين استعمله على الصدقة فقال : هذا لكم وهذا ما أهدي لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«هلا قعدت في بيت أبيك وأمك حتى تعلم ما يهدى إليك »** وأخذ الجميع منه[(١٠)](#foonote-١٠). 
قال القاضي أبو محمد : وتأمل عمالة الساعي هل يأخذها قبل العمل أو بعده، وهل هي إجازة أو هي جعل وهل العمل معلوم أو هو يتتبع وإنما يعرف قدره بعد الفراغ، وأما  المؤلفة قلوبهم  فكانوا صنفين، مسلمين وكافرين مساترين[(١١)](#foonote-١١)، قال يحيى بن أبي كثير، كان منهم أبو سفيان بن حرب بن أمية والحارث بن هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعيينة والأقرع[(١٢)](#foonote-١٢) ومالك بن عوف والعباس بن مرداس والعلاء بن جارية الثقفي. 
قال القاضي أبو محمد : وأكثر هؤلاء من الطلقاء[(١٣)](#foonote-١٣) الذين ظاهر أمرهم يوم الفتح الكفر، ثم بقوا مظهرين الإسلام حتى وثقه الاستئلاف في أكثرهم واستئلافهم إنما كان لتجلب إلى الإسلام منفعة أو تدفع عنه مضرة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه والحسن والشعبي وجماعة من أهل العلم : انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره، وهذا مشهور مذهب مالك رحمه الله، قال عبد الوهاب : إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. 
قال القاضي أبو محمد : وقول عمر عندي إنما هو لمعنيين، فإنه قال لأبي سفيان حين أراد أخذ عطائه القديم : إنما تأخذ كرجل من المسلمين فإن الله قد أغنى عنك وعن ضربائك[(١٤)](#foonote-١٤)، يريد في الاستئلاف، وأما أن ينكر عمر الاستئلاف جملة وفي ثغور الإسلام فبعيد، وقال كثير من أهل العلم : المؤلفة قلوبهم  موجودون إلى يوم القيامة. 
قال القاضي أبو محمد : وإذا تأملت الثغور وجد فيها الحاجة إلى الاستئلاف، وقال الزهري : المؤلفة  من أسلم من يهودي أو نصراني وإن كان غنياً. 
قال القاضي أبو محمد : يريد لتبسط نفسه ويحبب دين الإسلام إليه، وأما  الرقاب  فقال ابن عباس والحسن ومالك وغيره : هو ابتداء العتق وعون المكاتب بما يأتي على حريته، واختلف هل يعان بها المكاتب في أثناء نجومه[(١٥)](#foonote-١٥) بالمنع والإباحة، واختلف على القول بإباحة ذلك إن عجز فقيل يرد ذلك من عند السيد، وقيل يمضي لأنه كان يوم دفعه بوجه مترتب، وقال الشافعي : معنى  وفي الرقاب  في المكاتبين ولا يبتدأ منها عتق عبد، وقاله الليث وإبراهيم النخعي وابن جبير، وذلك أن هذه الأصناف إنما تعطى لمنفعة المسلمين أو لحاجة في أنفسها، والعبد ليس له واحدة من هاتين العلتين، والمكاتب قد صار من ذوي الحاجة وقال الزهري : سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين ونصف يعتق منه رقاب مسلمون ممن صلى، قال ابن حبيب : ويفدى منه أسارى المسلمين ومنع ذلك غيره[(١٦)](#foonote-١٦)، وأما «الغارم فهو الرجل يركبه دين في غير معصية ولا سفه، قال العلماء : فهذا يؤدى عنه وإن كانت له عروض تقيم رمقه وتكفي عياله، وكذلك الرجل يتحمل بحمالة في ديارات أو إصلاح بين القبائل ونحو هذا، وهو أحد الخمسة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، 
**«ولا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : العامل عليها أو غاز في سبيل الله أو رجل تحمل بحمالة أو من أهديت له أو من اشتراها بماله »**[(١٧)](#foonote-١٧). 
قال القاضي أبو محمد : وقد سقط  المؤلفة  من هذا الحديث، ولا يؤدى من الصدقة دين ميت ولا يعطى منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله، وإنما **«الغارم »** من عليه دين يسجن فيه، وقد قيل في مذهبنا وغيره : يؤدى دين الميت من الصدقات قاله أبو ثور، وأما  في سبيل الله  فهو المجاهد يجوز أن يأخذ من الصدقة لينفقها في غزوه وإن كان غنياً قال ابن حبيب : ولا يعطى منها الحاج إلا أن يكون فقيراً فيعطى لفقره، وقال ابن عباس وابن عمر وأحمد وإسحاق : يعطى منها الحاج وإن كان غنياً، والحج سبيل الله، ولا يعطى منها في بناء مسجد ولا قنطرة ولا شراء مصحف ونحو هذا، وأما  ابن السبيل  فهو الرجل في السفر والغربة يعدم فإنه يعطى من الزكاة وإن كان غنياً في بلده، وسمي المسافر ابن السبيل لملازمته السبيل كما يقال للطائر : ابن ماء لملازمته له ومنه عندي قولهم : ابن جلا وقد قيل فيه غير هذا ومنه قولهم : بنو الحرب وبنو المجد[(١٨)](#foonote-١٨) ولا يعطى بنو هاشم من الصدقة المفروضة، قال ابن الماجشون ومطرف وأصبغ وابن حبيب : ولا من التطوع ولا يعطى مواليهم لأن مولى القوم منهم، قال ابن القاسم : يعطى بنو هاشم من صدقة التطوع ويعطى مواليهم من الصدقتين، ومن سأل من الصدقة وقال إنه فقير، فقالت فرقة يعطى دون أن يكلف بينة على فقره بخلاف حقوق الآدميين يدعي معها الفقر فإنه يكلف البينة لأنها حقوق الناس يؤخذ لها بالأحوط، وأيضاً فالناس إذا تعلقت بهم حقوق آدمي محمولون على الغني حتى يثبت العدم ويظهر ذلك من قوله تعالى  وإن كان ذو عسرة [(١٩)](#foonote-١٩) أي ان وقع فيعطي هذا أن الأصل الغنى[(٢٠)](#foonote-٢٠) فإن وقع ذو عسرة فنظرة، وقالت فرقة : الرجل الصحيح الذي لا يعلم فقره لا يعطى إلا أن يعلم فقره، وأما إن ادعى أنه غارم أو مكاتب أو ابن سبيل أو في سبيل الله أو نحو ذلك مما لم يعلم منه فلا يعطى إلا ببينة قولاً واحداً، وقد قيل في الغارم[(٢١)](#foonote-٢١) : تباع عروضه وجميع ما يملك ثم يعطى بالفقر، ويعطى الرجل قرابته الفقراء وهم أحق من غيرهم فإن كان قريبه غائباً في موضع تقصر إليه الصلاة فجاره الفقير أولى، وإن كان في غيبة لا تقصر إليه الصلاة فقيل هو أولى من الجار الفقير، وقيل الجار أولى ويعطى الرجل قرابته الذين لا تلزمه نفقتهم، وتعطى المرأة زوجها، وقال بعض الناس ما لم ينفق عليها، ويعطي الرجل زوجته إذا كانت من الغارمين، واختلف في ولاء الذي يعتق من الصدقة، فقال مالك : ولاؤه لجماعة المسلمين وقال أبو عبيد : ولاؤه للمعتق وقال عبيد الله بن الحسن : يجعل ماله في بيت الصدقات، وقال الحسن وأحمد وإسحاق : ويعتق من ماله رقاب، وإذا كان لرجل على معسر دين فقيل يتركه له ويقطع ذلك من صدقته وقيل لا يجوز ذلك جملة، وقيل إن كان ممن لو رفعه للحاكم١ - من الآية (٧٩) من سورة (الكهف)..
٢ - المسوك: جمع مسك بفتح الميم وسكون السين وهو الجلد..
٣ - قال الراعي ذلك يمدح عبد الملك بن مروان ويشكو إليه سُعاته: والحلوبة: الناقة التي تحلب، ويقال: حلوب ولكن الهاء أكثر لأنها بمعنى مفعولة، والسبد محركة: الوبر، وقيل: الشعر، ومن أقوالهم: "ماله سبد ولا لبد"، أي ليس له ذو وبر ولا صوف متلبّد، كناية عن الإبل والغنم. ومعنى "وفق العيال" أن حلوبته لها لبن قدر كفايتهم ولا يبقى منه شيء بعدهم..
٤ - يقال: رجل زمن أي مبتلى بيّن الزمانة وهي العاهة. والجمع: زمنون، ويقال: رجل زمين، والجمع: زمنى..
٥ - من الآية (٢٧٣) من سورة (البقرة)..
٦ - الحديث أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، وفيه (ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان)، ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره. وقوله تعالى: لا يسألون الناس إلحافا من الآية (٢٧٣) من سورة (البقرة)..
٧ - كل من يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة وجبايتها يسمون السعاة وجباة الصدقة ويقال للواحد: الساعي وجابي الصدقة، قال الشاعر:
 إن السّعاة عصوك حين بعثتهم لم يفعلوا مما أمرت فتيلا.
٨ - قال الأزهري وحكاه في اللسان: "العمالة بالضم: رزق العامل الذي جُعل له على ما قلد من عمل"، والكسر لغة. قاله في المصباح. وفي القاموس أنها مثلثة، ولكن في اللسان أن العمالة بالفتح تقال للناقة إذا كانت فارهة مثل: اليعملة..
٩ - اختلف في ضبطه، فقيل: بضم اللام المشددة وسكون التاء، وحكي فتحها، وقيل: بفتح اللام والمثناة، واسمه عبد الله، وكان من بني تولب، وهم حي من الأزد، وقيل: اللتبية: اسم أمّه..
١٠ - روى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأسد على صدقات بني سليم يُدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه..
١١ - المساترة كالمداجنة، والمعنى فيهما: حسن المخالطة بحسب الظاهر..
١٢ - هما عُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس..
١٣ - هم الذين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). وفي حديث حنين: (خرج ومعه الطلقاء) قال في اللسان: هم الذين خلّى عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم فلم يسترقهم، والواحد: طليق..
١٤ - ضريب الشيء: مثله وشكله، والضرباء هم الأمثال والنظراء..
١٥ - تنجيم الدين: هو أن يقدّر عطاؤه في أوقات معلومة متتابعة، مشاهرة أو مساناة، ومنه تنجيم المكاتب ونجوم الكتابة، وأصله أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت حلول ديونها وغيرها فتقول: إذا طلع النجم حلّ عليك مالي، أي الثريا، وكذلك باقي المنازل، فلما جاء الإسلام جعل الله تعالى الأهلة مواقيت للحج والصوم ومحل الديون، وسمّوها نجوما اعتبارا بالرسم القديم الذي عرفوه.(اللسان- نجم)..
١٦ - قوله تعالى: (وفي الرقاب) معناه: وفي فكّ الرقاب، وعلى هذا التقدير يعطى ما حصل به فك الرقاب من ابتداء عتق يشتري منه العبد فيُعتق، أو تخليص مُكاتب أو أسير. قاله في "البحر"، وهذا هو رأي ابن عباس، والحسن، ومالك..
١٧ - أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن ماجة، وغيرهم- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه..
١٨ - كما قال الشاعر:
 أنا ابن الحرب ربتني وليدا إلى أن شبت واكتهلت لداتي.
١٩ - من الآية (٢٨٠) من سورة (لقمان)..
٢٠ - معنى هذه العبارة: أي إن حصل العسر فإن هذا التعبير يعطي بأن الأصل هو الغنى وأن الفقر أمر طارئ..
٢١ - في بعض النسخ: وقد قيل في المفلس..

### الآية 9:61

> ﻿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:61]

الضمير في قوله  ومنهم  عائد على المنافقين، و  يؤذون  لفظ يعم جميع ما كانوا يفعلونه ويقولونه في جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى، وخص بعد ذلك من قولهم  هو أذن ، وروي أن قائل هذه اللفظة نبتل بن الحارث وكان من مردة المنافقين، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث[(١)](#foonote-١) وكان ثائر الرأس منتفش الشعرة أحمر العينين أسفع الدين مشوهاً، روي عن الحسن البصري ومجاهد أنهما تأولا أنهم أرادوا بقولهم  هو أذن  أي يسمع منا معاذيرنا وتنصلنا ويقبله، أي فنحن لا نبالي عن أذاه[(٢)](#foonote-٢) ولا الوقوع فيه إذ هو سماع لكل ما يقال من اعتذار ونحوه، فهذا تنقص بقلة الحزامة والانخداع[(٣)](#foonote-٣)، وروي عن ابن عباس وجماعة معه أنهم أرادوا بقوله  هو أذن  أي يسمع كل ما ينقل إليه عنا ويصغي إليه ويقبله، فهذا تشكٍّ منه ووصف بأنه يسوغ عنده الأباطيل والنمائم، ومعنى  أذن  سماع، ويسمى الرجل السماع لكل قول أذناً إذا كثر منه استعمال الأذن، فهذه تسمية الشيء بالشيء إذا كان منه بسبب، كما يقال للربيئة : عين[(٤)](#foonote-٤)، وكما يقال للسمينة من الإبل التي قد بزل نابها ناب[(٥)](#foonote-٥) وقيل معنى الكلام ذو أذن أي ذو سماع، وقيل إن قوله  أذن  مشتق من قولهم أذن للشيء إذا استمع كما قال الشاعر وهو علي بن زيد :\[ الرمل \]
أيها القلب تعللْ بِدَدنْ\*\*\* إن همّي في سماعٍ وأَذَنْ[(٦)](#foonote-٦)
وفي التنزيل  وأذنت لربها وحقت [(٧)](#foonote-٧) ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم **«ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن »**[(٨)](#foonote-٨) ومن هذا قول الشاعر \[ عدي بن زيد \] :\[ الرمل \]
في سماع يأذن الشيخ له\*\*\* وحديث مثل ماذيّ مشار[(٩)](#foonote-٩)
ومنه قوله الآخر \[ قعنب بن أم صاحب \] :\[ البسيط \]
صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به\*\*\* وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا[(١٠)](#foonote-١٠)
وقرأ نافع **«أذْن »** بسكون الذال فيهما، وقرأ الباقون **«أذُن »** بضم الذال فيهما، وكلهم قرأ بالإضافة إلى  خير  إلا ما روي عاصم، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وعيسى بخلاف **«قل أذنٌ خيرٌ »** برفع خير وتنوين **«أذن »** وهذا يجري مع تأويل الحسن الذي ذكرناه أي من يقبل معاذيركم خير لكم، ورويت هذه القراءة عن عاصم، ومعنى **«أذن خير »** على الإضافة أي سماع خير وحق،  ويؤمن بالله  معناه يصدق بالله،  ويؤمن للمؤمنين  قيل معناه ويصدق المؤمنين واللام زائدة كما هي في قوله  ردف لكم [(١١)](#foonote-١١) وقال المبرد هي متعلقة بمصدر مقدر من الفعل كأنه قال وإيمانه للمؤمنين أي تصديقه، ويقال آمنت لك بمعنى صدقتك ومنه قوله تعالى : وما أنت بمؤمن لنا [(١٢)](#foonote-١٢). 
قال القاضي أبو محمد : وعندي أن هذه التي معها اللام في ضمنها باء فالمعنى ويصدق للمؤمنين بما يخبرونه، وكذلك  وما أنت بمؤمن لنا  \[ يوسف : ١٧ \] بما نقوله لك والله المستعان، وقرأ جميع السبعة إلا حمزة **«ورحمةٌ »** بالرفع عطفاً على  أذن  وقرأ حمزة وحده **«ورحمةٍ »** بالخفض عطفاً على  خير ، وهي قراءة أبي بن كعب وعبد الله والأعمش، وخصص الرحمة  للذين آمنوا  إذ هم الذين نجوا بالرسول وفازوا به، ثم أوجب تعالى للذين يؤذون رسول الله العذاب الأليم وحتم عليهم به، .

١ - لفظ الحديث في القرطبي "من أراد"، والسفعة: سواد مشرب بحمرة، ويقال للرجل: أسفع..
٢ - أي: لا يهمنا ولا يكرثنا أن نكف عن أذاه، والعبارة قلقة حتى لو فهمناها على معنى البعد عن الشيء نتيجة لكرهه..
٣ - يقال: حزم حزامة كضخم ضخامة، فالحزامة مصدر. ومنه قولهم: "ربما كان من الحزامة أن تجعل أنفك في الخزامة". والخزامة بكسر الخاء حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشد بها الزمام. (التاج)..
٤ - الربيئة: الطليعة، وإنما أنثوه لأن الطليعة يقال لها: العين، إذ بعينه ينظر، والعين مؤنثة. وقيل: للربيئة عين لأنه يرعى أمور قومه ويحرسهم. وجمع الربيئة: الربايا. (اللسان).
٥ - الناب في الأصل هي السن التي خلف الرباعية، وفيها التأنيث والتذكير. والناب: الناقة السمينة، سموها بذلك حين طال نابها وعظم، مؤنثة، وهي مما سمى فيه الكل باسم الجزء، ومعنى "بزل نابها": انشق وانفطر، ويكون ذلك حين تبلغ التاسعة من عمرها..
٦ - الدّدن: اللهو، وفيه لغات كثيرة أشهرها (دد) مثل (يد) و(ددا) مثل قفا وعصا)، و(ددن) مثل حزن، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنا من دد ولا الدد مني)، وفي رواية (ما أنا من ددا ولا ددا مني)، قال ابن الأثير: الدّد: اللهو واللعب، وهي محذوفة اللام، وقد استعملت متممة على ضربين: ددا كندى وددن كبدن. والأذن: الاستماع، يقال: أذنت للشيء آذن له أذنا إذا استمعت له. (عن اللسان)..
٧ - الآية (٥) من سورة (الانشقاق)..
٨ - أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي- عن أبي هريرة، ولفظه كما رواه في الجامع الصغير: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرن يجهر به) قال أبو عبيد: "يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن، أي يتلوه يجهر به"..
٩ - البيت لعدّي بن زيد، ومعنى: يأذن الشيخ له": يستمع إليه معجبا، والماذي: العسل الأبيض الرقيق، والمشار: المجتنى. وقبل هذا البيت يقول عدي:
 وملاه قد تلهيت بها وقصرت اليوم في بيت عذار 
 **ومثل هذا البيت قول عمرو بن الأهيم:**
 فلما أن تسايرنا قليلا أذن إلى الحديث فهن صور.
١٠ - البيت لقعنب بن أم صاحب، وقبله يقول: 
 عن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا مني، وما سمعوا من صالح دفنوا.
١١ - من قوله تعالى في الآية (٧٢) من سورة (النمل): قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون..
١٢ - من الآية (١٧) من سورة (يوسف)..

### الآية 9:62

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [9:62]

وقوله تعالى : يحلفون بالله لكم  الآية، ظاهر هذه الآية أن المراد بها جميع المنافقين الذين يحلفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بأنهم منهم في الدين وأنهم معهم في كل أمر وكل حزب، وهم في ذلك يبطنون النفاق ويتربصون الدوائر وهذا قول جماعة من أهل التأويل، وقد روت فرقة أنها نزلت بسبب رجل من المنافقين قال إن كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقاً فأنا شر من الخمر، فبلغ قوله رسول الله صلى الله وسلم فدعاه ووقف على قوله ووبخه فحلف مجتهداً أنه ما فعل، فنزلت الآية في ذلك[(١)](#foonote-١)، وقوله  والله  مذهب سيبويه أنهما جملتان حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، والتقدير عنده والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه وهذا كقول الشاعر :\[ المنسرح \]
نحن بما عندنا وأنت بما عن\*\*\* دك راضٍ والرأي مختلفُ[(٢)](#foonote-٢)
ومذهب المبرد أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وتقديره والله أحق أن يرضوه ورسوله قال وكانوا يكرهون أن يجمع الرسول مع الله في ضمير، حكاه النقاش عنه، وليس هذا بشيء، وفي مصنف أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال **«من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما »** فجمع في ضمير، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر **«بئس الخطيب أنت »** إنما ذلك وقف في**«يعصهما »** فأدخل العاصي في الرشد[(٣)](#foonote-٣)، وقيل الضمير في  يرضوه  عائد على المذكور كما قال رؤبة :\[ الرجز \]. 
فيها خطوطٌ من سوادٍ وبلقْ\*\*\* كأنَّه في الجلد توليعُ البهقْ[(٤)](#foonote-٤)
وقوله  إن كانوا مؤمنين  أي على قولهم ودعواهم.

١ - أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي مثله، وسمّى الرجل المسلم عامر بن قيس من الأنصار، (الدر المنثور)، وفي القرطبي أن جماعة من المنافقين اجتمعوا، فيهم الجُلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس..
٢ - سبق الاستشهاد بهذا البيت عند تفسير قوله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم الآية (٣٤) من هذه السورة. وقد اعترض أبو حيان في "البحر" على هذا الرأي وقال: "فقوله: مذهب سيبويه أنهما جملتان حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها إن كان الضمير في (أنهما) عائدا على كل واحدة من الجملتين فكيف تقول: حذفت الأولى ولم تحذف الأولى وإنما حذف خبرها؟ وإن كان الضمير عائدا على الخبر وهو أحق أن يرضوه فلا يكون جملة إلا باعتقاد كون أن يرضوه مبتدأ، و(أحق) المتقدم خبره، لكن لا يتعين هذا القول إذ يجوز أن يكون الخبر مفردا بأن يكون التقدير: "أحق بأن يرضوه"، وعلى التقدير الأول يكون التقدير: "والله إرضاؤه أحق". وللعلماء في إفراد الضمير في قوله تعالى: يرضوه آراء كثيرة ذكر منها ابن عطية ثلاثة، ومن هذه الآراء أن الإفراد جاء لتعظيم الله سبحانه، أو لكونه لا فرق بين إرضاء الله وإرضاء رسوله، أو لأن الضمير موضوع موضع اسم الإشارة، فإنه يشار به إلى الواحد والمتعدد..
٣ - أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الخطيب لأنه فهم منه اعتقاد التسوية حين وقف على (يعصهما) فنبهه على خلاف معتقده..
٤ - البهق: بياض دون البرص، أو هو بياض يعتري الجسد بخلاف لونه وليس من البرص. والشاهد في البيت عود الضمير في قوله (كأنه)، أي: كأن المذكور..

### الآية 9:63

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [9:63]

وقوله  ألم يعلموا  الآية، قولهم  ألم  تقرير ووعيد، وفي مصحف أبي بن كعب **«ألم تعلم »** على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو وعيد لهم، وقرأ الأعرج والحسن **«ألم تعلموا »** بالتاء، و  يحادد  معناه يخالف ويشاق، وهو أن يعطي هذا حده وهذا حده لهذا، وقال الزجاج : هو أن يكون هذا في حد وهذا في حد، وقوله  فإن  مذهب سيبويه أنها بدل من الأولى وهذا معترض بأن الشيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا الموضع لم يأت خبرها بعد إذ لم يتم جواب الشرط، وتلك الجملة هي الخبر، وأيضاً فإن الفاء تمانع البدل، وأيضاً فهي في معنى آخر غير الأول فيقلق البدل، وإذا تلطف للبدل فهو بدل الاشتمال وقال غير سيبويه : هي مجردة لتأكيد الأولى وقالت فرقة من النحاة : هي في موضع خبر ابتداء تقديره فواجب أن له، وقيل المعنى فله أن له، وقالت فرقة : هي ابتداء والخبر مضمر تقديره فإن له نار جهنم واجب، وهذا مردود لأن الابتداء ب ****«أن »**** لا يجوز مع إضمار الخبر، قاله المبرد : وحكي عن أبي علي الفارسي قول يقرب معناه من معنى القول الثالث من هذه التي ذكرنا لا أقف الآن على لفظه، وجميع القراء على فتح ****«أن »**** الثانية، وحكى الطبري عن بعض نحويي البصرة أنه اختار في قراءتها كسر الألف، ذكر أبو عمرو الداني أنها قراءة ابن أبي عبلة، ووجهه في العربية قوي لأن الفاء تقتضي القطع والاستئناف ولأنه يصلح في موضعها الاسم ويصلح الفعل وإذا كانت كذلك وجب كسرها[(١)](#foonote-١).

١ - أجاز الخليل وسيبويه كسر همزة (فإن)، قال سيبويه، وهو جيد، وأنشد لابن مقبل:
 وعلمي بأسدام المياه فلم تزل قلائص تخدي في طريق طلائح
 وأني إذا ملّت ركابي مناخها فإني على حظي من الأمر جامح
 والأسدام: المياه المتغيرة لقلة الوارد، وتخدي: تُسرع، والطلائح: المعيبة لطول السفر، والجامح: الماضي على وجهه، ومعنى "ملّت ركابي مُناخها": توالي سفرها وإناختها فيه وارتحالها، يقول: لا يكسرني طول السفر ولكني أمضي قدما لما أرجوه من الحظ في أمري..

### الآية 9:64

> ﻿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ [9:64]

قوله،  يحذر  خبر عن حال قلوبهم، وحذرهم إنما هو أن تتلى سورة ومعتقدهم هل تنزل أم لا ليس بنص في الآية لكنه ظاهر، فإن حمل على مقتضى نفاقهم واعتقادهم أن ذلك ليس من عند الله فوجه بين، وإن قيل إنهم يعتقدون نزول ذلك من عند الله وهم ينافقون مع ذلك فهذا كفر عناد، وقال الزجّاج وبعض من ذهب إلى التحرز من هذا الاحتمال : معنى يحذر الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر كأنه يقول **«ليحذر »** وقرأ أبو عمرو وجماعة معه **«أن تنْزَل »** ساكنة النون خفيفة الزاي، وقرأ بفتح النون مشددة الزاي الحسن والأعرج وعاصم والأعمش، و  أن  من قوله  أن تنزل  مذهب سيبويه، أن،  يحذر  عامل فهي مفعوله، وقال غيره حذر إنما هي من هيئات النفس التي لا تتعدى مثل فزع وإنما التقدير يحذر المنافقون من أن تنزل عليهم سورة[(١)](#foonote-١)، وقوله  قل استهزئوا  لفظه الأمر ومعناه التهديد، ثم ابتدأ الإخبار عن أنه يخرج لهم إلى حيز الوجود ما يحذرونه، وفعل ذلك تبارك وتعالى في سورة براءة فهي تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، وقال الطبري : كان المنافقون إذ عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا شيئاً من أمره قالوا لعل الله لا يفشي سرنا فنزلت الآية في ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا يقتضي كفر العناد الذي قلناه.

١ - هذا رأي المبرد، وكثير من العلماء لا يرون ذلك، ويقولون: إن (خاف) من هيئة النفس ومع ذلك تتعدى، ومثلها (خشي). راجع "البحر"و "حاشية الجمل"..

### الآية 9:65

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [9:65]

وقوله  ولئن سألتهم  الآية، نزلت على ما ذكر جماعة من المفسرين في وديعة بن ثابت وذلك ؟ أنه مع قوم من المنافقين كانا يسيرون في عزوة تبوك، فقال بعضهم لبعض هذا يريد أن يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر هيهات هيهات، فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال لهم قلتم كذا وكذا، فقالوا  إنما كنا نخوض ونلعب ، يريدون كنا مجدين، وذكر ابن إسحاق أن قوماً منهم تقدموا النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم كأنكم والله غداً في الحبال أسرى لبني الأصفر إلى نحو هذا من القول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر :**«أدرك القوم فقد احترقوا وأخبرهم بما قالوا »** ونزلت الآية[(١)](#foonote-١)، وروي أن وديعة بن ثابت المذكور قال في جماعة من المنافقين : ما رأيت كقرائنا هؤلاء لا أرغب بطوناً ولا أكثر كذباً ولا أجبن عند اللقاء فعنفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه المقالة فقالوا  إنما كما نخوض ونلعب ، ثم أمره بتقريرهم  أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون [(٢)](#foonote-٢) وفي ضمن هذا التقرير وعيد، وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر أنه قال : رأيت قائل هذه المقالة وديعة متعلقاً بحقب[(٣)](#foonote-٣) ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول  إنما كنا نخوض ونلعب  والنبي يقول  أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون [(٤)](#foonote-٤) وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك خطأ لأنه لم يشهد تبوك.

١ - الحديث مروي من عدة طرق، والألفاظ تختلف باختلاف الرواة. فقد أخرجه ابن المنذر، ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة. وهذه الرواية هي التي ذكرها ابن عطية أولا، ثم ذكر رواية ابن إسحاق، ومعنى قوله (احترقوا): هلكوا. (الدر المنثور، وفتح القدير، والسيرة النبوية لابن هشام)، ليس في الرواية نص على من خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم..
٢ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (الدر المنثور، وفتح القدير)..
٣ - الحقب (بوزن سبب): حبل يشد على بطن البعير سوى الحزام الذي يشد فيه الرحل. والرواية في (فتح القدير): "قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه"..
٤ - هذا نص رواية ابن جرير للحديث السابق تخريجه في الهامش رقم (٢) في الصفحة السابقة، وقد رواه الليث عن هشا بن سعد بنحو من هذا – ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره..

### الآية 9:66

> ﻿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [9:66]

وقوله تعالى : لا تعتذروا  الآية، المعنى قل لهم يا محمد لا تعتذروا على جهة التوبيخ كأنه قال لا تفعلوا ما لا ينفع. 
ثم حكم عليهم بالكفر فقال لهم  قد كفرتم بعد إيمانكم  الذي زعمتموه ونطقتم به، وقوله  عن طائفة منكم  يريد فيما ذكر المفسرون رجلاً واحداً قيل اسمه مخشن بن حفير قاله ابن إسحاق، وقال ابن هشام : ويقال فيه مخشي، وقال خليفة بن خياط في تاريخه : مخاشن بن حمير، وذكر ابن عبد البر مخاشن الحميري وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة وكان قد تاب وتسمى عبد الرحمن، فدعا الله أن يستشهد، ويجهل أمره فكان ذلك باليمامة ولم يوجد جسده، وذكر أيضاً ابن عبد البر محشي بن حمير بضم الحاء وفتح الميم وسكون الياء ولم يتقن القصة، وكان محشي مع المنافقين الذين قالوا  إنما كنا نخوض ونلعب  فقيل كان منافقاً ثم تاب توبة صحيحة، وقيل كن مسلماً مخلصاً إلا أنه سمع كلام المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم فعفا الله عنه في كلا الوجهين، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الذين قالوا ما تقدم، وقرأ جميع السبعة سوى عاصم **«إن يعف عن طائفة »** بالياء **«تعذب »** بالتاء[(١)](#foonote-١)، وقرأ الجحدري **«إن يعف »** بالياء على تقديره يعذب الله طائفة **«بالنصب، وقرأ عاصم وزيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن »** إن نعف **«بالنون »** نعذب **«بنون الجميع أيضا ً، وقرأ مجاهد »** إن تعفُ **«بالتاء المضمومة على تقدير إن تعف هذه الذنوب »** تعذب «بالتاء أيضاً.

١ - قال أبو حيان في "البحر": ولقيني شيخنا الأديب أبو الحكم مالك بن المرحل المالقي بغرناطة فسألني: قراءة من تقرأ اليوم على الشيخ أبي جعفر الطباع؟ فقلت قراءة عاصم، فقال:
 لعاصم قراءة لغيرها مخالفة إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة .

### الآية 9:67

> ﻿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [9:67]

هذا ابتداء إخبار عنهم وحكم من الله تعالى عليهم بما تضمنته الآية، فقوله  بعضهم من بعض  يريد في الحكم والمنزلة من الكفر، وهذا نحو قولهم الأذنان من الرأس يريدون في حكم المسح وإلا فمعلوم أنهما من الرأس، ولما تقدم قبل **«وما هم منكم »**[(١)](#foonote-١) حسن هذا الإخبار، وقوله  يأمرون بالمنكر  يريد بالكفر وعبادة غير الله وسائر ذلك من الآية لأن المنافقين الذين نزلت هذه الآيات فيهم لم يكونوا أهل قدرة ولا أفعال ظاهرة وذلك بسبب ظهور الإسلام وكلمة الله عز وجل، و **«القبض »** هو عن الصدقة وفعل الخير، وقوله تعالى : نسوا الله فنسيهم  أي تركوه حين تركوا نبيه وشرعته فتركهم حين لم يهدهم ولا كفاهم عذاب النار، وإنما يعبر بالنسيان عن الترك مبالغة إذا بلغ وجوه الترك الوجه الذي يقترن به نسيان، وعلى هذا يجيء  ولا تنسوا الفضل بينكم [(٢)](#foonote-٢)  ولا تنس نصيبك من الدنيا [(٣)](#foonote-٣) ثم حكم عليهم عز وجل بالفسق وهو فسوق الكفر المقتضي للخلود في النار. 
وكان قتادة يقول  فنسيهم  أي من الخير ولم ينسهم من الشر.

١ - تقدم ذلك في الآية (٥٦) من هذه السورة في جملة الحديث عن المنافقين..
٢ - من الآية (٢٣٧) من سورة (البقرة)..
٣ - من الآية (٧٧) من سورة (القصص)..

### الآية 9:68

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [9:68]

وقوله  وعد الله المنافقين  الآية، لما قيد الوعد بالتصريح بالشر صح ذلك وحسن وإن كانت آية وعيد محض، و  الكفار  في هذه الآية المعلنون، وقوله  هي حسبهم  أي كافيتهم وكافية جرمهم وكفرهم نكالاً وجزاء، فلو تمنى أحد لهم عذاباً لكان ذلك عنده حسباً لهم،  ولعنهم الله  معناه أبعدهم عن رحمته،  عذاب مقيم  معناه مؤبد لا نقلة له.

### الآية 9:69

> ﻿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [9:69]

وقوله تعالى  كالذين من قبلكم  الآية، أمر الله نبيه أن يخاطب بها المنافقين فيقول لهم  كالذين من قبلكم ، والمعنى أنتم كالذين أو مثلكم مثل الذين من قبلكم، وقال الزجّاج : المعنى وعداً كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلق بوعد. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قلق، ثم قال  كانوا أشد منكم  وأعظم فعصوا فأهلكوا فأنتم أحرى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم، والخلاق الحظ من القدر والدين وجميع حال المرء وخلاق المرء : الشيء الذي هو به خليق، والمعنى : عجلوا حظهم في دنياهم وتركوا باب الآخرة فاتبعتموهم أنتم. 
قال القاضي أبو محمد : وأورد الطبري في تفسير هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم **«لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه »**[(١)](#foonote-١)، وما شاكل هذا الحديث مما يقتضي اتباع محمد صلى الله عليه وسلم لسائر الإمم، وهو معنى لا يليق بالآية جداً إذ هي مخاطبة لمنافقين كفار أعمالهم حابطة والحديث مخاطبة لموحدين يتبعون سنن من مضى في أفعاله دنيوية لا تخرج عن الدين، وقوله  خضتم كالذي خاضوا  أي خلطتم كالذي خلطوا، وهو مستعار من الخوض في المائعات، ولا يستعمل إلا في الباطل، لأن التصرف في الحقائق إنما هو على ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي خوض، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم
**«رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة »**[(٢)](#foonote-٢)، ثم قال تعالى : أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة  فيحتمل أن يراد ب  أولئك  القوم الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والاستمتاع بالخلاق، والمعنى وأنتم أيضاً كذلك يعتريكم بإعراضكم عن الحق، ويحتمل أن يريد ب  أولئك  المنافقين المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويكون الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك خروج من خطاب إلى خطاب غير الأول، و **«حبط العمل »** وما جرى مجراه يحبط حبطاً إذا بطل بعد التعب فيه، وحبَط البطن حبَطاً بفتح الباء وهو داء في البطن، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم **«إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم »**[(٣)](#foonote-٣)، وقوله  في الدنيا  معناه إذا كان في المنافقين ما يصيبهم في الدنيا من المقت من المؤمنين وفساد أعمالهم عليهم وفي الآخرة بأن لا تنفع ولا يقع عليها جزاء، ويقوي أن الإشارة ب  أولئك  إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة  ألم يأتهم  فتأمله.

١ - أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري، وفي تفسير ابن كثير أن ابن جريج أخرجه عن أبي هريرة- وتمامه: (قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ أهل الكتاب؟ قال: فمن؟). وهكذا رواه أبو معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره..
٢ - أخرجه البخاري في باب (فإن لله خمسه وللرسول)، ولفظه فيه: (إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة)..
٣ - سبق الاستشهاد به عند تفسير الآية (١٧) من هذه السورة وهي قوله تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون..

### الآية 9:70

> ﻿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [9:70]

يقول عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر الأمم السالفة التي عصت الله بتكذيب رسله فأهلكها،  وعاد وثمود  قبيلتان،  وقوم إبراهيم  نمرود وأصحابه وتباع دولته،  وأصحاب مدين  قوم شعيب،  والمؤتفكات  أهل القرى الأربعة، وقيل السبعة الذين بعث إليهم لوط صلى الله عليه وسلم، ومعنى  المؤتفكات  المنصرفات والمنقلبات أفكت فانتفكت لأنها جعل أعاليها أسفلها، وقد جاءت في القرآن مفردة تدل على الجمع، ومن هذه اللفظة قول عمران بن حطان :\[ البسيط \]
بمنطق مستبينٍ غيرِ مُلْتَبِسٍ\*\*\* به اللسانُ وإني غيرُ مؤتفكِ
أي غير منقلب منصرف مضطرب ومنه يقال للريح مؤتفكة لتصرفها، ومنه  أنى يؤفكون [(١)](#foonote-١) والإفك : صرف القول من الحق إلى الكذب، والضمير في قوله  أتتهم رسلهم  عائد على هذه الأمم المذكورة، وقيل على  المؤتفكات  خاصة، وجعل لهم رسلاً وإنما كان نبيهم واحداً لأنه كان يرسل إلى كل قرية رسولاً داعياً، فهم رسل رسول الله ذكره الطبري، والتأويل الأول في عود الضمير على جميع الأمم أبين وقوله  بالبينات  يريد بالمعجزات وهي بينة في أنفسها بالإضافة إلى الحق لا بالإضافة إلى المكذبين بها.

١ - من قوله تعالى في الآية (٤) من سورة (المنافقون): هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون..

### الآية 9:71

> ﻿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:71]

ولما فرغ من ذكر المنافقين بالأشياء التي ينبغي أن تصرف عن النفاق وتنهي عنه عقب ذلك بذكر المؤمنين بالأشياء التي ترغب في الإيمان وتنشط إليه تلطفاً منه تعالى بعباده لا رب غيره، وذكرت هنا **«الولاية »** إذ لا ولاية بين المنافقين لا شفاعة لهم ولا يدعو بعضهم لبعض وكان المراد هنا الولاية في الله خاصة، وقوله  بالمعروف  يريد بعبادة الله وتوحيده وكل ما اتبع ذلك، وقوله  عن المنكر  يريد عن عبادة الأوثان وكل ما اتبع ذلك، وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف فهو دعاء من الشرك إلى الإسلام وكل ما ذكر من النهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين، وقال ابن عباس في قوله  ويقيمون الصلاة  هي الصلوات الخمس. 
قال القاضي أبو محمد : وبحسب هذا تكون  الزكاة  المفروضة، والمدح عندي بالنوافل أبلغ، إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرض، وقوله  ويطيعون الله ورسوله  جامع للمندوبات، والسين في قوله  سيرحمهم  مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس تنعم برجائه، وفضله تعالى زعيم بالإنجاز.

### الآية 9:72

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:72]

وقوله تعالى  وعد الله المؤمنين  الآية، وعد في هذه الآية صريحة في الخير، وقوله  من تحتها  إما من تحت أشجارها وإما من تحت علياتها وإما من تحتها بالإضافة إلى مبدأ كما تقول في دارين متجاورتين متساويتي المكان هذه تحت هذه، وذكر الطبري في قوله  ومساكن طيبة  عن الحسن أنه قال سألت عنها عمران بن الحصين وأبا هريرة، فقالا على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : قصر في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً[(١)](#foonote-١)، ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ أو يقرب منها فاختصرتها طلب الإيجاز، وإما قوله  في جنات عدن  فمعناه في جنات إقامة وثبوت يقال عدن الشيء في المكان إذا أقام به وثبت، ومنه المعدن أي موضع ثبوت الشيء، ومنه قول الأعشى :
وإن يستضيفوا إلى حلمه\*\*\* يضافوا إلى راجح قد عدن[(٢)](#foonote-٢)
هذا الكلام اللغوي، وقال كعب الأحبار  جنات عدن  هي بالفارسية جنات الكروم والأعناب. 
قال القاضي أبو محمد : وأظن هذا وهماً اختلط بالفردوس، وقال الضحاك  جنات عدن  هي مدينة الجنة وعظمها فيها الأنبياء والعلماء والشهداء وأئمة العدل والناس حولهم بعد، والجنات حولها، وقال ابن مسعود :******«عدن »****** هي بطنان الجنة وسرتها[(٣)](#foonote-٣)، وقال عطاء :******«عدن »****** نهر في الجنة جناته على حافته، وقال الحسن :******«عدن »****** قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل ومد بها صوته. 
قال القاضي أبو محمد : والآية تأبى هذا التخصيص إذ قد وعد الله بها جمع المؤمنين، وأما قوله  ورضوان من الله أكبر  فروي فيه أن الله عز وجل يقول لعباده إذ استقروا في الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون وكيف لا نرضى يا ربنا ؟ فيقول إني سأعطيكم أفضل من هذا كله، رضواني أرضى عليكم فلا أسخط عليكم أبداً، الحديث[(٤)](#foonote-٤)، وقوله  أكبر  يريد أكبر من جميع ما تقدم، ومعنى الآية والحديث متفق، وقال الحسن بن أبي الحسن وصل إلى قلوبهم برضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة. 
قال القاضي أبو محمد : ويظهر أن يكون قوله تعالى : ورضوان من الله أكبر  إشارة إلى منازل المقربين الشاربين من تسنيم[(٥)](#foonote-٥) والذين يرون كما يرى النجم الفائز في الأفق، وجميع من في الجنة راض والمنازل مختلفة، وفضل الله تعالى متسع و  الفوز  النجاة والخلاص ومن  أدخل الجنة فقد فاز [(٦)](#foonote-٦) والمقربون هم في الفوز العظيم، والعبارة عندي عن حالهم بسرور وكمال أجود من العبارة عنها بلذة، واللذة أيضاً مستعملة في هذا.

١ - أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن الحسن، وتتمة الحديث التي تركها ابن عطية وكأنه يشك في نسبتها إلى الصادق الأمين، (على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، = = في كل مائدة سبعون لونا من كل طعام، في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة، فيُعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله- (عن الدر المنثور، وفتح القدير). وقد علق أبو حيان على هذه التتمة بقوله: "وقد ذكر في آخر هذا الحديث أشياء، وإن صح النقل عن الرسول وجب المصير إليه"..
٢ - رواه الطبري بالتاء في الكلمتين (تستضيفوا- تضافوا)، وبلفظ (حكمه) بدلا من (حلمه). والبيت من نونية الأعشى قيس أبي بصير، وروايته في الديوان تختلف عن هذه الرواية ولفظها:
 وإن يستضافوا إلى حكمه يضافوا إلى هادن قد رزن.
 ويستضيفوا: يلجئوا، والراجح: الهادئ الساكن، وعدن بالمكان يعدن: أقام فيه وثبت، والهادن في رواية الديوان: الساكن وهو بمعنى الراجح، ورزن: ثبت واستقر، والقصيدة في مدح قيس بن معد يكرب الكندي، وهي ثلاثة وثمانون بيتا..
٣ - بُطنان الجنة (بضم الباء): وسطها، وفي الحديث: (ينادي مناد من بُطنان العرش) أي من وسطه، وقيل: من أصله، (عن اللسان)..
٤ - أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد. ولفظه الذي نقله في (الدر المنثور): قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقول لأهل الجنة، يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك يا ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا)..
٥ - التسنيم: قالوا: هو ماء في الجنة، وسمي بذلك لأنه يجري فوق الغرف والقصور..
٦ - من الآية (١٨٥) من سورة (آل عمران)..

### الآية 9:73

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [9:73]

قوله  جاهد  مأخوذ من بلوغ الجهد وهي مقصود بها المكافحة والمخالفة، وتتنوع بحسب المجاهد فجهاد الكافر المعلن بالسيف، وجهاد المنافق المتستر باللسان والتعنيف والاكفهرار في وجهه، ونحو ذلك، ألا ترى أن من ألفاظ الشرع قوله صلى الله عليه وسلم **«والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله »**[(١)](#foonote-١)، فجهاد النفس إنما هو مصابرتها باتباع الحق وترك الشهوات، فهذا الذي يليق بمعنى هذه الآية لكنا نجلب قول المفسرين نصاً لتكون معرضة للنظر، قال الزجّاج : وهو متعلق في ذلك بألفاظ ابن مسعود : أمر في هذه الآية بجهاد الكفار والمنافقين يالسيف، وأبيح له فيها قتل المنافقين، قال ابن مسعود : إن قدر وإلا فباللسان وإلا فبالقلب والاكفهرار في الوجه. 
قال القاضي أبو محمد : والقتل لا يكون إلا مع التجليح[(٢)](#foonote-٢) ومن جلح خرج عن رتبة النفاق، وقال ابن عباس : المعنى **«جاهد المنافقين »** باللسان، وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، قال : وأكثر ما كانت الحدود يومئذ تصيب المنافقين. 
قال القاضي أبو محمد : ووجه ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقين بالمدينة أنهم لم يكونوا مجلحين بل كان كل مغموص عليه إذا وقف ادعى الإسلام، فكان في تركهم إبقاء وحياطة للإسلام ومخافة أن تنفر العرب إذا سمعت أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل من يظهر الإسلام، وقد أوجبت هذا المعنى في صدر سورة البقرة، ومذهب الطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم ويسترهم، وأما قوله تعالى : واغلظ عليهم  فلفظة عامة تتصرف الأفعال والأقوال واللحظات، ومنه قوله تعالى : ولو كنت فظاً غليظ القلب [(٣)](#foonote-٣) ومنه قول النسوة لعمر بن الخطاب : أنت أفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم[(٤)](#foonote-٤) ومعنى الغلظ خشن الجانب فهي ضد قوله تعالى : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين [(٥)](#foonote-٥) ثم جرت الآية المؤمنين عليهم في عقب الأمر بإخباره أنهم في جهنم[(٦)](#foonote-٦)، والمعنى هم أهل لجميع ما أمرت أن تفعل بهم، و **«المأوى »** حيث يأوي الإنسان ويستقر.

١ - رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه عن فضالة بن عبيد، ورمز له الإمام السيوطي بالصحة. (الجامع الصغير). وفي مسند الإمام أحمد (٦-٢٠، ٢) أن عمرو بن مالك الجبني أخبر أنه سمع فضالة بن عبيد يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها يوم القيامة)، وبهذا الإسناد عن فضالة بن عبيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر)، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المجاهد من جاهد نفسه لله، أو قال: في الله عز وجل)..
٢ - التّجليح: المكاشفة والمجاهرة بالعداوة، والمجالح: المكابر. (اللسان)..
٣ - من الآية (١٥٩) من سورة (آل عمران)..
٤ - روى البخاري ومسلم هذا الحديث في باب "مناقب عمر رضي الله عنه" قالا: "استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب)، فقال عمر رضي الله عنه: أنت أحق أن يهبن يا رسول الله، ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلن: نعم! أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إيها يابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجّك)..
٥ - الآية (٢١٥) من سورة (الشعراء). وهي أيضا ضد: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة..
٦ - في العبارة شيء من القلق وقد يستقيم بقوله: "والمعنى: هم أهل لجميع ما أمرت أن تفعل بهم"، وذلك أنه أمر بالجهاد وأمر بالغلظة. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم"، وقال الضحاك: "جاهد الكفار بالسيف واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهرتهم". وهذا يوضح ما ذكره ابن عطية من التخيير بين الجهاد بالسيف والغلظة بالكلام فهم أهل لجميع ذلك..

### الآية 9:74

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:74]

وقوله  يحلفون بالله ما قالوا  الآية، هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، وذلك كأنه كان يأتي من قباء ومعه ابن امرأته عمير بن سعد فيما قال ابن إسحاق، وقال عروة اسمه مصعب، وقال غيره وهما على حمارين. 
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمى قوماً ممن اتهمهم بالنفاق، وقال إنهم رجس، فقال الجلاس للذي كان يسير معه : والله ما هؤلاء الذين سمى محمد إلا كبراؤنا وسادتنا، ولئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من حمرنا هذه فقال له ربيبة أو الرجل الآخر ؟ والله إنه لحق، وإنك لشر من حمارك، ثم خشي الرجل من أن يلحقه في دينه درك، فخرج وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصة فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في الجلاس فقرره فحلف بالله ما قال، فنزلت هذه الآية[(١)](#foonote-١)، والإشارة ب  كلمة الكفر  إلى قوله : إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمر، إن التكذيب في قوة هذا الكلام، قال مجاهد وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك هم بقتله، ثم لم يفعل عجزاً عن ذلك فإلى هذا هي الإشارة بقوله  وهموا بما لم ينالوا ، وقال قتادة بن دعامة : نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك أن سنان بن وبرة الأنصاري والجهجاه الغفاري كسع أحدهما رجل الآخر في غزوة المريسيع، فثاروا، فصاح جهجاه بالأنصار وصاح سنان بالمهاجرين، فثار الناس فهدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول : ما أرى هؤلاء إلا قد تداعوا علينا، ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول : سمن كلبك يأكلك، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفه فحلف أنه لم يقل ذلك، فنزلت الآية مكذبة له[(٢)](#foonote-٢)، والإشارة ب  كلمة الكفر  إلى تمثيله : سمن كلبك يأكلك، قال قتادة والإشارة ب  هموا  إلى قوله لئن رجعنا إلى المدينة، وقال الحسن هم المنافقون من إظهار الشرك ومكابرة النبي صلى الله عليه وسلم بما لم ينالوا، وقال تعالى : بعد إسلامهم  ولم يقل بعد إيمانهم لأن ذلك لم يتجاوز ألسنتهم، وقوله تعالى : وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله ، معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفذ لعبد الله بن أبي ابن سلول دية كانت قد تعطلت له، ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفاً، وقيل بل كانت للجلاس. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بحسب الخلاف المتقدم فيمن نزلت الآية من أولها، وتقدم اختلاف القراء في  نقموا  في سورة الأعراف، وقرأها أبو حيوة وابن أبي عبلة بكسر القاف، وهي لغة، وقوله  إلا أن أغناهم الله  استثناء من غير الأول كما قال النابغة :
ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم\*\*\* بهن فلول من قراع الكتائب[(٣)](#foonote-٣)
فكأن الكلام وما نقموا إلا ما حقه أن يشكر، وقال مجاهد في قوله  وهموا بما لم ينالوا  إنها نزلت في قوم من قريش أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا لا يناسب الآية، وقالت فرقة إن الجلاس هو الذي هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يشبه الآية إلا أنه غير قوي السند، وحكى الزجّاج أن اثني عشر من المنافقين هموا بذلك فأطلع الله عليهم، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في إغنائهم من حيث كثرت أموالهم من الغنائم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سبب في ذلك وعلى هذا الحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار **«كنتم عالة فأغناكم الله بي »**[(٤)](#foonote-٤)، ثم فتح عز وجل لهم باب التوبة رفقاً بهم ولطفاً في قوله  فإن يتوبوا يك خيراً لهم . 
وروي أن الجلاس تاب من النفاق فقال : إن الله قد ترك لي باب التوبة فاعترف وأخلص، وحسنت توبته، و **«العذاب الأليم »** اللاحق بهم في الدنيا هو المقت والخوف والهجنة عند المؤمنين.

١ -أخرجه ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك، وأخرج مثله ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عروة..
٢ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه. (الدر المنثور- وفتح القدير)..
٣ - الفُلول جمع فلّ وهو الثّلم في السيف، والقراع والمقارعة: المضاربة بالسيوف في الحرب. وهذا البيت من تأكيد المدح بما يشبه الذم، والمعنى في الآية الكريمة: "وما عابوا وأنكروا إلا ما هو حقيق بالمدح والثناء"، ومن نفس الباب قول الشاعر:
 ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا.
٤ - هذا جزء من حديث طويل رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، وفي البخاري (كتاب المغازي) عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لمّا أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: (يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلاّلا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟) كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ، قال ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)..

### الآية 9:75

> ﻿۞ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [9:75]

هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وقال الحسن : وفي معتب بن قشير معه، واختصار ما ذكره الطبري وغيره من أمره **«أنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعل لي مالاً فإني لو كنت ذا مال لقضيب حقوقه وفعلت فيه الخير، فراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاود فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألا تريد أن تكون مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو دعوت الله أن يسير الجبال معي ذهباً لسارت، فأعاد عليه حتى دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة، فتنحى عنها وكثرت غنمه، فكان لا يصلي إلا الجمعة ثم كثرت حتى تنحى بعيداً ونجم نفاقه، ونزل خلال ذلك فرض الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مصدقين بكتابه في أخذ زكاة الغنم، فلما بلغوا ثعلبة وقرأ الكتاب قال : هذه أخت الجزية، ثم قال لهم : دعوني حتى أرى رأيي، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه، قال »** ويح ثعلبة **«ثلاثاً، ونزلت الآية فيه، فحضر القصة قريب لثعلبة فخرج إليه فقال أدرك أمرك، فقد نزل كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال إن أمرني الله أن لا آخذ زكاتك »**، فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة، فكلهم رد ذلك وأباه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة عثمان[(١)](#foonote-١).

١ - أخرجه الحسن بن سفيان، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والعسكري في الأمثال، والطبراني، وابن منده، والبارودي، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. (الدر المنثور- وفتح القدير)..

### الآية 9:76

> ﻿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [9:76]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٥:هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وقال الحسن : وفي معتب بن قشير معه، واختصار ما ذكره الطبري وغيره من أمره ****«أنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعل لي مالاً فإني لو كنت ذا مال لقضيب حقوقه وفعلت فيه الخير، فراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاود فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألا تريد أن تكون مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو دعوت الله أن يسير الجبال معي ذهباً لسارت، فأعاد عليه حتى دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة، فتنحى عنها وكثرت غنمه، فكان لا يصلي إلا الجمعة ثم كثرت حتى تنحى بعيداً ونجم نفاقه، ونزل خلال ذلك فرض الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مصدقين بكتابه في أخذ زكاة الغنم، فلما بلغوا ثعلبة وقرأ الكتاب قال : هذه أخت الجزية، ثم قال لهم : دعوني حتى أرى رأيي، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه، قال »**** ويح ثعلبة ****«ثلاثاً، ونزلت الآية فيه، فحضر القصة قريب لثعلبة فخرج إليه فقال أدرك أمرك، فقد نزل كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال إن أمرني الله أن لا آخذ زكاتك »****، فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة، فكلهم رد ذلك وأباه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة عثمان[(١)](#foonote-١). 
١ - أخرجه الحسن بن سفيان، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والعسكري في الأمثال، والطبراني، وابن منده، والبارودي، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. (الدر المنثور- وفتح القدير)..


---

### الآية 9:77

> ﻿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [9:77]

وفي قوله تعالى : فأعقبهم  نص المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه، وقوله : إلى يوم يلقونه  يقتضي موافاتهم على النفاق، ولذلك لم يقبل الخلفاء رضي الله عنهم رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالموافاة، ولولا الاحتمال في أنه نفاق معصية لوجب قتله، وقرأ الأعمش **«لنصدقن »** بالنون الثقيلة مثل الجماعة **«ولنَكونَن »** خفيفة النون، والضمير الذي في قوله  فأعقبهم  يعود على الله عز وجل. 
ويحتمل أن يعود على **«البخل »** المضمن في الآية، ويضعف ذلك الضمير في  يلقونه ، وقوله  نفاقاً في قلوبهم ، يحتمل أن يكون نفاق كفر ويكون تقرير ثعلبة بعد هذا النص والإبقاء عليه لمكان إظهاره الإسلام وتعلقه بما فيه احتمال. 
ويحتمل أن يكون قوله  نفاقاً  يريد به نفاق معصية وقلة استقامة، فيكون تقريره صحيحاً ويكون ترك في أول الزكاة عقاباً له ونكالاً. 
وهذا نحو ما روي أن عاملاً كتب إلى عمر بن عبد العزيز أن فلاناً يمنع الزكاة، فكتب إليه أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين، يريد لما يلحقه من المقت في ذلك، وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو وعاصم ونافع وسائرهم  يكذبون  قرأ أبو رجاء **«يكذبون »** وذكر الطبري في هذه الآية ما يناسبها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً، إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان »**[(١)](#foonote-١) وفي حديث آخر **«وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر »** ونحو هذا من الأحاديث، ويظهر من مذهب البخاري وغيره من أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة. 
وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال زوجوا فلاناً فإني قد وعدته لا ألقى الله بثلث النفاق، وهذا ظاهر كلام الحسن بن أبي الحسن، وقال عطاء بن أبي رباح قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء، وهذه الأحاديث إنما هي في المنافقين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، الذين شهد الله عليهم، وهذه هي الخصال في سائر الأمة معاص لا نفاق. 
قال القاضي أبو محمد : ولا محالة أنها كانت مع التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، معاص لكنها من قبيل النفاق اللغوي، وذكر الطبري عن فرقة أنها قالت : كان العهد الذي عاهد الله عليه هؤلاء المنافقون شيئاً نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا فيه نظر[(٢)](#foonote-٢).

١ - أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وفي آخره: "وتلا هذه الآية ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله إلى آخر الآية. وأخرج البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، (الدر المنثور) و(تفسير ابن كثير)..
٢ - للعلماء في هذه القضية رأيان وهي قضية "العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه"، قال بعضهم: يلزمه منه ما يلتزمه بقصده وإن لم يلفظ به، قال ابن العربي: والدليل على صحة ما ذبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك وقد سئل: إذ نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه فقال: يلزمه، كما يكون مؤمنا بقلبه وكافرا بقلبه. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به، والحجة ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به). ورواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم، فإن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به، قال أبو عمر: "ومن اعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشيء، وهذا هو الأشهر عن مالك". راجع تفسير القرطبي..

### الآية 9:78

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [9:78]

وقوله : ألم يعلموا  الآية، لفظ به تعلق من قال في الآية المتقدمة إن العهد كان من المنافقين بالنية لا بالقول، وقرأ الجمهور **«يعلموا »** بالياء من تحت، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن **«ألم تعلموا »** بالتاء، من فوق، وهذه الآية تناسب حالهم وذلك أنها تضمنت إحاطة علم الله بهم وحصره لهم، وفيها توبيخهم على ما كانوا عليه من التحدث في نفوسهم من الاجتماع على ثلب الإسلام، وراحة بعضم مع بعض في جهة النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه، فهي تعم المنافقين أجمع، وقائل المقالة المذكورة ذهب إلى أنها تختص بالفرقة التي عاهدت.

### الآية 9:79

> ﻿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:79]

قوله  الذين يلمزون  رد على الضمائر في قول  يكذبون  \[ التوبة : ٧٧ \] و  ألم يعلموا  \[ التوبة : ٨٧ \] و  سرهم ونجواهم  \[ التوبة : ٧٨ \] و  يلمزون  معناه ينالون بألسنتهم، وقرأ السبعة **«يلمِزون »** بكسر الميم، وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب وابن كثير فيما روي عنه **«يلمُزون »** بضم الميم، و  المطوعين  لفظة عموم في كل متصدق، والمراد به الخصوص فيمن تصدق بكثير دل على ذلك قوله، عطفاً على  المطوعين ،  والذين لا يجدون ، ولو كان  الذين لا يجدون  قد دخلوا في  المطوعين  لما ساغ عطف الشيء على نفسه، وهذا قول أبي علي الفارسي في قوله عز وجل : من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل [(١)](#foonote-١) فإنه قال المراد بالملائكة من عدا هذين. 
وكذلك قال في قوله : فيهما فاكهة ونخل ورمان [(٢)](#foonote-٢) وفي هذا كله نظر، لأن التكرار لقصد التشريف يسوغ هذا مع تجوز العرب في كلامها، وأصل  المطوعين  المتطوعين فأبدل التاء طاء وأدغم، وأما المتصدق بكثير الذي كان سبباً للآية فأكثر الروايات **«أنه عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف وأمسك مثلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أنفقت »**[(٣)](#foonote-٣). 
وقيل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه تصدق بنصف ماله، وقيل عاصم بن عدي تصدق بمائة وسق، وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل حبحاب الأراشي، تصدق بصاع من تمر وقال : يا رسول الله جررت البارحة بالجرير وأخذت صاعين تركت أحدهما لعيالي وأتيت بالآخر صدقة. 
فقال المنافقون : الله غني عن صدقة هذا، وقال بعضهم : إن الله غني عن صاع أبي عقيل[(٤)](#foonote-٤)، وقيل : إن الذي لمز في القليل أبو خيثمة، قاله كعب بن مالك صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقيل بأربعمائة أوقية من فضة، وقيل أقل من هذا. 
فقال المنافقون : ما هذا إلا رياء، فنزلت الآية في هذا كله، وقوله : فيسخرون  معناه يستهزئون ويستخفون، وهو معطوف على  يلمزون ، واعترض ذلك بأن المعطوف على الصلة فهو من الصلة وقد دخل بين هذا المعطوف والمعطوف عليه قوله  والذين لا يجدون ، وهذا لا يلزم، لأن قوله  والذين  معمول للذي عمل في  المطوعين  فهو بمنزلة قوله جاءني الذي ضرب زيداً وعمراً فقتلهما، وقوله : سخر الله منهم  تسمية العقوبة باسم الذنب وهي عبارة عما حل بهم من المقت والذل في نفوسهم، وقوله : ولهم عذاب أليم  معناه مؤلم، وهي آية وعيد محض، وقرأ جمهور **«جُهدهم »** بضم الجيم، وقرأ الأعرج وجماعة معه **«جَهدهم »** بالفتح، وقيل هما بمعنى واحد، وقاله أبو عبيدة، وقيل هما لمعنيين الضم في المال والفتح في تعب الجسم، ونحوه عن الشعبي[(٥)](#foonote-٥)، وقوله : الذين يلمزون  يصح أن يكون خبر ابتداء تقديره هم الذين، ويصح أن يكون ابتداء وخبره  سخر ، وفي  سخر  معنى الدعاء عليهم. 
ويحتمل أن يكون خبراً مجرداً عن الدعاء، ويحتمل أن يكون  الذين  صفة جارية على ما قبل كما ذكرت أول الترجمة.

١ - من الآية (٩٨) من سورة (البقرة)..
٢ - من الآية (٦٨) من سورة (الرحمن)..
٣ -أخرج البزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا، فجاء عبد الرحمن فقال: يا رسول الله عندي أربعة آلاف، ألفان أقرضهما ربي، وألفان لعيالي، فقال: بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت، وجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، إني بتّ أجر الحرير فأصبت صاعين من تمر، فصاعا أقرضه ربي وصاعا لعيالي، فلمزه المنافقون، قالوا: والله ما أعطى ابن عوف الذي أعطى إلا رياء، وقالوا: أو لم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا، فأنزل الله الذين يلمزون المطوعين الآية. وأخرج مثله البخاري، ومسلم، وابن المنذر، وغيرهم عن ابن مسعود، ولم يذكر فيه اسم المتصدق بكثير، وذكر فيه أن المتصدق بقليل هو أبو عقيل، وأنه تصدق بنصف صاع. (الدر المنثور) و(فتح القدير)..
٤ - أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبغوي في معجمه، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة عن أبي عقيل قال: بتّ أجر الحرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به، وجئت بالآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقرب به إلى ربي، فأخبرته بالذي كان فقال: انثره في المسجد، فسخر القوم وقالوا: لقد كان الله غنيا عن صاع هذا المسكين، فأنزل الله: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين الآيتين. (الدر المنثور)..
٥ - وقيل: الجهد بالفتح: المشقة، والجهد بالضم: الطاقة..

### الآية 9:80

> ﻿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:80]

وقوله تعالى  استغفر لهم أو لا تستغفر لهم  يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون لفظ أمر ومعناه الشرط، بمعنى إن استغفرت أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، فيكون مثل قوله تعالى : قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم [(١)](#foonote-١) وبمنزلة قول الشاعر :\[ الكثير \]
أسيئي لنا أو أحسني لا ملومة\*\*\* لدينا ولا مقلية إن تقلت[(٢)](#foonote-٢)
وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره في معنى الآية، والمعنى الثاني الذي يحتمله اللفظ أن يكون تخييراً، كأنه قال له : إن شئت فاستغفر وإن شئت لا تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر  سبعين مرة  وهذا هو الصحيح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبيينه ذلك. 
وذلك أن عمر بن الخطاب سمعه بعد نزول هذه الآية يستغفر لهم فقال يا رسول الله، أتستغفر للمنافقين وقد أعلمك الله أنه لا يغفر لهم، فقال له **«يا عمر إن الله قد خيرني فاخترت، ولو علمت أني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت »**[(٣)](#foonote-٣)، ونحو هذا من مقاولة عمر في وقت إرادة النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على عبد الله بن أبي ابن سلول، وظاهر صلاته عليه أن كفره لم يكن يقيناً عنده، ومحال أن يصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى الله عز وجل، وعلى هذا كان ستر المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر. 
وفي هذه الألفاظ التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفض إلزام دليل الخطاب، وذلك أن دليل الخطاب يقتضي أن الزيادة على السبعين يغفر معها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو علمت فجعل ذلك مما لا يعلمه، ومما ينبغي أن يتعلم ويطلب علمه من الله عز وجل، ففي هذا حجة عظيمة للقول برفض دليل الخطاب، وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح أن ذلك التخيير هو الذي نسخ بقوله تعالى : في سورة المنافقون
 سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين [(٤)](#foonote-٤) ولمالك رحمه الله مسائل تقتضي القول بدليل الخطاب، منها قوله : إن المدرك للتشهد وحده لا تلزمه أحكام الإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال :**«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة »**[(٥)](#foonote-٥) فاقتضى دليل الخطاب أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك، وله مسائل تقتضي رفض دليل الخطاب، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم، **«وفي سائمة الغنم الزكاة »**[(٦)](#foonote-٦) فدليل الخطاب أن لا زكاة في غير السائمة، ومالك يرى الزكاة في غير السائمة، ومنها أن الله عز وجل يقول في الصيد  من قتله منكم متعمداً [(٧)](#foonote-٧) فقال مالك : حكم المخطىء والمتعمد سواء ودليل الخطاب يقتضي غير هذا، وأما تمثيله **«السبعين »** دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيراً ما يجيء غاية وتحقيقاً في الكثرة، ألا ترى إلى القوم الذين اختارهم موسى وإلى أصحاب العقبة وقد قال بعض اللغويين إن التصريف الذي يكون من السين والباء والعين فهو شديد الأمر، من ذلك السبعة فإنها عدد مقنع هي في السماوات وفي الأرض وفي خلق الإنسان وفي رزقه وفي أعضائه التي بها يطيع الله وبها يعصيه، وبها ترتيب أبواب جهنم فيما ذكر بعض الناس، وهي[(٨)](#foonote-٨) عيناه وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفي سهام الميسر وفي الأقاليم وغير ذلك. 
ومن ذلك السبع والعبوس والعنبس ونحو هذا من القول[(٩)](#foonote-٩)، وقوله  ذلك  إشارة إلى امتناع الغفران، وقوله : والله لا يهدي القوم الفاسقين  إما من حيث هم فاسقون، وإما أنه لفظ عموم يراد به الخصوص فيمن يوافي على كفره.

١ - من الآية (٥٣) من سورة (التوبة)..
٢ - البيت لكثير عزة، وفي بعض النسخ: "لنا" بدلا من "بنا"، ورواه في (اللسان) لا ملولة باللام، ومقلية: مكروهة، وتقلّت: فعلت ما تستحق من أجله الكره والبغض. قال في اللسان: الجوهري: تقلى أي تبغض، قال كثير: "أسيئي بنا.." البيت، ثم قال: "خاطبها ثم غابت". يعني انتقل من الخطاب إلى الغيبة..
٣ -أخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، والنحاس، وابن حبان، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام عليه، فلما وقف قلت: أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا أعدد أيامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت قال: يا عمر أخّر عنّي، إني قد خيرت، قد قيل لي: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم. فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها، ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله عز وجل (الدر المنثور).
٤ - الآية رقم (٦) من سورة (المنافقون)..
٥ - أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن الأربعة- عن أبي هريرة رضي الله عنه..
٦ - رواه مالك في "الموطأ"، ولفظه فيه: (وفي سائمة الغنم إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة-شاة)..
٧ - من الآية (٩٥) من سورة (المائدة)..
٨ - الضمير عائد على الأعضاء التي يطيع العبد بها ربه ويعصيه..
٩ - قال الزمخشري في التعليل للتمثيل بالسبعين: "والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير، قال علي رضي الله تعالى عنه:
 لأصبحن العاص وابن العاص سبعين ألفا عاقدي النواصي
 وقال الأزهري: "السبعون هنا جمع السبعة المستعملة للكثرة لا السبعة التي فوق الستة".

### الآية 9:81

> ﻿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [9:81]

هذه آية تتضمن وصف حالهم على جهة التوبيخ لهم وفي ضمنها وعيد، وقوله  المخلفون  لفظ يقتضي تحقيرهم وأنهم الذين أبعدهم الله من رضاه وهذا أمكن في هذا من أن يقال المتخلفون، ولم يفرح إلا منافق، فخرج من ذلك الثلاثة وأصحاب العذر[(١)](#foonote-١)، و **«مقعد »** مصدر بمعنى القعود، ومثله :
من كان مسروراً بمقتل مالك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٢)](#foonote-٢)
وقوله  خلاف  معناه بعد وأنشد أبو عبيدة في ذلك :\[ الكامل \]
عقب الربيع خِلاَفُهمْ فكأنَّما\*\*\* بسط الشواطب بينهنَّ حصير[(٣)](#foonote-٣)
يريد بعدهم ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى\*\*\* تأهَّبْ لأخرى مثلَها فَكَأَنْ قدِ[(٤)](#foonote-٤)
وقال الطبري هو مصدر خالف يخالف. 
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا هو مفعول له، والمعنى  فرح المخلفون بمقعدهم  لخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مصدر ونصبه في القول الأول كأنه على الظرف، وكراهيتهم **«لما ذكر هي شح إذ لا يؤمنون بالثواب في سبيل الله فهم يظنون بالدنيا، وقولهم  لا تنفروا في الحر  كان لأن غزوة تبوك كانت في وقت شدة الحر وطيب الثمار والظلال، قاله ابن عباس وكعب بن مالك والناس، فأقيمت عليهم الحجة بأن قيل لهم فإذا كنتم تجزعون من حر القيظ فنار جهنم التي هي أشد أحرى أن تجزعوا منها لو فهمتم، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة »** خلف **«وذكرها يعقوب ولم ينسبها وقرىء »** خُلف **«بضم الخاء، ويقوي قول الطبري أن لفظة »** الخلاف «هي مصدر من خالف ما تظاهرت به الروايات من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنفر فعصوا وخالفوا وقعدوا مستأذنين. 
وقال محمد بن كعب : قال  لا تنفروا في الحر  رجل من بني سلمة. 
وقال ابن عباس : قال رجل يا رسول الله الحر شديد فلا تنفر في الحر، قال النقاش : وفي قراءة عبد الله » يعلمون «بدل  يفقهون .

١ -يريد الثلاثة الذي قال الله فيهم في الآية (١١٨) من هذه السورة: وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وسيأتي الحديث عنهم: .
٢ - هذا صدر بيت، وهو بتمامه:
 من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار
 وقد سبق أن استشهد المؤلف بهذا البيت وبيت آخر بعده عند تفسير قوله تعالى في الآية (٧٢) من سورة (آل عمران): وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره..
٣ - البيت في (اللسان)، وقد نسبه للحارث بن خالد المخزومي، وذكر أن ابن بري أنشده للتدليل على أن \[خلاف\] في الآية بمعنى (بعد). والشواطب من النساء: اللواتي يشققن الخوص، ويقشرن العسب ليتخذن منه الحصر ثم يلقينها إلى المنقيات، والمنقية هي التي تأخذ كل شيء على العسيب بسكينها حتى تتركه رقيقا صالحا لعمل الحصر منه..
٤ - هذا ثاني بيتين، وأولهما:
 تمنى أناس أن أموت وإن أمت فتلك طريق لست فيها بأوحد
 وقد ذكره في اللسان غير منسوب، والرواية فيها (تهيأ) بدلا من (تأهب)، وفي "البحر" (وكأن) بدلا من (فكأن). ومثل هذا البيت والذي قبله قول مُزاحم العقيلي:
 وقد يفرط الجهل الفتى ثم يرعوي خلاف الصبا للجاهلين حلوم..

### الآية 9:82

> ﻿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:82]

وقال ابن عباس وأبو رزين والربيع بن خيثم وقتادة وابن زيد قوله  فليضحكوا قليلاً  إشارة إلى مدة العمر في الدنيا، وقوله  وليبكوا كثيراً  إِشارة إلى تأبيد الخلود في النار، فجاء بلفظ الأمر ومعناه الخبر عن حالهم، ويحتمل أن يكون صفة حالهم أي هم لما هم عليه من الخطر مع الله، وسوء الحال بحيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلاً وبكاؤهم من أجل ذلك كثيراً، وهذا يقتضي أن يكون وقت الضحك والبكاء في الدنيا على نحو قوله صلى الله عليه وسلم، لأمته
**«لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً »**[(١)](#foonote-١). 
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما قال هذا الكلام أوحى الله إليه يا محمد لا تقنط عبادي، و  جزاء  متعلق بالمعنى الذي تقديره  وليبكوا كثيراً  إذ هم معذبون  جزاء ، وقوله : يكسبون  نص في أن التكسب هو الذي يتعلق به العقاب والثواب.

١ - أخرجه البخاري، والترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه. (الدر المنثور)..

### الآية 9:83

> ﻿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ [9:83]

وقوله : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم  الآية،  رجع  يستوي مجاوزه وغير مجاوزه، وقوله تعالى : إن  مبينة أن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعلم بمستقبلات أمره من أجل وسواه[(١)](#foonote-١) وأيضاً فيحتمل أن يموتوا هم قبل رجوعه وأمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، بأن يقول لهم  لن تخرجوا معي ، هو عقوبة لهم وإظهار لدناءة منزلتهم وسوء حالهم، وهذا هو المقصود في قصة ثعلبة بن حاطب التي تقدمت في الامتناع من أخذ صدقته، ولا خزي أعظم من أن يكون إنسان قد رفضه الشرع ورده كالجمل الأجرب، وقوله : إلى طائفة  يقتضي عندي أن المراد رؤوسهم والمتبوعون، وعليها وقع التشديد بأنها لا تخرج ولا تقاتل عدواً، وكرر معنى قتال العدو لأنه عظم الجهاد وموضع بارقة السيوف التي تحتها الجنة، ولولا تخصيص الطائفة لكان الكلام **«فإن رجعك الله إليهم »**، ويشبه أن تكون هذه الطائفة قد ختم عليها بالموافاة على النفاق، وعينوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فكيف يترتب ألا يصلي على موتاهم إن لم يعينهم الله، وقوله : وماتوا وهم فاسقون  ونص في موافاتهم، ومما يؤيد هذا ما روي أن ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، عينهم لحذيفة بن اليمان وكانت الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن الصلاة على جنازة رجل تأخروا هم عنها. 
وروي عن حذيفة أنه قال يوماً : بقي من المنافقين كذا وكذا، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنشدك الله أنا منهم ؟ فقال لا، والله، لا أمنه منها أحداً بعدك، وقرأ جمهور الناس **«معي »** بسكون الياء في الموضعين، وقرأ عاصم فيما قال المفضل **«معيَ »** بحركة الياء في الموضعين، وقوله  أول  هو الإضافة إلى وقت الاستئذان. 
و ****«الخالفون »**** جميع من تخلف من نساء وصبيان وأهل عذر غلب المذكر فجمع بالياء والنون وإن كان ثم نساء، وهو جمع خالف، وقال قتادة ****«الخالفون »**** النساء، وهذا مردود، وقال ابن عباس : هم الرجال، وقال الطبري : يحتمل قوله  مع الخالفين  أن يريد مع الفاسدين، فيكون ذلك مأخوذاً من خلف الشيء إذا فسد ومنه خلوف فم الصائم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تأويل مقحم والأول أفصح وأجرى على اللفظة، وقرأ مالك بن دينار وعكرمة **«مع الخلفين »** وهو مقصور من الخالفين، كما قال : عرداً وبرداً عارداً وبارداً[(٢)](#foonote-٢)، وكما قال الآخر :\[ الرجز \]
مثل النقا لبده برد الظلال\*\*\* يريد الظلال[(٣)](#foonote-٣).

١ - جاء ذلك صريحا في قوله تعالى: قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء..
٢ - يشير بهذا إلى أبيات سبق أن تكلم عليها عند تفسير قوله تعالى في الآية (١٤٥) من سورة (آل عمران): ومن يرد ثواب الدنيا ونؤته منها. وهذه هي الأبيات:
 أصبح قلبي صردا
 لا يشتهي أن يردا
 إلا عردا عــردا
 وصليانا بـــردا
 وعنكثا ملتبــدا
 يريد: عاردا وباردا فحذف للضرورة، والعرادة: شجر صلبة العود، وجمعها: عراد، وعراد عرد على المبالغة..
٣ - النّقا: القطعة من الرمل تنقاد محدودبة، وفي الحديث: (خلق الله آدم من نقا ضريّة)، أي من رملها (وضرية موضع معروف)، وحكى يعقوب في تثنيته نقيان ونقوان، والجمع نقيان وأنقاء، وهذه نقاة من الرمل. ويقال: لبد بالمكان: أقام به ولزق، فكأن برد الظلال ألصق تراب الرمل بالأرض وثبته عليها..

### الآية 9:84

> ﻿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [9:84]

هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى أنس بن مالك أن رسول الله عليه وسلم لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل عليه السلام، فجذبه بثوبه وتلا عليه،  ولا تصل على أحد منهم مات أبداً  الآية، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصل عليه[(١)](#foonote-١)، وتظاهرت الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الآية نزلت بعد ذلك، وفي كتاب الجنائز من البخاري من حديث جابر، قال :**«أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج ووضعه على ركبته ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه[(٢)](#foonote-٢)، وروي في ذلك أن عبد الله بن أبي بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ورغب إليه أن يستغفر له وأن يصلي عليه »**. 
وروي أن ابنه عبد الله بن عبد الله جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت أبيه فرغب في ذلك وفي أن يكسوه قميصه الذي يلي بدنه، ففعل، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه قام إليه عمر رضي الله عنه، فقال يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الاستغفار لهم ؟ وجعل يعدد أفعال عبد الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم **«أ خر عني يا عمر، فإني خيرت، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت »**[(٣)](#foonote-٣) وفي حديث آخر **«إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي »**، كذا في بعض الروايات، يريد من منافقي العرب، والصحيح أنه قال رجال من قومه، فسكت عمر وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله، ثم نزلت هذه الآية بعد ذلك، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لموضع إظهاره الإيمان، ومحال أن يصلي عليه وهو يتحقق كفره وبعد هذا والله أعلم، عين له من لا يصلي عليه. 
ووقع في معاني أبي إسحاق وفي بعض كتب التفسير، فأسلم وتاب بهذه الفعلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة من عبد الله ألف رجل من الخزرج. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، قاله من لم يعرف عدة الأنصار.

١ - أخرجه أبو يعلى، وابن جرير، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
٢ - الحديث في البخاري في كتاب الجنائز باب "هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة"- وتتمة الحديث كما جاء في البخاري: (فالله أعلم، وكان كسا عباسا قميصا، قال سفيان: وقال أبو هريرة: وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصا، فقال له ابن عبد الله: يا رسول الله، ألبس أبي قميصك الذي بلي جلدك، قال سفيان: فيروون أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله قميصه مكافأة لما صنع). وسفيان هو راوي الحديث عن عمرو عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم..
٣ - أخرجه البخاري، ومسلم، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر رضي الله عنهما. (الدر المنثور- وفتح القدير)..

### الآية 9:85

> ﻿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:85]

وقوله تعالى : ولا تعجبك أموالهم  الآية، تقدم تفسير مثل هذه الآية[(١)](#foonote-١)، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، إذ هو بإجما ع ممن لا تفتنه زخارف الدنيا. 
ويحتمل أن يكون معنى الآية ولا تعجبك أيها الإنسان، والمراد الجنس، ووجه تكريرها تأكيد هذا المعنى وإيضاحه، لأن الناس كانوا يفتنون بصلاح حال المنافقين في دنياهم.

١ - وهي الآية (٥٥) من هذه السورة..

### الآية 9:86

> ﻿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:86]

وقوله  وإذا أنزلت سورة  الآية، العامل في  إذا   استأذنك ، **«والسورة »** المشار إليها هي براءة فيما قال بعضهم، ويحتمل أن يكون إلى كل سورة فيها الأمر بالإيمان والجهاد مع الرسول، وسورة القرآن أجمع على ترك همزها في الاستعمال واختلف هل أصلها الهمز أم لا فقيل أصلها الهمز فهي من أسأر إذا بقيت له قطعة من الشيء، فالسورة قطعة من القرآن، وقيل أصلها أن لا تهمز فهي كسورة البناء وهي ما يبنى منه شيئاً بعد شيء، فهي الرتبة بعد الرتبة، ومن هذا قول النابغة :\[ الطويل \]
ألم تر أنَّ اللهَ أَعْطَاكَ سَوْرَةً\*\*\* ترى كلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذبْذَبُ
وقد مضى هذا كله مستوعباً في صدر هذا الكتاب، و  أن  في قوله : أن آمنوا  يحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي فهي على هذا لا موضع لها، ويحتمل أن يكون التقدير ب **«أن »** فهي في موضع نصب[(١)](#foonote-١)، و  الطول  في هذه الآية المال، قاله ابن عباس وابن إسحاق وغيرهما، والإشارة بهذه الآية إلى الجد بن قيس وعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، و **«القاعدون »** الزمنى وأهل العذر في الجملة ومن ترك لضبط المدينة لأن ذلك عذر.

١ - إذا كانت بمعنى (أي) فهي تفسيرية لأن قبلها شرط، وإذا كان التقدير (بأن) فهي مصدرية..

### الآية 9:87

> ﻿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [9:87]

وقوله : رضوا بأن يكونوا مع الخوالف  الآية، تقريع وإظهار شنعة كما يقال على وجه التعيير رضيت يا فلان، و  الخوالف  النساء جمع خالفة، هذا قول جمهور المفسرين، وقال أبو جعفر النحاس يقال للرجل الذي لا خير فيه خالفة، فهذا جمعه بحسب اللفظ والمراد أخسة الناس وأخالفهم، وقال النضر بن شميل في كتاب النقاش : الخوالف  من لا خير فيه، وقالت فرقة  الخوالف  جمع خالف فهو جار مجرى فوارس ونواكس وهوالك،  وطبع  في هذه الآية مستعار، ولما كان الطبع على الصوان والكتاب مانعاً منه وحفاظاً عليه شبه القلب الذي قد غشيه الكفر والضلال حتى منع الإيمان والهدى منه بالصوان المطبوع عليه، ومن هذا استعارة القفل والكنان للقلب، و  لا يفقهون  معناه لا يفهمون.

### الآية 9:88

> ﻿لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [9:88]

الأكثر في  لكن  أن تجيء بعد نفي، وهو ها هنا في المعنى، وذلك أن الآية السالفة معناها أن المنافقين لم يجاهدوا فحسن بعدها **«لكن الرسول والمؤمنون جاهدوا »**، و  الخيرات  جمع خيرة وهو المستحسن من كل شيء، وكثر استعماله في النساء، فمن ذلك قوله عز وجل : فيهن خيرات حسان [(١)](#foonote-١) ومن ذلك قول الشاعر أنشده الطبري :\[ الكامل \]

ولقد طعنت مجامع الربلات  ربلات هند َخيرة الملكات[(٢)](#foonote-٢)و  المفلحون  الذين أدركوا بغيتهم من الجنة، والفلاح يأتي بمعنى إدراك البغية، من ذلك قول لبيد :\[ الرجز \]
أفلح بما شئت فقد يبلغ بالض\*\*\* عف وقد يخدع الأريب[(٣)](#foonote-٣)
ويأتي بمعنى البقاء ومن ذلك قول الشاعر :\[ المنسرح \]
لكل همٍّ من الهموم سعهْ\*\*\* والمسى والصبح لا فلاح معهْ[(٤)](#foonote-٤)
أي لا بقاء. 
قال القاضي أبو محمد : وبلوغ البغية يعم لفظة الفلاح حيث وقعت فتأمله. 
١ - الآية (٧٠) من سورة (الرحمن)..
٢ - البيت أنشده أيضا أبو عبيدة، وهو لرجل من بني عدي تيم جاهلي، قال الأخفش في قوله تعالى: فيهن خيرات حسان: "إنه لما وصف به وقيل: "فلان خير" أشبه الصفات فأدخلوا فيه الهاء للمؤنث، ولم يريدوا به أفعل، (كما في البيت)، فإن أردت معنى التفضيل قلت: "فلانة خير الناس" ولم تقل خيرة، "وفلان خير الناس" ولم تقل أخير.
 والرّبلات: جمع ربلة بتسكين الباء وبتحريكها، قال الأصمعي: والتحريك أفصح، وهي ما حول الضّرع والحياء من باطن الفخذ، وخيرة بسكون الخاء هي الفاضلة من كل شيء. وقيل: هي الكريمة النسب، الشريفة الحسب، الحسنة الوجه، الحسنة الخلق، الكثيرة المال..
٣ - نسب صاحب (اللسان) البيت لعبيد، ورواه "بالنّوك" بدلا من "بالضعف" وأشار إلى رواية الضعف، والمعنى: عش بما شئت من عقل وحمق فقد يرزق الأحمق ويُحرم العاقل. وقد سبق الاستشهاد بالبيت في غير هذا الموضع من الكتاب..
٤ - البيت للأضبط بن قريع السعدي، والمعنى: ليس مع كرّ الليل والنهار بقاء. وهذا وقد سبق لابن عطية أن استشهد بهذا البيت في مواضع أخرى من تفسيره..

### الآية 9:89

> ﻿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:89]

و  أعد [(١)](#foonote-١) معناه يسر وهيأ، وقوله  من تحتها  يريد من تحت مبانيها وأعاليها، و  الفوز  حصول الإنسان على أمله، وظفره ببغيته، ومن ذلك فوز سهام الأيسار[(٢)](#foonote-٢).

١ - قال بعض المفسرين: أعد الله لهم جنات.. الآية. تفسير لكلمة (الخيرات) إذ هي لفظ مبهم. وقيل: إن المراد بالخيرات هنا الحور العين بدليل الآية الكريمة: فيهن خيرات حسان، أخرجه القرطبي في تفسيره عن الحسن. وقيل: المراد بها الغنائم من الأموال والذراري، ولكن ابن عطية اختار أقرب الأقوال ارتباطا باللغة..
٢ - ذلك أنهم كانوا يتساهمون على الميسر فكلما خرج قدح رجل قيل: قد فاز فوزا..

### الآية 9:90

> ﻿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:90]

وقوله تعالى : وجاء المعذرون من الأعراب  الآية، اختلف المتألون في هؤلاء الذى جاءوا هل كانوا مؤمنين أو كافرين، فقال ابن عباس وقوم معه منهم مجاهد : كانوا مؤمنين وكانت أعذارهم صادقة، وقرأ **«وجاء المعْذرون »** بسكون العين، وهي قراءة الضحاك وحميد الأعرج وأبي صالح وعيسى بن هلال. وقرأ بعض قائلي هذه المقالة ****«المعذّرون »**** بشد الذال، قالوا وأصله المتعذرون فقلبت التاء ذالاً وأدغمت. 
ويحتمل المعتذرون في هذا القول معنيين أحدهما المتعذرون بأعذار حق والآخر أن يكون الذين قد بلغوا عذرهم من الاجتهاد في طلب الغزو معك فلم يقدروا فيكون مثل قول لبيد :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* \*\*\* ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر[(١)](#foonote-١)
وقال قتادة وفرقة معه : بل الذين جاءوا كفرة وقولهم وعذرهم كذب، وكل هذه الفرقة قرأ ****«المعذّرون »**** بشد الذال، فمنهم من قال أصله المتعذرون نقلت حركة التاء إلى العين وأدغمت التاء في الذال، والمعنى معتذرون بكذب، ومنهم من قال هو من التعذير أي الذين يعذرون الغزو ويدفعون في وجه الشرع، فالآية إلى آخرها في هذا القول إنما وصفت صنفاً واحداً في الكفر ينقسم إلى أعرابي وحضري، وعلى القول الأول وصفت صنفين : مؤمناً وكافراً، قال أبو حاتم : وقال بعضهم سألت مسلمة فقال **«المعّذّرون »** بشد العين والذال، قال أبو حاتم : أراد المعتذرين والتاء لا تدغم في العين لبعد المخارج وهي غلط عنه أو عليه، قال أبو عمرو : وقرأ سعيد بن جبير **«المعتذرون »** بزيادة تاء، وقرأ الحسن بخلاف عنه وأبو عمرو ونافع والناس **«كذَبوا »** بتخفيف الذال، وقرأ الحسن وهو المشهور عنه وأبي بن كعب ونوح وإسماعيل **«كذّبوا »** بتشديد الذال، والمعنى لم يصدقوه تعالى ولا رسوله وردوا عليه أمره، ثم توعد في آخر الآية الكافرين ب  عذاب أليم ، فيحتمل أن يريد في الدنيا بالقتل والأسر. 
ويحتمل أن يريد في الآخرة بالنار، وقوله : منهم  يريد أن المعذرين كانوا مؤمنين ويرجحه بعض الترجيح فتأمله[(٢)](#foonote-٢)، وضعف الطبري قول من قال إن المعذرين من التعذير وأنحى عليه والقول منصوص ووجهه بين والله المعين، وقال ابن إسحاق **«المعذرون »** نفر من بني غفار منهم خفاف بن إيماء بن رحضة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا يقتضي أنهم مؤمنون.

١ -هذا عجز البيت، وهو بتمامه:
 إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
 أي فعل ما في طاقته واستحق أن يقبل عذره، ولبيد في البيت يطلب إلى ابنتيه أن يبكيا عليه عاما واحدا، وبهذا يقبل عذرهما في عدم البكاء وبعده..
٢ - يميل أكثر المفسرين إلى أن المعتذرين كانوا مؤمنين، وهو رأي ابن عباس رضي الله عنهما، لأن التقسيم يقتضي ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم؟ فلو كان الجميع كفارا لم يكن لوصف الذين قعدوا بالكذب اختصاص، وكان التركيب الصحيح: "سيصيبهم عذاب أليم"..

### الآية 9:91

> ﻿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:91]

يقول تعالى ليس على أهل الأعذار الصحيحة من ضعف أبدان أو مرض أو زمانة أو عدم نفقة إثم، و **«الحرج »** الإثم[(١)](#foonote-١)، وقوله : إذا نصحوا  يريد بنياتهم وأقوالهم سراً وجهراً، وقرأ حيوة **«نصحوا الله ورسوله »** بغير لام وبنصب الهاء المكتوبة[(٢)](#foonote-٢)، وقوله تعالى : ما على المحسنين من سبيل  الآية، في لائمة تناط بهم أو تذنيب أو عقوبة، ثم أكد الرجاء بقوله  والله غفور رحيم  وقرأ ابن عباس **«والله لأهل الإساءة غفور رحيم »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا على جهة التفسير أشبه منه على جهة التلاوة لخلافه المصحف، واختلف فيمن المراد بقوله : الذين لا يجدون ما ينفقون ، فقالت فرقة : نزلت في بني مقرن. 
قال القاضي أبو محمد : وبنو مقرن ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الصحابة ستة إخوة غيرهم، وقيل كانوا سبعة[(٣)](#foonote-٣)، وقيل نزلت في عبد الله بن مغفل المزني، قاله ابن عباس.

١ - هذه الآية أصل في سقوط التكليف عن العاجز، فكل من عجز عن شيء سقط عنه، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال، وسقوط التكليف يكون إلى بدل هو فعل تارة، أو غرم تارة أخرى، ونظيرها قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقوله تبارك وتعالى: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج. ومثل هذه الآيات ما رواه البخاري، والإمام أحمد، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وغيرهم- عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة تبوك فأشرف على المدينة قال: (لقد تركتم بالمدينة رجالا ما سرتم في مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم فيه): قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: (حبسهم العذر)، فلا حرج على من حبسه العذر، وفضل الله كبير، ورحمته وسعت كل شيء..
٢ -يريد لفظ الجلالة..
٣ - في (القاموس) –مادة قرن- "عبد الله- وعبد الرحمن، وعقيل، ومعقل، والنعمان، وسويد، وسنان أولاد مقرن "كمحدث صحابيون"..

### الآية 9:92

> ﻿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [9:92]

وقوله تعالى : ولا على الذين إذا ما أتوك  الآية، اختلف فيمن نزلت هذه الآية فقيل نزلت في عرباض بن سارية، وقيل نزلت في عبد الله بن مغفل، وقيل في عائذ بن عمرو، وقيل في أبي موسى الأشعري ورهطه، وقيل في بني مقرن، وعلى هذا جمهور المفسرين، وقيل نزلت في سبعة نفر من بطون شتى، فهم البكاؤون وهم سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف، وحرمي بن عمرو من بني واقف، وأبو ليلى عبد الرحمن من بني مازن بن النجار، وسليمان بن صخر من بني المعلى، وأبو ُرَعْيلة عبد الرحمن بن زيد من بني حارثة وهو الذي تصدق بعرضه فقبل الله منه، وعمرو بن غنمة من بني سلمة، وعائد بن عمرو المزني، وقيل عبد الله بن عمرو المزني قال هذا كله محمد بن كعب القرظي، وقال مجاهد : البكاؤون هم بنو مكدر من مزينة. 
ومعنى قوله : لتحملهم  أي على ظهر يركب ويحمل عليه الأثاث، وقال بعض الناس : إنما استحملوه النعال، ذكره النقاش عن الحسن بن صالح، وهذا بعيد شاذ، والعامل في  إذا  يحتمل أن يكون  قلت ، ويكون قوله  تولوا  مقطوعاً. 
ويحتمل أن يكون العامل  تولوا  ويكون تقدير الكلام فقلت، أو يكون قوله  قلت لا أجد ما أحملكم عليه  بمنزلة وجدوك في هذه المحال. 
وفي الكلام اختصار وإيجاز ولا يدل ظاهر الكلام على ما اختصر منه، وقال الجرجاني في النظم له إن قوله  قلت  في حكم المعطوف تقديره وقلت، و  حزناً  نصب على المصدر، وقرأ معقل بن هارون **«لنحملهم »** بنون الجماعة.

### الآية 9:93

> ﻿۞ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [9:93]

قوله في هذه الآية  إنما  ليس بحصر وإنما هي للمبالغة فيما يريد تقريره عل نحو ذلك إنما الشجاع عنترة، ويقضي بذلك انَّا نجد السبيل في الشرع على غير هذه الفرقة موجوداً، و  السبيل  قد توصل ب  على  و  إلى  فتقول لا سبيل على فلان ولا سبيل إلى فلان[(١)](#foonote-١) غير أن وصولها ب  على  يقتضي أحياناً ضعف[(٢)](#foonote-٢) المتوصل إليه وقلة منعته، فلذلك حسنت في هذه الآية، وليس ذلك في إلى، ألا ترى أنك تقول فلان لا سبيل إلى الأمر ولا إلى طاعة الله ولا يحسن في شبه هذا على، و  السبيل  في هذه الآية سبيل المعاقبة، وهذه الآية نزلت في المنافقين المتقدم ذكرهم عبد الله بن أبيّ والجد بن قيس ومعتب وغيرهم، وقد تقدم نظير تفسير الآية.

١ - ومن شواهد وصولها بإلى في الشعر البيت المشهور الذي سمعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان له خبر طريف مع نصر بن حجاج:
 هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر بن حجاج؟.
٢ - في بعض النسخ: (ضعة) بدلا من (ضعف)..

### الآية 9:94

> ﻿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:94]

قوله : يعتذرون إليكم  الآية، هذه المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وشرك معه المسلمون في بعض لأن المنافقين كانوا يعتذرون أيضاً إلى المؤمنين ولأن أنباء الله أيضاً تحصل للمؤمنين وقوله : رجعتم  يريد من غزوة تبوك، وقوله : لن نؤمن لكم [(١)](#foonote-١) معناه لن نصدقكم، ولكن لفظة  نؤمن  تتصل بلام أحياناً كما تقدم في قوله  يؤمن للمؤمنين [(٢)](#foonote-٢)، و ****«نبأ »**** في هذه الآية قيل هي بمعنى عرف لا تحتاج إلى أكثر من مفعولين، فالضمير مفعول أول، وقوله  من أخباركم  مفعول ثان على مذهب أبي الحسن في زيادة  من  في الواجب، فالتقدير قد نبأنا الله أخباركم، وهو على مذهب سيبويه نعت لمحذوف هو المفعول الثاني تقديره قد نبأنا الله جلية من أخباركم، وقيل ****«نبأ »**** بمعنى أعلم يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، فالضمير واحد و  من أخباركم  ثان حسب ما تقدم من القولين، والثالث محذوف يدل الكلام عليه، تقديره قد نبأنا الله من أخباركم كذباً أو نحوه. 
وحذف هذا المفعول مع الدلالة عليه جائز بخلاف الاقتصار، وذلك أن الاقتصار إنما يجوز إما على المفعول الأول ويسقط الاثنان إذ هما الابتداء والخبر، وإما على الاثنين الأخيرين ويسقط الأول، وإما أن يقتصر على المفعولين الأولين ويسقط الثالث دون دلالة عليه، فذلك لا يجوز، ويجوز حذفه مع الدلالة عليه والإشارة بقوله : قد نبأنا الله  إلى قوله  ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة [(٣)](#foonote-٣) ونحو هذا، وقوله  وسيرى الله  توعد معناه وسيراه في حال وجوده ويقع الجزاء منه عليه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وقوله  ثم تردون إلى عالم الغيب  يريد البعث من القبور، و  الغيب  والشهادة يعمان جميع الأشياء وقوله : فينبئكم  معناه التخويف ممن لا تخفى عليه خافية.

١ - قوله تعالى: لن نؤمن لكم علة للنهي عن الاعتذار، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به، فإذا علم أنه مكذب في اعتذاره كفّ عنه. قاله في "البحر المحيط"، وأشار إليه في "فتح القدير"..
٢ - من الآية (٦١) من هذه السورة (براءة)..
٣ - من الآية (٤٧) من هذه السورة، ومعنى كلامه أن الإشارة في الآية هنا ترجع إلى الآية السابقة وهي رقم (٤٧)..

### الآية 9:95

> ﻿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:95]

قيل إن هذه الآية من أول ما نزل في شأن المنافقين في غزوة تبوك وذلك أن بعض المنافقين اعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واستأذنوه في القعود قبل مسيره فأذن لهم فخرجوا من عنده وقال أحدهم والله ما هو إلا شحمة لأول آكل، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل فيهم القرآن، فانصرف رجل من القوم فقال للمنافقين في مجلس منهم : والله لقد نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فيكم قرآن، فقالوا له وما ذلك ؟ فقال لا أحفظ إلا أني سمعت وصفكم فيه بالرجس، فقال لهم مخشي : والله لوددت أن أجلد مائة جلدة ولا أكون معكم، فخرج حتى لحق برسول الله صلى اله عليه وسلم، فقال له ما جاء بك ؟ فقال : وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسفعه الريح وأنا في الكنّ، فروي أنه ممن تاب وقوله : فأعرضوا عنهم  أمرنا بانتهارهم وعقوبتهم بالإعراض والوصم بالنفاق. 
وهذا مع إجمال لا مع تعيين مصرح من الله ولا من رسوله، بل كان لكل واحد منهم ميدان المغالطة مبسوطاً، وقوله  رجس  أي نتن وقذر، وناهيك بهذا الوصف محطة دنياوية، ثم عطف بمحطة الآخرة فقال  ومأواهم جهنم  أي مسكنهم، ثم جعل ذلك جزاء بتكسبهم المعاصي والكفر مع أن ذلك مما قدره الله وقضاه لا رب غيره ولا معبود سواه، وأسند الطبري عن كعب بن مالك أنه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك جلس للناس فجاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى.

### الآية 9:96

> ﻿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [9:96]

وقوله  يحلفون لكم لترضوا عنهم ، هذه الآية والتي قبلها مخاطبة للمؤمنين مع الرسول، والمعنى يحلفون لكم مبطلين ومقصدهم أن ترضوا لا أنهم يفعلون ذلك لوجه الله ولا للبر، ولقوله  فإن ترضوا  إلى آخر الآية، شرط يتضمن النهي عن الرضى عنهم، وحكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة ونحوها، فإن المؤمن ينبغي أن يبغضه ولا يرضى عنه لسبب من أسباب الدنيا[(١)](#foonote-١).

١ - في الآية الأولى: سيحلفون بالله لكم الخ\*\*\* ذكر الله تعالى حلفهم لأجل الإعراض، ولهذا جاء الأمر بالإعراض نصا فأعرضوا عنهم لأن الإعراض من الأمور التي تظهر للناس، وفي الآية الثانية يحلفون لكم لترضوا عنهم ذكر سبحانه الحلف لأجل الرضى فأبرز النهي عن الرضى في صورة شرطية لأن الرضى من الأمور القلبية التي تخفى، وخرّج مخرج المتردد فيه وجٌعل جوابه انتفاء رضى الله عنهم فصار رضى المؤمنين عنهم أبعد شيئا في الوقوع، لأنه معلوم منهم أنهم لا يرضون عمّن لا يرضى الله عنهم..

### الآية 9:97

> ﻿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:97]

وقوله  الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله  الآية،  الأعراب  لفظة عامة ومعناها الخصوص فيمن استثناه الله عز وجل، وهذا معلوم بالوجود وكيف كان الأمر، وإنما انطلق عليهم هذا الوصف بحسب بعدهم عن الحواضر ومواضع العلم والأحكام والشرع، وهذه الآية إنما نزلت في منافقين كانوا في البوادي، ولا محالة أن خوفهم هناك أقل من خوف منافقي المدينة، فألسنتهم لذلك مطلقة ونفاقهم أنجم[(١)](#foonote-١)، وأسند الطبري أن زيد بن صوحان[(٢)](#foonote-٢) كان يحدث أصحابه بالعلم وعنده أعرابي وكان زيد قد أصيبت يده اليسرى يوم نهاوند[(٣)](#foonote-٣) فقال الأعرابي والله إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني وقال زيد : وما يريبك من يدي وهي الشمال ؟ فقال الأعرابي : والله ما أدري اليمين تقطعون أم الشمال ؟ فقال زيد صدق الله  الأعراب أشد كفارً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ،  و أجدر  معناه أحرى وأقمن، و **«الحدود »** هنا السنن والأحكام ومعالم الشريعة.

١ - الذي في كتب اللغة أن (العرب) جيل من الناس، والنسبة إليهم (عربي)، وهم أهل الأمصار، و(الأعراب) منهم: سكان البادية خاصة، وجمعه أعاريب كما جاء في الشعر الفصيح، والنسبة إلى (الأعراب) أعرابي لأنه لا واحد له من لفظه، وليس الأعراب جمعا للعرب كما كان الأنباط جمعا لنبط، وإنما العرب اسم جنس. وكلام ابن عطية يتفق مع هذا تماما..
٢ - زيد بن صُوحان بن حجر العبدي، من بني عبد القيس، من ربيعة، تابعي من أهل الكوفة، له رواية عن عمرو وعليّ، كان أحد الشجعان الرؤساء، وشهد وقائع الفتح فقطعت شماله يوم نهاوند، قاتل مع علي رضي الله عنه في يوم الجمل حتى قتل. (طبقات ابن سعد، والأعلام)..
٣ - قال في معجم البلدان: بفتح النون الأولى وتكسر، والواو مفتوحة ونون ساكنة ودال مهملة: مدينة عظيمة في قبلة همذان، وكان فتحها سنة ١٩هـ، ويقال سنة ٢٠هـ، وقيل سنة ٢١ هـ أيام عمر بن الخطاب، حدث أحد رجال الأدب أنه رأى بها فتى ساهما يشكو حاله ويقول:
 يا طول ليلي بنهاونــد مفكرا في البث والجد
 كأنني في خانها مصحف مستوحش في يد مرتد.

### الآية 9:98

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:98]

هذا نص في المنافقين منهم، ومعنى  يتخذ  في هذه الآيات أي يجعل مقصده ولا ينوي فيه غير ذلك، وأصل **«المغرم »** الديْن، ومنه تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغرم والمأثم، ولكن كثر استعمال المغرم فيما يؤديه الإنسان مما لا يلزمه بحق، وفي اللفظ معنى اللزوم، ومنه قوله تعالى : إن عذابها كان غراماً [(١)](#foonote-١) أي مكروهاً لازماً، و  الدوائر  المصائب التي لا مخلص للإنسان منها فهي تحيط به كما تحيط الدائرة، وقد يحتمل أن تشتق من دور الزمان، والمعنى ينتظر بكم ما تأتي به الأيام وتدور به، ثم قال على جهة الدعاء  عليهم دائرة السوء  وكل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء، لأن الله لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته ومن هذا،  ويل لكل همزة لمزة [(٢)](#foonote-٢) و ويل للمطففين [(٣)](#foonote-٣)، فهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى، وقرأ الجمهور من السبعة وغيرهم **«دائرة السَّوء »** بفتح السين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن واختلف عنه عاصم والأعمش بخلاف عنهما **«دائرة السُّوء »** بضم السين، واختلف عن ابن كثير[(٤)](#foonote-٤)، وقيل الفتح المصدر والضم الاسم، واختلف الناس فيهما وهو اختلاف يقرب بعضه من بعض والفتح في السين يقتضي وصف الدائرة بأنها سيئة، وقال أبو علي معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فإنما هي إضافة بيان وتأكيد كما قالوا شمس النهار ولحيا رأسه[(٥)](#foonote-٥). 
قال القاضي أبو محمد : ولا يقال رجل سَوء بفتح السين، هذا قول أكثرهم وقد حكي **«رجل سُوء »** بضم السين وقد قال الشاعر \[ الفرزدق \] :\[ الطويل \]
وكنت كذئبِ السَّوْءِ لما رأى دماً\*\*\* بصاحبه يوماً أحال على الدم[(٦)](#foonote-٦)
ولم يختلف القراء في فتح السين من قوله  ما كان أبوك امرأ سوء [(٧)](#foonote-٧)

١ - من الآية (٦٥) من سورة (الفرقان)..
٢ - الآية (١) من سورة (الهمزة)..
٣ - الآية (١) من سورة (المطففين)..
٤ - تأمل أنه قال في أول هذه العبارة: "قرأ ابن كثير" ولم يذكر عنه خلافا كما نص على ذلك بالنسبة لعاصم والأعمش وابن محيصن..
٥ - مثنى (لحي) بفتح اللام وسكون الحاء، قال في اللسان: "واللحي منبت اللحية من الإنسان وغيره وهما لحيان"..
٦ - البيت للفرزدق، وقد رواه في اللسان مادة -حول- "فكان كذئب السوء"، ورواه في مادة –سوأ- "وكنت كذئب السوء" والرواية فيه بفتح السين في الموضعين..
٧ - من الآية (٢٨) من سورة (مريم)..

### الآية 9:99

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:99]

وقوله تعالى : ومن الأعراب من يؤمن بالله  الآية، قال قتادة : هذه ثنية الله تعالى من الأعراب[(١)](#foonote-١)، و  يتخذ  في هذه الآية أيضاً هي بمعنى يجعله مقصداً، والمعنى ينوي بنفقته في سبيل الله القربة عند الله عز وجل واستغنام دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي دعائه لهم خير الآخرة في النجاة من النار وخير الدنيا في أرزاقهم ومنح الله لهم، ف  صلوات  على هذا عطف على  قربات ، ويحتمل أن يكون عطفاً على ما ينفق، أي ويتخذ بالأعمال الصالحة صلوات الرسول قربة، والأولى أبين، و  قربات  جمع قرْبة أو قرُبه بسكون الراء وضمها وهما لغتان و **«الصلاة »** في هذه الآية الدعاء إجماعاً. 
وقال بعض العلماء : الصلاة من الله رحمة ومن النبي والملائكة دعاء، ومن الناس عبادة، والضمير في قوله  إنها  يحتمل أن يعود على النفقة وهذا في انعطاف  الصلوات  على  القربات ، ويحتمل أن يعود على  الصلوات  وهذا في انعطافه على ما ينفق، وقرأ نافع **«قرُبة »** بضم الراء، واختلف عنه وعن عاصم والأعمش، وقرأ الباقون **«قرْبة »** بسكون الراء ولم يختلف  قربات ، ثم وعد تعالى بقوله  سيدخلهم الله في رحمته  الآية، وروي أن هذه الآية نزلت في بني مقرن من مزينة وقاله مجاهد، وأسند الطبري إلى عبد الرحمن بن مغفل بن مقرن أنه قال : كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا  ومن الأعراب من يؤمن بالله  إلى آخر الآية. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله عشرة ولد مقرن يريد الستة أولاد مقرن لصلبة أو السبعة على ما في الاستيعاب من قول سويد بن مقرن، وبنيهم لأن هذا هو الذي في مشهور دواوين أهل العلم.

١ - ثنية –على وزن هدية- بمعنى الاستثناء، روي عن كعب أنه قال: "الشهداء ثنية الله في الأرض" يعني من استثناه من الصعقة الأولى..

### الآية 9:100

> ﻿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:100]

قال أبو موسى الأشعري وابن المسيب وابن سيرين وقتادة  السابقون الأولون  من صلى القبلتين، وقال عطاء  السابقون الأولون  من شهد بدراً. 
قال القاضي أبو محمد : وحولت القبلة قبل بدر بشهرين، وقال عامر بن شراحيل الشعبي[(١)](#foonote-١) : السابقون الأولون  من أدرك بيعة الرضون،  والذين اتبعوهم بإحسان  يريد سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظ التابعون وسائر الأمة لكن بشريطة الإحسان، وقد لزم هذا الاسم الطبقة التي رأت من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولو قال قائل إن السابقين الأولين هم جميع من هاجر إلى أن انقطعت الهجرة لكان قولاً يقتضيه اللفظ وتكون  من  لبيان الجنس، و  والذين  في هذه الآية عطف على قوله  والسابقون ، وقرأ عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن وقتادة وسلام وسعيد ويعقوب بن طلحة وعيسى الكوفي **«والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصارُ »** برفع الراء عطفاً على  والسابقون ، وكذلك ينعطف على كلتا القراءتين قوله تعالى : والذين اتبعوهم بإحسان  وجعل الأتباع عديلاً للأنصار، وأسند الطبري أن زيد بن ثابت سمعه فرده فبعث عمر في أبي بن كعب فسأله فقال أبي بن كعب  والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، فقال عمر ما كنا نرى إلا أنَّا قد رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد، فقال أبي إن مصداق هذا في كتاب الله في أول سورة الجمعة  وآخرين منهم لما يلحقوا بهم [(٢)](#foonote-٢) وفي سورة الحشر  والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان [(٣)](#foonote-٣) وفي سورة الأنفال في قوله  والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم [(٤)](#foonote-٤)، فرجع عمر إلى قول أبي، ونبهت هذه الآية من التابعين وهم الذين أدركوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نبه من ذكرهم قوله صلى الله عليه وسلم **«اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار »** فتأمله[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ ابن كثير **«من تحتها الأنهار »** وقرأ الباقون **«تحتها »** بإسقاط **«من »** ومعنى هذه الآية : الحكم بالرضى عنهم بإدخالهم الجنة وغفر ذنوبهم والحكم برضاهم عنه في شكرهم وحمدهم على نعمه وإيمانهم به وطاعتهم له جعلنا الله من الفائزين برحمته  ممن حولكم من الأعراب  الآية، مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم شرك في بعضها أمته.

١ -هو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري، أبو عمرو، راوية من التابعين، يضرب المثل بحفظه، ولد ونشأ ومات بالكوفة، وهو من رجال الحديث الثقات، وكان فقيها شاعرا، سئل عما بلغ إليه حفظه فقال: "ما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته". توفي سنة ١٠٣هـ. (راجع الوفيات، والتهذيب وتاريخ بغداد)..
٢ - الآية (٣) من سورة (الجمعة)..
٣ - الآية (١٠) من سورة (الحشر)..
٤ - الآية (٧٥) من سورة (الأنفال)..
٥ - هذا جزء من حديث طويل رواه البخاري وغيره، وقد سبق الاستشهاد به في الجزء الخامس من هذا الكتاب عند تفسير قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم....

### الآية 9:101

> ﻿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ [9:101]

والإشارة بقوله  وممن حولكم من الأعراب  هي إلى جهينة ومزينة وأسلم وغفار وعصية ولحيان وغيرهم من القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر الله عن منافقيهم، وتقدير الآية : ومن أهل المدينة قوم أو منافقون هذا أحسن ما حمل اللفظ، و  مردوا  قال أبو عبيدة : معناه مرنوا عليه ولجوا فيه، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وقال ابن زيد : أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب الآخرون. 
والظاهر من معنى اللفظ أن التمرد في الشيء أو التمرد في الشيء أو المرود عليه إنما هو اللجاج والاستهتار به والعتو على الزاجر وركوب الرأي في ذلك، وهو مستعمل في الشر لا في الخير، ومن ذلك قولهم شيطان مارد ومريد، ومن هذا سميت مراد لأنها تمردت، قال بعض الناس : يقال تمرد الرجل في أمر كذا إذا تجرد له، وهو من قولهم شجرة مرداء إذا لم يكن عليها ورق، ومنه  صرح ممرد [(١)](#foonote-١) ومنه قولهم : تمرد مارد وعز الأبلق[(٢)](#foonote-٢) ومنه الأمرد الذي لا لحية له، فمعنى  مردوا  في هذه الآية لجوا فيه واستهتروا به وعتوا على زاجرهم، ثم نفى عز وجل علم نبيه بهم على التعيين، وأسند الطبري عن قتادة في قوله  لا تعلمهم نحن نعلمهم  قال : فما بال أقوام يتكلفون علم الناس فلان في الجنة فلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري، أنت لعمري بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه الرسل، قال نبي الله نوح صلى الله عليه وسلم  وما علمي بما كانوا يعملون [(٣)](#foonote-٣) وقال نبي الله شعيب صلى الله عليه وسلم  بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ [(٤)](#foonote-٤) وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : لا تعلمهم نحن نعلمهم [(٥)](#foonote-٥). 
قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى : سنعذبهم مرتين ثم يردهم إلى عذاب عظيم  في مصحف أنس بن مالك **«سيعذبهم »** بالياء والكلام على القراءتين وعيد، واللفظ يقتضي ثلاثة مواطن من العذاب، ولا خلاف بين المتأولين أن ****«العذاب العظيم »**** الذي يردون إليه هو عذاب الآخرة، وأكثر الناس أن العذاب المتوسط هو عذاب القبر، واختلف في عذاب المرة الأولى فقال مجاهد وغيره : هو عذابهم بالقتل والجوع، وهذا بعيد لأن منهم من لم يصبه هذا، وقال ابن عباس أيضاً[(٦)](#foonote-٦) : عذابهم هو بإقامة حدود الشرع عليهم مع كراهيتهم فيه، وقال ابن إسحاق : عذابهم هو همهم بظهور الإسلام وعلو كلمته، وقال ابن عباس وهو الأشهر عنه : عذابهم هو فضيحتهم ووصمهم بالنفاق، وروي في هذا التأويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم جمعة فندد بالمنافقين وصرح وقال اخرج يا فلان من المسجد فإنك منافق واخرج أنت يا فلان واخرج أنت يا فلان حتى أخرج جماعة منهم، فرآهم عمر يخرجون من المسجد وهو مقبل إلى الجمعة فظن أن الناس انتشروا وأن الجمعة فاتته فاختبأ منهم حياء، ثم وصل إلى المسجد فرأى أن الصلاة لم تقض وفهم الأمر[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : وفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بهم على جهة التأديب اجتهاداً منه فيهم، ولم يسلخهم ذلك من الإسلام وإنما هو كما يخرج العصاة والمتهمون، ولا عذاب أعظم من هذا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يتكلم فيهم على الإجمال دون تعيين، فهذا أيضاً من العذاب، وقال قتادة وغيره : العذاب الأول هو علل وأدواء أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يصيبهم بها، وأسند الطبري في ذلك عن قتادة أنه قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلاً من المنافقين وقال **«ستة منهم تكفيكهم الدبيلة[(٨)](#foonote-٨) سراج من نار جهنم تأخذ في كتف أحدهم حتى تقضي إلى صدره، وستة يموتون موتاً »** ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات رجل ممن يظن أنه منهم نظر إلى حذيفة فإن صلى صلى عمر عليه وإلا ترك. 
وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال لحذيفة أنشدك بالله أمنهم أنا ؟ قال لا والله ولا أؤمن منها أحداً بعدك ؟ وقال ابن زيد في قوله تعالى : سنعذبهم مرتين  أما عذاب الدنيا فالأموال والأولاد، لكل صنف عذاب، فهو مرتان، وقرأ قول الله تعالى : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا [(٩)](#foonote-٩) وقال ابن زيد أيضاً **«المرتان »** هي[(١٠)](#foonote-١٠) في الدنيا، الأولى القتل والجوع والمصائب، والثانية الموت إذ هو للكفار عذاب، وقال الحسن : الأولى هي أخذ الزكاة من أموالهم، و ****«العذاب العظيم »**** هو جميع ما بعد الموت، وأظن الزجّاج أشار إليه.

١ - من قوله تعالى في الآية (٤٤) من سورة النمل: قال إنه صرح ممرد من قوارير..
٢ - مارد: حصن دومة الجندل، والأبلق: حصن للسمؤل بن عاديا، قيل: وصف بالأبلق لأنه بُني من حجارة مختلفة الألوان بأرض تيماء، وهما حصنان قصدتهما الزباء ملكة الجزيرة فلم تقدر عليهما فقالت: "تمرّد مارد وعزّ الأبلق"، فصار مثلا لكل ما يعزّ ويمتنع على طالبه. (اللسان- مجمع الأمثال للميداني- المستقصى للزمخشري)..
٣ - من الآية (١١٢) من سورة (الشعراء)..
٤ - الآية (٨٦) من سورة (هود)..
٥ - أخرجه عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله تعالى عنه- (الدر المنثور)..
٦ - قال (أيضا) نظرا للرأي الأساسي لابن عباس رضي الله عنهما وإن كان سيأتي ذكره بعد ذلك..
٧ -أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، وفي آخر هذه الرواية: (فلقي عمر رضي الله عنه رجلا كان بينه وبينه إخاء فقال ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فقال كذا وكذا، فقال عمر رضي الله عنه: أبعدك الله سائر اليوم). (الدر المنثور)..
٨ -الدّبيلة: الداهية (مصغرة للتكبير)، ويقال: دبلته الدّبيلة..
٩ - من الآية (٥٥) من سورة (التوبة)..
١٠ - هكذا في جميع النسخ التي بين يديّ.

### الآية 9:102

> ﻿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:102]

المعنى ومن هذه الطوائف  آخرون اعترفوا بذنوبهم ، واختلف في تأويل هذه الآية فقال ابن عباس فيما روي عنه وأبو عثمان : هي في الأعراب وهي عامة في الأمة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة، فهي آية ترج على هذا، وأسند الطبري هذا عن حجاج بن أبي زينب قال سمعت أبا عثمان[(١)](#foonote-١) يقول : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله  وآخرون اعترفوا بذنوبهم ، وقال قتادة بل نزلت هذه الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة، وذلك أنه كلمهم في النزول على حكم الله ورسوله فأشار هو لهم إلى حلقه يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا، فلما افتضح تاب وندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت، فمكث كذلك حتى عفا الله عنه ونزلت هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحله[(٢)](#foonote-٢)، وذكر هذا القول الطبري عن مجاهد، وذكره ابن إسحاق في كتاب السير أوعب وأتقن، وقالت فرقة عظيمة : بل نزلت هذه الآية في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك، فكان عملهم السيىء التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة، واختلفوا في ****«الصالح »**** فقال الطبري وغيره الاعتراف والتوبة والندم، وقالت فرقة بل ****«الصالح »**** غزوهم فيما سلف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف أهل هذه المقالة في عدد القوم الذين عنوا بهذه الآية، فقال ابن عباس : كانوا عشرة رهط ربط منهم أنفسهم سبعة، وبقي الثلاثة الذين خلفوا دون ربط المذكورون بعد هذا، وقال زيد بن أسلم[(٣)](#foonote-٣) كانوا ثمانية منهم كردم ومرداس وأبو قيس وأبو لبابة، وقال قتادة : كانوا سبعة، وقال ابن عباس أيضاً وفرقة : كانوا خمسة، وكلهم قال كان فيهم أبو لبابة، وذكر قتادة فيهم الجد بن قيس وهو فيما أعلم وهم لأن الجد لم يكن نزوله توبة، وأما قوله  وآخر  فهو بمعنى بآخر وهما متقاربان، و  عسى  من الله واجبة. 
وروي في خبر الذين ربطوا أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد فرآهم قال ما بال هؤلاء ؟ فقيل له : إنهم تابوا وأقسموا أن لا ينحلوا حتى يحلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعذرهم[(٤)](#foonote-٤)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«وأنا والله لا أحلهم ولا أعذرهم إلا أن يأمرني الله بذلك، فإنهم تخلفوا عني وتركوا جهاد الكفار مع المؤمنين »**[(٥)](#foonote-٥)

١ - هو أبو عثمان النهدي..
٢ - سبق الاستشهاد بهذا الحديث، وقد أخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي لبابة فاطلعوا إليه وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا لبابة، أتأمرنا أن ننزل؟ فأشار بيده إلى حلقه، "إنه الذبح"، فأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك؟ فلبث حينا حتى غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، وهي غزوة العسرة، فتخلف عنها أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها جاء أبو لبابة يسلم عليه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففزع أبو لبابة فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة سبعا من بين يوم وليلة في حر شديد لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرة، وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله علي، فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهر ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه بكرة وعشية، ثم تاب الله عليه، فنودي أن قد تاب الله عليك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقه عنه بيده، فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأنتقل إليك فأساكنك، وإني أختلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: ُيجزي عنك الثلث، فهجر أبو لبابة دار قومه، وساكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصدق بثلث ماله، ثم تاب فلم ير منه في الإسلام بعد ذلك إلا خير حتى فارق الدنيا (الدر المنثور).
 ويلاحظ أن قتادة يرى أن الآية نزلت في أبي لبابة وحده لتخلفه عن غزوة تبوك لا لموقفه من بني قريظة وإشارته لهم. كذلك يلاحظ أن جميع الأقوال تجعل أبا لبابة واحدا من الذين نزلت فيهم هذه الآية، وقد اعترض أبو حيان على رأي قتادة وقال: "ويبعد ذلك من لفظ (وآخرون) لأنه جمع"..
٣ - هو زيد بن أسلم العدوي العمري، مولاهم، فقيه مفسر، من أهل المدينة، كان مع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أيام خلافته، وكان ثقة، كثير الحديث، له حلقة في المسجد النبوي، وله كتاب في التفسير. (تهذيب التهذيب، تذكرة الحفاظ، الأعلام).
٤ - يقال: عذر فلانا فيما صنع: رفع عنه اللوم فيه. (المعجم الوسيط)، وفي (الصحاح): اعتذر رجل إلى إبراهيم النخعي فقال له: "قد عذرتك غير معتذر، إن المعاذير يشوبها الكذب"..
٥ - هذا جزء من حديث طويل أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي بقية الحديث قصة تقدمهم بأموالهم للرسول ليتصدق منها ورفض رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك إلا إذا أمره الله، وهو ما أشار إليه ابن عطية بعد ذلك..

### الآية 9:103

> ﻿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:103]

وقوله  خذ من أموالهم صدقة  الآية، روي أن أبا لبابة والجماعة التائبة التي ربطت أنفسها وهي المقصودة بقوله  خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً  جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تيب عليها فقالت يا رسول الله إنَّا نريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر من الله فتركهم حتى نزلت هذه الآية فهم المراد بها، فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالهم مراعاة لقوله تعالى : من أموالهم ، فهذا هو الذي تظاهرت به أقوال المتأولين، ابن عباس رضي الله عنه وغيره، وقالت جماعة من الفقهاء : المراد بهذه الزكاة المفروضة، فقوله على هذا  خذ من أموالهم  ضميره لجميع الناس، وهو عموم يراد به الخصوص إذ يخرج من الأموال الأنواع التي لا زكاة فيها كالثياب والرباع ونحوه، والضمير الذي في  أموالهم  أيضاً كذلك عموم يراد به خصوص، إذ يخرج منه العبيد وسواهم، وقوله  صدقة  مجمل يحتاج إلى تفسير[(١)](#foonote-١)، وهذا يقتضي أن الإمام يتولى أخذ الصدقات وينظر فيها، و  من  في هذه الآية للتبعيض، هذا أقوى وجوهها، وقوله  تطهرهم وتزكيهم بها  أحسن ما يحتمل أن تكون هذه الأفعال مسندة إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من الضمير في  خذ ، ويحتمل أن تكون من صفة ****«الصدقة »**** وهذا مترجح بحسب رفع الفعل ويكون قوله  بها  أي بنفسها أي يقع تطهيرهم من ذنوبهم بها، ويحتمل أن يكون حالاً من ****«الصدقة »****، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة، وحكى مكي أن يكون  تطهرهم  من صفة الصدقة، وقوله  وتزكيهم بها  حالاً من الضمير في  خذ . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا مردود لمكان واو العطف لأن ذلك يتقدر :**«خذ من أموالهم صدقة مطهرة ومزكياً بها »** وهذا فاسد المعنى، ولو لم يكن في الكلام واو العطف جاز[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«تطْهرهم »** بسكون الطاء، وقوله  وصل عليهم  معناه ادع فهم فإن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهذه عبارة عن صلاح المعتقد، وحكى مكي[(٣)](#foonote-٣) والنحاس[(٤)](#foonote-٤) وغيرهما أنه قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله  ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً  \[ التوبة : ٨٤ \]. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وهم بعيد وذلك أن تلك في المنافقين الذين لهم حكم الكافرين، وهذه في التائبين من التخلف الذين لهم حكم المؤمنين فلا تناسخ بين الآيتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ونافع وابن عامر **«إن صلواتك »** بالجمع، وكذلك في هود وفي المؤمنين[(٥)](#foonote-٥) وقرأ حفص عن عاصم وحمزة والكسائي **«ان صلاتك »** بالإفراد، وكذلك قرأ حمزة والكسائي في ( هود ) وفي ( المؤمنين )، وقرأ عاصم في المؤمنين وحدها جمعاً، ولم يختلفوا في سورة الأنعام وسأل سائل[(٦)](#foonote-٦)، وهو مصدر أفردته فرقو وجمعته فرقة، وقوله  سميع  لدعائك  عليم  أي بمن يهدي ويتوب عليه وغير ذلك مما تقتضيه هاتان الصفتان وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية فعل ما أمر به من الدعاء والاستغفار لهم، قال ابن عباس  سكن لهم  رحمه لهم، وقال قتادة  سكن لهم  أي وقار لهم. قال القاضي أبو محمد : وإنما معناه أن من يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم فإنه تطيب نفسه ويقوى رجاؤه، ويروى أنه قد صحت وسيلته إلى الله تعالى وهذا بين.

١ - قال صاحب "البحر المحيط" تعليقا على ذلك: "وإطلاق ابن عطية عليه أنه مجمل فيحتاج إلى تفسير ليس بجيّد" ورأيه أن لفظ "صدقة" مطلق لا مجمل، ولهذا يصدق بأدنى شيء. "البحر ٥-٩٥". وكذلك يقول القرطبي: "وهو مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ والمأخوذ منه، ولا يتبين مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه، وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع"..
٢ - حاول أبو حيان في البحر أن يجد تخريجا لهذا الاعتراض فقال: "ويصحّ على تقدير مبتدأ محذوف والواو للحال، أي: وأنت تزكيهم"، لكنه عاد فاعترف بأنه تخريج ضعيف لقلة نظيره في كلام العرب. وقال الزجاج: "والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: فإنك تطهرهم وتزكيهم بها، على القطع والاستئناف"..
٣ - اسمه مكي بن أبي طالب حموش بن محمد الأندلسي القيسي، مقرئ، عالم بالتفسير والعربية، من أهل القيروان، من أهم كتبه: "مشكل إعراب القرآن" و"الكشف عن وجوه القراءات وعملها"، و"الهداية إلى بلوغ النهاية" في معاني القرآن، و"التبصرة في القراءات السبع" (خ) و"الإيضاح" في الناسخ والمنسوخ، و"الرعاية" لتجويده القراءة وغيرها. توفي بقرطبة سنة (٤٣٧هـ). (الأعلام)..
٤ - هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحاس، مفسر أديب، مولده ووفاته بمصر (٣٣٨هـ)، كان من نظراء نفطوية وابن الأنباري، صنف "تفسير القرآن"، و"إعراب القرآن" (خ)، و"ناسخ القرآن ومنسوخه"، و"معاني القرآن". (الأعلام)..
٥ - أما في (هود) ففي قوله تعالى في الآية (٨٧): قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، وأما في سورة (المؤمنون) ففي قوله تعالى في الآية (٢): الذين هم في صلاتهم خاشعون..
٦ - أما في (الأنعام) ففي قوله تعالى في الآية (٩٢): وهم على صلاتهم يحافظون وأما في (سأل سائل) وهي (المعارج) ففي قوله تعالى في الآية (٢٣): الذين هم على صلاتهم دائمون، وأجمعوا على الإفراد فيهما لأن الكلمة مكتوبة به في السواد، قاله الإمام ابن خالويه..

### الآية 9:104

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:104]

قرأ جمهور الناس **«ألم يعلموا »** على ذكر الغائب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف عنه ****«ألم تعلموا »**** على معنى قل لهم يا محمد ****«ألم تعلموا »****، وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب بالتاء من فوق، والضمير في  يعلموا  قال ابن زيد : يراد به الذين لم يتوبوا من المتخلفين، وذلك أنهم لما ِتيب على بعضهم قال الغير ما هذه الخاصة التي خص بها هؤلاء ؟ فنزلت هذه الآية، ويحتمل أن يكون الضمير في  يعلموا  يراد به الذين تابوا وربطوا أنفسهم، وقوله هو تأكيد لانفراد الله بهذه الأمور وتحقيق لذلك، لأنه لو قال إن الله يقبل التوبة لاحتمل، ذلك أن يكون قبوله رسوله قبولاً منه فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك، وقوله  ويأخذ الصدقات  معناه يأمر بها ويشرعها كما تقول أخذ السلطان من الناس كذا إذا حملهم على أدائه. 
وقال الزجّاج : معناه ويقبل الصدقات، وقد وردت أحاديث في أخذ الله صدقة عبيده، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله بن أبي قتادة المحاربي عن ابن مسعود عنه :**«إن العبد إذا تصدق بصدقة وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل »**[(١)](#foonote-١)، ومنها قوله الذي رواه أبو هريرة :**«إن الصدقة تكون قدر اللقمة يأخذها الله بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل »**[(٢)](#foonote-٢)، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارة عن القبول والتحفي بصدقة العبد، فقد يحتمل أن تخرج لفظة  ويأخذ  على هذا، ويتعلق بهذه الآية القول في قبول التوبة، وتلخيص ذلك أن قبول التوبة من الكفر يقطع به عن الله عز وجل إجماعاً، وهذه نازلة هذه الآية، وهذه الفرقة التائبة من النفاق تائبة من كفر، وأما قبول التوبة من المعاصي فيقطع بأن الله تعالى يقبل من طائفة من الأمة توبتهم، واختلف هل تقبل توبة الجميع، وأما إذا عين إنسان تائب فيرجى قبول توبته ولا يقطع بها على الله، وأما إذا فرضنا تائباً غير معين صحيح التوبة فهل يقطع على الله بقبول توبته أم لا، فاختلف فقالت فرقة فيها الفقهاء والمحدثون - وهو كان مذهب أبي رضي الله عنه[(٣)](#foonote-٣) - يقطع على الله بقبول توبته لأنه تعالى أخبر بذلك عن نفسه، وعلى هذا يلزم أن تقبل توبة جميع التائبين، وذهب أبو المعالي وغيره من الأئمة إلى أن ذلك لا يقطع به على الله تعالى بل يقوى فيه الرجاء، ومن حجتهم أن الإنسان إذا قال في الجملة إني لا أغفر لمن ظلمني ثم جاء من قد سبه وآذاه فله تعقب حقه، وبالغفران لقوم يصدق وعده ولا يلزمه الغفران لكل ظالم. 
قال القاضي أبو محمد : ونحو هذا من القول، والقول الأول أرجح والله الموفق للصواب، وقوله تعالى  عن عباده  هي بمعنى **«من »** وكثيراً ما يتوصل في موضع واحد بهذه وهذه، تقول لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى، وفعل فلان ذلك من أشره وبطره وعن أشره وبطره[(٤)](#foonote-٤)، وقوله تعالى  ألم يعلموا  تقرير، والمعنى حق لهم أن يعلموا.

١ - أخرجه عبد الرزاق، والحكيم، والترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم: والطبراني عن ابن مسعود بلفظ (ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت..) وفي آخره: ثم قرأ: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده (الدر المنثور)..
٢ - أخرجه عبد الرزاق عن أبي هريرة، وأخرج مثل ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي هريرة. (الدر المنثور)..
٣ - كان ابن عطية يعتز برأي والده دائما، ووالده هو الإمام الحافظ أبو بكر غالب ابن عطية، فقيه، ومحدث، وزاهد، أخذ عن أعلام الأندلس، ورحل إلى المشرق سنة ٤٦٩هـ وأخذ عن علمائه، وهذا العالم الفقيه هو الأستاذ الأول لابن عطية رحمه الله..
٤ - قيل: كلمة (من) وكلمة (عن) متقاربتان إلا أن (عن) تفيد البعد، فإذا قيل: "جلس عن يمين الأمير" أفاد أنه جلس في ذلك الجانب ولكن مع ضرب من البعد، ولهذا فإنها تفيد هنا أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه بعيد عن قبول الله توبته بسبب ذلك الذنب فيحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه وأبعده عن حضرته، فلفظه (عن) كالتنبيه على أنه لابد من حصول هذا المعنى للتائب، ومن المعروف أن (عن) للمجاوزة، وأن (من) لابتداء الغاية..

### الآية 9:105

> ﻿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:105]

وقوله  وقل اعملوا  الآية، صيغة أمر مضمنها الوعيد، وقال الطبري : المراد بها الذين اعتذروا من المتخلفين وتابوا. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن المراد بها الذين اعتذورا ولم يتوبوا وهم المتوعدون وهم الذين في ضمير قوله  ألم يعلموا  إلا على الاحتمال الثاني من أن الآيات كلها في  الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً  \[ التوبة : ٨٤ \]، ومعنى  فسيرى الله  أي موجوداً معوضاً للجزاء عليه بخير أو شر، وأما الرسول والمؤمنون فرؤيتهم رؤية حقيقة لا تجوز، وقال ابن المبارك رؤية المؤمنين هي شهادتهم على المرء بعد موته وهي ثناؤهم عند الجنائز، وقال الحسن ما معناه : إنهم حذروا من فراسة المؤمن التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم **«اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله »**[(١)](#foonote-١)، وقوله تعالى  وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون  يريد البعث من القبور، و  الغيب والشهادة  معناه ما غاب وما شوهد، وهي حالتان تعم كل شيء[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  فينبئكم  عبارة عن حضور الأعمال وإظهارها للجزاء عليها وهذا وعيد.

١ - أخرجه البخاري في التاريخ، والترمذي عن أبي سعيد، وأخرجه الطبراني في الكبير، وابن عدي في الكامل عن أبي أمامة، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما..
٢ - هكذا في جميع النسخ التي بين يدي، ويلاحظ أن الضمائر كلها للمفرد، وكان الصحيح أن يقول: (معناهما)، وكذلك (هما حالتان تعمّان)، وهذه الظاهرة تكررت كثيرا في أسلوب ابن عطية وأشرنا إليها في كل موضع..

### الآية 9:106

> ﻿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:106]

قوله  وآخرون  عطف على قوله أولاً  وآخرون  \[ التوبة : ٨٤ \]، وقرأ نافع والأعرج وابن نصاح وأبو جعفر وطلحة والحسن وأهل الحجاز **«مرجون »** من أرجى دون همز، وقرأ أبو عمرو وعاصم وأهل البصرة **«مرجؤون »** من أرجأ يرجىء بالهمز، واختلف عن عاصم، وهما لغتان، ومعناهما التأخير ومنه المرجئة لأنهم أخروا الأعمال أي أخروا حكمها ومرتبتها، وأنكر المبرد ترك الهمز في معنى التأخير وليس كما قال، والمراد بهذه الآية فيما قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وابن إسحاق الثلاثة الذين خلفوا وهم هلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري وكعب بن مالك، ونزلت هذه الآية قبل التوبة عليهم، وقيل إنها نزلت في غيرهم من المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنائهم مسجد الضرار، وعلى هذا يكون الذين اتخذوا بإسقاط واو العطف بدلاً من  آخرون ، أو خبر ابتداء تقديره هم الذين، فالآية على هذا فيها ترج لهم واستدعاء إلى الإيمان والتوبة، و عليم  معناه بمن يهدي إلى الرشد، و حكيم  فيما ينفذه من تنعيم من شاء وتعذيب من شاء لا رب غيره ولا معبود سواه.

### الآية 9:107

> ﻿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:107]

وقرأ عاصم وعوام القراء والناس في كل قطر إلا بالمدينة **«والذين اتخذوا »**، وقرأ أهل المدينة نافع وأبو جعفر وشيبة وغيرهم **«الذين اتخذوا »** بإسقاط الواو، وكذلك في مصحفهم، قاله أبو حاتم، وقال الزهراوي : وهي قراءة ابن عامر وهي في مصاحف أهل الشام بغير واو، فأما من قرأ بالواو فذلك عطف على قوله  وآخرون  أي ومنهم الذين اتخذوا، وأما من قرأ بإسقاطها فرفع  الذين  بالابتداء. 
واختلف في الخبر فقيل الخبر  لا تقم فيه أبداً  \[ التوبة : ١٠٨ \] قاله الكسائي، ويتجه بإضمار إما في أول الآية وإما في آخرها، بتقدير : لا تقم في مسجدهم، وقيل : الخبر لا يزال بنيانهم قاله النحاس وهذا أفصح، وقد ذكرت كون  الذين  بدلاً من،  آخرون ، آنفاً، وقال المهدوي : الخبر محذوف تقديره معذبون[(١)](#foonote-١) أو نحوه، وأما الجماعة المرادة ب  الذين اتخذوا ، فهم منافقو بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف، وأسند الطبري عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره أنه قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنَّا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنَّا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما أقبل ونزل بذي أوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي، فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه، فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه بنار في سعف[(٢)](#foonote-٢)، وذكر النقاش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث لهدمه وتحريقه عمار بن ياسر ووحشياً مولى المطعم بن عدي[(٣)](#foonote-٣)، وكان بانوه اثني عشر رجلاً، خذام بن خالد، ومن داره أخرج مسجد الشقاق[(٤)](#foonote-٤) وثعلبة بن حاطب[(٥)](#foonote-٥) ومتعب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر[(٦)](#foonote-٦) وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عمرو[(٧)](#foonote-٧) وابناه مجمع بن جارية وهو كان إمامهم، وحلف لعمر بن الخطاب في خلافته أنه لم يشعر بأمرهم وزيد بن جارية ونبتل بن الحارث، ويخرج وهو من بني ضبيعة[(٨)](#foonote-٨) وبجاد بن عثمان[(٩)](#foonote-٩) ووديعة بن ثابت ويخرج منهم هو الذي حلف لرسول الله صلى الله عليه وسلم **«ما أردت إلا الحسنى »** والتوسعة علينا وعلى من عجز أو ضعف عن المسير إلى مسجد قباء، وقرأ ابن أبي عبلة **«ما أردنا إلا الحسنى »**، والآية تقتضي شرح شيء من أمر هذه المساجد، فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وقت الهجرة بنى مسجداً في بني عمرو بن عوف وهو مسجد قباء، وقيل وجده مبنياً قبل وروده، وقيل وجده موضع صلاة فبناه وتشرف القوم بذلك، فحسدهم من حينئذ رجال من بني عمهم من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف، فكان فيهم نفاق، وكان موضع مسجد قباء مربطاً لحمار امرأة من الأنصار اسمها لية، فكان المنافقون يقولون والله لا نصبر على الصلاة في مربط حمار لية ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامر عبد عمرو المعروف بالراهب منهم، وكانت أمه من الروم فكان يتعبد في الجاهلية فسمي الراهب، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وكان سيداً نظيراً[(١٠)](#foonote-١٠) وقريباً من عبد الله بن أبي ابن سلول، فلما جاء الله بالاسلام نافق ولم يزل مجاهراً بذلك فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، ثم خرج في جماعة من المنافقين فحزب على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحزاب، فلما ردهم الله بغيظهم أقام أبو عامر بمكة مظهراً لعداوته، فلما فتح الله مكة هرب إلى الطائف. 
فلما أسلم أهل الطائف خرج هارباً إلى الشام يريد قيصر مستنصراً به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى قومه المنافقين منهم أن ابنوا مسجداً مقاومة لمسجد قباء وتحقيراً له، فإني سآتي بجيش من الروم أخرج به محمداً وأصحابه من المدينة فبنوه، وقالوا سيأتي أبو عامر ويصلي فيه ويتخذه متعبداً ويسر به، ثم إن أبا عامر هلك عند قيصر ونزل القرآن في أمر مسجد الضرار فذلك قوله  وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله  يعني أبا عامر وقولهم سيأتي أبو عامر، وقرأ الأعمش **«للذين حاربوا الله »** وقوله  ضراراً  أي داعية للتضار من جماعتين فلذلك قال  ضراراً  وهو في الأكثر مصدر ما يكون من اثنين وإن كان المصدر الملازم لذلك مفاعلة كما قال سيبويه[(١١)](#foonote-١١)، ونصب **«ضرار »** وما بعده على الصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون على المفعول من أجله، وقوله  بين المؤمنين  يريد بين الجماعة التي كانت تصلي في مسجد قباء فإن من جاوز مسجدهم كانوا يصرفونه إليه وذلك داعية إلى صرفه عن الإيمان، وقيل أراد بقوله  بين المؤمنين  جماعة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بحسب الخلاف في المسجد المؤسس على التقوى وسيأتي ذلك، قال النقاش يلزم من هذا أن لا يصلى في كنيسة ونحوها لأنها بنيت على شر من هذا كله وقد قيل في هذا لا تقم فيه أبداً. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تفقه غير قوي[(١٢)](#foonote-١٢)، و **«الإرصاد »** الإعداد والتهيئة، والذي حارب الله ورسوله هو أبو عامر الفاسق، وقوله  من قبل  يريد في غزوة الأحزاب وغيرها، والحالف المراد في قوله  ليحلفن  هو يخرج ومن حلف من أصحابه، وكسرت الألف من قوله  إنهم لكاذبون  لأن الشهادة في معنى القول، وأسند الطبري عن شقيق[(١٣)](#foonote-١٣) أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة[(١٤)](#foonote-١٤) فوجد الصلاة قد فاتته فقيل له إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد، فقال : لا أحب أن أصلي فيه فإنه بني على ضرار وكل مسجد بني ضراراً ورياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار، وروي أن مسجد الضرار لما هدم وأحرق اتخذ مزبلة ترمى فيه الأقذار والقمامات.

١ - وقال الزمخشري: الذين اتخذوا محله النصب على الاختصاص كقوله تعالى: والمقيمين الصلاة..
٢ - أخرجه ابن إسحاق، وابن مردويه عن أبي رهم بن كلثوم بن الحصين الغفاري، وكان من الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة، وأخرج مثله ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور)..
٣ - هو وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه..
٤ - خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف، وهو بالخاء والذال المعجمتين..
٥ - نقل القرطبي عن ابن عبد البر أنه قال: "وفيه نظر لأنه شهد بدرا"..
٦ - كتبت بالزاي في كل المراجع تقريبا ما عدا القرطبي فقد كتبت فيه بالذال..
٧ - في "القرطبي" و"الدر المنثور": جارية بن عامر، وفي "البحر المحيط" و"الألوسي": حارثة بن عامر..
٨ - في بعض النسخ جاء اسمه: (يخرج) بالياء والخاء والراء، وفي الدر المنثور: يخدج بالدال المهملة، ولكنا اخترنا ما يتفق مع ما في الطبري وسيرة ابن هشام، والبحر المحيط..
٩ - بالباء المفتوحة..
١٠ -النّظير: المثل والمساوي، فهو مساو لابن سلول في المكانة بين قومه، وفي أبي عامر الراهب هذا يقول كعب بن مالك:
 معاذ الله من فعل خبيـث كسعيك في العشيرة عبد عمرو
 وقلت بأن لي شرفا وذكرا فقد تابعت إيمانا بكفـــــر.
١١ - قال بعض العلماء: الضرر: الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة- والضرار: الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة..
١٢ - قال القرطبي: "لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر بالغير، وإن كان أصل بنائها على شر، وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واتخذ اليهود البيعة موضعا للعبادة بزعمهم كالمسجد لنا فاقترفا، وقد أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته صحيحة، وذكر البخاري أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل"..
١٣ - عرف بهذا اثنان: شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي، أبو علي، زاهد صوفي من مشاهير المشايخ في خراسان، من أول من تكلم في علوم الصوفية، وكان من كبار المجاهدين، استشهد سنة ١٩٤هـ. وشقيق بن ثور بن عفير السدوسي البصري، من أشراف العرب في العصر الأموي، شهد صفين مع علي، وقدم على معاوية في خلافته، وهو من التابعين، ومن الثقات عند رجال الحديث، وتوفي سنة ٦٤هـ. ونرجح أن المراد هو الثاني لأن الأول عاش ومات في خراسان، والحادثة المروية هنا تتعلق ببني غاضرة وهم من العرب..
١٤ - في الصحاح: غاضرة: قبيلة من بني أسد، وحي من بني صعصة، وبطن من ثقيف، وفي القاموس: وهم بنو غاضرة بن بغيض بن ثابت بن غطفان بن سعد..

### الآية 9:108

> ﻿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [9:108]

روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت  لا تقم فيه أبداً  كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، وهذا النهي إنما هو لأن البانين لمسجد الضرار قد كانوا خادعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : بنينا مسجداً للضرورات والسيل الحائل بيننا وبين قومنا فنريد أن تصلي لنا فهو وتدعو بالبركة، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشي معهم إلى ذلك، واستدعى قميصه لينهض فنزلت الآية  لا تقم فيه أبداً  وقوله : لمسجد  قيل إن اللام لام قسم، وقيل هي لام الابتداء كما تقول : لزيد أحسن الناس فعلاً، وهي مقتضية تأكيداً، وقال ابن عباس وفرقة من الصحابة والتابعين : المراد **«بالمسجد الذي أسس على التقوى »** هو مسجد قباء. 
وروي عن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ويليق القول الأول بالقصة، إلا أن القول الثاني روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نظر مع الحديث، وأسند الطبري في ذلك عن أبي سعيد الخدري أنه قال : اختلف رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف فقال الخدري : هو مسجد الرسول وقال الآخر : هو مسجد قباء فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال : هو مسجدي هذا، وفي الآخر خير كثير[(١)](#foonote-١) إلى كثير من الآثار في هذا عن أبي بن كعب وسهل بن سعد. 
قال القاضي أبو محمد : ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في بقعته نخل وقبور مشركين ومربد[(٢)](#foonote-٢) ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة، وبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، الأولى بالسميط[(٣)](#foonote-٣) وهي لبنة أمام لبنة، والثانية بالصعيدة[(٤)](#foonote-٤)، وهي لبنة ونصف في عرض الحائط، والثالثة بالأنثى والذكر، وهي لبنتان تعرض عليهما لبنتان، وكان في طوله سبعون ذراعاً وكان عمده النخل، وكان عريشاً يكف المطر، وعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيانه ورفعه فقال : لا بل يكون عريشاً كعريش أخي موسى كان إذا قام ضرب رأسه في سقفه. 
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل فيه اللبن على صدره، ويقال إن أول من وضع في أساسه حجراً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وضع أبو بكر حجراً، ثم وضع عمر حجراً، ثم وضع عثمان حجراً، ثم رمى الناس بالحجارة فتفاءل بذلك بعض الصحابة في أنها الخلافة فصدق فأله، قوله : من أول يوم  قيل معناه منذ أول يوم، وقيل معناه من تأسيس أول يوم، وإنما دعا إلى هذا الاختلاف أن من أصول النحويين أن ********«من »******** لا ُتَجُّر بها الأزمان، وإنما ُتَجُّر الأزمان بمنذ، تقول ما رأيته منذ يومين أو سنة أو يوم، ولا تقول من شهر ولا من سنة ولا من يوم، فإذا وقعت ********«من »******** من الكلام وهي تلي زمناً[(٥)](#foonote-٥) فيقدر مضمر يليق أن تجره ********«من »******** كقول الشاعر :\[ زهير بن أبي سلمى \]
لمن الديار كقنة الحجر\*\*\* أقوين من حجج ومن دهر[(٦)](#foonote-٦)
ومن شهر رواية، فقدروه من مر حجج ومن مر دهر، ولما كان **«أول يوم »** يوماً وهو اسم زمان احتاجوا فيه إلى تقدير من تأسيس[(٧)](#foonote-٧)، ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير وأن تكون ********«من »******** تجر لفظة **«أول »** لأنها بمعنى البدأة كأنه قال من مبتدأ الأيام، وهي هاهنا تقوم المر في البيت المتقدم، وهي كما تقول جئت من قبلك ومن بعدك وأنت لا تدل بهاتين اللفظتين إلا على الزمن، وقد حكي لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو، ومعنى  أن تقوم فيه  أي بصلاتك وعبادتك، وقرأ جمهور الناس **«أن تقوم فيهِ فيهِ رجال »** بكسر الهاء، وقرأ عبد الله بن زيد **«أن تقوم فيه فيهُ »** بضم الهاء الثانية على الأصل ويحسنه تجنب تكرار لفظ واحد، وقال قتادة وغيره : الضمير عائد على مسجد الرسول، و **«الرجال »** جماعة الأنصار. 
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم :**«يا معشر الأنصار إني رأيت الله أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون ؟ »** فقالوا : يا رسول الله إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء. 
قال القاضي أبو محمد : يريد الاستنجاء بالماء، ففعلنا نحن ذلك فلما جاء الإسلام لم ندعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«فلا تدعوه أبداً »**[(٨)](#foonote-٨)، وقال عبد الله بن سلا م[(٩)](#foonote-٩) وغيره ما معناه : إن الضمير عائد على مسجد قباء والمراد بنو عمرو بن عوف. 
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قال المقالة المتقدمة لبني عمرو بن عوف والأول أكثر واختلف أهل العلم في الأفضل بين الاستنجاء بالماء أو بالحجارة فقيل هذا وقيل هذا، ورأت فرقة من أهل العلم الجمع بينهما فينقي بالحجارة ثم يتبع بالماء، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض علماء القيروان كانوا يتخذون في متوضياتهم أحجاراً في تراب ينقون بها، ثم يستنجون بالماء أخذاً بهذا القول. 
قال القاضي أبو محمد : وإنما يتصور الخلاف في البلاد التي يمكن فيها أن تنقي الحجارة، وابن حبيب لا يجيز الاستنجاء بالحجارة حيث يوجد الماء، وهو قول شذ فيه، وقرأ جمهور الناس **«يتطهروا »** وقرأ طلحة بن مصرف والأعمش **«يطهروا »** بالإدغام، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه :**«المتطهرين »** بالتاء، وأسند الطبري عن عطاء أنه قال : أحدث قوم من أهل قباء الاستنجاء بالماء فنزلت الآية فيهم.

١ - أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري. (الدر المنثور، وفيض القدير)..
٢ - المربد: موقف الإبل ومحبسها، وبه سمى مربد البصرة، كان سوقا للإبل، وكان الشعراء يجتمعون فيه..
٣ - السميط: بفتح السين المشددة وكسر الميم، وقد تشدد السين مع الضم وتشدد الميم مع الفتح هو: الآجر القائم بعضه فوق بعض، وقد يسمى المسموط، والسمط. (المعجم الوسيط)..
٤ - طريقة ثانية في البناء يكون عرض الجدار فيها مساويا للبنة ونصف لبنة، أما الطريقة الأولى فيكون عرض الجدار فيها لبنة واحدة، وقد وضح ذلك ابن عطية، أما الطريقة الثالثة فهي قائمة على وضع لبنتين ثم فوقهما لبنتان أخريان بالعرض..
٥ - هكذا في جميع النسخ التي بين يدي، والمفروض أن تكون العبارة: "فإذا وقعت (من) في الكلام يليها زمن"..
٦ - البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو مطلع قصيدة يمدح بها هرم بن سنان، والقُنّة: قمة الشيء أو ما أشرف منه على الأرض، والحجر: منازل ثمود عند وادي القرى بناحية الشام، وأقوين: أقفرن وخلون، والحجج: السنون..
٧ - يعني: "من تأسيس أول"..
٨ -هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده (٣- ٤٢٢) عن عويم بن ساعدة الأنصاري، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: (إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء)\*\*\*الخ..
٩ - هو عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، أبو يوسف، صحابي، قيل إنه من نسل يوسف بن يعقوب عليهما السلام، أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان اسمه "الحصين" فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وفيه نزلت الآية الكريمة وشهد شاهد من بني إسرائيل، والآية الكريمة: ومن عنده علم الكتاب، وقد شهد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح بيت المقدس والجابية، ولما كانت الفتنة بين علي رضي الله عنه ومعاوية اتخذ سيفا من خشب واعتزلها، وأقام بالمدينة إلى أن مات بها سنة ٤٣هـ، له (٢٥) حديثا. (تهذيب التهذيب- الأعلام).

### الآية 9:109

> ﻿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:109]

وروي أن رسول الله صلة الله عليه وسلم قال : منهم عويم بن ساعدة ولم يسم أحد منهم غير عويم، وقوله : أفمن أسس بنيانه  الآية استفهام بمعنى تقرير، وقرأ نافع وابن عامر وجماعة **«أَسس بنيانُه »** على بناء **«أسس »** للمفعول ورفع ******«بنيان »****** فيهما[(١)](#foonote-١)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وجماعة **«أسس بنيانَه »** على بناء الفعل للفاعل ونصب ******«بنيان »****** فيهما، وقرأ عمارة بن ضبا رواه يعقوب الأول على بناء الفعل للمفعول والثاني على بنائه للفاعل، والآية تتضمن معادلة بين شيئين، فإما بين البناءين وإما بين البانين، فالمعادلة الأولى هي بتقدير أبناء من أسس، وقرأ نصر بن علي ورويت عن نصر بن عاصم :**«أفمن أس بنيانه »** على إضافة ****«أس »**** إلى ******«بنيان »****** وقرأ نصر بن عاصم وأبو حيوة أيضاً **«أساس بنيانه »** وقرأ نصر بن عاصم أيضاً **«أُسُس بنيانه »** على وزن فُعُل بضم الفاء والعين وهو جمع أساس كقذال وقذل حكى ذلك أبو الفتح[(٢)](#foonote-٢)، وذكر أبو حاتم أن هذه القراءة لنصر إنما هي **«أَسَسُ »** بهمزة مفتوحة وسين مفتوحة وسين مضمومة، وعلى الحكايتين فالإضافة إلى البنيان، وقرأ نصر بن علي أيضاً **«أساس »** على جمع ****«أس »****[(٣)](#foonote-٣) و **«البنيان »** يقال بنى يبني بناء وبنياناً كالغفران فسمي به المبنى مثل الخلق إذا أردت به المخلوق، وقيل هو جمع واحدة بنيانة، وأنشد في ذلك أبو علي :\[ الطويل \]
كبنيانة القاري موضع رجلها\*\*\* وآثار نسعيها من الدق أبلق[(٤)](#foonote-٤)
وقرأ الجمهور  على تقوى  وقرأ عيسى بن عمر **«على تقوًى »** بتنوين الواو حكى هذه القراءة سيبويه وردها الناس، قال أبو الفتح : قياسها أن تكون الألف للإلحاق كأرطى ونحوه[(٥)](#foonote-٥)، وأما المراد بالبنيان الذي أسس على التقوى والرضوان فهو في ظاهر اللفظ وقول الجمهور المسجد المذكور قبل ويطرد فيه الخلاف المتقدم، وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال : المراد بالمسجد المؤسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بأنه أسس على تقوى من الله،  ورضوان خير  هو مسجد قباء، وأما البنيان الذي أسس  على شفا جرف هار  فهو مسجد الضرار بإجماع. 
و **«الشفا »** الحاشية والشفير[(٦)](#foonote-٦) و **«الجرف »** حول البئر ونحوه مما جرفته السيول والندوة والبلى[(٧)](#foonote-٧). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وجماعة **«جُرُف »** بضم الراء، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وجماعة **«جرْف »** بسكون الراء، واختلف عن عاصم. وهما لغتان، وقيل الأصل ضم الراء وتخفيفها بعد ذلك مستعمل و  هار  : معناه متهدم منهال، وهو من هار يهور، ويقال هار يهير ويهير، وأصله هاير أو هاور، فقيل قلبت راؤه قبل حرف العلة فجاء هارو أو هاري فصنع به ما صنع بقاض وغاز، وعلى هذا يقال في حال النصب هارياً، ومثله في يوم راح أصله رايح، ومثله شاكي السلاح أصله شايك، ومثله قول العجاج :\[ الوافر \]
لاث به الأشاء والعبري[(٨)](#foonote-٨)\*\*\*
أصله لايث. 
ومثله قول الشاعر \[ الأجدع الهمداني \] :\[ الكامل \]
خَفَضُوا أسنتَهمْ فكلٌّ ناع[(٩)](#foonote-٩)\*\*\*
**على أحد الوجهين :**
فإنه يحتمل أنه من نعى ينعي والمراد أنهم يقولون يا ثارات فلان، ويحتمل أن يريد فكلهم نايع أي عاطش كما قال عامر بن شييم[(١٠)](#foonote-١٠)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\*. . والأسل النياعا[(١١)](#foonote-١١)
وقيل في  هار  إن حرف علته حذف حذفاً فعلى هذا يجري بوجوه الإعراب، فتقول : جرف هار ورأيت جرفاً هاراً، ومررت بجرف هار. 
واختلف القراء في إمالة  هار  و  انهار ، وتأسيس البناء على تقوى إنما هو بحسن النية فيه وقصد وجه الله تعالى وإظهار شرعه، كما صنع بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفي مسجد قباء. 
والتأسيس  على جرف هار  إنما هو بفساد النية وقصد الرياء والتفريق بين المؤمنين، فهذه تشبيهات صحيحة بارعة، و  خير  في هذه الآية تفضيل ولا شركة بين الأمرين في خير إلا على معتقد يأتي مسجد الضرار، فبحسب ذلك المعتقد صح التفضيل، وقوله  فانهار به في نار جهنم  الظاهر منه وما صح من خبرهم وهدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجدهم أنه خارج مخرج المثل، أي مثل هؤلاء المضارين من المنافقين في قصدهم معصية الله وحصولهم من ذلك على سخطه كمن ينهار بنيانه في نار جهنم، ثم اقتضب الكلام اقتضاباً يدل عليه ظاهره، وقيل بل ذلك حقيقة وإن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم، قاله قتادة وابن جريج[(١٢)](#foonote-١٢). 
وروي عن جابر بن عبد الله وغيره أنه قال : رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وروي في بعض الكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة ففزع لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وروي أنهم لم يصلوا فيه أكثر من ثلاثة أيام أكملوه يوم الجمعة وصلوا فيه يوم الجمعة وليلة السبت وانهار يوم الاثنين. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله بإسناد لين، وما قدمناه أصوب وأصح، وكذلك بقي أمره والصلاة فيه من قبل سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك إلى أن يقبل صلى الله عليه وسلم. 
وقوله  والله لا يهدي القوم الظالمين  : طعن على هؤلاء المنافقين وإشارة إليهم، والمعنى لا يهديهم من حيث هم الظالمون، أو يكون المراد الخصوص فيمن يوافي على ظلمه، وأسند الطبري عن خلف بن ياسين أنه قال : رأيت مسجد المنافقين الذين ذكر الله في القرآن، فرأيت فيه مكاناً يخرج منه الدخان، وذلك في زمن أبي جعفر المنصور. 
وروي شبيه بهذا أو نحوه عن ابن جريج أسنده الطبري.

١ - أي في قوله: أفمن أسس بنيانه وقوله: أم من أسس بنيانه..
٢ - روى أبو الفتح هذه القراءات الثلاث عن نصر بن عاصم ونصر بن علي في كتاب المحتسب (ج١-٣٠٣- القاهرة- تحقيق علي النجدي)، ويتفق كلام ابن عطية مع ما في المحتسب في قراءتين: أساس بنيانه بفتح الألف وألف بين السنين، وأس بنيانه برفع الألف وبالسين المشددة وبخفض النون في بنيانه- أما القراءة الثالثة فقد ضبطها ابن عطية هنا: أسس بنيانه على وزن فعل بضم الفاء والعين. وقال: وهو جمع أساس كقذال وقُذال، ولكن محقق المحتسب ضبطها: أسس بنيانه وقال على وزن فعل. وضبط الفاء والعين بالفتح. وهو ما نقله ابن عطية عن أبي حاتم بعد ذلك.
 ونصر بن عاصم هو: نصر بن عاصم الليثي، (ويقال: الدؤلي) البصري النحوي، تابعي، سمع من مالك بن الحويرث وغيره، وعرض القرآن على أبي الأسود، وروى القراءة عنه عرضا أبو عمرو، وعبد الله بن إسحاق الحضرمي، وتوفي قبل سنة مائة. (طبقات القراء لابن الجزري).
 أما نصر بن علي فهو نصر بن علي أبو حفص الحضيضي، روى الحروف عن حفص بن سليمان عن عاصم. (طبقات القراء لابن الجزري)..
٣ - على مثال: خفّ وأخفاف وقفل وأقفال، ولكن الكثير إساس مثل خفاف، قال الشاعر:
 أصبح الملك ثابت الإساس في البهاليل من بني العباس
 هذا وجمع الأساس أسس مثل قذال وقذل..
٤ - الشاهد في البيت أن (بنيانه) واحدة (بنيان)، والقاري: ساكن القرية، كما أن البادي: ساكن البادية، والنّسع: المفصل بين الكف والساعد، والدّفّ: من قولهم: دفّ الطائر أي ضرب بجناحيه، أو حرّك جناحيه ورجلاه في الأرض، وفي الحديث: (كل ما دفّ ولا تأكل ما صف). والبلق: سواد وبياض في الشيء، يقال: بلق فهو أبلق، والجمع: بلق. والبيت غير منسوب..
٥ - معنى أن الألف للإلحاق أنها ليست للتأنيث وذلك مثل أرطى كما قال، ومثل تترى، وكذلك علقى في قول العجاج:
 \* يستنّ في علقى وفي مكور\*
 والعلقى والمكور: ضربان من الشجر، ويستنّ: يرعى: فالعجاج يصف ثورا يرعى في ضروب من الشجر..
٦ - الكلمات الثلاث معناها واحد وهو: الحرف والطرف..
٧ - الجرف: ما أكل السيل من أسفل شق الوادي، وجمعه أجراف وجروف وجرفة، فإن لم يكن من شقه فهو شط وشاطئ، وجرف الوادي ونحوه من أسناد المسايل إذا نخر الماء في أصله فاحتفره فصار كالدحل وأشرف أعلاه، ولعل هذا يفسر لنا معنى إضافة "الندوة والبلى" إلى "السيول" في كلام ابن عطية..
٨ - الأشاء: النخل، والعبري: السدر الذي على شاطئ الأنهار، ومعنى "لاث به". مطيف به..
٩ - هذا عجز بيت للأجدع بن مالك كما قال في اللسان، والبيت بتمامه:
 خيلان من قومي ومن أعدائهم خفضوا أسنتهم وكل ناع
 = والاحتمال الثاني هنا قاله يعقوب وأنشد البيت عليه بلفظ: "وكل ناعي"، قال: "أراد نايع أي عطشان إلى دم صاحبه". أما الاحتمال الأول فقد قاله الأصمعي، قال: "هو على وجهه، إنما هو فاعل من نعيت، وذلك أنهم يقولون: يالثارات فلان:
 ولقد نعيتك يوم حرم صوائق بمعابل زرق وأبيض مخذم
 أي: طلبت دمك فلم أزل أضرب القوم وأطعنهم وأنعاك وأبكيك حتى شفيت نفسي وأخذت بثأري"..
١٠ - في بعض الأصول كتب عمرو بن شييم، وفي بعضها كتب عامر. وصحة اسمه كما أثبتناه: عمير بن شيم بن عمرو بن عباد بن بكر التغلبي، عدّه ابن سلام في الطبقة الثانية من الإسلاميين، وكان يكثر من الأمثال في شعره، توفي عام ١٠١هـ (معجم الشعراء-طبقات فحول الشعراء- المؤتلف والمختلف- مقدمة ديوانه)..
١١ -هذا جزء من بيت، رواه في اللسان منسوبا إلى القطامي (عمير بن شييم)، والبيت بتمامه:
 لعمر بني شهاب ما أقاموا صدور الخيل والأسل النّياعا
 ثم قال: "يعني الرماح العطاش إلى الدماء، والأسل: أطراف الأسنة"، ثم عاد فقل: قال ابن بري: البيت لدريد بن الصمة". وهذا يوافق ما في "الصحاح"..
١٢ - قال الزمخشري: "لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل قيل: فانهار به في نار جهنم على معنى: فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو الجرف، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها"..

### الآية 9:110

> ﻿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:110]

الضمير في  بنيانهم  عائد على المنافقين البانين للمسجد ومن شاركهم في غرضهم، وقوله  الذي بنوا  تأكيد وتصريح بأمر المسجد ورفع للإشكال، و ****«الريبة »**** الشك، وقد يسمى ريبة فساد المعتقد واضطرابه والاعتراض في الشيء والتحفظ فيه والحزازة من أجله وإن لم يكن شكاً، فقد يرتاب من لا يشك، ولكنها في معتاد اللغة تجري مع الشك، ومعنى ****«الريبة »**** في هذه الآية أمر يعم الغيظ والحنق ويعم اعتقاد صواب فعلهم ونحو هذا مما يؤدي كله إلى الريبة في الإسلام، فمقصد الكلام لا يزال هذا البنيان الذي هدم لهم يبقى في قلوبهم حزازة وأثر سوء، وبالشك فسر ابن عباس الريبة هنا، وفسرها السدي بالكفر، وقيل له أفكفر مجمع بن جارية ؟ قال : لا ولكنها حزازة. 
قال القاضي أبو محمد : ومجمع رحمه الله قد أقسم لعمر أنه ما علم باطن القوم ولا قصد سوءاً، والآية إنما عنت من أبطن سوءاً فليس مجمع منهم، ويحتمل أن يكون المعنى لا يزالون مريبين بسبب بنائهم الذي اتضح فيه نفاقهم، وجملة هذا أن الريبة في الآية تعم معاني كثيرة يأخذ كل منافق منها بحسب قدره من النفاق، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي **«إلا أن تُقطع قلوبهم »** بضم التاء وبناء الفعل للمفعول، وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم بخلاف عن **«إلا أن تَقطع »** بفتح التاء على أنها فاعلة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب :****«إلى أن تقطع »**** على معنى إلى أن يموتوا، وقرأ بعضهم :****«إلى أن تقطع »**** وقرأ أبو حيوة **«إلا أن يُقطِع »** بالياء مضمومة وكسر الطاء ونصب **«القلوبَ »** أي بالقتل، وأما على القراءة الأولى فقيل بالموت قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، وقيل، بالتوبة وليس هذا بالظاهر إلا أن يتأول : أو يتوبوا توبة نصوحاً يكون معها من الندم والحسرة على الذنب ما يقطع القلوب هماً وفكرة، وفي مصحف ابن مسعود **«ولو قطعت قلوبهم »**، وكذلك قرأها أصحابه وحكاها أبو عمرو **«وان قطَعت »** بتخفيف الطاء، وفي مصحف أبيّ **«حتى الممات »** وفيه **«حتى تقطع »**.

### الآية 9:111

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:111]

وقوله  إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  الآية، هذه الآية نزلت في البيعة الثالثة وهي بيعة العقبة الكبرى، وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين وكان أصغرهم سناً عقبة بن عمرو، وذلك أنهم اجتمعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة فقالوا : اشترط لك ولربك، والمتكلم بذلك عبد الله بن رواحة، فاشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم حمايته مما يحمون منه أنفسهم، واشترط لربه التزام الشريعة وقتال الأحمر والأسود في الدفع عن الحوزة، فقالوا : ما لنا على ذلك ؟ قال الجنة، فقالوا : نعم ربح البيع لا نقيل ولا نقال، وفي بعض الروايات ولا نستقيل فنزلت الآية في ذلك. 
ثم الآية بعد ذلك عامة في كل من جاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، وقال بعض العلماء : ما من مسلم إلا ولله في عنقه هذه البيعة وفى بها أو لم يف، وفي الحديث أن فوق كل بر براً حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك[(١)](#foonote-١)، وهذا تمثيل من الله عز وجل جميل صنعه بالمبايعة، وذلك أن حقيقة المبايعة أن تقع بين نفسين بقصد منهما وتملك صحيح، وهذه القصة وهب الله عباده أنفسهم وأموالهم ثم أمرهم ببذلها في ذاته ووعدهم على ذلك ما هو خير منها، فهذا غاية التفضل، ثم شبه القصة بالمبايعة، وأسند الطبري عن كثير من أهل العلم أنهم قالوا : ثامن الله تعالى في هذه الآية عباده فأعلى لهم وقاله ابن عباس والحسن بن أبي الحسن، وقال ابن عيينة : معنى الآية اشترى منهم أنفسهم ألا يعملوها إلا في طاعة الله، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا في سبيل الله. 
قال القاضي أبو محمد : فالآية على هذا أعم من القتل في سبيل الله، ومبايعة الخلفاء هي منتزعة من هذه الآية، كان الناس يعطون الخلفاء طاعتهم ونصائحهم وجدهم ويعطيهم الخلفاء عدلهم ونظرهم والقيام بأمورهم، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه سمع الواعظ أبا الفضل بن الجوهري يقول على المنبر بمصر : ناهيك من صفقة البائع فيها رب العلى والثمن جنة المأوى والواسطة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقوله  يقاتلون في سبيل الله  مقطوع ومستأنف وذلك على تأويل سفيان بن عيينة، وأما على تأويل الجمهور من أن الشراء والبيع إنما هو مع المجاهدين فهو في موضع الحال، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو والحسن وقتادة وأبو رجاء وغيرهم :**«فيَقتلون »** على البناء للفاعل **«ويُقتلون »** على البناء للمفعول، وقرأ حمزة والكسائي والنخعي وابن وثاب وطلحة والأعمش بعكس ذلك، والمعنى واحد إذ الغرض أن المؤمنين يقاتلون فيوجد فيهم من يَقتل وفيهم من يُقتل وفيهم من يجتمعان له وفيهم من لا تقع له واحدة منهما، وليس الغرض أن يجتمع ولا بد لكل واحد واحد، وإذا اعتبر هذا بان[(٢)](#foonote-٢)، وقوله سبحانه  وعداً عليه حقاً  مصدر مؤكد لأن ما تقدم من الآية هو في معنى الوعد فجاء هو مؤكداً لما تقدم من قوله : بأن لهم الجنة ، وقال المفسرون : يظهر من قوله : في التوراة والإنجيل والقرآن ، أن كل أمة أمرت بالجهاد ووعدت عليه. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن ميعاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم تقدم ذكره في هذه الكتب، وقوله  ومن أوفى بعهده من الله  استفهام على جهة التقرير أي لا أحد أوفى بعهده من الله، وقوله  فاستبشروا  فعل جاء فيه استفعل بمعنى أفعل وليس هذا من معنى طلب الشيء، كما تقول : استوقد ناراً واستهدى مالاً واستدعى نصراً بل هو كعجب واستعجب[(٣)](#foonote-٣)، ثم وصف تعالى ذلك البيع بأنه  الفوز العظيم ، أي أنه الحصول على الحظ الأغبط من حط الذنوب ودخول الجنة بلا حساب[(٤)](#foonote-٤).

١ - قال القرطبي: رواه الحسن، ثم أنشد البيت المشهور:
 الجود بالمال جود فيه مكرمة والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
٢ - قال الزمخشري: \[يقاتلون\] فيه معنى الأمر، لقوله تعالى: تجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم..
٣ - قوله تعالى: فاستبشروا خطاب من الله تبارك وتعالى بعد ضمائر الغائب على سبيل الالتفات، لأن في مواجهته تعالى لهم بالخطاب تشريف لهم، وهذه هي حكمة الالتفات هنا..
٤ - قال الحسن: "والله ما في الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة"، فما أعظم هذا الفوز حقا!.

### الآية 9:112

> ﻿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [9:112]

هذه الأوصاف هي من صفات المؤمنين الذين ذكر الله أنه اشترى منهم أنفسهم، وارتفعت هذه الصفات لما جاءت مقطوعة في ابتداء آية على معنى :**«هم التائبون »**، ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها الله تعالى ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى رتبة والآية الأولى مستقلة بنفسها يقع تحت تلك المبايعة كل موحد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات التي هي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها وقالت فرقة : بل هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط، والآيتان مرتبطتان فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنين الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في سبيل الله، وأسند الطبري في ذلك عن الضحاك بن مزاحم أن رجلاً سأله عن قول الله عز وجل : إن الله اشترى  \[ التوبة : ١١ \] وقال الرجل ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل، فقال الضحاك : ويلك أين الشرط  التائبون العابدون  الآية، وهذا القول تحريج وتضييق والله أعلم، والأول أصوب، والشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد، وقد روي أن الله تعالى يحمل عن الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه ختم الله لنا بالحسنى، وقالت فرقة : إن رفع **«التائبين »** إنما هو على الابتداء وما بعده صفة، ألا قوله  الآمرون  فإنه خبر الابتداء كأنه قال **«هم الآمرون »** وهذا حسن إلا أن معنى الآية ينفصل من معنى التي قبلها وذلك قلق فتأمله، وفي مصحف عبد الله بن مسعود **«التائبين العابدين »** إلى آخرها، ولذلك وجهان أحدهما : الصفة للمؤمنين على اتباع اللفظ والآخر النصب على المدح، و  التائبون  لفظ يعم الرجوع من الشر إلى الخير كان ذلك من كفر أو معصية والرجوع من حالة إلى ما هي أحسن منها، وإن لم تكن الأولى شراً بل خيراً، وهكذا توبة النبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره سبعين مرة في اليوم، والتائب هو المقلع عن الذنب العازم على التمادي على الإقلاع النادم على ما سلف، والتائب عن ذنب يسمى تائباً وإن قام على غيره إلا أن يكون من نوعه فليس بتائب والتوبة ونقضها دائباً خير من الإصرار، ومن تاب ثم نقض ووافى على النقض فإن ذنوبه الأولى تبقى عليه لأن توبته منها علم الله أنها منقوضة، ويحتمل الأمر غير ذلك والله أعلم. 
وقال الحسن في تفسير الآية : التائبون  معناه من الشرك، و  العابدون  لفظ يعم القيام بعبادة الله والتزام شرعه وملازمة ذلك والمثابرة عليه والدوام، والعابد هو المحسن الذي فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله، **«أن تعبد الله كأنك تراه »**[(١)](#foonote-١) الحديث، وبأدنى عبادة يؤديها المرء المسلم يقع عليه اسم عابد ويحصل في أدنى رتبته وعلى قدر زيادته في البادة يحصل الوصف، و  الحامدون  معناه : الذاكرون لله بأوصافه الحسنى في كل حال وعلى السراء والضراء وحمده لأنه أهل لذلك، وهو أعم من الشكر إذ الشكر إنما هو على النعم الخاصة بالشاكر، و  السائحون  معناه الصائمون، وروي عن عائشة أنها قالت : سياحة هذه الأمة الصيام، وأسند الطبري وروي أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم[(٢)](#foonote-٢)، وفي الحديث **«إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغوني صلاة أمتي عليَّ »**[(٣)](#foonote-٣) ويروى الحديث **«صياحين »** بالصاد من الصياح والسياحة في الأرض مأخوذ من السيح وهو الماء الجاري على الأرض إلى غير غاية، وقال بعض الناس وهو في كتاب النقاش : السائحون  هم الجائلون بأفكارهم في قدرة الله وملكوته، وهذا قول حسن وهي من أفضل العبادات، ومن ذلك قول معاذ بن جبل : اقعد بنا نؤمن ساعة، ويروى أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وجعل يفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ذلك فقال : أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل [(٤)](#foonote-٤) وفكرت كي أتلقى الغل وبقيت في ذلك ليلي أجمع، و  الراكعون الساجدون  هم المصلون الصلوات الخمس كذا قال أهل العلم، ولكن لا يختلف في أن من يكثر النوافل هو أدخل في الاسم وأغرق في الاتصاف، وقوله : الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر  هو أمر فرض على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجملة ثم يفترق الناس فيه مع التعيين، فأما ولاة الأمر والرؤساء فهو فرض عليهم في كل حال، وأما سائر الناس فهو فرض عليهم بشروط : منها أن لا تلحقه مضرة وأن يعلم أن قوله يسمع ويعمل به ونحو هذا ثم من تحمل بعد في ذات الله مشقة فهو أعظم أجراً، وأسند الطبري عن بعض العلماء أنه قال : حيثما ذكر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو الأمر بالإسلام والنهي عن الكفر. 
قال القاضي أبو محمد : ولا شك أنه يتناول هذا وهو أحرى، إذ يتناول ما دونه[(٥)](#foonote-٥) فتعميم اللفظ أولى، وأما هذه الواو التي في قوله  والناهون  ولم يتقدم في واحدة من الصفات قبل فقيل معناها الربط بين هاتين الصفتين وهي **«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر »** إذ هما من غير قبيل الصفات الأول. 
قال القاضي أبو محمد : لأن الأول فيما يخص المرء، وهاتان بينه وبين غيره[(٦)](#foonote-٦)، ووجب الربط بينهما لتلازمهما وتناسبهما، وقيل هي زائدة وهذا قول ضعيف لا معنى له، وقيل هي واو الثمانية لأن هذه الصفة جاءت ثامنة في الرتبة ومن هذا قوله في أبواب الجنة  وفتحت أبوابها [(٧)](#foonote-٧) وقوله  وثامنهم كلبهم [(٨)](#foonote-٨) ومن هذا قوله  ثيبات وأبكاراً [(٩)](#foonote-٩). 
قال القاضي أبو محمد : على أن هذه تعترض حتى لا يلزم أن يكون واو ثمانية، لأنها فرقت بين فصلين يعمان بمجموعهما جميع النساء، ولا يصح أن يكون[(١٠)](#foonote-١٠)  ثيبات أبكاراً  \[ التحريم : ٥ \]، فهي فاصلة ضرورة، وواو الثمانية قد ذكرها ابن خالويه، في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله  وفتحت أبوابها  \[ الزمر : ٧٣ \]، وأنكرها أبو علي، وحدثني أبي رضي الله عنه عن الأستاذ أبي عبد الله الكفيف المالقي وكان ممن استوطن غرناطة وقرأ فيها في مدة ابن حبوس أنه قال : هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدوا واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية تسعة عشرة، فهكذا هي لغتهم، ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو[(١١)](#foonote-١١)، وقوله  والحافظون لحدود لله  لفظ عام تحته إلزام الشريعة والانتهاء عما نهى الله في كل شيء وفي كل فن، وقوله  وبشر المؤمنين  قيل هو لفظ عام أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يبشر أمته جميعاً بالخير من الله، وقيل بل هذه الألفاظ خاصة لمن لم يغز أي لما تقدم في الآية وعد المجاهدين وفضلهم أمر أن يبشر سائر الناس ممن لم يغز بأن الإيمان مخلص من النار والحمد لله رب العالمين.

١ - هذا جزء من حديث طويل رواه البخاري في تفسير سورة لقمان وفي كتاب الإيمان، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، ورواه أبو داود في كتاب السنة، ورواه الترمذي في كتاب الإيمان، وابن ماجه في المقدمة، والإمام أحمد في مواضع كثيرة، وفيه أن جبريل عليه السلام سأل عن الإيمان، فأجاب، ثم سأله عن الإسلام فأجاب، ثم سأله عن الإحسان فقال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ثم سأله عن الساعة فأجاب بالحديث عن أشراطها، ثم قال في آخر الحديث: (هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم)..
٢ - الخبر المسند إلى عائشة رضي الله عنها أسنده الطبري، أما أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي عن أبي هريرة موقوفا كما قال الشوكاني. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ وابن مردويه، وابن النجار من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(السائحون هم الصائمون) (الدر المنثور)..
٣ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه-عن ابن مسعود رضي الله عنه، ورمز له الإمام السيوطي في الجامع الصغير بالصحة ولفظه كما رواه: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام). (الجامع الصغير)..
٤ - من الآية (٧١) من سورة (غافر).
٥ - جاء في بعض النسخ: "إذ يتناول ما دونه"، على معنى أن اللفظ يتناول ما دون الإسلام والكفر فأولى به أن يتناولها..
٦ - جاء ترتيب هذه الصفات في غاية من الحسن، إذ بدأ أولا بما يخص الإنسان مرتبة على ما سعى، ثم بما يتعدى الإنسان إلى غيره كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بما شمل ما يخصه في نفسه ويتعدى إلى غيره وهو الحفظ لحدود الله، ولما ذكر الله جميع الصفات أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشر المؤمنين، وفي الآية التي قبلها أمرهم سبحانه بالاستبشار فقال: فاستبشروا ببيعكم فحصلت لهم المزية التامة بأن الله أمرهم بالاستبشار وأمر رسوله أن يبشرهم.
 .
٧ - في الآية (٧٣) من سورة (الزمر)..
٨ - في الآية (٢) من سورة (الكهف)..
٩ - من الآية (٥) من سورة (التحريم)..
١٠ - أي: لا يصح أن يكون التعبير "ثيبات أبكارا" لأن هذا غير ممكن، وفي بعض النسخ: "لا يصح أن يكنّ" أي النساء..
١١ - يرى بعض النحويين أن الواو التي تدخل على العدد ثمانية أو على ثامن الأشياء المعدودة تسمى "واو الثمانية"، ومنهم ابن خالويه الذي ذكرها في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله تعالى في سورة الزمر: وفتحت أبوابها، وحكى الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أن قريشا كانت تقول: "ستة، سبعة، وثمانية" فتدخل الواو في الثمانية، وحكى نحوه القفال فقال: إن قوما قالوا: العدد ينتهي عند العرب إلى سبعة، فإذا احتيج إلى الزيادة عليها استؤنف خبر آخر بإدخال الواو، كقوله تعالى: التائبون العابدون\*\*\* ثم قال سبحانه: والناهون عن المنكر، وبدل على ذلك أنه سبحانه لما ذكر أبواب جهنم قال: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها بدون واو، ولما ذكر الجنة قال: وفتحت أبوابها بالواو، وأنه سبحانه قال في سورة التحريم: خيرا منكم مسلمات.. إلى أن قال: وأبكارا، فالسبعة نهاية العدد عندهم كالعشرة الآن عندنا، قال القشيري أبو نصر: ومثل هذا الكلام تحكم، ومن أين أن السبعة نهاية عندهم؟ ثم هو منقوض بقوله تبارك وتعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ولم يذكر الاسم الثامن بالواو، وإنما ذكرت الواو في هذه الآيات لعله خاصة في كل آية، وفي آيتنا هذه ذكر ابن عطية رحمه الله العلة وهي أنها أداة للربط بين صفتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهما تختلفان عن الصفات السابقة من حيث أنهما تتعلقان بصلة المرء بغيره، أما الصفات الأولى فتختص بالمرء نفسه، وذكر أبو حيان التوحيدي علة أخرى خلاصتها أن الصفات إذا تكررت للمدح أو الذم أو الترحم جاز فيها الإتباع للمنعوت والقطع في كلها أو بعضها، وإذا تباين ما بين الوصفين جاز العطف، ولما كان الأمر بالمعروف مباينا للنهي عن المنكر لأن الأول طلب فعل والثاني ترك فعل حسن العطف في قوله سبحانه: والناهون عن المنكر- هذا وسنذكر إن شاء الله علّة ذكر الواو في الآيات الأخرى في مواضعها إن شاء الله، أي في (الكهف)، (الزمر) و(التحريم)..

### الآية 9:113

> ﻿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [9:113]

وقوله تعالى  ما كان للنبي  الآية، يقتضي التأنيب ومنع الاستغفار للمشركين مع اليأس عن إيمانهم إما بموافاتهم على الكفر وموتهم، ومنه قول عمر بن الخطاب في العاصي بن وائل لا جزاه الله خيراً، وإما بنص من الله تعالى على أحد كأبي لهب وغيره فيمتنع الاستغفار له وهو حي، واختلف المفسرون في سبب هذه الآية فقال الجمهور ومداره على ابن المسيب وعمرة بن دينار، نزلت في شأن أبي طالب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه حين احتضر ووعظه وقال : أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله تعالى، وكان بالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أمية، فقالا له : يا أبا طالب أترغب عن ملك عبد المطلب، فقال أبو طالب : يا محمد والله لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك ثم قال : أنا على ملة عبد المطلب، ومات على ذلك، إذ لم يسمع منه النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله للعباس، فنزلت :
 إنك لا تهدي من أحببت [(١)](#foonote-١) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فكان يستغفر له حتى نزلت هذه الآية فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار لأبي طالب[(٢)](#foonote-٢)، وروي أن المؤمنين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهم، فلذلك دخلوا في التأنيب والنهي. 
والآية على هذا ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ أفعاله في حكم الشرع المستقر وقال فضيل بن عطية وغيره : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أتى قبر أمه فوقف عليه حتى سخنت عليه الشمس، وجعل يرغب في أن يؤذن له في الاستغفار لها، فلم يؤذن له فأخبر أصحابه أنه أذن له في زيارة قبرها، ومنع أن يستغفر لها، فما رئي باكياً أكثر من يومئذ، ونزلت الآية في ذلك[(٣)](#foonote-٣) وقالت فرقة : إنما نزلت بسبب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين : والله لأزيدن على السبعين[(٤)](#foonote-٤)، وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما : إنما نزلت بسبب جماعة من المؤمنين قالوا : نستغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه فنزلت الآية في ذلك[(٥)](#foonote-٥)، وعلى كل حال ففي ورود النهي عن الاستغفار للمشركين موضع اعتراض بقصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه، فنزل رفع ذلك الاعتراض في الآية التي بعدها، وقوله  من بعد ما تبين  يريد من بعد الموت على الكفر فحينئذ تبين أنهم أصحاب الجحيم أي سكانها وعمرتها، والاستغفار للمشرك الحي جائز إذ يرجى إسلامه ومن هذا قول أبي هريرة رضي الله عنه رحم الله رجلاً استغفر لأبي هريرة ولأمه، قيل له ولأبيه قال : لا، إن أبي مات كافراً، وقال عطاء بن أبي رباح : الآية في النهي عن الصلاة على المشركين، والاستغفار ها هنا يراد به الصلاة.

١ - من الآية (٥٦) من سورة (القصص)..
٢ - أخرجه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن سعيد ابن المسيب. (الدر المنثور)..
٣ -روى ابن جرير عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر فجلس إليه فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرا، فقلنا: يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت، قال: (إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي)، فما رؤي باكيا أكثر من يومئذ، وروى مثله ابن حاتم عن ابن مسعود، وكذلك روى الطبراني عن عكرمة عن ابن عباس مثله في حديث طويل جاء فيه أنه صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم فذهب فنزل على قبر أمه\*\*\*وفي آخر الحديث: (دعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربع، فرفع عنهم اثنتين وأبي أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وألا يلبسهم شيعا وألا يُذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبي أن يرفع عنهم القتل والهرج". (الدر المنثور، وتفسير ابن كثير)..
٤ - سبق الاستشهاد بهذا الحديث عند تفسير قوله تبارك وتعالى في الآية (٨٠) من هذه السورة: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم..
٥ - أخرج مثله ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن محمد بن كعب. (الدر المنثور)..

### الآية 9:114

> ﻿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [9:114]

المعنى لا حجة أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل لأبيه فإن ذلك لم يكن إلا عن موعدة، واختلف في ذلك فقيل عن موعدة من إبراهيم في أن يستغفر لأبيه وذلك قوله  سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً [(١)](#foonote-١)، وقيل عن موعدة من أبيه له في أنه سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه فحمله على الاستغفار له حتى نهي عنه، وقرأ طلحة :**«وما يستغفر إبراهيم وروي عنه »** وما استغفر إبراهيم «، و  موعدة  مفعلة من الوعد، وأما تبينه أنه عدو لله قيل ذلك بموت آزر على الكفر وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي. 
وقال سعيد بن جبير[(٢)](#foonote-٢) : ذلك كله يوم القيامة وذلك أن في الحديث أن إبراهيم يلقاه فيعرفه ويتذكر قوله : سأستغفر لك ربي  \[ مريم : ٤٧ \] فيقول له الزم حقوي[(٣)](#foonote-٣) فلن أدعك اليوم لشيء، فيلزمه حتى يأتي الصراط فيلتفت إليه فإذا هو قد مسخ ضبعاناً[(٤)](#foonote-٤) أمذر فيتبرأ منه حينئذ. 
قال القاضي أبو محمد : وربط أمر الاستغفار بالآخرة ضعيف، وقوله  إن إبراهيم لأواه حليم  ثناء من الله تعالى على إبراهيم، و » الأواه «قال ابن مسعود هو الدعّاء، وقيل هو الداعي بتضرع، وقيل هو الموقن قاله ابن عباس، وقيل هو الرحيم قاله ابن مسعود أيضاً، وقيل هو المؤمن التواب، وقيل هو المسبح وقيل هو الكثير الذكر لله عز وجل، وقيل هو التلاّء للقرآن، وقيل هو الذي يقول من خوفه لله عز وجل أبداً : أوه، ويكثر ذلك. 
وروي أن أبا ذر سمع رجلاً يكثر ذلك في طوافه فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :" دعه فإنه أواه " [(٥)](#foonote-٥). 
والتأوه : التفجع الذي يكثر حتى ينطق الإنسان معه، ب **«أوه »**، ويقال : أوه[(٦)](#foonote-٦) فمن الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال في بيع أو شراء أنكره عليه : أوه، ذلك الربا بعينه[(٧)](#foonote-٧) ومن الثاني قول الشاعر :\[ الطويل \]
فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها\*\*\* ومن بعد أرض بيننا وسماء[(٨)](#foonote-٨)
ومن هذا المعنى قول المثقب العبدي :\[ الوافر \]
إذا ما قمت أرحلُها بليلٍ\*\*\* تأوَّه آهة الرجل الحزين[(٩)](#foonote-٩)
ويروى آهة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم، » أوه لأفراخ محمد «، و  حليم  معناه صابر محتمل عظيم العقل، والحلم العقل[(١٠)](#foonote-١٠).

١ - من الآية (٤٧) من سورة (مريم)..
٢ - سعيد بن جبير الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو عبد الله، تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، وكان ابن عباس إذا أتاه أحد من الكوفة يستفتيه يقول: أتسألوني وفيكم ابن أم دهماء؟ يعني سعيدا رضي الله عنه، قتله الحجاج لأنه كان مع ابن الأشعث عند خروجه على عبد الملك ابن مروان، قال الإمام أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيدا وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه، وكان مقتله عام ٩٥هـ (وفيات الأعيان- وطبقات ابن سعد، وتهذيب التهذيب. والأعلام)..
٣ - الَحْقُو بفتح الحاء وسكون القاف: الخصر وموضع شدّ الإزار، ثم أطلق على الإزار، والجمع أحق، أصله أحقو فحذف لأنه ليس في الأسماء اسم آخره حرف علّة وقبله ضمة. (الصحاح)..
٤ - قال في الصحاح: "وضبعان أمدر أي: منتفخ الجنبين عظيم البطن، ويقال: هو الذي تترب جنباه كأنه من (المدر أو التراب).
٥ -أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
٦ -قال في اللسان: "وآوّهْ، وأوّه، وآووه، (بالمد وواوين)، وأوه (بكسر الهاء خفيفة)، وأوه، وآه، كلها: كلمة معناها التحزن"..
٧ -قال في اللسان: " ورد الحديث بأوه في حديث أبي سعيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (أوه، عين الربا)" وقال ابن الأثير: "أوه: كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع، وهي ساكنة الواو مكسورة الهاء". ثم قال: وبعضهم بفتح الواو مع التشديد فيقول: أوّه، وفي الحديث: (أوّه لفراخ محمد بن خليفة يُستخلف)"..
٨ - أنشد الفراء في (أوه)، قال صاحب اللسان: "ويروى: فأوّ لذكراها، ويُورى: فآه لذكراها، قال ابن بري: ومثل هذا البيت:
 فأوه على زيادة أم عمرو فكيف مع العدا ومع الوشاة؟
 وقال في الصحاح: "ويروى: (فأي لذكراها)..
٩ - المثقب العبدي: اسمه عائذ بن محصن بن ثعلبة، شاعر جاهلي فحل قديم، سمي المثقب لقوله: "وتقبن الوصاوص والعيونا"، وبيته هذا من قصيدته التي يطالب فيها حبيبته فاطمة بالوصال والمتعة، والتي بدأها بقوله:
 أفاطم قبل بينك متعيني ومنعك ما سألت كأن تبيني
 وفي البيت يصف ناقته بأنها تتأوه تأوه الرجل الحزين إذا ما قام ليضع الرحل عليها ليسير بها في الليل. قال في اللسان: ويروى: "تهوّه هاهة الرجل"، وقال ابن سيدة: وعندي أنه وضع الاسم موضع المصدر، أي: تأوه تأوه الرجل الحزين..
١٠ - الحلم بالكسر: الأناة والعقل، وجمعه أحلام وحلوم، وفي الكتاب العزيز: {أم تأمرهم أحلامهم بهذا، وقال جرير:
 هل من حلوم لأقوام فتنذرهم ما جرّب الناس من عضي وتضريسي؟.

### الآية 9:115

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [9:115]

وقوله تعالى : وما كان الله ليضل قوماً  الآية معناه التأنيس للمؤمنين، وقيل : إن بعضهم خاف على نفسه من الاستغفار للمشركين دون أمر من الله تعالى فنزلت الآية مؤنسة، أي ما كان الله بعد أن هدى إلى الإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمواقعتهم ذنباً لم يتقدم منه نهي عنه، فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور ويتجنبون من الأشياء فحينئذ من واقع بعد النهي استوجب العقوبة، وقيل : إن هذه الآية إنما نزلت بسبب قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا غيباً فحولت القبلة فصلوا قبل أن يصلهم ذلك إلى بيت المقدس، وآخرين شربوا الخمر بعد تحريمها قبل أن يصل إليهم، فخافوا على أنفسهم وتكلموا في ذلك فنزلت الآية، والقول الأول أصوب وأليق بالآية.

### الآية 9:116

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:116]

وذهب الطبري إلى أن قوله،  يحيي ويميت  إشارة إلى أنها يجب أيها المؤمنون ألا تجزعوا من عدو وإن كثر، ولا تهابوا أحداً فإن الموت المخوف والحياة المحبوبة إنما هما بيد الله تعالى. 
قال القاضي أبو محمد : والمعنى الذي قال صحيح في نفسه ولكن قوله، إن القصد بالآية إنما هو لهذا قول يبعد، والظاهر في الآية إنما هو لما نص في الآية المتقدمة نعمته وفضله على عبيده في أنه متى منّ عليهم بهداية ففضله أسبغ من أن يصرفهم ويضلهم قبل أن تقع منهم معصية ومخالفة أمر، أتبع ذلك[(١)](#foonote-١) بأوصاف فيها تمجيد الله عز وجل وتعظيمه وبعث النفوس على إدمان شكره والإقرار بعبوديته.

١ - قوله: "أتبع ذلك\*\*\*" هو جواب لما في قوله: "إنما هو لما نص في الآية المتقدمة"..

### الآية 9:117

> ﻿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:117]

**«التوبة »** من الله رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، فقد تكون في الأكثر رجوعاً من حالة طاعة إلى أكمل منها وهذه توبته في هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه رجع به من حاله قبل تحصيل الغزوة وأجرها وتحمل مشقاتها إلى حاله بعد ذلك كله، وأما توبته عل **«المهاجرين والأنصار »** فحالها معرضة لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجد في الغزو ونصرة الدين، وأما توبته على الفريق الذي كاد أن يزيغ فرجوع من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضا، و  اتبعوه  معناه : دخلوا في أمره وانبعاثه ولم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، وقوله  في ساعة العسرة ، يريد في وقت العسرة فأنزل الساعة منزلة المدة والوقت والزمن، وإن كان عرف الساعة في اللغة أنه لما قلَّ من الزمن كالقطعة من النهار. 
ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم في رواح يوم الجمعة **«في الساعة الأولى وفي الثانية »** الحديث[(١)](#foonote-١)، فهي هنا بتجوز، ويمكن أن يريد بقوله  في ساعة العسرة  الساعة التي وقع فيها عزمهم وانقيادهم لتحمل المشقة إذ السفرة كلها تبع لتلك الساعة وبها وفيها يقع الأجر على الله، وترتبط النية، فمن اعتزم على الغزو وهو معسر فقد اتبع في ساعة العسرة ولو اتفق أن يطرأ لهم غنى في سائر سفرتهم لما اختل كونهم متبعين **«في ساعة عسرة »** و  العسرة  الشدة وضيق الحال والعدم، ومنه قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة [(٢)](#foonote-٢) وهذا هو جيش العسرة الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه :**«من جهز جيش العسرة فله الجنة »**[(٣)](#foonote-٣) فجهزه عثمان بن عفان رضي الله عنه بألف جمل وألف دينار. 
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلب الدنانير بيده وقال :**«وما على عثمان ما عمل بعد هذا »**، وجاء أيضاً رجل من الأنصار بسبعمائة وسق من تمر[(٤)](#foonote-٤)، وقال مجاهد وقتادة : إن العسرة بلغت بهم في تلك الغزوة وهي غزوة تبوك إلى أن قسموا التمرة بين رجلين، ثم كان النفر يأخذون التمرة الواحدة فيمضغها أحدهم ويشرب عليها الماء ثم يفعل كلهم بها ذلك. 
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وأصابهم في بعضها عطش شديد حتى جعلوا ينحرون الإبل ويشربون ما في كروشها من الماء ويعصرون الفرث حتى استسقى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه يدعو فما رجعهما حتى انسكبت سحابة فشربوا وادخروا ثم ارتحلوا، فإذا السحابة لم تخرج عن العسكر، وحينئذ قال رجل من المنافقين : وهل هذه إلا سحابة مرت ؟[(٥)](#foonote-٥)، وكانت الغزوة في شدة الحر، وكان الناس كثيراً، فَقَّل الَّظْهر فجاءتهم العسرة من جهات، ووصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أوائل بلد العدو فصالحه أهل أذرج وأيلة[(٦)](#foonote-٦) وغيرهما على الجزية ونحوهما، وانصرف وأما **«الزيغ »** الذي كادت قلوب فريق منهم أن تواقعه، فقيل همت فرقة بالانصراف لما لقوا من المشقة والعسرة، قاله الحسن، وقيل زيغها إنما بظنون لها ساءت في معنى عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك الغزوة لما رأته من شدة العسرة وقلة الوفر وبعد المشقة وقوة العدو المقصود، وقرأ جمهور الناس وأبو بكر عن عاصم ******«تزيغ »****** بالتاء من فوق على لفظ القلوب. 
وروي عن أبي عمرو أنه كان يدغم الدال في التاء، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم والأعمش والجحدري **«يزيغ »** بالياء على معنى جمع القلوب، وقرأ ابن مسعود **«من بعد ما زاغت قلوب فريق »** وقرأ أبي بن كعب **«من بعد ما كادت تزيغ »** وأما كان فيحتمل أن يرتفع بها ثلاثة أشياء أولها وأقواها القصة والشأن هذا مذهب سيبويه، وترتفع **«القلوبُ »** على هذا ب ******«تزيغ »****** والثاني أن يرتفع بها ما يقتضيه ذكر المهاجرين والأنصار أولاً، ويقدر ذلك القوم فكأنه قال من بعد ما كاد القوم تزيغ قلوبهم فريق منهم، والثالث أن يرتفع بها ****«القلوب »**** ويكون في قوله ******«تزيغ »****** ضمير ****«القلوب »****، وجاز ذلك تشبيهاً بكان في قوله  وكان حقاً علينا نصر المؤمنين [(٧)](#foonote-٧) وأيضاً فلأن هذا التقديم للخبر يراد به التأخير، وشبهت  كاد  ب **«كان »** للزوم الخبر لها، قال أبو علي ولا يجوز ذلك في عسى[(٨)](#foonote-٨). 
ثم أخبر عز وجل أنه تاب أيضاً على هذا الفريق وراجع به، وأنس بإعلامه للأمة بأنه  رؤوف رحيم  والثلاثة هم كعب بن مالك[(٩)](#foonote-٩) وهلال بن أمية الواقفي[(١٠)](#foonote-١٠) ومرارة بن الربيع العامري ويقال ابن ربيعة ويقال ابن ربعي[(١١)](#foonote-١١)، وقد خرج حديثهم بكماله البخاري ومسلم[(١٢)](#foonote-١٢) وهو في السير، فلذلك اختصرنا سوقه، وهم الذين تقدم فيهم  وآخرون مرجون  \[ الآية : ١٠٦ \]. 
١ - رواه البخاري في كتاب الجمعة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكذلك رواه مسلم، والترمذي، ومالك في الموطأ في كتاب الجمعة، ورواه أبو داود في كتاب الطهارة، ولفظه كما جاء في البخاري: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة" فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)..
٢ -من الآية (٢٨٠) من سورة (البقرة)..
٣ - رواه البخاري في مناقب عثمان رضي الله عنه، ولفظه: (وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يحفر بئر رومة فله الجنة، فخفرها عثمان، وقال: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزه عثمان)..
٤ - الوسق بفتح الواو: مكيلة معلومة، وهي ستون صاعا، والصاع خمسة أرطال وثلث. والوسق أيضا: حمل البعير والعربة والسفينة. (المعجم الوسيط)..
٥ -أخرجه ابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال: خرجنا\*\*\*إلى قوله: العسكر، وليس فيه كلام الرجل المنافق. (الدر المنثور)..
٦ - أذرج (بالذال المعجمة والراء المضمومة) قال في التاج: هي مدنية السراة، وقيل: إنما هي أدرج، وذكر ذلك في اللسان، وصوب ياقوت ذلك وخطأ ما قبله وأطال في ذلك، وآيلة معروفة الآن باسم إيلات قال في اللسان: "وأيلة: قرية عربية ورد ذكرها في الحديث، وهو بفتح الهمزة وسكون الياء البلد المعروف فيما بين مصر والشام".
 **وقال حسان بن ثابت:**
 ملكا من جبل الثلج إلى جانبي أيلة من عبد وحر..
٧ - من الآية (٤٧) من سورة (الروم)..
٨ - أورد أبو حيان في "البحر المحيط" إشكالات على هذه الإعرابات الثلاثة على قراءة التاء في \[تزيغ\] فقال: إذا قدّرنا فيها ضمير الشأن كانت الجملة في موضع نصب على الخبر والمرفوع ليس ضميرا يعود على اسم كاد، بل ولا سببا له، وهذا يلزم في قراءة الياء أيضا. وأما توسيط الخبر فهو مبني على جواز مثل هذا التركيب في مثل: "كان يقوم زيد"، وفيه خلاف والصحيح المنع. وأما توجيه الآخر فضعيف جدا من حيث أضمر في كاد ضمير لا يعود إلا بتوهم، ومن حيث يكون خبر كاد واقعا سببيا. ويخلص من هذا الإشكالات اعتقاد كون (كاد) زائدة ومعناها مراد ولا عمل لها" (البحر المحيط ٥-١٠٩)..
٩ - كعب بن مالك بن عمرو بن القين الأنصاري الخزرجي، اشتهر في الجاهلية، وكان من شعراء النبي في الإسلام، شهد الوقائع ثم كان من أصحاب عثمان، كفّ بصره في آخر عمره، مات سنة ٥٠هـ وعمره سبع وسبعون سنة، ولد ٨٠ حديثا. (الأعلام، الإصابة، الأغاني)..
١٠ - هلال بن أمية بن عامر بن قيس الأنصاري الواقفي، شهد بدرا وما بعدها، له ذكر في الصحيحين من رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر. (الإصابة والاستيعاب)..
١١ - مُرارة بن ربيعة، ويقال: ابن ربيع العمري الأنصاري من بني عمرو بن عوف كما جاء في (الاستيعاب)، ومُرارة بن ربعي بن عدي بن يزيد بن جُشم، ذكره ابن الكلبي وقال: كان أحد البكائين كما جاء في (الإصابة)..
١٢ - الحديث كما رواه البخاري طويل جدا، ويروى فيه كعب بلاءه وبيعته ليلة العقبة، ويروي بصدق لما تخلف وكيف اعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم إلى أن نزلت الآية الكريمة، قال: (فوالله ما أنعم علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا)، ثم قال كعب: (وكنا تخلفنا أيّها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: وعلى الثلاثة الذين حلّفوا، ليس الذي ذكر الله مما خلّفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه)..

### الآية 9:118

> ﻿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:118]

ومعنى  خلفوا \] ُأِّخُروا وُترك أمُرهم ولم ُتقبل منهم معذرة ولا ردت عليهم، فكأنهم خلفوا عن المعتذرين، وقيل معنى { خلفوا  أي عن غزوة تبوك، قاله قتادة وهذا ضعيف وقد رده كعب بن مالك بنفسه وقال : معنى  خلفوا  تركوا عن قبول العذر وليس بتخلفنا عن الغزو، ويقوي من اللفظة جعله إذا ضاقت غاية للتخليف ولم يكن ذلك عن تخليفهم عن الغزو، وإنما ضاقت عليهم الأرض عن تخليفهم عن قبول العذر، وقرأ الجمهور **«خُلِّفوا »** بضم الخاء وشد اللام المكسورة، وقرأ عكرمة بن هارون المخزومي وزر بن حبيش وعمرو بن عبيد وأبو عمرو أيضاً **«خَلَفوا »** بفتح الخاء واللام غير مشددة، وقرأ أبو مالك **«خُلِفوا »** بضم الخاء وتخفيف اللام المكسورة، وقرأ أبو جعفر محمد بن علي وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد وأبو عبد الرحمن **«خالفوا »** والمعنى قريب من التي قبلها، وقال أبو جعفر ولو خلفوا لم يكن لهم ذنب، وقرأ الأعمش **«وعلى الثلاثة المخلفين »**، وقوله : بما رحبت  معناه برحبها كأنه قال : على ما هي في نفسها رحبة، ف **«ما »** مصدرية،  وضاقت عليهم أنفسهم  استعارة لأن الغم والهم ملأها  وظنوا  في هذه الآية بمعنى أيقنوا وحصل علما لهم[(١)](#foonote-١) وقوله : ثم تاب عليهم ليتوبوا  لما كان هذا القول في تعديد نعمه بدا في ترتيبه بالجهة التي هي عن الله عز وجل ليكون ذلك منبهاً على تلقي النعمة من عنده لا رب غيره، ولو كان القول في تعدد ذنب لكان الابتداء بالجهة التي هي عن المذنب كما قال الله تعالى :
 فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [(٢)](#foonote-٢) ليكون هذا أشد تقريراً للذنب عليهم، وهذا من فصاحة القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه، وبيان هذه الآية ومواقع ألفاظها إنما يكمل مع مطالعة حديث ****«الثلاثة »**** الذين خلفوا في الكتب التي ذكرنا[(٣)](#foonote-٣)، وإنما عظم ذنبهم واستحقوا عليه ذلك لأن الشرع يطلبهم من الجد فيه بحسب منازلهم منه وتقدمهم فيه إذ هم أسوة وحجة للمنافقين والطاعنين، إذ كان كعب من أهل العقبة وصاحباه من أهل بدر. 
وفي هذا يقتضي أن الرجل العالم والمقتدي به أقل عذراً في السقوط من سواه، وكتب الأوزاعي رحمه الله[(٤)](#foonote-٤) إلى المنصور أبي جعفر في آخر رسالة : واعلم أن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تزيد حق الله عليك إلا عظماً ولا طاعته إلا وجوباً ولا الناس فيما خالف ذلك منك إلا إنكاراً والسلام، ولقد أحسن القاضي التنوخي في قوله :\[ الكامل \]
والعيب يعلق بالكبير كبير\*\*\* وفي بعض طرق حديث ****«الثلاثة »**** أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلة نزول توبتهم في بيت أم سلمة، وكانت لهم صالحة[(٥)](#foonote-٥) فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم **«يا أمَّ سلمة : تيب على كعب بن مالك وصاحبيه »**، فقالت يا رسول الله ألا أبعث إليهم ؟ فقال **«إذاً يحطمكم الناس سائر الليلة فيمنعوكم النوم »**.

١ - في بعض النسخ: "وحصل علم لهم" وهي أصح وأوضح..
٢ - من الآية (٥) من سورة (الصف)..
٣ - يريد البخاري، ومسلم، وكتب السيرة كما سبق أن ذكر..
٤ - اسمه عبد الرحمان بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، أبو عمرو، إمام في الفقه والزهد، وأحد الكتاب المترسلين، ولد في بعلبك ونشأ في البقاع، وكانت الفُتيا تدور بالأندلس على رأيه إلى زمن الحكم بن هشام، له كتاب "السنن" في الفقه، و"المسائل" وقد سئل عن سبعين ألف مسألة أجاب عنها كلها، توفي سنة ١٥٧هـ.(تاريخ بيروت، الوفيات، الأعلام).
٥ - يريد: وكانت للثلاثة مصالحة، ولعله سهو من النساخ، وفي نسخة: "وكانت لهم صلحا" أي مصالحة..

### الآية 9:119

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [9:119]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين  هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذهب بهم عن منازل المنافقين، فجاء هذا الأمر اعتراضاً في أثناء الكلام إذ عن في القصة ما يجب التنبيه علي امتثاله، وقال ابن جريج وغيره : الصدق في هذه الآية هو صدق الحديث، وقال نافع والضحاك ما معناه : إن اللفظ أعم من صدق الحديث، وهو بمعنى الصحة في الدين والتمكن في الخير، كما تقول العرب : عود صدق ورجل صدق، وقالت هذه الفرقة : كونوا مع محمد وأبي بكر وعمر وأخيار المهاجرين الذين صدقوا الله في الإسلام ومع في هذه الآية تقتضي الصحبة في الحال والمشاركة في الوصف المقتضي للمدح، وقرأ ابن مسعود وابن عباس **«وكونوا من الصادقين »**، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن مسعود رضي الله عنه يتأوله في صدق الحديث. وروي عنه أنه قال : الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرأوا إن شئتم  يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين .

### الآية 9:120

> ﻿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [9:120]

هذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوه، وقوة الكلام تعطى الأمر بصحبته إلى توجهه غازياً وبذل النفوس دونه، واختلف المتأولون فقال قتادة : كان هذا الإلزام خاصاً مع النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب النفر إلى الغزو إذا خرج هو بنفسه ولم يبق هذا الحكم مع غيره من الخلفاء، وقال زيد بن أسلم : كان هذا الأمر والإلزام في قلة الإسلام والاحتياج إلى اتصال الأيدي ثم نسخ عند قوة الإسلام بقوله : وما كان المؤمنون لينفروا كافة  \[ التوبة : ١١٢ \]. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله في الانبعاث إلى غزو العدو على الدخول في الإسلام، وأما إذا ألم العدو بجهة فمتعين على كل أحد القيام بذبه ومكافحته، وأما قوله تعالى  ولا يرغبوا بأنفسهم  فمعناه أن لا يحتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الله مشقة ويجود بنفسه في سبيل الله فيقع منهم شح على أنفسهم وَيُكُّعون عما دخل هو فيه، ثم ذكر تعالى لِمَ لَمْ يكن لهم التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله : ذلك بأنهم . . الآية و **«النصب »** التعب. ومنه قول النابغة :\[ الطويل \]
كليني لهم يا أميمة ناصبِ\*\*\*[(١)](#foonote-١)
أي ذي نصب. ومنه قوله تعالى : لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً [(٢)](#foonote-٢) و **«المخمصة »** مفعلة من خموص البطن وهي ضموره، واستعير ذلك لحالة الجوع إذ الخموص ملازم له، ومن ذلك قول الأعشى :\[ الطويل \]
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم\*\*\* وجاراتكم غرثى يبتنَ خمائصا[(٣)](#foonote-٣)
ومنه أخمص القدم والخمصانة من النساء[(٤)](#foonote-٤)، وقوله تعالى  ولا يطؤون موطئاً  أي ولا ينتهون من الأرض منتهى مؤذياً للكفار، وذلك هو الغائظ ومنه في المدونة كنا لا نتوضأ من موطىء من قول ابن مسعود، وقوله تعالى : ولا ينالون من عدو نيلاً  لفظ عام لقليل ما يصنعه المؤمنون بالكفرة من أخذ مال أو إيراد هوان وكثيره[(٥)](#foonote-٥)، والنيل مصدر نال ينال وليس من قولهم نلت أنوله نولاً ونوالاً وقيل هو منه، وبدلت الواو ياء لخفتها هنا وهذا ضعيف، والطبري قد ذكر نحوه وضعفه وقال ليس ذلك المعروف من كلام العرب.

١ - هذا صدر بيت قاله النابغة في مطلع قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث الأصغر المعروف بابن أبي شمر وذلك حين هرب النابغة إلى دمشق حين بلغه أن مرّة بن قريع وشى به إلى النعمان في أمر المتجردة، وقيل: إن الواشي هو المنخّل بن عبيد اليشكري، والبيت بتمامه:
 كليني لهمّ يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
 و(كلي) فعل أمر بمعنى اتركي، والمعنى المراد: خلّي بيني وبين الهم الذي أتعبني والليل الطويل الذي أقاسي منه. وقد أجمع الرواة على نصب (أميمة) في البيت، وعلل ذلك أبو عبيدة والأصمعي بأن عادة العرب أن ينادوا اسم المرأة بالترخيم، وإذا كان الحرف الذي قبل هاء التأنيث مفتوحا أبدا واحتاج الشاعر إلى إبقاء هاء التأنيث لأجل سلامة الزن تكلم بها على عادة الترخيم ففتحها كما يفتح آخر المنادي المؤنث المرخم. ومعنى (ناصب): ذو نصب، أي: تعب، فهو همّ متعب..
٢ - من الآية (٦٢) من سورة (الكهف).
٣ - قال الأعشى في قصيدة يهجو بها علقمة بن عُلاثة، ويروي: (وجاراتكم جوعى) بدلا من (غرثى). والقصيدة مقذعة في الهجاء.
٤ - الخمصان (بالفتح) والخُمصان (بالضم): الجائع الضامر البطن، والأنثى: خَمصانة بالفتح والضم أيضا، وجمعها خِماص..
٥ - (كثيره) معطوفة على (قليل) فيكون المعنى: لفظ عام للقليل وللكثير مما يصنعه المؤمنون بالكفرة..

### الآية 9:121

> ﻿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:121]

وقوله  ولا ينفقون  الآية، قدم الصغيرة للاهتمام أي إذا كتبت الصغيرة فالكبيرة أحرى، و **«الوادي »** ما بين جبلين كان فيه ماء أو لم يكن، وجمعه أودية، وليس في كلام العرب فاعل وأفعلة إلا في هذا الحرف وحده[(١)](#foonote-١)، وفي الحديث **«ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعداً إلا ازدادوا من الله قرباً »**[(٢)](#foonote-٢).

١ - سمع من ذلك: ناد وأندية، قال الجوهري: "الجمع أودية على غير قياس كأنه جمع ودي مثل سري وأسرية للنهر"، وقال ابن الأعرابي: "الوادي: يجمع أوداء على أفعال مثل صاحب وأصحاب" وطيء تقول: أوداء، قال جرير:
 عرفت ببرقة الأوداه رسما محيلا، طال عهدك من رسوم.
٢ - أخرجه ابن جرير الطبري..

### الآية 9:122

> ﻿۞ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [9:122]

قالت فرقة : سبب هذه الآية أن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكاناً ومبعوثين لتعليم الشرع لما سمعوا قول الله عز وجل : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب  \[ الكهف : ٦٢ \] أهمهم ذلك فنفروا إلى المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يكونوا مذنبين في التخلف عن الغزو فنزلت هذه الآية في نفرهم ذلك، وقالت فرقة، سبب هذه الآية أن المنافقين لما نزلت الآيات في المتخلفين قالوا هلك أهل البوادي فنزلت هذه الآية مقيمة لعذر أهل البوادي. 
قال القاضي أبو محمد : فيجيء قوله تعالى : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم  \[ الكهف : ٦٢ \] عموم في اللفظ والمراد به في المعنى الجمهور والأكثر، وتجيء هذه الآية مبينة لذلك مطردة الألفاظ متصلة المعنى من قوله تعالى : ما كان لأهل المدينة  إلى قوله  يحذرون  بين في آخر الآية العموم الذي في أولها إذ هو معرض أن يتأول فيه ألا يتخلف بشر، و ****«التفقه »**** هو من النافرين، و ****«الإنذار »**** هو منهم، والضمير في  رجعوا  لهم أيضاً، وقالت فرقة هذه : الآية ليست في معنى الغزو وإنما سببها أن قبائل من العرب لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أصابتهم مجاعة وشدة، فنفروا إلى المدينة لمعنى المعاش فكادوا أن يفسدوها، وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان وإنما أضرعه الجوع[(١)](#foonote-١) فنزلت الآية في ذلك، فقال وما كان من صفته الإيمان لينفر مثل هذا النفر أي ليس هؤلاء المؤمنين، وقال ابن عباس ما معناه : إن هذه الآية مختصة بالبعوث والسرايا، والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو، وهذه ثابتة الحكم مع تخلفه أي يجب إذا تخلف ألا ينفر الناس كافة فيبقى هو منفرداً وإنما ينبغي أن تنفر طائفة وتبقى طائفة لتتفقه هذه الباقية في الدين، وينذروا النافرين إذا رجع النافرون إليهم، وقالت فرقة : هذه الآية ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة النفير والقتال، والضمير في قوله  ليتفقهوا  عائد أيضاً على هذا التأويل على الطائفة المتخلفة مع النبي صلى عليه وسلم، وهو القول الأول في ترتيبنا هذا عائد على الطائفة النافرة، وكذلك يترتب عوده مع بعض الأقوال على هذه ومع بعضها على هذه، والجمهور على أن **«التفقة »** إنما بمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته، وقالت فرقة يشبه أن يكون ****«التفقه »**** في الغزو في السرايا لما يرون من نصرة الله لدينه وإظهاره العدد القليل من المؤمنين على الكثير من الكافرين وعلمهم بذلك صحة دين الإسلام ومكانته في الله تعالى، ورجحه الطبري وقواه، والآخر أيضاً قوي، والضمير في قوله  لينذروا  عائد على المتفقهين بحسب الخلاف، و ****«الإنذار »**** عام للكفر والمعاصي والحذر منها أيضاً كذلك.

١ - أي أذله أضعفه، يقال: أضرع الله خدّه: أذله. (المعجم الوسيط)..

### الآية 9:123

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:123]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار  الآية، قيل هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول يضعفه هذه الآية من آخر ما نزل، وقالت فرقة : إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما تجاوز قوماً من الكفار غازياً لقوم آخرين أبعد منهم، فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى إلى المدينة، وقالت فرقة : الآية مبينة صورة القتال كافة وهي مترتبة مع الأمر بقتال الكفار كافة، ومعناها أن الله تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أن يقاتل كل فريق منهم الجنس الذي يصاقبه[(١)](#foonote-١) من الكفرة، وهذا هو القتال لكلمة الله ورد الناس إلى الإسلام، وأما إذا مال العدو إلى صقع من أصقاع المسلمين ففرض على من اتصل به من المسلمين كفاية عدو ذلك الصقع وإن بعدت الدار ونأت البلاد، وقال قائلو هذه المقالة : نزلت الآية مشيرة إلى قتال الروم بالشام لأنهم كانوا يومئذ العدو الذي يلي ويقرب إذ كانت العرب قد عمها الإسلام وكانت العراق بعيدة، ثم لما اتسع نطاق الإسلام توجه الفرض في قتال الفرس والديلم[(٢)](#foonote-٢) وغيرهما من الأمم، وسأل ابن عمر رجل عن قتال الديلم فقال : عليك بالروم، وقال الحسن : هم الروم والديلم. 
قال القاضي أبو محمد : يعني في زمنه ذلك، وقاله علي بن الحسين، وقال ابن زيد : المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم  قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر  \[ التوبة : ٢٩ \] إلى قوله  حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [(٣)](#foonote-٣)، وقرأ جمهور الناس **«غِلظة »** بكسر الغين، وقرأ المفضل عن عاصم والأعمش **«غَلظة »** بفتحها، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبان بن ثعلبة وابن أبي عبلة **«غُلظة »** بضمها، وهي قراءة أبي حيوة ورواها المفضل عن عاصم أيضاً، قال أبو حاتم رويت الوجوه الثلاثة عن أبي عمرو، وفي هاتين القراءتين شذوذ وهي لغات، ومعنى الكلام وليجدوا فيكم خشونة وبأساً، وذلك مقصود به القتال، ومنه  عذاب غليظ [(٤)](#foonote-٤) و  غليظ القلب [(٥)](#foonote-٥) و  غلاظ شداد [(٦)](#foonote-٦) في صفة الزبانية، وغلظت علينا كبده في حفر الخندق[(٧)](#foonote-٧) إلى غير ذلك، ثم وعد تعالى في آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك الدين والدنيا وبها يلقى العدو، وقد قال بعض الصحابة : إنما تقاتلون الناس بأعمالكم وأهلها هم المجدون في طرق الحق فوعد تعالى أنه مع أهل التقوى ومن كان الله معه فلن يغلب.

١ - أي يقاربه ويواجهه، يقال: صاقبه مصاقبة وصقابا، ويقال: جار مصاقب. (المعجم الوسيط)..
٢ - الدّيلم: جيل من العجم كانوا يسكون نواحي أذربيجان، ولهذه الكلمة معان كثيرة تجدها في كتب اللغة..
٣ - من الآية (٢٩) من هذه السورة (التوبة)..
٤ - إشارة إلى ما ورد في كثير من آيات التنزيل، مثل قوله تعالى: ونجيناهم من عذاب غليظ، وقوله: ومن ورائه عذاب غليظ وقوله: ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ، وقوله: ولنذيقنهم من عذاب غليظ..
٥ - من الآية (١٥٩) من سورة (آل عمران)..
٦ - من الآية (٦) من سورة (التحريم)..
٧ - إشارة إلى ما حدث في غزوة الخندق، وجاءت هذه الجملة في حديث رواه البخاري عن جابر، ولكن بلفظ: (فعرضت) بدلا من (وغلظت). قال جابر: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت لنا كُدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق، فقل: (أنا نازل)، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم\*\*\*الحديث، والكُدية هي الصّفاة العظيمة الشديدة، وقيل: الأرض الصلبة..

### الآية 9:124

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [9:124]

هذه الآية نزلت في شأن المنافقين، والضمير في قوله  فمنهم  عائد على المنافقين، وقوله تعالى  أيكم زادته هذه إيماناً  يحتمل أن يكون لمنافقين مثلهم، ويحتمل أن يكون لقوم من قراباتهم من المؤمنين يستنيمون إليهم[(١)](#foonote-١) ويثقون بسترهم عليهم، ويطعمون في ردهم إلى النفاق، ومعنى  أيكم زادته هذه إيماناً  الاستخفاف والتحقير لشأن السورة كما تقول : أي غريب في هذا أو أي دليل، ثم ابتدأ عز وجل الرد عليهم والحكم بما يهدم لبسهم فأخبر أن المؤمنين الموقنين قد **«زادتهم إيماناً »** وأنهم  يستبشرون  من ألفاظها ومعانيها برحمة الله ورضوانه، والزيادة في الإيمان موضع تخبط للناس وتطويل، وتلخيص القول فيه أن الإيمان الذي هو نفس التصديق ليس مما يقبل الزيادة والنقص في نفسه، وإنما تقع الزيادة في المصدق به، فإذا نزلت سورة من الله تعالى حدث للمؤمنين بها تصديق خاص لم يكن قبل، فتصديقهم بما تضمنته السورة من إخبار وأمر ونهي أمر زائد على الذي كان عندهم قبل، فهذا وجه من زيادة الإيمان، ووجه آخر أن السورة ربما تضمنت دليلاً أو تنبيهاً عليه فيكون المؤمن قد عرف الله بعدة أدلة، فإذا نزلت السورة زادت في أدلته، وهذه أيضاً جهة أخرى من الزيادة، وكلها خارجة عن نفس التصديق إذا حصل تاماً، فإنه ليس يبقى فيه موضع زيادة، ووجه آخر من وجوه الزيادة أن الرجل ربما عارضه شك يسير أو لاحت له شبهة مشغبة فإذا نزلت السورة ارتفعت تلك الشبهة واستراح منها، فهذا أيضاً زيادة في الإيمان إذ يرتقي اعتقاده عن مرتبة معارضة تلك الشبهة إلى الخلوص منها، وأما على قول من يسمي الطاعات إيماناً وذلك مجاز عند أهل السنة فتترتب الزيادة بالسورة إذ تتضمن أوامر ونواهي وأحكاماً، وهذا حكم من يتعلم العلم في معنى زيادة الإيمان ونقصانه إلى يوم القيامة، فإن تعلم الإنسان العلم بمنزلة نزول سورة القرآن.

١ - استنام إلى الشيء: استراح وسكن إليه..

### الآية 9:125

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [9:125]

و  الذين في قلوبهم مرض  هم المنافقون، وهذا تشبيه وذلك أن السالم المعتقد المنشرح الصدر بالإيمان يشبهه الصحيح، والفاسد المعتقد يشبهه المريض، ففي العبارة مجاز فصيح لأن المرض والصحة إنما هي[(١)](#foonote-١) خاصة في الأعضاء، فهي في المعتقدات مجاز، و **«الرجس »** في هذه الآية عبارة عن حالهم التي جمعت معنى الرجس في اللغة، وذلك أن الرجس في اللغة يجيء بمعنى القذر ويجيء بمعنى العذاب، وحال هؤلاء المنافقين هي قذر وهي عذاب عاجل كفيل بآجل، وزيادة **«الرجس إلى الرجس »** هي عمههم في الكفر وخبطهم في الضلال يعاقبهم الله على الكفر والإعراض بالختم على قلوبهم والختم بالنار عليهم، وإذ كفروا بسورة فقد زاد كفرهم فلذلك زيادة رجس إلى رجسهم.

١ - يريد: إنما هي صفات خاصة في الأعضاء..

### الآية 9:126

> ﻿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [9:126]

وقوله : أولا يرون أنهم يفتنون  الآية، وقرأ الجمهور **«أولا يرون »** بالياء على معنى أو لا يرى المنافقون، وقرأ حمزة **«أولا ترون »** بالتاء على معنى أو لا ترون أيها المؤمنون، فهذا تنبيه للمؤمنين، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والأعمش **«أولا ترى »** أي أنت يا محمد. 
وروي عن الأعمش أيضاً أنه قرأ **«أو لم تروا »**. 
وذكر عنه أبو حاتم **«أو لم تر »** وقال مجاهد  يفتنون  معناه يختبرون بالسنة والجوع، وحكى عنه النقاش أنه قال مرضة أو مرضتين، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة : معناه يختبرون بالأمر بالجهاد، والذي يظهر مما قبل الآية ومما بعدها أن الفتنة والاختبار إنما هي بكشف الله تعالى أسرارهم وإفشائه عقائدهم، فهذا هو الاختبار الذي تقوم عليه الحجة برؤيته وترك التوبة، وأما الجهاد أو الجوع فلا يترقب معهما ما ذكرناه، فمعنى الآية على هذا فلا يزدجر هؤلاء الذين تفضح سرائرهم كل سنة مرة أو مرتين بحسب واحد واحد، ويعلمون أن ذلك من عند الله فيتوبون ويتذكرون وعد الله ووعيده، وأما الاختبار بالمرض فهو في المؤمنين وقد كان الحسن ينشد :
أفي كل عام مرضة ثم نقهة\*\*\* فحتى متى حتى متى وإلى متى ؟
وقالت فرقة : معنى  يفتنون  بما يشيعه المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأكاذيب، فكأن الذي في قلوبهم مرض يفتنون في ذلك، وحكى الطبري هذا القول عن حذيفة وهو غريب من المعنى.

### الآية 9:127

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [9:127]

الضمير في قوله  بعضهم  عائد على المنافقين، والمعنى وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحة أسرارهم  نظر بعضهم إلى بعض  على جهة التقريب، يفهم من تلك النظرة التقرير : هل معكم من ينقل عنكم ؟ هل يراكم من أحد حين تدبرون أموركم ؟ وقوله تعالى : ثم انصرفوا  معناه عن طريق الاهتداء. وذلك أنهم حين ما يبين لهم كشف أسرارهم والإعلام بمغيبات أمورهم يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ونظر، فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة ذلك، فهم إذ يصممون على الكفر ويرتبكون فيه[(١)](#foonote-١) كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء، وابتدىء بالفعل المسند إليهم إذ هو تعديد ذنب على ما قد بيناه، وقوله  صرف الله قلوبهم  يحتمل أن يكون دعاء عليهم، ويحتمل أن يكون خبراً أي استوجبوا ذلك  بأنهم قوم لا يفقهون  أي لا يفهمون عن الله ولا عن رسوله، وأسند الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس أنه قال : لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قضينا الصلاة. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا النظر الذي في هذه الآية هو إيماء، وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال : نظر في هذه الآية في موضع قال.

١ - قال في اللسان: "ارتبك الرجل في الأمر أي نشب فيه ولم يكد يتخلص منه"، وقال: "وفي حديث علي: (تحيّر في الظلمات وارتبك في الهلكات)، ومنه: ارتبك الصيد في الحبالة: اضطرب..

### الآية 9:128

> ﻿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:128]

وقوله تعالى : لقد جاءكم  مخاطبة للعرب في قول الجمهور وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك، إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة وشرفوا به غابر الأيام، وقال الزجّاج : هي مخاطبة لجميع العالم، والمعنى لقد جاءكم رسول من البشر والأول أصوب، وقوله  من أنفسكم  يقتضي مدحاً لنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وأشرفها[(١)](#foonote-١)، وينظر إلى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم :**«إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم »**[(٢)](#foonote-٢)، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :**«إني من نكاح ولست من سفاح »**[(٣)](#foonote-٣) معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النسل فيه إلا من من نكاح ولم يكن فيه زنى، وقرأ عبد الله بن قسيط المكي **«من أنفَسكم »** بفتح الفاء من النفاسة، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها، ذكر أبو عمرو أن ابن عباس رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله  ما عنتم  معناه عنتكم ف  ما  مصدرية وهي ابتداء، و  عزيز  خبر مقدم، ويجوز أن يكون  ما عنتم  فاعلاً ب  عزيز  و  عزيز  صفة للرسول، وهذا أصوب من الأول[(٤)](#foonote-٤) والعنت المشقة وهي هنا لفظة عامة أي ما شق عليكم من كفر وضلال بحسب الحق ومن قتل أو أسار وامتحان بسبب الحق واعتقادكم أيضاً معه، وقال قتادة : المعنى عنت مؤمنيكم. 
قال القاضي أبو محمد : وتعميم عنت الجميع أوجه، وقوله : حريص عليكم  يريد على إيمانكم وهداكم، وقوله : رؤوف  معناه مبالغ في الشفقة، قال أبو عبيدة : الرأفة أرق الرحمة، وقرأ **«رؤف »** دون مد الأعمش وأهل الكوفة وأبو عمرو[(٥)](#foonote-٥).

١ - في جميع النسخ الأصلية جاء (وشرفها) بدون الهمزة، والمعنى يقتضي وجودها، وقد نقل أبو حيان في البحر كلام ابن عطية كما أثبتناه هنا..
٢ - أخرجه ابن سعد، ومسلم، والترمذي، والبيهقي في الدلائل عن واثلة بن الأسقع، وفي أوله: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى إسماعيل من بني كنانة) الحديث. (الدر المنثور)..
٣ - أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، وأبو الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح). (الدر المنثور). وأخرجه ابن عدي في الكامل، والطبراني في الأوسط عن علي كرم الله وجهه بزيادة في آخره (من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء)، ورمز له الإمام السيوطي في الجامع الصغير بأنه حديث حسن..
٤ - فيكون المعنى على هذا: يعزّ عليه مشقتكم، كما قال الشاعر:
 يسرُّ المرء ما ذهب الليالي وكان ذهابهن له ذهابا
 أي: يسر المرء ذهاب الليالي. ويجوز أن يكون \[عزيز\] مبتدأ وما عنتم هو الخبر وأن تكون (ما) بمعنى الذي، ذكره الحوفي، وهو إعراب دون الإعرابين السابقين كما قال أبو حيان الأندلسي في "البحر"..
٥ -وصف الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بستة أوصاف، الأولى: الرسالة وهي صفة كمال الإنسان لما احتوت عليه من كمال ذات الرسول وطهارة نفسه الزكية وأنه من الخيار بحيث صار أهلا لأن يكون واسطة بين الله وبين خلقه، ولما كانت هذه الصفة أشرف الأشياء بدأ بها. والثانية: أنه من أنفسهم، وهي صفة مؤثرة في التبليغ والفهم عنه والتآنس به، فإن كان الخطاب للعرب ففي هذه الصفة التنبيه على شرفهم والتحريض على اتباعه، وإن كان الخطاب لبني آدم ففيها التنويه بهم واللطف في إيصال الخير إليهم. والثالثة: أنه يعزّ عليه ما يشق عليهم فهذا الوصف من نتائج الرسالة ومن نتائج أنه منهم لأن من كان منك دلّك على الخير وصعب عليه إيصال ما يؤذي إليك، والرابعة: حرصه صلى الله عليه وسلم على هدايتهم، وهذه أيضا من نتائج الرسالة. والصفتان الخامسة والسادسة أنه رءوف رحيم بالمؤمنين، وهذا من نتائج التبعية له والدخول في دين الله، وصدق الله: إنما المؤمنون إخوة.
 هذا وقد قال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله لنبي بين اسمين من أسمائه إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: بالمؤمنين رءوف رحيم، وقال تعالى: إن الله بالناس لرءوف رحيم..

### الآية 9:129

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [9:129]

ثم خاطب النبي صلى الله عليه وسلم، بعد تقريره عليهم هذه النعمة فقال : فإن تولوا  يا محمد أي أعرضوا بعد هذه الحال المتقررة التي من الله عليهم بها  فقل حسبي الله  معناه وأعمالك بحسب قولك من التفويض إلى الله والتوكل عليه والجد في قتالهم، وليست بآية موادعة لأنها من آخر ما نزل، وخصص  العرش  بالذكر إذ هو أعظم المخلوقات، وقرأ ابن محيصن **«العظيمُ »** برفع الميم صفة للرب، ورويت عن ابن كثير، وهاتان الآيتان لم توجدا حين جمع المصحف إلا في حفظ خزيمة بن ثابت[(١)](#foonote-١)، ووقع في البخاري أو أبي خزيمة، فلما جاء بهما تذكرهما كثير من الصحابة، وقد كان زيد يعرفهما ولذلك قال : فقدت آيتين من آخر سورة التوبة ولو لم يعرفهما لم يدر هل فقد شيئاً أم لا، فإنما ثبتت الآية بالإجماع لا بخزيمة وحده، أسند الطبري في كتابه قال : كان عمر لا يثبت آية في المصحف إلا أن يشهد عليها رجلان، فلما جاء خزيمة بهاتين الآيتين قال : والله لا أسألك عليهما بينة أبداً فإنه هكذا كان صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو محمد : يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنتها الآية، وهذا والله أعلم قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وفي مدة أبي بكر حين الجمع الأول وحينئذ فقدت الآيتان ولم يجمع من القرآن شيء في خلافة عمر، وخزيمة بن ثابت هو المعروف بذي الشهادتين، وعرف بذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمضى شهادته وحده في ابتياع فرس وحكم بها لنفسه صلى الله عليه وسلم[(٢)](#foonote-٢)، وهذا خصوص لرسول الله صلى الله عليه وسلم[(٣)](#foonote-٣) وذكر النقاش عن أبيّ بن كعب أنه قال أقرب القرآن عهداً بالله تعالى هاتان الآيتان  لقد جاءكم رسول  إلى آخر السورة[(٤)](#foonote-٤).

١ - هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري، أبو عمارة، صحابي جليل، من أشراف الأوس ومن شجعانهم، حمل راية بني خطمة (من الأوس) يوم فتح مكة، وعاش إلى خلافة علي، وشهد معه صفّين فقتل فيها سنة ٣٧هـ، روى له البخاري ومسلم ٣٨ حديثا، وهو المعروف بذي الشهادتين..
٢ - روى أبو داود من طريق الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدّثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي (اسمه سوار ابن الحارثة) فجحده فشهد له خزيمة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضرا؟ قال: صدقتك بما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه. وروى الدارقطني عن خزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل شهادته شهادة رجلين، وفي البخاري من حديث زيد بن ثابت: فوجدتها مع خزيمة بن ثابت الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادتين. (الإصابة-الأعلام)..
٣ - يعني أنه لا يجوز لأحد أن يحكم لنفسه، والنبي عليه صلوات الله وسلامه حكم لنفسه في هذه القضية، فهي خصوصية له صلى الله عليه وسلم، كما أن جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين خصوصية لخزيمة..
٤ - في "نوادر الأصول" عن بُريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال عشر كلمات عند دُبُر كل صلاة وجد الله عندهن مكفيا مجزيا، خمس للدنيا وخمس للآخرة: حسبي الله لديني، حسبي الله لدنياي، حسبي الله لما أهمني، حسبي الله لمن بغى عليّ، حسبي الله لمن حسدني، حسبي الله لمن كادني بسوء، حسبي الله عند الموت، حسبي الله عند المساءلة في القبر، حسبي الله عند الميزان، حسبي الله عند الصراط، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/9.md)
- [كل تفاسير سورة التوبة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/9.md)
- [ترجمات سورة التوبة
](https://quranpedia.net/translations/9.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
