---
title: "تفسير سورة التوبة - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/9/book/468"
surah_id: "9"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة التوبة - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة التوبة - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/9/book/468*.

Tafsir of Surah التوبة from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 9:1

> ﻿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [9:1]

وقوله تعالى :( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) قال بعضهم من أهل التأويل : ذلك في قوم كان بينهم وبين رسول عهد على غير مدة مبينة، فأمر بنقض العهد المرسل، وجعله في أربعة\[ في الأصل وم : الأربعة \] الأشهر التي ذكر في قوله :( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ). 
وقال بعضهم : هو\[ في الأصل وم : هم \] في قوم كان لهم عهد دون أربعة أشهر، فأمر بإتمام أربعة أشهر. دليله قوله :( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم )\[ براءة : ٤ \]. 
وقال أبو بكر الكيسائي : الآية في قوم كانت عادتهم نقض \[ العهد \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ونكثه كقوله :( الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة )\[ الأنفال : ٥٦ \] فأمر أن يعطى العهد أربعة الأشهر\[ في الأصل وم : أشهر \] التي ذكر في الآية، ثم الحرب بعد ذلك. 
وقال بعضهم : لما نزل قوله :( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) بعث رسول الله عليا إلى الموسم ليقرأه على الناس، فقرأ عليهم ( براءة من الله ورسوله ) من العهد غير أبعة أشهر ( إلى الذين عاهدتم من المشركين ) على ما ذكرنا. حمل كلهم قوله ( براءة ) على النقض. 
وعندما يحتمل غير هذا ؛ وهو أن قوله ( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) في إمضاء العهد ووفائه. والبراءة هي الوفاء وإتمامه، ليس على النقض لأنه قال :( إلى الذين عهدتم من المشركين ) والبراءة إليهم هو الأمان و العهد إليهم. ولو كان على النقيض لقال : من الذين عاهدتم من المشركين، فدل أنه هو إتمام إعطاء العهد لهم وإمضاؤه إليهم. 
ويؤيده ما قال بعض أهل الأدب : إن البراءة هي الأمان ؛ يقال : كتبت له براءة أي أمانا. هذا الذي ذكرنا أشبه /٢٠٦-ب/ مما قالوا ؛ أعني أهل التأويل.

### الآية 9:2

> ﻿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [9:2]

وقوله تعالى :( فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) أي سيروا، واذهبوا في الأرض أربعة أشهر أي مدة العهد. 
وقوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ) أي اعلموا \[ أيها المشركون \]\[ في الأصل وم : إن المؤمنين \]، وإن أعطي لكم العهد في وقت فإنكم ( غير معجزي الله ) أوليائه\[ من م، في الأصل : أولياء \]، ولا فائتين عنه في تلك المدة. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ) الخزي هو العذاب الفاضح الذي يفضحهم، ويظهر عليهم. ويحتمل أن يكون ذلك العذاب والإخزاء الذي ذكره في الآخرة.

### الآية 9:3

> ﻿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:3]

وقوله تعالى :( وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ) قال القتبي :( وأذان من الله ورسوله ) أي إعلام، ومنه أذان الصلاة، والإعلام\[ الواو ساقطة من الأصل \] ؛ يقال : آذنتهم إيذانا، وكذلك قال أبو عوسجة. 
وقوله تعالى :( أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ورسوله ) يكون في قوله :( أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ورسوله ) دلالة ما قال أهل التأويل من لنقض ؛ لأن قوله :( براءة من الله ورسوله ) يكون فيه إمضاء العهد وإتمامه إلى المدة التي ذكر، ويكون ما روي من الخبر في القصة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت ( براءة ) بعث أبا بكر على حج الناس، يقيم للمؤمنين حجهم، وبعث معه ( براءة ) السورة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب، فأدركه، فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي، فقال للنبي : بأبي أنت وأمي : نزل في شيء ؟ قال : لا، ولكن لا يبلغ غير أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنت صاحبي في الغار، وأنت أخي في الإسلام، وأنت ترد عن الحوض يوم القيامة ؟ قال : بلى يا رسول الله\[ الترمذي : ٣٦٧٠ \] فمضى أبو بكر على \[ حج \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الناس، ومضى علي بن أبي طالب بالبراءة، فقال علي بالموسم، فقرأ على الناس ( براءة منم الله ورسوله ) من العهد غير أربعة أشهر، فإنهم يسيحون فيها. 
ثم قوله :( يوم الحج الأكبر ) قال عامة أهل التأويل : هو يوم النحر لأن فيه ذكر طواف البيت وحج البيت وقال بعضهم : هو يوم عرفة لأنه هو الذي يوقف \[ فيه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] بعرفة، وبه يتم الحج على ما روي في الخبر :**«الحج عرفة ومن أدرك عرفة بليل، وصلى معنا بجمع فقد تم حجه، وقضى تفثه، بإدراكه يتم الحج، وبفوته يفوت »**\[ النسائي٥/٢٥٦ \] وعن الحسن أنه سئل، فقيل له : ما الحج الأكبر ؟ فقال : سنة حج المسلمون والمشركون جميعا، اجتمعوا بمكة، وكان في \[ ذلك \]\[ ساقطة من الأصل وم \] اليوم لليهود عيد وللنصارى عيد، لم يكن قبله ولا بعده، فسماه الله الحج الأكبر. 
وقال أبو بكر الأصم : لا يحتمل أن يسمي الله لعيد النصارى واليهود يوم الحج الأكبر، وهو يوم نزول السخطة\[ من م، في الأصل : السيحة \] عليهم واللعنة ولكن جائز أن يسمي بذلك لاجتماع\[ في الأصل وم : الاجتماع \] الخلائق فيه من كل نوع على ما سمى يوم الحشر يوما كقوله :( ليوم عظيم ) ( ويوم يقوم الناس لرب العالمين )\[ المطففين٥و٦ \]. 
وقوله تعالى :( فإن تبتم فهو خير لكم ) أي تبتم عما كنتم عليه ( فهو خير لكم ) لأنهم يأمنون من الرعب الذي كان في قلوبهم. ويكون ذلك الخوف والرعب في قلوب المشركين على ما روي في الخبر أنه قال :**«نصرت بالرعب مسيرة شهرين »**\[ الطبراني في الكبير١١٠٥٦ \]. 
وقوله تعالى :( وإن توليتم ) عما ذكرنا ( فاعلموا أنكم غير معجزي الله ) أي غير فائتين عن نقمة الله وعذابه. ويحتمل قوله :( فإن تبتم ) عن نقض العهد ( فهو خير لكم ) والأول ( فإن تبتم ) وأسلمتم ( فهو خير لكم ) في الدنيا والآخرة \[ أقرب \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ثم روي في بعض الأخبار عن علي رضي الله عنه أنه سئل : بأي شيء بعث ؟ قال : بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده أربعة أشهر ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الحرم مشرك، بعد هذا\[ إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم :**«ألا لا يحجن بعد العام مشرك »**\[ البخاري : ٣٦٩ \] \]. وفي بعض الأخبار : ولا يحج المشرك بعد عامه هذا وكذلك قال في الآية الأخرى :( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا )\[ التوبة : ٢٨ \]. 
ففيه دلالة إثبات رسالة محمد لأنه قال في ملإ من الناس بالموسم : لا يحج مشرك بعد هذا مع كثرة أولئك وقوتهم وقلة المؤمنين وضعفهم ثم لم يتجاسر بعد ذلك النداء أن يقول : مكة للحج وغيره. دل أن ذلك كله كان بالله لا بهم. 
ثم من الناس من استدل بالخبر الذي روي **«أنه بعث أبا بكر الصديق على الحج وبعث معه ب ( براءة ) ثم أتبعه عليا، فأدركها، فأخذ منه، ورجع أبو بكر إلى النبي فقال : هل نزل في شيء ؟ قال : لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني »**\[ بنحوه الترمذي٣٦٧٠ \] على أن عليا هو المستحق للخلافة وهو الأحق بها دون أبي بكر حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :**«لا يبلغ عني إلا رجل مني »** لكن يحتمل أنه ولى ذلك عليا لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهدا أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم فولى ذلك عليا لئلا يكون لهم الاحتجاج عليه، فيقولون : لم ينقض علينا العهد ؟ أو أن يقال عليا ولى علينا أمر الحرب، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي بكر ؛ وولى أبا بكر أمر إقامة الحج والمناسك، وكان أبو بكر هو المولى أمر العبادات، وعلي \[ هو المولى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أمر الحروب. فالحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات أو أن يقال :\[ إن \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أبا بكر كان أمير الموسم وعليا كان مناديه ؛ فالأمير في شاهدنا أجل قدرا وأعظم منزلة من المنادي، وأمر عليا ذلك لما أن ذلك أن كان أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه، و الله أعلم.

### الآية 9:4

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:4]

وقوله تعالى :( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ) أمر بإتمام العهد للذين لم ينقضوا المسلمين، ولا ظاهروا عليهم أحد. وأما الذين كانت عادتهم نقض العهد ونكته فإنه لا يتم لهم، ولكن ينقض. وكذلك تأولوا قوله :( براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين ) النقض. 
ويحتمل أن يكون صلة قوله :( وبشر الذين كفروا بعذاب أليم )\[ التوبة : ٣ \] ويكون العذاب الأليم، هو القتل والأسر ؛ كأنه يقول ( وبشر الذين كفروا ) بالقتل والأسر ( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) النقض. 
ويحتمل أن يكون صلة قوله :( وبشر الذين كفروا بعذاب أليم )\[ التوبة : ٣ \] ويكون العذاب الأليم، هو القتل والأسر ؛ كأنه يقول :( وبشر الذين كفروا ) بالقتل والأسر ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ). 
ثم يحتمل قوله :( لم ينقصوكم شيئا ) أي لم يخونوكم شيئا ما داموا في العهد ( ولم يظاهروا عليكم أحدا ) أي لم يعاونوا، ولا أطلعوا أحدا من المشركين عليكم ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) كقوله :( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء )\[ الأنفال : ٥٨ \] أمر بالنبذ إليهم عند خوف الخيانة، وأمر بالإتمام إذا لم يخونوا ولم يظاهروا عليهم أحدا. 
ودل قوله :( وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ) على أن قوله ( فاعلموا أنكم غير معجزي الله ) أي غير معجزي أولياء الله في عذاب الدنيا لأنهم جميعا سواء في عذاب الآخرة مشتركين فيه. 
وقوله تعالى :( إلى مدتهم ) قال بعضهم : مدة القوم أربعة أشهر بعد يوم النحر لعشر مضين من ربيع الآخر لمن كان له عهد، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم خمسون ليلة. د
وقال بعضهم :( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ( بالحديبية فلم يبرإ الله ورسوله في الأشهر الأربع ( ولم يظاهروا عليكم أحدا ) أي لم يعينوا على قتالكم أحدا من المشركين، أي لم يفعلوا ذلك ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) وهو أربعة الأشهر ( إن الله يحب المتقين ) الذين اتقوا المعاصي والشرك.

### الآية 9:5

> ﻿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:5]

وقوله تعالى :( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ )قال بعضهم : الأشهر الحرم هي أشهر العهد والأمان. فإذا انسلخت تلك الأشهر، ومضت( فاقتلوا المشركين )( حيث وجدتموهم ). 
وقال بعضهم : الأشهر الحرم هي الأشهر التي خلقها الله، وجعلها حراما، كقوله :( إن عدة الأشهر عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم/٢٠٧-أ/ خلق السموات والأرض منها أربعة حرم )\[ التوبة : ٣٦ \]. 
وقوله تعالى :( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ ) قال بعضهم حيث وجدتموهم في الأماكن كلها ؛ لأن حيث إنما يترجم عن مكان ؛ أمر بقتلهم في الأماكن كلها لأنه لم يخص مكانا دون مكان. وقال آخرون : هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم. دليله ما ذكر في السورة التي فيها البقرة، وهو قوله :( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) وقوله\[ في الأصل وم : وقال \] :( ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام )\[ الآية : ١٩١ \] أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد الحرام. وأمكن أن يكون أنهم يقتلون \[ عدوهم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] إلا أن يدخلوا \[ المسجد \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الحرام، وقد نهوا عن الدخول فيه\[ في الأصل و م : فيها \] والحج هنالك على ما روي أن عليا نادى بالموسم :**«ألا لا يحجن بعد العام مشرك »**\[ البخاري : ٣٦٩ \] فإذا دخلوا يقتلون، ويكون دخولهم فيه بعد النهي كابتداء مقاتلهم إيانا. 
فإذا قاتلونا عند \[ المسجد الحرام قاتلناهم \] كقوله :( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم )\[ البقرة : ١٩١ \] والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وخذوهم ) قيل : سروهم، وقوله :( واحصروهم ) قيل : واحبسوهم ( واقعدوا لهم كل مرصد ) والمرصد الطريق ؛ كأنه أمر بقوله :( فاقتلوا المشركين ) بقتلهم إذا قدروا عليهم، وأمكن لهم ذلك، والأمر \[ عند \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن، وحفظ المراصد عند غير الإمكان لئلا يفروا. ويقال : أرصدت له أي انتظرت حتى\[ في الأصل وم : يحل \] أجد فرصتي. ويقال : ترصدته أي انتظرته. 
وقال بعضهم :( كل مرصد ) أي كل طريق يرصدونكم. كأنه أمر بذلك ليضيق عليهم الأمر، ليضجروا، ويتفادوا. وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ينتفعون به ؛ لأنه أمر بالحصر و حفظ الطرق والمراصد ليضيق عليهم الأمر فيشتد فيتفادوا، وفيما يحملون توسيع عليهم. 
وقوله تعالى :( وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) يحتمل أن يكون قوله ( وخذوهم واحصروهم ) أي أقيموا عليهم الحجج والبراهين ليضطروا إلى قبول ذلك. فإذا أنفذوا لكم، وإلا فاقتلوهم ( حيث وجدتموهم ). 
وقوله تعالى :( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) فوجب بظاهر الآية أن نقاتل من آمن، ولم يقم الصلاة، ولم يؤتي الزكاة ؛ لأن الله تعالى إنما رفع القتل عنهم بالإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. فإذا لم يأتوا بذلك فالقتل واجب عليهم. 
وكذلك \[ فعل أبو \]\[ في الأصل : فعل أبي \] بكر الصديق لما ارتدت العرب، ومنعتهم الزكاة ؛ حاربهم حتى أذعنوا بأدائها إليه. روي عن أنس \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب كافة، فقال عمر : يا أبا بكر تريد أن تقاتل العرب كافة، فقال أبو بكر : إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة منعوا من دمائهم وأموالهم. والله لو منعوني عقالا كانوا يعطون رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم عليه. قال عمر : فلما رأيت أبا بكر قد شرح عرفت أنه الحق. 
وفي بعض الأخبار \[ أنهم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قالوا : نشهد أن لا إله إلا الله، ونصلي ولكن لا نزكي، فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر، فقالوا : دعهم فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم، وثبت أدوا. فقال : والله لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلتهم عليه. \[ وقالوا : قاتل \]\[ في الأصل وم : قيل أو قاتل \] رسول الله على ثلاث : شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقال الله :( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) والله \[ لا \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن، فقالوا : إنا نزكي ولكن لا نرفعها، فقال : والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأضعها مواضعها. 
وقال آخرون : قوله :( فإن تابو ا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) في قبولهما\[ من م، في الأصل : قبولها \] والاعتقاد بهما دون فعلهما لما لا يحتمل حبسهم ومنعهم إلا أن يحول الحول، فيأخذوا بأداء الزكاة. دل على أنه القبول والإقرار بذلك، واستدلوا لما روي في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، و إني رسول الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني كذا »**. وفي بعضها :**«حتى يقولوا : لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وإذا فعلوا ذلك منعوا كذا »**\[ مسلم : ٢١ \]. 
دل ما ذكرنا من الزيادات والنقصان أن ذلك في قوم مختلفين وأنه على القبول لذلك والاعتقاد، لا على الفعل بنفسه. فمن كان لا يقر بشيء من ذلك، فإذا قال : لا إله إلا الله، كان ذلك منه إيمانا في الظاهر. ومن كان يقول : لا إله إلا الله، ولا يقول : محمد رسول الله ؛ فإذا قال ذلك \[ كان ذلك \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] منه إيمانا. ومن كان يقر بهذين، ولا يقر بالصلاة والزكاة، فإذا أقر بذلك كان ذلك منه إيمانا، فهو على الإقرار به والاعتقاد، لا على الفعل. 
ألا ترى أن للأئمة أن يأخذوا منهم الزكاة ؛ شاؤوا، أو أبوا ؟ فلو كان الأداء من شرط الإيمان لكانوا غير مؤمنين بأخذ هؤلاء. 
واختلف الصحابة والروايات في الحج الأكبر ؛ روي عن عبد الله بن الزبير \[ أنه قال \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة :**«هل تدرون أي يوم هذا ؟ قالوا نعم، اليوم الحرام، يوم الحج الأكبر، قال : فإن الله قد حرم دماءكم و أموالكم عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا »**\[ ابن ماجه : ٣٠٥٧ \]. 
وعن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن الحج الأكبر، فقال : يوم عرفة. وعنه أنه وقف عليهم يوم عرفة فقال : إن هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد. وعن ابن الزبير \[ أنه كان \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يقول : يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر. 
وفي بعض الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم أنه خطب على ناقة حمراء يوم النحر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أتدرون أي يوم هذا ؟ هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر »**. 
وفي بعض الأخبار عن ابن عمر \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : رأيت، أو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم النحر عند المحراب في حجة الوداع :**«أي يوم هذا ؟ قالوا هذا يوم النحر. قال\[ من م، في الأصل : قالوا \] فأي بلد هذا ؟ قالوا هذا بلد حرام، قال : فأي شهر هذا ؟ قالوا : هذا شهر حرام. قال : هذا يوم الحج الأكبر ؛ فدماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال : هل بلغت ؟ »**\[ مسلم١٦٧٩/٣٠ \]. 
وعن الحارث \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : سألت عليا عن الحج الأكبر، فقال : يوم النحر، وعن المغيرة بن شعبة أنه خطب يوم العيد، فقال : هذا يوم النحر، ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر، وعن العباس رضي الله عنهما \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الحج الأكبر يوم النحر. 
وفيه قول ثالث : ما روي أنه كان في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم : والحج الأصغر العمرة. وعن ابن عباس \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : العمرة الحجة الصغرى، وسئل عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر فقال : الحج الأكبر يوم النحر والأصغر العمرة. 
فأما حديث عمرو بن حزم فهو حكاية عن كتاب، وليس فيه بيان عن يوم الحج الأكبر إنما يذكر فيه الحج الأصغر. ولولا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال : يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر لأنه يقضى فيه فرض الحج ؛ وهو الوقوف. ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، وجاز أن يقال : هو يوم النحر ؛ لأن فيه يقضى طواف الزيادة وهو فرض يقتضى فيه أكبر مناسك الحج، بل هو يوم النحر أولى أن يكون يوم الحج الأكبر ؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضا من فرائض الحج وهو الوقوف، ويقتضى في يوم النحر فرض\[ في الأصل وم : فرضا \] آخر من فرائضه، وهو طواف الزيادة ويقتضى مع ذلك أكبر مناسك الحج. فقد استوى هذان اليومان في أنه يقتضى في كل /٢٠٧-ب/ واحد منهما فرض من فرائض الحج، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم النحر من مناسك الحج ولا يفعل في يوم عرفة شيء\[ في الأصل وم : شيئا \] من النسك إلا الوقوف بعرفة. 
واحتج بعض الناس بفريضة العمرة بما رواه عمرو ابن حزم أن الحج الأصغر هو العمرة، والحج الأكبر هو الحج لما\[ في الأصل : بما، في م : إنما \] سميت العمرة حجا، وقد ذكرنا الوجه في ذلك في ما تقدم. 
وعن علي وأبي هريرة وابن أبي أوفى رضي الله عنهم أنهم قالوا : الحجة الكبرى يوم النحر، وعن عمر وابن عباس أنهما قالا : يوم عرفة.

### الآية 9:6

> ﻿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [9:6]

وقوله تعالى :( وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) وقد قال :( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ )الآية\[ التوبة : ٥ \] فأمر بالآية الأولى عند الوجود، وفي هذه بالقتل والأسر، وأمر في الأولى بتبليغه مأمنه، وفي\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] هذه بأن يقعد له في كل مرصد. وحال هذه في حال الأولى في رأي العين، ويتهيأ له في كل وقت، يظفر به، أن يستجير لما ذكر. وفي كل حال، يرصد له أن يحتال ليرد إلى مأمنه. وفي ذل زوال القيام بما في إحدى الآيتين في الظاهر، فألزم ذلك طلب المعنى الموفق بين الأمرين من طريق التأمل بالأسباب التي هي تدل على حق المعاملة بالآيتين جميعا. 
فقال أصحابنا : إنه إذا قصد نحو مأمن أهل الإسلام غير مظهر إعلام الحرب، ولا بما يدل أنه على ذلك مجيئه، بل يمشي مشي من ينقلب لحاجة، ومن يتعاهد من ينادي إليه بالاستجارة، فيجار، ولو كان مقبلا نحو مأمننا كالطالب لأحد، عليه إعلام الحرب، لكنه كالغافل عن الذين يرصدون له والذين لهم منعة، ولا قوة به، فلا يقبل قوله. وذلك\[ من م، في الأصل وم : و \] على تسليم الأمر الغالب من الأحوال ؛ إذ لا وجه لعلم الحقيقة في ذلك. 
وعلى ذلك عامة الأمور بين أهل الدارين، وما ذكرت من الآية في لزوم ذلك الاعتبار ؛ إذ لا وجه له ؛ غيره هو دليله، والله أعلم. 
ثم دل قوله :( وإن أحد من المشركين استجارك ) بعد العلم بأنه من مأمنه أمن الآخر ؛ إذ به خوفه، فثبت أنه قد يؤذن له الخروج للاستيجارة من مأمنه والدخول في مأمن المسلمين إلى أن يبلغوا مسايحهم، فيستجيروا. فلذلك لا يوجب ذلك الوجود حق الأسر ولا القتل، ويجب رده لو لم يجر، ولا يسع تعرضه لشيء من ذلك ثم. 
وقوله تعالى :( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) من غير أن يبين استجارته لماذا ؟ يحتمل أن يكون ترك بيانه لما في الجواب ذلك بقوله :( حتى يسمع كلام الله ) وذلك كقوله :( يسألونك قل الله يفتيكم في الكلالة )\[ النساء : ١٧٦ \] إن\[ في الأصل وم : أنه \] في الجواب بيان ما استفتوا. 
ويحتمل أن يكون ذلك لازما أن ( يسمع كلام الله ) بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان. وذلك قريب ؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا. فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا عرض، يذهب منفعة التضييق فيكون المقصود بالعهد ما يرون من آثار الإسلام وحسن رعاية أهل الإسلام، وتسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه رجاء أن يجيبوا. فلذلك يؤذنون، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم. 
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو إلى الإسلام. فما قد كان دعاهم غير مرة، فذلك المعنى عند الأمان أولى، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( حتى يسمع كلام الله ) فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام ؛ إذ الذي به يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف، ويؤلفه، ولا صوت له، يسمع نحو اللسان والشفة ونحو ذلك. وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث \[ الحروف \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الخارجة التي تتكلم وقوله، فتبلغ، أو حروف كلامه للمسامع. فالسمع يقع على الصوت الذي به يدرك الكلام، ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل ومجازا لا حقيقة. فعلى ذلك ما قبل من سماع كلام الله. 
**ثم هو يخرج على وجوه :**
أحدها : أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام، وهو الأمر والنهي والتحريم والتحليل وغير ذلك. وذلك مما ينسب إلى الله. فقيل بذلك : كلام الله لما إليه ينسب الكلام به والنهي ونحو ذلك. 
والوجه الثاني : أن يكون ألفه، ونظمه، على ما أعجز عن مثله، فينسب إليه بما منه تأليفيه على ما هو عليه، وإن كان مسموعا من غيره على ما نسبت القصائد إلى مبديها والكتب إلى مؤلفيها والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه المبدأ الذي عليه يتكلم. فمثله معنى قوله ( حتى يسمع كلام الله ). 
والثالث : أن يكون لما لكلامه \[ يعبر، وبه \]\[ من م، في الأصل : يعبرون به \] يوصف أن له كلاما\[ في الأصل وم : كلام \]، وبه يرجع إلى ذلك، وإن كان الله تعالى يجل عن الوصف لكلامه بالحروف والهجاء والإيماض ونحو ذلك. 
فلما كان إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم ولا متصور، فنسب إليه كما قال تعالى :( خلقكم من نفس واحدة )\[ النساء : ١ \] وقال :( خلقكم من تراب )\[ الروم : ٢٠ \] من غير توهم كلية العالم\[ من م، في الأصل : العام \] في ذلك التراب أو النفس الواحدة لما إليه مرجع الكل، نسب إليه. 
وعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما قيل من لقاء الله والمرجع إلى الله والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ؛ ذكر المصير إليه، \[ لأنه لابد \]\[ في الأصل : لا أن، في م : لأن لذلك \] لذلك من صيرورة إليه في الحقيقة ورجوع لم يكن من قبل فمثله، لما قيل كلام الله. 
ثم الله تعالى يحيل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول. فعلى ذلك صفته. بل ذلك أحق وأولى ؛ أذ نجد صفات الخلق لا تحد، ولا تتصور في الأوهام، ولا تقدرها العقول إلا من طريق القول بالحقيقة على \[ ما هي إخبار \]\[ من م، في الأصل : هن أعيار \] لهم. والله تعالى المتعالي عن التصور في الأذهان، ووصفه بالعلم والكلام ونحو ذلك أحق في إيصال ذلك، فتدبر فيه. 
وقال الثلجي : يقال : كلام الله على الموافقة لا على الحقيقة كما يقال : ذا قول فلان وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به. فالقائل الشاهد. 
وقال أبو بكر فهذا يدل على أن كلام الله يسمع من وجوه ؛ فكأنه يذهب إلى مثل ما يقال : يعرف الله من وجوه على تحقيق الوجوه فمثله كلامه، والله \[ أعلم، من غير توهم المعنى الثاني يفترق به \]\[ في الأصل : أعلم، في م : من غير توهم المعنى الثاني يتفرق به \] عن الله سبحانه، كذلك سماع كلامه. 
وفي قوله :( ثم أبلغه مأمنه ) دلالة أنه لم يقبل ما أسمع، وعرض عليه ؛ إذ لو قبل لكان يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك ولكان يحق عليه الخروج منها، لا العود إليها. 
ثم معلوم أن كلام الله، هو حجته، وأن الحجة قد لزمته لوجهين :
أحدهما : ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق\[ من م، في الأصل : الأوقات \] على قطع طمع المقابلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرد الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء نوره، فكان ذلك حجة بينة لزمتهم. 
والثاني : أن جميع ما يتلى منه لا يؤتى عن آيات إلا وفيها ما يشهد بالعقول على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة مما لو قوبل بما فيه من المعنى، وما يحدث به من الفائدة ليعلم أن ذلك من كلام من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء. وإن كان كذلك، صار هو بالرد مكابرا، وحق مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل \[ ما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يضمن أمانه القبول، ولا ألا\[ من م، في الأصل : أن \] يعارضه بالرد وذلك أعظم مما فيه الحدود. فالحد أحق ألا\[ من م، في الأصل : أن \] يقام عليه، والله أعلم. 
ثم قوله :( ثم أبلغه مأمنه ) يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يدعه، ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه، وأنه يلزم الجزية /٢٠٨-أ/ إلا عن طوع أو دلالة عليه. 
والثاني : أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين منه. وفي ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإحازة، وعلى ذلك كل مسلم. 
ثم سماع كلام الله يخرج من القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة وعلى سماع أوامر الله ونواهيه في حق العرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة أو التوحيد من القرآن، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) أي ما لهم وما\[ من م، في الأصل : و \] عليهم. ويحتمل نفي العلم بما لم ينتفعوا بما أعلموا. ويحتمل ذلك \[ تعليما \]\[ في الأصل وم : تعليم \] مع رسول الله من كيفية معاملة الكفرة ؛ إذ هم لم يكونوا يعلمون من قبل، والله أعلم.

### الآية 9:7

> ﻿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [9:7]

ثم قوله عز وجل :( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ) هو، والله أعلم، أن كيف يستحقون العهد ؟ وكيف يعطى لهم العهد، وقد نقضوا العهود التي بينهم وبين ربهم والعهود التي بينهم وبين رسول الله. 
فأما العهود التي بينهم وبين ربهم فهي\[ في الأصل وم : هو \] عهد الخلقة ؛ إذ في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، والشهادة على الرسالة، وما عهد إليهم في كتبهم من إظهار صفة محمد وبعثه\[ في الأصل وم : ونعته \] للخلق، فنقضوا ذلك كله، ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول الله، ولم يحفظوها. 
يقول، والله أعلم، كيف يستحقون أن يعطى العهد لهم، وقد نقضوا العهد الذي عهد الله إليهم والعهود التي أعطاهم رسول الله، لا يستحقون ذلك. إلا أن الله عز وجل بفضله وإحسانه أذن أن تعطى لهم العهود، ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) أي أوفوا لهم العهد إذا وفوا لكم، وإن انقضت المدة. يقول، والله أعلم، إذا استقاموا لكم في وفاء العهد ( فاستقيموا لهم ) في وقاية العهد. 
وقوله تعالى :( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) استثنى الذين عاهدوا عند المسجد الحرام. يحتمل ألا يعطى العهد ( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) ويحتمل قوله ( إلا الذين عاهدتم ) كذا فإنهم إن أوفوا لكم \[ فأوفوا لهم \]\[ في الأصل : فأوفوا، ساقطة من م \] ( إن الله يحب المتقين ) إن الله يحب من اتقى الشرك، واتقى من جور وظلم، والله أعلم.

### الآية 9:8

> ﻿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [9:8]

وقوله تعالى :( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً ) يقول : كيف تعطون لهم العهد ؟ وكيف يستحقون العهد ؟ ( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً ) ؟ 
وقال بعضهم : كيف لا تقاتلونهم ( وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً ) ؟ قال : الإل الله، والذمة العهد. وقيل : إلال القرابة، وقيل : الإل العهد والذمة. وكذلك ذكر في حرف حفصة ( لا يرقبوا فيكم ) عهدا ( ولا ذمة ). 
قال القتبي : الإل العهد ؛ قال : ويقال : القرابة، وقال أبو عوسجة : الإل القرابة. وقال أبو عبيدة : الإل العهد، والذمة التذمم. وقال ابن عباس : الإل عند الله بمنزلة جبريل ؛ يفسره عبد الله لما قيل : جبريل هو عبد الله. 
وقيل : الإل الحرم ؛ يقول : كيف يعطونهم العهد، وهم ( وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم ) القرابة ولا العهد، ولا يرقبوا\[ في الأصل وم : يرقبون \] الحرم فيكم ؟ وقد كانوا يحفظون في ما بينهم القرابة والرحم حتى يعاون بعضهم بعضا، ويناصر، إذا وقع بين قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون حرم الله حتى لا يقاتلوا\[ في الأصل وم : يقاتلون \] في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا يحفظون العهود في ما بينهم من قبل، ولا يرقبون فيكم، ولا يحفظونها. هذا، والله أعلم تأويل قوله :( لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) وقد كانوا يرقبونه من قبل. 
وقوله تعالى :( يرضونكم بأفواههم ) بأنهم يوفون العهد، ويحفظونه ( وتأبى قلوبهم ) إلا النقض. 
وقوله تعالى :( وأكثرهم فاسقون ) في نقض العهد. والفسق هو الخروج عن أمر الله كقوله ( ففسق عن أمر ربه )\[ الكهف : ٥٠ \].

### الآية 9:9

> ﻿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:9]

وقوله تعالى :( اشتروا بآيات الله ) تحتمل آيات الله القرآن ومحمدا، وتحتمل آياته دينه. 
وقوله تعالى :( فصدوا عن سبيله ) أي صدوا الناس عن متابعة النبي، وقيل صدوا الناس عن دين الله الإسلام. ( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) أي بئس ما عملوا بصدهم الناس عن دين الإسلام ومتابعة محمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم.

### الآية 9:10

> ﻿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [9:10]

وقوله تعالى :( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) هذا قد ذكرنا ( وأولئك هم المعتدون ) في نقض العهد والاعتداء هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم.

### الآية 9:11

> ﻿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [9:11]

وقوله تعالى :( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) قال بعض أهل التأويل : أنظروا إلى كرم ربكم وجوده : قوم قد افتروا على الله كذبا، وكذبوا رسول الله، وهموا بقتله وإخراجه من بين أظهرهم، وطعنوا في دينهم، وعملوا كل بلية من نصب الحروب والقتال في ما بينهم، ثم إنه وعد لهم بالتوبة المغفرة والتجاوز عما كان منهم بقوله :( إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف )\[ الأنفال : ٣٨ \] وجعل في ما بينهم الأخوة والمودة بقوله :( بإخوانكم في الدين ) وقوله\[ في الأصل وم : وقال \] :( وجعل بينكم مودة ورحمة )\[ الروم : ٢١ \] وقوله :( إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا )\[ آل عمران : ١٠٣ \] وغير ذلك من الآيات. 
وفيه : إن كان له بمكان آخر ذنب أو جفاء، فإذا رجع عن ذلك، وتاب، لزمه أن يتجاوز عنه، وألا يذكر بعد ذلك ما كان منه \[ من \]\[ ساقطة من الأصل \] الذنب على ما جعل الله في ما بين هؤلاء الأخوة والمودة إذا تابوا، وقال :( فإخوانكم من الدين ) وقد كان منهم ما كان، ومن حق الأخوة ألا يذكر ما كان منهم من المساوئ. 
ثم قوله تعالى :( فإن تابوا ) من الشرك وما كان منهم، وقوله تعالى :( وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) يحتمل قوله :( وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وجهين :
تحتمل الصلاة : المعروفة، والزكاة : المعروفة زكاة المال، وهو ما ذكرنا في ما تقدم من الإقرار لهما والاعتقاد والقبول لذلك دون فعلهما، وهو في الكبراء والقادة الذين كانوا يأنفون عن الخضوع لأحد، ولا يؤدون الزكاة، ولا يتصدقون لما ظنوا أنهم يخلدون في الدنيا إشفاقا على أنفسهم. 
ويحتمل أن يكون المراد من الصلاة والزكاة الخضوع والخشوع لا الصلاة المعروفة، والمراد من الزكاة زكاة النفس وإصلاحها. فإن كان هذا فهو لازم في الأوقات كلها ؛ ما من وقت إلا وله على كل أحد خضوع لأحد، ولا يؤدون الزكاة، ولا يتصدقون لما ظنوا أنهم يخلدون في الدنيا إشفاقا على أنفسهم. 
ويحتمل أن يكون المراد من الصلاة والزكاة الخضوع والخشوع لا الصلاة المعروفة، والمراد من الزكاة زكاة النفس وإصلاحها. فإن كان هذا فهو لازم في الأوقات كلها ؛ ما من وقت إلا وله على أحد الخضوع والخشوع له، \[ وأن \]\[ في الأصل وم : و \] يزكي نفسه، ويصلحها، وهو كقوله :( قد أفلح من زكاها )\[ الشمس : ٩ \]. 
وقوله تعالى :( وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) أي نبين الآيات ( لقوم يعلمون ) ينتفعون بعلمهم. ويحتمل ( لقوم يعلمون ) أي لقوم إذا نظروا فيها، وتدبروا ( يعلمون ) لا لقوم لا يعلمون.

### الآية 9:12

> ﻿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [9:12]

وقوله تعالى :( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ) يحتمل قوله ( أيمانهم ) العهود نفسها كقوله :( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) ثم ذكر العهود، ثم قال :( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها )\[ النحل : ٩١ \]. 
ويحتمل قوله :( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ) أيمانا يحلفون \[ بها \]\[ ساقطة من الأصل وم \] بعد إعطاء العهد توكيدا بألا\[ في الأصل وم : لئلا \] ينقضوا العهد، إذا \[ عاهدوكم، ونقض العهد نكثه \]\[ في الأصل وم : عاهدتم نقض العهد ونكثه \]. 
وقوله تعالى :( فقاتلوا أئمة الكفر ) وتخصيص الأمر بمقاتلة الأئمة \[ بوجوه :
أحدها \]\[ ساقطة من الأصل \] : لما أن الأتباع أبدا يقلدون الأئمة ويصدرون عن آرائهم وتدبيرهم. فإذا قاتلوهم اتبع الأتباع فلهم. 
والثاني : لنفي الشبه أن ليس الأئمة /٢٠٨-ب/ منهم كأصحاب الصوامع، وإن كانوا هم أئمة في العبادة، فلا يترك مقاتلتهم كما يترك مقاتلة أصحاب الصوامع قد عزلوا\[ من م، في الأصل : عرفوا \] أنفسهم عن الناس عن جميع المنافع، وحبسوها للعبادة، والأئمة ليسوا كذلك. 
والثالث : خص الأئمة بالقتال لأنهم إذا قتلوهم لم يبق لهم إمام في الكفر، فيذهب الكفر رأسا، وهو كقوله ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة )الآية\[ البقرة : ١٩٣ \]. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( إنهم لا أيمان لهم ) يحتمل ( لا أيمان لهم ) لا عهد لهم بعد نقضهم العهد ؛ أي لا توفوا لهم العهد الذي كان لهم إذا نقضوا. ويحتمل ( لا أيمان لهم ) أي لا يعطى لهم العهد أبدا. 
وفيه لغة أخرى لا إيمان لهم بكسر\[ انظر معجم القراءات القرآنية٣/١٠ \] الألف ؛ أي لا يؤمنون أبدا. فإن كان كذلك \[ فذلك في قوم، علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا \]\[ ساقطة من م \]. 
وفائدة قوله\[ في الأصل وم : قولهم \] ( إنهم لا أيمان لهم ) تخرج على وجهين :
أحدهما : أن أهل العهد إذا نقضوا العهد ينقض ذلك، ويتركون على النقض، ويقاتلون بعد النقض. 
\[ والثاني : ليسوا \]\[ في الأصل وم : يصل \] كأهل الذمة إذا نقضوا الذمة لا يتركون ذلك، ولكن يرتدون\[ في الأصل وم : يريدون \] إلى الذمة، ولا تنقض الذمة بينهم. 
وقال الحسن : قوله :( لا أيمان لهم ) يقول : لا تصديق لهم. 
وقوله تعالى :( لعلهم ينتهون ) عن نقض العهد.

### الآية 9:13

> ﻿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [9:13]

وقوله تعالى :( أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ) أي كيف ( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانكم ) وأيمانهم : ما ذكرنا، وهو حرف الإغراء على مقاتلة من اعتاد\[ في الأصل وم : اعتقاد \] نقض العهود والتحريش عليهم ( وهموا بإخراج الرسول ) يحتمل قوله :( وهموا بإخراج الرسول ) القتل أي هموا بقتله. وفي القتل إخراجه، وهموا بإخراجه من المدينة \[ ما \]\[ ساقطة من الأصل \] ذكر في بعض القصة أن اليهود قالوا لرسول الله : إن كان للأنبياء\[ في الأصل وم : الأنبياء \] والرسل بيت المقدس لا المدينة فانتقل إليه. 
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه معلوم أنهم أسروا في أنفسهم وفي ما بينهم إخراجه وقتله، لا أنهم أظهروا ذلك، ثم أخبرهم بذلك، دل أنهم إنما علموا أنه عرف ذلك بالله تعالى. 
وقوله تعالى :( وهم بدءوكم أول مرة ) يحتمل قوله ( وهم بدءوكم أول مرة ) في نقض العهد، أي هم بدؤوكم بنقض العهد. ويحتمل : هم بدؤوكم بالقتال أول مرة والإخراج. 
وقوله تعالى :( أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ) أي لا تخشوهم، واخشوا الله، فإنهم لا يقدرون أن \[ يصلوا إليكم بنكبة \]\[ في الأصل وم : يصل إليكم نكبة \] إلا بإقدار الله إياهم. فلا تخشوهم، واخشوا الله. ويحتمل قوله ( أتخشونهم فالله ) قادر ؛ ينصركم، ويقهر عدوكم ( فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) إذ هو قادر على منعهم عنكم، ونصركم عليهم\[ في الأصل وم : عليه \].

### الآية 9:14

> ﻿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [9:14]

وقوله تعالى :( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ) الآية ؛ علم الله عز وجل كراهة\[ من م، في الأصل : كرامة \] القتل وثقله على الخلق، فأمر المؤمنين بمقاتلة الكفرة، ووعد لهم النصر والتعذيب. والتعذيب بأيديهم يحتمل وجهين : القتل والإهلاك، ويحتمل الأسر والسبي. ( ويخزيهم ) يحتمل أيضا وجهين : يحتمل الهزيمة والإذلال \[ في الدنيا \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ويحتمل ( وخزهم ) في الآخرة كقوله :( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته )\[ آل عمران : ١٩٢ \] الخزي هو العذاب الذي فيه الفضيحة و الذلة. 
وفي قوله تعالى :( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) دلالة نقض قول المعتزلة لقولهم : لا\[ أدرج قبلها في الأصل وم : أن \] قدرة لله على أفعال الخلق ؛ وقد أخبر أنه يعذبهم بأيديهم، ولو كان غير قادر على أفعالهم كان يعذبهم بيده لا بأيديهم، وينصركم عليهم. 
وعد لهم النصر عليهم والظفر وخزي الكفرة، وهو ما ذكر ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا )\[ التوبة : ٥٢ \] دلالة نقض قولهم لأنه أخبر أنه يصيبهم العذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين لما ذكرنا. 
وقوله تعالى :( ويشف صدور قوم مؤمنين ) يحتمل أن تكون قلوبهم توجعت، وتألمت بكفرهم بالله وتكذيبهم الرسول، فوعد شفاء صدورهم. وذلك يحتمل وجهين :
أحدهما : أنهم يسلمون، فيصيرون إخوانا، فيدخل فيهم السرور والفرح فإزاء ما حزنوا وتألموا، وذلك شفاء صدورهم. 
والثاني :( ويشف صدور قوم مؤمنين ) بالقتل والهزيمة ؛ يقتلون، ويهزمون ؛ ففي ذلك شفاء صدورهم لما تألمت، وتوجعت، بالتكذيب والكفر بالله وآياته.

### الآية 9:15

> ﻿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:15]

وقوله تعالى :( ويذهب غيظ قلوبهم ) هذا يحتمل أيضا وجهين : يذهب الغيظ الذي كان\[ في الأصل وم : كانوا \] في قلوبهم \[ ويذهب الغضب \]\[ في الأصل وم : غضبوا \] عليهم بالذي ذكرنا. 
وقوله تعالى :( ويتوب الله على من يشاء ) أي من شاء عذب، ومن شاء تاب عليه. 
وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة لأنهم يقولون : شاء الله أن يتوب على جميع الكفرة، لكنهم لا يتوبون، فأخبر أنه يعذب، ويتوب على بعض ؛ فإنما شاء أن يعذب غير الذي شاء أن يتوب \[ وشاء أن يتوب على \]\[ ساقطة من الأصل وم \] غير الذي شاء أن يعذب. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ( والله عليم ) بما كان، ويكون، أي على\[ في الأصل : عن، في م : من \] علم بما كان منهم، خلقهم لا عن جهل ؛ إذ خلقه إياهم ليس لمنافع نفسه وحاجته، إنما خلقهم لحاجتهم ومنفعتهم ( حكيم ) بوضع كل شيء موضعه. ويحتمل ( عليم ) بما كان من هؤلاء من التكذيب لرسول الله والكفر بآياته ( حكيم ) أي بما\[ في الأصل وم : ما \] جعل عليهم من القتل والتعذيب والخزي، كأنه وضع الشيء موضعه.

### الآية 9:16

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [9:16]

وقوله تعالى :( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ) \[ قوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ويعلم الصابرين )\[ آل عمران : ١٤٢ \] \[ وقوله أيضا \]\[ في الأصل وم : وأيضا قوله \] :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم )الآية\[ البقرة : ٢١٤ \] وقوله :( آلم ) ( أحسب الناس أن يتركوا ) الآية\[ العنكبوت : ١و٢ \] هذه الآيات كلها في المنافقين الذين أظهروا الإيمان باللسان، ورؤوا المؤمنين الذين حققوا الإيمان، وأخلصوا الإيمان والموافقة له، فقال :( أم حسبتم أن تتركوا ) على ما أظهرتم من الإيمان باللسان فلا تبتلوا\[ في الأصل وم : تبتلون \] بالقتال مع الكفرة ؟ والله أعلم. 
أمر به\[ الضمير يعود على القتال \] لمعنيين :
أحدهما : تطهير للأرض للأرض من الكفر كقوله تعالى :( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )\[ الأنفال : ٣٩ \]. 
والثاني : امتحانا للمنافقين ليتبين نفاق من أظهر الإيمان باللسان مراآة، وصدق من أظهره حقيقة، ليعرف المحق المخلص من المنافق المرائي، لأن القتال هو\[ أدرج بعدها في الأصل : من \] أرفع أعلام يظهر بها نفاق المنافق لأنهم إنما كانوا يظهرون الموافقة طمعا لهم بالدنيا لتسليم لهم المنافع التي كانوا ينتفعون بها. 
ففي الأمر بالقتال خوف الهلاك فإذا خافوا الهلاك على أنفسهم امتنعوا عنه كقوله :( قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا )الآية\[ الأحزاب : ١٨ \] خوفا وإشفاقا على أنفسهم لما ذكرنا أنهم إنما كانوا يظهرون الإيمان باللسان ليسلم لهم ما طمعوا\[ من م، في الأصل : طمعوا \] من المنافع كقوله :( ومن الناس من يعبد الله على حرف )الآية\[ الحج : ١١ \]. 
هذا وصف المنافق. وأما المؤمن المحقق للإيمان المخلص للإسلام فإنه يسلم نفسه لله في جميع أحواله، وإن كان فيه تلف نفسه، لما لم تكن عبادة الله على حرف ووجه كالمنافق، ولكن على الوجوه كلها والأحوال جميعا. عبادته تكون لله، لا يمنعه خوف الهلاك عن القتال، بل نفسه تسخو لذلك، وترضى، ولا كذلك المنافق، وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب والإلزام. 
**ثم قوله :( أم حسبتم ) يحتمل وجهين :**
أحدهما : أي قد حسبتم أن تتركوا على ما أظهرتم من الموافقة /٢٠٩-أ/ والخلاف في السر، ولا \[ تبتلوا، ولا تمتحنوا بما \]\[ في الأصل وم : تبتلون وتمتحنون ما \] يظهر عنكم مما أضمرتم، فلا تحسبوا ذلك. 
والثاني :( أم حسبتم ) أي لا تحسبوا أن تتركوا على ذلك، ولا تمتحنوا بالجهاد والقتال. 
أحد التأويلين يخرج على النهي، والثاني على الإخبار عما حسبوا وعما عندهم. 
ثم قوله :( ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) أي ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهدا، ويعلم ما قد علم أنه يكون كائنا على على حدوث علمه بذلك ؛ إذ هو موصوف بالعلم بكل ما يكون على ما يكون، فيكون قوله :( حتى نعلم المجاهدين )\[ محمد : ٣١ \] من كذا \[ وقوله \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( ويعلم الصابرين )\[ آل عمران : ١٤٢ \] من كذا : أي ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهدا، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائنا لأنه لا يجوز أن يوصف الله بالعلم بما ليس يكون أنه يعلمه كائنا كما لا يجوز أن يوصف أنه يعلم من الجالس القيام في حال جلوسه، ومن المتحرك السكون في حال حركته، ومن المتكلم السكوت في حال كلامه، إنما يوصف بالعلم على الحال التي الخلق عليها، لا يوصف بالعلم في حال غير الحال التي هو عليه، والله الموفق. 
ويحتمل هذا وجها آخر : أن في ما أضاف العلم إلى نفسه كان المراد منه أولياءه كقوله :( إن تنصروا الله ينصركم )\[ محمد : ٧ \] أي إن تنصروا أولياءه\[ من م، في الأصل : أولياء \] ينصركم، أو إن تنصروا دينه ينصركم، أو إن تنصروا رسوله ينصركم. فعلى ذلك قوله :( ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) أي ليعلم أولياءه\[ من م، في الأصل : أوليائه \] المنافق المرائي والمؤمن المحقق\[ الإيمان \]\[ ساقطة من الأصل وم \] المخلص، وليبين لهم، وقوله\[ في الأصل وم : وكقوله \] :( يخادعون الله )\[ البقرة : ٩ \] أي يخادعون أولياءه ؛ إذ الله لا يخادع، ولا ينصر ؛ إذ هو ناصر كل أحد، ولا يخفى عليه شيء، عالم بما يكون، أو أن يكون المراد من العلم الذي ذكر المعلوم. وذلك جائز في اللغة جار، وفي القرآن كثير. 
وقوله تعالى :( وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) أي لم يجدوا ملجأ يلجؤون إليه من دون ما ذكر. ولو وجدوا ذلك لاتخذوا ذلك، ولكن لما لم يجدوا كقوله :( ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفترون ) ( لو يجدون ملجأ )الآية\[ التوبة : ٥٦و٥٧ \] أخبر أنهم لو وجدوا ملجأ يلجؤون إليه ( لولوا إليه )\[ التوبة : ٥٧ \] ولا يظهرون ذلك. 
وقوله تعالى :( وليجة ) قال بعض أهل الأدب : الوليجة البطانة من غير المسلمين. وأصلها من الولوج، وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلا من المشركين وخليطا وودا، وجمعه الولائج. 
وقال البعض : الوليجة : أصلها من الدخول كقوله :( حتى يلج الجمل من سم الخياط )\[ الأعراف : ٤٠ \] يقال أيضا : فلان \[ وليجة فلان \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] : أي خاصته. وقال بعضهم : الوليجة الخيانة. وقال بعضهم : الوليجة ما يلجأ \[ إليه \]\[ ساقطة من الأصل وم \]. وقال بعضهم : كل شيء أدخله في شيء، ليس منه، فهو وليجة. وبعضه قريب من بعض. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( والله خبير بما تعلمون ) هو \[ على \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الوعيد خرج.

### الآية 9:17

> ﻿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [9:17]

وقوله تعالى :( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) قال بعض أهل التأويل : نزلت الآية في العباس بن عبد المطلب ؛ حين\[ في الأصل وم : إنه \] أسر يوم بدر، فأقبل الناس من المهاجرين والأنصار، منهم علي بن أبي طالب وغيره، فعيروه بالكفر بالله والقتال مع النبي وقطيعة الرحم، فقال : ما لكم تذكرون مساوئنا، وتذرون محاسننا ؟ فقالوا : أولكم محاسن ؟ قال : إي والله : إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب البيت، ونسقي الحاج، ونفك العاني. فأنزل الله ردا عليه. لكن في آخر الآية دلالة أنه لا يحتمل أن يكون في العباس على ما قالوا لأنه قال :( أولئك حبطت أعمالهم ) في الدنيا ( وفي النار هم خالدون ) والعباس قد أسلم من بعد، فلا يحتمل هذا الوعيد بعد الإسلام. 
وقال غيرهم من أهل التأويل : وقوله تعالى :( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) أي ما كان بالمشركين عمارة مساجد الله، إنما كان بهم خراب مساجد الله ؛ إن المساجد إنما تعمر بالذكر فيها والصلاة وإقامة الخيرات كقوله :( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه )الآية\[ النور : ٣٦ \]، وهم لم يعمروها لذكر اسم الله فيها، إنما عمروها لذكر الأصنام والأوثان. فكان بهم خراب المسجد لا العمارة. 
وقال بعضهم : قوله :( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) على ما عندهم ؛ لأن الذي منعهم من الإيمان بالله حبهم الدنيا وميلهم إليها، فما ينبغي لهم أن يعمروها، ينفقون\[ في الأصل وم : وينفقوها \]، ويضيعون أموالهم فيها، ولا ينتفعون، منعهم عن التوحيد والإيمان حبهم الدنيا وشهواتهم وميلهم إليها. فعلى ما عندهم ما ينبغي لهم أن يعمروها. 
وقال بعضهم : قوله :( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) أي ما كان على المشركين أن يعمروا مساجد الله، لأنهم لا ينتفعون بها في الآخرة ؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة. وإنما يقصد بعمارة المساجد والإنفاق عليها الثواب في الآخرة، وهم لا يؤمنون بها، فتضيع نفقتهم في ذلك ؛ إذ لا مقاصد لهم، ولا منفعة. إنما ذلك على المسلمين. ويجوز ( له ) بمعنى ( عليه ) كقوله :( إن أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها )الآية\[ الإسراء : ٧ \] أي فعليها. 
وقوله تعالى :( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) يحتمل هذا : أي \[ ما \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] كان بالمشرك عمارة \[ مساجد \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لا بمن أشرك بالله، وكفر بالآخرة. 
وقوله تعالى :( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) قال بعضهم :( شاهدين على أنفسهم ) أي على نفس محمد ومن آمن معه ؛ سماهم لأنهم من قرابتهم وأرحامهم، وقد سمى الله المتصلين بهم بذلك كقوله :( لقد جاءكم رسول من أنفسكم )\[ الآية : ١٢٨ \] وقوله :( فسلموا على أنفسكم )\[ النور : ٦١ \] فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا أو ( شاهدين على أنفسهم ) عند الضرورات عند نزول العذاب بهم وعند الهلاك كقوله :( فلما رأوا بأسنا )الآية\[ غافر : ٨٤و٨٥ \] وغير ذلك من الأحوال التي كانوا يقرون بالكفر يرجعون عنه شهدوا عليكم بالكفر. 
\[ وقال بعضهم : قوله \]\[ من م، في الأصل : أي \] ( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) نشهد بالكفر عليهم ؛ لأن خلقتهم تشهد على وحدانية الله، وأنسهم تشهد على فعلهم بالكفر، وهو ما قال تعالى :( بل الإنسان على نفسه بصيرة )\[ القيامة : ١٤ \] قيل : بل للإنسان من نفسه بصيرة أي بيان من نفسه، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ) إلى آخر الآية في قوم ماتوا على الكفر.

### الآية 9:18

> ﻿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [9:18]

وقوله تعالى :( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) \[ يحتمل \]\[ ساقطة من الأصل وم \] إذ لم يكن عليهم ؛ فذلك كله على المسلمين، أي عليهم عمارة المساجد، وبهم تعمر المساجد، وهم ينبغي أن يعمروها \[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ( وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) قد ذكرنا في ما تقدم. وقوله تعالى :( ولم يخش إلا الله ) قال بعضهم : هو صلة قوله :( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين )\[ التوبة : ١٣ \] أمر أن يخشوا الله ولا يخشوا غيره. ثم ذكر ههنا ( من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ). 
وقال بعضهم : الخشية العبادة، كأنه قال : ولم يعبد إلا الله ( فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) وال : عسى من الله واجب أي كانوا مهتدين.

### الآية 9:19

> ﻿۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:19]

وقوله تعالى :( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) في الآية إضمار فعل أو فاعل لكي تصح المقابلة ؛ لأنه يقابل فعل بفعل أو فاعل بفاعل ولا فاعل بفعل. فههنا ذكر السقاية وعمارة المسجد مقابل ( كمن آمن بالله ). فهو، والله أعلم، ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ) كإيمان من ( آمن بالله واليوم الآخر ). أو يقال : أجعلتم القائم بإصلاح سقاية الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله لتكون مقابلة شخص بشخص، أو فعل بفعل. 
ثم لا يصح أن يجمع بين الكافر و المؤمن، فيقال : لا يستويان عند الله /٢٠٩-ب/ وإن كان الكافر قد أتى بالمحاسن، إلا أن يقال : ليس من فعل محاسن في حال كفره، ثم آمن من بعده كمن فعل محاسن، وهو مؤمن. هذا يجوز أن يجمع، فيقال :( لا يستوون عند الله ). 
وأما الكافر الذي مات على الكفر، وإن عمل خيرات، والمؤمن الذي عمل الصالحات، فمات على ذلك، فيجمع ؟ فيقال : لا يستويان، فلا. 
أو أن يقال بالجهاد الذي ذكر : لا يستوي من بذل نفسه للقتل والتلف كمن سقى الحاج، وعمر المسجد الحرام، ولم يبذل نفسه لذلك. 
فأما أن يقال : لا يستوي الكافر والمؤمن فذلك غير محصل ؛ لأنه إنما يقابل الشيء إذا قرب بعضه من بعض. وأما عند البعد منه فلا يقال، ولا يقابل. 
وقوله تعالى :( والله لا يهدي القوم الظالمين ) ما داموا في ظلمهم، وما داموا اختاروا الظلم لا يهديهم وقت اختيارهم الظلم. أو لقوم مخصوصين، وقد ذكرنا معناه في غير موضع.

### الآية 9:20

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [9:20]

وقوله تعالى :( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قوله :( آمنوا ) أي صدقوا رسول الله في جميع ما يخبر عن الله أنه صادق، وفي جميع ما دعاهم\[ في الأصل وم : دعا \] إليه، وأمرهم به، ونهاهم عنه أنه محق. وإلا كانوا مؤمنين بالله لقولهم\[ في الأصل وم : كقولهم \] :( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )\[ الزمر : ٣ \] وقولهم :( هؤلاء شفعاؤنا عند الله )\[ يونس : ١٨ \] كانوا مؤمنين بالله، لكنهم يكذبون للرسل ولرسالتهم. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وهاجروا ) أي فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم ومنازلهم وبلدهم ؛ هاجروا، \[ وتركوا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] جميع ما تحبه أنفسهم، وتهواه، وتميل إليه القلوب، ما ذكر في الآية التي تلي\[ في الأصل وم : تتلو \] هذه الآية\[ الآية المقصودة/٢٤ \]. 
وفارقوا ذلك الكل إشفاقا على دينهم ليسلم ما لو أعطوا قبل الإسلام الدنيا، وما فيها، إذ وعدوا بكل وعيد وخوف، ما فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشائرهم وأولادهم الذين ذكر في الآية. 
ثم إذا أسلموا فارقوهم، وأجابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ابتغاء مرضاة الله وطلبا لرضوانه ليعلم عظم قدر الدين في قلوبهم وخطير منزلته عندهم، وليعلم\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] أن محن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم وأشد من محننا ؛ لأن محنهم كانت على خلاف عادتهم وخلاف ما طبعوا ؛ لأن الإنسان على حب ما ذكرنا مجبول عليه، فهم مع ذلك تركوا، وفارقوا ذلك، وتحملوا كراهة ذلك ابتغاء مرضاة ربهم. 
وأما محننا فإنها على \[ ما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] سبق من العادة، فهو أهون وأيسر. 
وقوله تعالى :( وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ) أي بذلوا لله ألذ الأشياء وأحبها من\[ في الأصل وم : بين \] الأموال والأنفس. 
وقوله تعالى :( أعظم درجة عند الله ) قال بعض أهل التأويل : من صدق بتوحيد الله، وهاجر إلى المدينة، وجاهد العدو \[ بأمواله ونفسه \]\[ في الأصل وم : بأموالهم وأنفسهم \] ( أعظم درجة عند الله ) من الذي افتخر بعمران البيت وسقاية الحاج، وهم كفار \[ ولذلك قال \]\[ في الأصل وم : وكذلك قالوا \] :( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ( لا يستوون عند الله ) ولكن الوجه في ذلك عندنا ومعنى المقابلة أولئك \[ الذين \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ذكر أعظم درجة عند الله من الذين أسلموا، ونخعوا\[ من م، في الأصل : ويحقوا \]. 
وقوله تعالى :( أولئك هم الفائزون ) الفوز هو الظفر في اللغة ؛ أي أولئك هم الفائزون\[ في الأصل وم : الكافرون \] بنعيم اله وكرامته، والناجون من عذاب الله ونقمته.

### الآية 9:21

> ﻿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [9:21]

\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ) يحتمل قوله :( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ) أي بالنصر في الدنيا والظفر لهم على عدوهم كقوله :( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم )\[ التوبة : ١٤ \] إلى آخر ما ذكر\[ أدرج بعدها في الأصل وم : كلمة \] إنما كان برحتمه. ويحتمل الثواب لهم في الآخرة والكرامة. 
وقوله تعالى :( ورضوان ) أي يبشرهم أيضا : إن ربكم، يمنيكم برضوانه\[ في الأصل وم : راض \] ( وجنات لهم فيها نعيم مقيم ) أي يبشرهم بجنات ( لهم فيها نعيم مقيم ) دائم، وكرامة.

### الآية 9:22

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [9:22]

وقوله تعالى :( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) قال الحسن : ما سمى الله عظيما فهو عظيم لا ندرك عظمته.

### الآية 9:23

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [9:23]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ) تحتمل الولاية الموافقة لهم في الحقيقة في الدين. ومن تولاهم في الحقيقة فهو منهم، وهو ظالم، لا شك. فإن كان هذا فهو ظالم، لا شك. فلم يكن لقوله :( ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ) معنى. 
وتحتمل الولاية إظهار الموافقة لهم في الظاهر على غير حقيقة لكن إظهار على غير حقيقة يباح في حال اضطرار عند خوف الهلاك وذهاب الدين، فيجوز أن يكون قوم أسروا الإيمان في أنفسهم، وكتموه، وأظهروا\[ في الأصل وم : يظهرون \] الموافقة لهم في الظاهر إشفاقا على دينهم وخوفا على أنفسهم، فيباح لهم ذلك لما ذكرنا. 
فلما جعل الله الهجرة، وجعل للمؤمنين مأوى وأنصارا يلجؤون، ويأوون إليه لم يعذروا في إظهار الموافقة لهم، وإن كانوا في السر ليسوا على دينهم، لما ذكرنا. 
فهذا يدل على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه من غير اضطرار يصير كافرا على ما جعل هؤلاء أولياء الكفرة حقيقة ظلمة مثلهم، إذا تولاهم في الظاهر، وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك. وهذا أشبه. وهو ما قال عز وجل :( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم )الآية\[ النساء : ٩٧ \] لم يعذروا في تركهم الهجرة. 
فعلى ذلك هؤلاء إذا ظهروا الموافقة لهم بعد ما جعل لهم المأوى والأنصار صاروا هم في الحقيقة. كذلك نهانا عن موالاة الكفرة جملة بقوله :( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء )\[ آل عمران : ٢٨ \] وقوله\[ في الأصل وم : كقوله \] :( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء )\[ المائدة : ٥١ \] وقوله\[ في الأصل وم : وقال \] :( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء )\[ الممتحنة : ١ \]. 
هذا النهي لنا في جملة الكافرين. ثم نهانا عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء بقوله\[ في الأصل وم : كقوله \] ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء )\[ المائدة : ٥١ \] ثم نهانا أن نوالي المتصلين من الآباء والأمهات وغيره من القرابات\[ من م، في الأصل : القربات \] لما تقع الشبه في موالاة\[ من م، في الأصل : الموالاة \] المختصين بهم، فخص النهي فيه. وكذلك تخصيص اليهود والنصارى لما بيننا وبينهم موافقة في التوحيد والكتب، فخص النهي في ذلك. 
ثم الولاية التي نهانا عنها تخرج على وجوه :
أحدها : المودة والمحبة ؛ أي لا تودوهم، ولا تحبوهم. 
والثاني : ألا نتخذهم موضع سرنا \[ وبطانتنا بقوله \]\[ في الأصل وم : وبطانتها كقوله، في م : وبطانتنا كقوله \] :( لا تتخذوا بطانة من دونكم )الآية\[ آل عمران : ١١٨ \]. 
والثالث : ولاية الطاعة لهم ؛ أي لا تطيعوهم بقوله\[ في الأصل وم : كقوله \] :( إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم )الآية\[ آل عمران : ١٠٠ \] وقوله :( إن تطيعوا الذين كفروا يرودكم )\[ آل عمران : ١٤٩ \]. 
نهانا أن نحبهم، ونودهم، ونهانا أيضا أن نتخذهم موضع سرنا، ونفشي إليهم أسرارنا، ونهانا أن نطيعهم في ما يدعوننا إليه، ويسرون، والله أعلم، للخلاف الذي بيننا وبينهم في الدين. 
وقوله تعالى :( إن استحبوا الكفر على الإيمان ) ؛ أي اختاروا الكفر على الإيمان. والمحبة ههنا محبة الاختيار والإيثار.

### الآية 9:24

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:24]

وقوله تعالى :( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا ) هو مقابل قوله :( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ) إلى آخره \[ التوبة : ٢٠ \]. 
وقوله تعالى :( إن كان آباؤكم وأبناؤكم ) وما ذكروا، أي إن كانت طاعة هؤلاء ورضاهم أحب إليكم من طاعة الله وطاعة رسوله ورضاه وأحب من الجهاد في سبيله ( فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ) هو حرف وعيد ؛ أي انتظروا ( حتى يأتي الله بأمره ) أي بعذابه. 
قال أهل التأويل :( حتى يأتي الله بأمره ) في فتح مكة. ودل ما ذكر في قوله :( إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُم ) على أن المراد من قوله :( لا تتخذوا آباءكم ) الآباء والأبناء جميعا ( وإخوانكم ) الإخوان وجميع المتصلين بهم. دليله ما ذكر في آخره حيث قال :( إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ /٢١٠-أ/َوأزواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ) ذكر الأبناء والأزواج والعشيرة، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وأموال اقترفتموها ) قال بعضهم اكتسبتموها. وقال أبو بكر الأصم ( وأموال اقترفتموها ) أي أموال جعلوها حلالا وحراما، ويقولون : الله أذن لنا في ذلك كقوله :( قل آرايتم ما أنزل الله من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءالله أذن لكم )\[ يونس : ٥٩ \] في ذلك ؟ وقوله تعالى :( وتجارة تخشون كسادها ) كانوا يخشون فواتها وذهابها لا الكساد ؛ إذ في الهجرة تركها رأسا.

### الآية 9:25

> ﻿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [9:25]

وقوله تعالى :( لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ) أي نصركم في مواضع كثيرة ؛ كان فزعكم إلى الله تعالى ونصركم يوم حنين أيضا بعدما هزمكم العدو بإعجابكم \[ بكثرتكم التي صرفتكم عن \]\[ في الأصل وم : الكثرة يصرفكم \] الفزع إلى الله، ( إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ) يعني الكثرة ؛ يذكرهم عز وجل منتهم عليهم وفضله : أن النصرة والظفر متى كان إنما كان بالله لا بكثرتهم وقوتهم ؛ لأنه لو كان \[ بالكثرة والقوة، لم يكن للمسلمين قوة وكثرة ما كان يوم حنين ثم كانت الهزيمة عليهم في الابتداء لإعجابهم بالكثرة واعتمادهم عليها، ليعلم أن النصرة والظفر إنما يكون بالله لا بالقوة والكثرة لئلا يعتمدوا \]\[ ساقطة من م \] على الكثرة، ولا يكلوا إليها. 
فإن قيل : قد أمرنا بأخذ العدة والقوة ما استطعنا بقوله :( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )الآية\[ الأنفال : ٦٠ \] فإنما أمرنا بما يعجنا، فما معنى النهي عن الإعجاب بالكثرة والقوة ؟ وكذلك نهانا عن التأسي بما فاتنا، ونهانا أن نفرح بما يؤتينا وقد كلفنا الشكر لما آتانا والصبر على ما فات عنا. فلو لم نفرح بما آتانا لم يكن معناه الشكر ولا الصبر بما فاتنا، فما معناه ؟ 
معناه، والله أعلم، أنه نهانا أن نفرح بما يؤتينا لنفس الإيتاء، ونتأسى لنفس ما يصيبنا ويفوتنا، إنما علينا أن نفرح لفضل الله ومنه الذي من علينا وخصنا، به وعلى ذلك نشكره، وعلى ذلك الصبر بما يصيبنا، ويفوتنا لما جعل لنا لذلك ثوابا في الآخرة وأجرا عظيما. 
وكذلك الكثرة أمرنا بها، فإذا أتانا ذلك يعجبنا فضل الله ومنته في ذلك الكثرة لا الكثرة لنفسها والقوة، والله أعلم. فإن قيل : الإعجاب بالكثرة كان من بعضهم لا من الكل، فكيف هزم الكل ؟ وكذلك العصيان يوم حنين إنما كان من بعض، كيف عاقب الجميع ؟ قيل لأن له أن يتلف الكل ابتداء. 
ألا ترى في أمر الواحد القيام لاثنين ؟ ثم في الأمر بالجهاد أمر على غير وسع ؟ ولا كذلك في سائر العبادات ؟ لأنه أمر الواحد القيام لاثنين منهم وليس في وسع أحد القيام لاثنين ؛ فهو والله أعلم، لما له أن يكلف قتل أنفسهم وإتلافها. 
ألا ترى أنه قال :( ولو أنا كتبنا عليهم ) ؟ الآية\[ النساء : ٦٦ \] ولو لم يجز له أن يكتب قتل أنفسهم لم يكن ليذكره دل أن ذلك له، وأن له أن يميتهم، ويهلكهم. فعلى ذلك أن يأمر بقتل أنفسهم فإذا كان له ذلك ؛ إذ في وسعهم قتل أنفسهم فعلى ذلك أن يكلف الواحد القيام لاثنين ولعدد، وإن كان في ذلك تلف أنفسهم. 
وكذلك أمرنا بمجاهدة الشيطان عدونا وأخبر أنه يرانا ولا نراه نحن بقوله :( إنه يراكم هو وقبيله ومن حيث لا تروهم )\[ الأعراف : ٢٧ \] والمحاربة مع عدو، لا نراه، وهو يرانا، أمر صعب شديد. لكن علمنا أسباب ما نحارب معه، ونجاهده، فنغلبه، وقال في الشياطين :( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله )\[ الأعراف : ٢٠٠ \] وقال :( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا )الآية\[ الأعراف : ٢٠١ \] علمنا أسبابا نقاتل بها الشيطان فنغلبه، ونقهره، وما ذكر من ذكره لا يقوم هو لذلك\[ من م، في الأصل : لك \]. 
وكذلك قال في العدو الذي نراه من البشر حيث قال :( إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا )\[ الأنفال : ٤٥ \] وقال :( واصبروا إن الله مع الصابرين )\[ الأنفال : ٤٦ \] قد علمنا أسباب الجهاد معه، وأعلمنا الحيل التي تجيز لواحد القيام لاثنين فصاعدا وإذا لم يكن له الوسع\[ في الأصل وم : الواسع \] به بالقوة نفسها، ثم الفرق بين الجهاد وبين غيره من العبادات لما يحتمل أن جعل الجهاد آية من آيات الحق والرسالة ليعلم الخلائق أن النصر والظفر كان بالله لا بغيره ليظهر الحق من الباطل والمحق من المبطل، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) هذا على التمثيل : يقال عند شدة الحزن والغضب وعند بلوغها ( وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) يقال ذلك لسعة الأرض في أوهام الخلق.

### الآية 9:26

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [9:26]

وقوله تعالى :( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) قال بعضهم : السكينة الملائكة، كقوله :( وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به )\[ آل عمران : ١٢٦ \] وقال بعضهم :( ثم أنزل سكينته ) أي نصرته، وقيل : وقاره ورحمته، وقيل : طمأنينته. 
وأصله : سكنت قلوبهم، واطمأنت بعد شدة الخوف والحزن بأي وجه ما تسكن بالملائكة أو بغيره، فأسكن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اشتدت عليه : رجوع أصحابه ومفارقتهم إياه ( وَأَنزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا ) وهم الملائكة ( وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالقتال والهزيمة ؛ وذلك جزاؤهم. 
وفي قوله :( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأنه سماهم مؤمنين بعد ما كان منهم \[ من \]\[ ساقطة من الأصل وم \] التولي. والتولي لم يخرجهم من الإيمان على ما قال.

### الآية 9:27

> ﻿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:27]

\[ وقوله تعالى :( ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) \]\[ ساقطة من الأصل وم \]

### الآية 9:28

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:28]

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) اختلف فيه : قال بعضهم : النهي عن دخول المسجد الحرام نفسه. وعندنا أن النهي عن دخول المسجد الحرام نهي عن دخول مكة نفسه للحج وإقامة العبادات. دليله \[ في \]\[ ساقطة من الأصل وم \] وجوه :
أحدها : قوله :( بعد عامهم هذا ) ولو كان لدخول المسجد لكان ذلك العام أحق في المنع من دخوله على غيره. 
والثاني : قوله :( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) وخوف العيلة إنما يكون عن دخول\[ من م، في الأصل : دخوله \] مكة ؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه لكان لا خوف عليهم في ذلك } لأنهم يحضرون، ويدخلون مكة للتجارة، فلا خوف عليهم في ذلك. 
والثالث\[ في الأصل وم : أو \] : أن يقال : إنه ذكر المسجد الحرام لما أنهم كانوا يقصدون البيت والحج به، فيكون النهي عن دخول المسجد نهيا عن الحج نفسه : وهو ما رُوي في الخبر أنه بعث عليا في الموسم بأربع، وأمره أن ينادي في الناس :**«ألا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد، فأجله إلى مدته، فإنه ( برئ من المشركين ورسوله )\[ التوبة : ٣ \] ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك »**\[ أدرج هذا الخبر في تفسير الآية الخامسة ( ص١٠٩ ) \]\[ البخار : ٣٦٩ \]. 
فالنهي الذي ورد عن دخول المسجد إنما هو نهي عن الحج نفسه ؛ لأن البيت هو الذي يُقصد إليه فيه. ألا ترى أنه قال :( ولله على الناس حج البيت )الآية\[ آل عمران : ٩٣ \] وقال ( فمن حج البيت أو اعتمر ) الآية\[ البقرة : ١٥٨ \] وقال ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) ؟ \[ الحج : ٢٩ \] ذكر البيت، وهو المقصود بالحج في الإسلام والكفر جميعا. فعلى ذلك خرج النهي، لكنه ذكر المسجد لما أن البيت فيه. فإذن كان ما ذكرنا. 
فإن شئت فاجعل آخر الآية تفسير أولها \[ وهو \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قوله :( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) وهو ما ذكرنا أن النهي لو كان لدخول المسجد نفسه دون غيره من البقعة لكان ليس عليهم خوف العيلة ؛ لأنهم يدخلون مكة، ويتجرون فيها، ولا يدخلون المسجد. 
وإن شئت فاجعل أول الآية تفسير آخرها، وهو قوله :( فلا يقربوا/٢١٠-ب/ المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) وهو ما ذكرنا. فإذا كان ما ذكرنا دل أن المشرك لا يدخل المسجد الحرام، \[ وخبر \]\[ من م ساقطة من الأصل \] علي بن أبي طالب رضي الله عنه\[ يدل أيضا \]\[ في الأصل : أيضا يدل \] على ذلك. فأما من كان من أهل الذمة، والعبيد منهم، فليسوا، والله أعلم، بداخلين في الآية، إذا كانوا ممن لا يحج. 
فإن قيل : إنه\[ في الأصل وم : ان \] روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه نادى :\[ ألا لا يدخل الحرم مشرك، ولم يذكر الحج قيل له رُوي أنه قال : نادين ألا يحج بعد العام مشرك، فيكون قوله : لا يدخل الحرم مشرك على الحج على ما ذكرنا. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا أن يكون عبدا أو أمة »** يحتمل استثناء العبد والأمة لأن العبد لا يدخل للحج ولإقامة العبادة إنما يدخل لخدمة المولى إذا كان مسلما. وفي بعض الأخبار **«إلا أحدا من أهل الذمة »**\[ السيوطي في الدر المنثور٤/١٦٤ \] وفيه دلالة لقول أبي حنيفة : إن لا بأس للكافر أن يدخل المسجد. وقوله\[ في الأصل وم : وقال \] : أرأيت لو أراد أن يسمع كلام الله ليؤمن، فيمنع عن ذلك، \[ ويروم المُسْمِع \]\[ في الأصل وم : ويوم \] إتيان ذلك المشرك، ليسمع كلامه، فيكون الأمر بإبلاغ المأمن لذلك. وقد ذكرنا أن ليس في ظاهر الآية دلالة النهي عن دخول المسجد بل المراد من ذرك المسجد ما ذكرنا من الحج وإقامة العبادة لغير الله. 
ألا ترى إلى قول الله :( والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد )\[ الحج : ٢٥ \] وأن سبيل مكة كلها هذا السبيل ؟ وكذلك قوله :( ثم محلها إلى البيت العتيق )\[ الحج : ٣٣ \] والحرم كله منحر إلا أن المعنى في ذلك، والله أعلم، ما ذكرنا ألا يدخل المشركون حجاجا. 
ألا ترى أنا لا نعلم أن المشركين لم يزالوا مقيمين في الحرم بعد النداء، ولم ينجلوا عنه ؟ ومما يدل على ذلك أيضا قول الله ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم )\[ التوبة : ٧ \] فإن كان يعني به موضع العهد فإن ذلك العهد يوم الحديبية عند الشجرة فقد صار ذلك الموضع من المسجد الحرام، وهو في المسافة\[ في م : المساجد \] بعيد منه الذين عوهدوا، فإنهم \[ كانوا يوم نادى \]\[ في الأصل وم : كان يوم بدر نادى \] علي رضي الله عنه فذلك خارج من مكة، لأن أهل \[ مكة \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قد كانوا قبل ذلك حين فتحها النبي محاصري المسجد الحرام، هم لا خارج مكة \[ بل \]\[ ساقطة من الأصل وم \] في الحرم وما حوله وقوله :**«لا يقرب المسجد الحرام مشرك »** يخرج على وجوه : أحدها : لا تدعوهم يقربوا المسجد الحرام، والثاني : قولوا لهم : لا تقربوا المسجد الحرام، والثالث : على اليسارة : أي إذا قلتم لهم ذلك فلا تقربوا بعد ذلك. 
وقوله تعالى :( إنما المشركون نجس ) أي أفعال المشركين نجس، والعبادات التي يأتون فيها نجس، وهو ما ذكر حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان )\[ المائدة : ٩٠ \] صير عمل الشيطان رجسا. فعلى ذلك العبادات التي يقيمونها نجس، فالنهي عن الحج نهي عن إقامة العبادات لغير الله لأن تلك البقعة نزهت عن إقامة العبادات لغير الله. 
ثم اختلف في \[ في الأصل وم : فيه \] قوله :( إنما المشركون نجس ) يُخرج مُخرج الذم، ولا يحتمل أن يذموا، ويُشتموا بنجاسة الأحوال. دل أنه إنما لحقهم ذلك الذم بما اكتسبوا من الأفعال الذميمة، وهو كقوله :( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان )\[ المائدة : ٩٠ \] أخبر أن عمل الشيطان رجس ونجس. فعلى ذلك جائز أن يكون قوله :( إنما المشركون نجس ) أي نجس\[ في الأصل وم : نجسة \] الأفعال لأن ذلك من كسبهم، فاستوجبوا المذمة لكسبهم. وأما الأحوال فلا صنع لهم فيها. 
وقوله تعالى :( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ) قيل : خافوا من العيلة لما نفي المشركون من مكة لأن معايش أهل مكة إنما \[ كانت من الآفاق، وبأهل الآفاق \]\[ في الأصل : كان من الآفاق، في م : كان من الآفاق وبأهل الآفاق \] كان سعيهم وتجارتهم. لكن الله وعد لهم السعة والغنى بقوله :( فسوف يغنيكم الله من فضله ). 
قال بعضهم : دل وقوله :( إن شاء ) على أنه إنما وعد لهم الإغناء في بعض الأوقات، وقال بعضهم : قوله :( إن شاء ) كان من رسول الله لأنه أمر رسوله \[ أن يقولوا \]\[ في الأصل : أنه يغنيهم، في م : أن يغنيهم \] وهو مأمور أن يستثني في جميع \[ ما \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] يعده كقوله ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ) ( إلا أن يشاء الله )\[ الكهف : ٢٣و٢٤ \]. 
ويحتمل أن يكون قوله :( فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) بهؤلاء الذين نفوا عنهم\[ في الأصل وم : عنه \] لأنه حبب إليهم التجارة والمكاسب وما ينالون \[ من \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الأرباح بها ؛ يحملهم ذلك على الإسلام فيسلمون، فيدخلون فيها، يحملهم حب التجارة على الإسلام، فيكون لهم بهم غنى كما كان يحملهم حب التجارة والربح على\[ في الأصل وم : عن \] الهجرة بقوله\[ في الأصل وم : قوله \] :( وتجارة تخشون كسادها )\[ التوبة : ٢٤ \] فعلى ذلك الأول. 
وقال بعضهم :( فسوف يغنيكم الله من فضله ) الجزية التي ذكرها في الآية \[ التي تلي \]\[ في الأصل وم : تتلو \] هذه. 
وقوله تعالى :( إن الله عليم حكيم ) بما أضمروا من خوف العيلة، أو ( عليم ) بما لهم وعليهم وبمن يكون\[ في الأصل وم : يكن \] لهم الغنى ( حكيم ) في أمره وحكمه. 
\[ وفي قوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ( وإن خفتم عيلة ) دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه معلوم أنهم أضمروا ذلك في أنفسهم، ثم أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. دل أنه إنما عرف ذلك بالله.

### الآية 9:29

> ﻿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [9:29]

وقوله تعالى :( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى، وأخبر أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وهم في الظاهر يقرون بوحدانية الله واليوم الآخر في المعنى منه. 
قيل : هم، وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله، له ولد، كما ذكره على إثره، وهو قوله :( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله )\[ التوبة : ٣٠ \] فالإيمان بإله، له ولد ليس بإيمان بالله، فهم غير مؤمنين. 
وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة. فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به. أو أن يقال : إنهم، وإن أقروا بما ذكرنا، وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء، حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء، أحلها الله لهم. ومن آمن بالكتب كلها والرسل، ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ولا مصدق له. 
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ) الآية ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى، وأخبر أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وهم في الظاهر يقرون بوحدانية الله واليوم الآخر في المعنى منه. 
قيل : هم، وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله، له ولد، كما ذكره على إثره، وهو قوله :( وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ )\[ التوبة : ٣٠ \] فالإيمان بإله له ولد، ليس بإيمان بالله، فهم غير مؤمنين. 
وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة. فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به. أو أن يقال : إنهم، وإن أقروا بما ذكرنا، وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء، حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء أحلها الله لهم. ومن آمن بالكتب كلها والرسل، ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ولا مصدق له. 
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ) الآية فإن قال لنا ملحد : إنكم تقاتلون الكفرة للكفر، ثم إذا أعطوكم شيئا من المال تركتم مقاتلتهم. فلو كان قتالكم إياهم لذلك لطمع في الدنيا لكنتم لا تتركون \[ مقاتلتهم لشيء، يبذلونه لكم \]\[ في الأصل : لمقاتلتهم لشيء يبذلونكم \] وكذلك لو كانت المقاتلة للكفر نفسه لكان النساء في ذلك والرجال سواء، إذ هم في الكفر شرع\[ في الأصل وم : شرعا \] سواء. وقالوا : لو كانت المقاتلة معهم لما ذكرنا، وهو حكمه، والأمر بذلك حكيما لكان الناس جميعا في ذلك سواء، ولا يتركون أحدا بشيء من ذلك، بل يقاتلون أبدا ولا يرضون منه غيره. 
فيقال لهم : إنا لا نقاتل الكفرة للكفر، ولكنا ندعوهم إلى الإسلام، فإن أحابوا إلى ذلك، وإلا قاتلناهم ليضطرهم القتل إلى الإسلام. لهذا ما نقاتلهم لشيء سواه. فإذا كان في أخذ الجزية معنى ما ندعوهم إلى الإسلام : فإذا قبلوا ذلك تركناهم على ذلك لعلهم /٢١١-أ/ يرغبون في الإسلام إذا رأوا شرائعنا وأحكامنا، لا إنا تركناهم رغبة في ما نأخذ منهم أو طمعا في ذلك. 
وأصله المحنة، إذ الدار دار المحنة ليست بدار الجزاء، والمحنة تكون بمختلف الأشياء لا بما يتلفها\[ في الأصل وم : تلفها \] ؛ مرة يمتحنهم بالقتل، ومرة بأخذ الأموال، ومرة بالشدائد كقوله :( ولنبلونكم بشيء من الخوف )الآية\[ البقرة : ١٥٥ \] وقوله :( وبلوناهم بالحسنات والسيئات )\[ الأعراف : ١٦٨ \] ونحو ذلك. 
فإذا كان ذلك محنة لا جزاء أجاز ذلك حكمه. وأما قوله بأنا نقاتل الرجال ولا نقاتل النساء، ونسترقهن ؛ لأنهن أتباع للرجال في جميع الأحوال وخدم لهم فإذا أسلموا أسلمن. هذا معروف في ما بينهم ؛ إذ هن في أيدي الرجال يفعلون بهن ما شاؤوا. 
وأصله ما ذكرنا أن القتال محنة ليس هو جزاء الكفر ؛ إذ الدار دار المحنة، فلهو أن يمتحن بعضا بالقتل وبعضا بأخذا المال \[ وبعضا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لا بذا ولا ذاك. ولو كان جزاء لسوى بينهم وهو التخليد في النار أبدا. 
فإن قيل : ما الحكمة في أخذ الجزية من سائر الكفرة، إذا كانوا أهل الكتاب أو المجوس، وترك الأخذ من مشركي العرب ؟ قيل لوجوه :
أحدها : أن ليس مشركي العرب دين يدينون به، يقاتلون عن ذلك الدين، ولا له أصل يعتمدون، عليه، ويحاجون الناس بالحجاج التي لهم. 
فإذا كان كذلك أمكن إقامة الحجج على هؤلاء وإلزام البراهين، ولا كذلك مشركو العرب ؛ إذ لا دين لهم ينسبون إليهم ومذاهب يدعون غيرهم إليها\[ في الأصل وم : إليه \] بالحجاج. وأمكن في غيرهم. لذلك افترقا، والله أعلم بذلك. 
والثاني : أنهم تمنوا أن يكون لهم رسول من جنسهم يتبعون فيما يدعوهم إليه، ونذير يجيبونه، حتى أقسموا على ذلك وأكدوا القول في ذلك ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) الآية\[ الأنعام : ١٠٩ \] ولم يكن من غيرهم من الكفرة ما كان منهم. 
فإذا كان كذلك فهم يقاتلون أبدا حتى يوفوا ما وعدوا كقوله :( تقاتلونهم أو يسلمون )\[ الفتح : ١٦ \]. 
والثالث : لفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان منهم ومن جنسهم، فلا يترك أحد في تلك البقعة على غير دينه. 
وأمكن أن يكون وجه آخر ؛ وهو أن مشركي العرب في حد القليل أمكنت المقاتلة معهم والقيام لهم، فلا يرضى منهم إلا الإسلام. وأما غيرهم من الكفرة في بقاع مختلفة وهم كثير، إذا اجتمعوا لم يكن في وسع أهل الإسلام القيام لهم والقتال معهم، فيلحق المسلمين في ذلك ضرر بين. لذلك كان ما ذكر. 
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) الآية. قد ذكرنا أنهم، وإن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر عند أنفسهم أنهم في الحقيقة غير مؤمنين به ؛ لأن شرط إيمانهم بالرسل جميعا والكتب أجمع فهم قد تركوا الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب. ومن كفر برسول من الرسل أو بكتاب من الكتب أو بحرف منها كان كافرا بالله. وقوله تعالى :( وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) يحتمل أنهم لا يحرمون تحرف الكتب وكتمان بعث\[ في الأصل وم : نعت \] رسول الله، والله حرم ذلك عليهم، أو لا يحرمون عبادة الأوثان، والله ورسوله يحرمان\[ في الأصل وم : يحرم \] ذلك، أو لا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الخمر والخنزير وغيرهما، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ) وهو الإسلام لأنه توجبه العقول كلها وتشهد \[ به \]\[ ساقطة من الأصل وم \] خلقة الخلائق كلها، أو أن يقول : لا يدينون دين الذي \[ له الحق، إنما يدينون الدين الذي \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] لا حق له وهو دين الشيطان، وهو ما يدعوهم إلى عبادة الأصنام، فيجيبونه، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) يحتمل \[ في الأصل وم : ويحتمل \] قوله :( يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) أي يقبلوها لا على الإعطاء نفسه، وهو ما ذكرنا في قوله :( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ )\[ التوبة : ٥و١١ \] وهو على القبول لها لا على الفعل نفسه. ويحتمل نفس الإعطاء ؛ وهو، والله أعلم، ما جعلت الجزية لحقن الدماء تقدم\[ في الأصل وم : فتقدم \] لتحقن بها الدماء\[ من م : في الأصل : الدم \]. 
وقوله تعالى :( عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) قال بعضهم ( عن يد ) أي لا يؤخر قبضها عن وقت قبولها بل تؤخذ يدا عن يد. 
وقال بعضهم :( عن يد ) أي عن قهر وغلبة. وقيل ( عن يد ) عن طوع وطيب. وقيل : عن \[ جماعتهم، لكنا لا ندري ما يعنون بالجماعة \]\[ من م، في الأصل : جماعهم \]. 
وقوله تعالى :( صاغرون ) قيل : ذليلون، وهو من الذل ؛ يقال صغر الرجل يصغر صغارا فهو صاغر أي ذل، فهو ذليل وقيل ( صاغرون ) أي مذمومون\[ في الأصل وم : مذمون \]. وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه قال \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يمشون بها تلبين. 
وأصلها الذلة التي ذكر الله في قوله :( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا )\[ آل عمران : ١١٢ \] فإذا قبلوا ذلك فقد أذهبوا الذل والصغار. 
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) الآية. أما اليهود والنصارى فلا خلاف بين أهل العلم في أن من بذل منهم الجزية أخذت منه، \[ وأقر به \]\[ في الأصل : وأقرب \] على دينه. 
وأما المجوس فإنه يؤخذ منهم الجزية لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : ما أدري أصنع بالمجوس فإنهم ليسوا بمسلمين ولا من أهل الكتاب. 
قال عبد الرحمن بن عوف : أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«سنوا بهم سنة أهل الكتاب »**\[ البيهقي في الكبرى٩١/١٩٨و١٩٠ \]. وفي بعض الروايات أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر. 
وعن علي أن أبا بكر وعمر أخذا الجزية من المجوس وقال علي بن أبي طالب أنا أعلم الناس بهم كانوا أهل كتاب يقرؤونه، وأهل علم يدرسونه فنزع ذلك من صدروهم. وعن أبي ذر عن أبي موسى \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : لولا إني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها. 
وعن أبي عبيدة من الجراح \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر أنه قال :**«من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا وأكلنا ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة رسوله ومن أحب ذلك من المجوس فهو آمن ومن أبى فعليه الجزية »**\[ بنحوه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ٢٠١١٣ \]. 
وعلى ذلك مضت الأئمة ولم ينكر أحد من السلف حتى قال قوم من المجوس إنما أخذت منهم الجزية لأنهم أهل كتاب ولكن الجزية تؤخذ اتباعا لرسول الله :**«سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نساءهم ولا آكلي ذبائحهم »**\[ البيهقي في الكبرى ٩١/١٨٩و١٩٠ \] وروي عن الصحابة وأئمة الهدى. 
ثم المسألة في تقدير الجزية. روي في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم **«أنه بعث معاذا إلى اليمن فقال له : خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر »**\[ السيوطي في الذر المنثور ٤/١٦٩ \]. 
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه بعث عثمان بن عفان حليفا إلى السواد وأمر أن يضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهما أو أربعة وعشرين درهما أو اثني عشر درها، وفي بعض الروايات أنه ضرب على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما، مع ذلك أرزاقا للمسلمين وضيافة ثلاثة أيام. 
وأصحابنا يجعلونهم ثلاث طبقات : أغنياء وأوساطا وفقراء ؛ فيؤخذ من الغني الموسر ثمانية وأربعون درهما ومن الوسط أربعة وعشرون ومن الفقير المحارف اثنا عشر درهما، وفي بعض الأخبار أربعون درهما أو أربعة دنانير وضيافة ثلاثة أيام أو عشرون درهما أو دينار أو هو ما ذكرنا ثمانية وأربعون بغير ضيافة وغير مؤنة. 
وما روي من أربعين درهما أو أربعة دنانير مع الضيافة والرزق الذي ذكر في الخبر وهذا من عمر بحضرة المهاجرين والأنصار، فلم يأتي عن أحد النكير عليه ولا الرد، فهو كالاتفاق منهم على ذلك. 
ثم لا يحتمل أن يكون عمر قدر ذلك التقدير رأيا منه لأن المُقَدرات /٢١١-ب/ والمُعَذِّرات، سبيل معرفتها التوقيف والسمع لا العقل، فهو كالمسموع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما روي من حديث معاذ حين

### الآية 9:30

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [9:30]

وقوله تعالى :( وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) وقوله\[ في الأصل وم : وقال \] تعالى في آية أخرى ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ) ( أن دعوا للرحمن ولدا )\[ مريم : ٩٠و٩١ \] أخبر أن السموات تكاد تتفطر، وتنشق الأرض، وتخر الجبال لعظيم ما قالوا في الله سبحانه من البهتان والفرية عليه أن له ولدا ثم بين الذي ذكر ذلك، فقال :( وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) فذكر الآية، وأخبر، والله أعلم، أنهم قالوا في الله ما قالوا لوجوه. 
أحدها : دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأن هؤلاء المتأخرين لم يقولوا هذا، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم، ولكن كتموا ذلك، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أوائلهم قالوا ذلك، وهم كانوا يكتمون عن رسول الله ذلك، ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله. 
والثاني : يخبر رسوله سفه أوائلهم، ويصبره على سفه هؤلاء ليصبر على سفههم وآذاهم. 
والثالث : يخبر أنهم مشبهة لأنهم نسبوا المخلوق إليه، وقالوا : إن فلانا ابنه لما رأوا منه أشياء. فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق، وإلا ما قالوا ذلك، ولا اعتقدوا من التشبيه وغير ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ذلك قوله بأفواههم ) أي ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان، كانت لهم في ذلك، أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه، اعترضت لهم، فحملتهم\[ في الأصل وم : تحملهم \] على ذلك. 
وقوله تعالى :( يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء ( كذلك يحي الله الموتى )\[ البقرة : ٧٣ \] ليس أن يحيي الموتى كلهم إحياء كما أحيى ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة، ولكن يحييهم إحياء، ذلك قوله :( يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) في الكفر نفسه. 
ويحتمل : ضاهى قول النصارى قول اليهود. والمضاهاة المشابهة والإشباه. وقوله ( يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) أن يشبه النصارى بقولهم \[ عن عيسى \]\[ في الأصل وم : لعيسى \] إنه ابن الله قول اليهود من قبل ( عزير ابن الله ) فمضاهاة النصارى في عيسى واليهود قبلهم في عزير. 
وقوله تعالى :( قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) هذه الكلمة كلمة اللعن، تستعمل عند مناكير القول والفعل من غير حصول المنفعة. 
وقوله تعالى :( أنى يؤفكون ) يحتمل من أين يؤفكون، ويفترون على الله على غير شبهة اعترضت لهم ؟ 
ويحتمل ( أنى يؤفكون ) أين كيف يؤفكون بلا منفعة تحصل لهم ؟

### الآية 9:31

> ﻿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [9:31]

( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً ) قيل : الأحبار هم العلماء، والرهبان العباد، وقيل : الأحبار أصحاب الصوامع من اليهود والرهبان من النصارى. 
وقوله تعالى :( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يحتمل أن يكون هذا من السفهاء والأتباع ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ) في العلماء منهم والرؤساء، فاتخذ الأتباع أولئك أربابا يتبعونهم في جميع ما يدعونهم إليه \[ ويأتمرون به \]\[ في الأصل : ويأمرهم به، في م : ويأتمرونهم \] فعلى ذلك هذا. 
ويحتمل ما روي في الخبر، إن ثبت، أنهم لم يعبدوهم، ولكنهم أحلوا لهم أشياء، حرمها \[ الله \]\[ ساقطة من الأصل وم \] عليهم، فاستحلوها، أو حرموا لهم أشياء، أحل الله ذلك لهم، فحرموا ذلك. فقيل : اتخذوهم أربابا، والله أعلم، يخرج هذا في الأحبار والرهبان على التمثيل، أي اتخذوها\[ في الأصل وم : اتخذوها \] في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم ؛ كأنهم اتخذوهم أربابا لا على التحقيق \[ وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان لا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه، وأما في المسيح فهو على التحقيق \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] لأنهم قالوا : إنه إله، وقالوا : ابن إله. فهو يخرج في المسيح على التحقيق وفي الأحبار والرهبان على التمثيل. 
وقوله تعالى :( وما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً ) يحتمل إلا ليوحدوا إلها واحدا الذي لا إله إلا هو. ويحتمل أي ما أمروا أن يعبدوا آلهة \[ على ما \]\[ ساقطة من الأصل م \] يعبدون من الأصنام والأوثان ولكن أمروا أن يعبدوا إلها واحدا.

### الآية 9:32

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [9:32]

وقوله تعالى :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا/٢١٢-ب/ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ) قيل : نور الله ذكر الله وتوحيده، وقيل : نور الله القرآن، وقيل : نور الله هو الإسلام. فإذا كان النور هو الذكر والتوحيد فهو، والله أعلم، إنهم لم يكونوا يعرفون ذكر الله، ولا يذكرونه، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام، وإياها يذكرون\[ في الأصل وم : يذكرونها \]، وبحق القرابة والرحم يتناصرون \[ في ما \]\[ في الأصل وم : فيها \] بينهم فلما أن بعث \[ الله \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] رسوله محمدا \[ وأمر \]\[ ساقطة من الأصل وم \] بذكر الله وتوحيده، وأمر بالتناصر بحق الدين وأرادوا أن يطفئوا ذلك النور. ومن أراد بنور الله القرآن أرادوا إطفاءه كقوله تعالى :( ما هذا إلا أساطير الأولين )\[ الأحقاف : ١٧ \] وقوله\[ في الأصل وم : و \] :( إن هذا إلا سحر مبين )\[ المائدة : ١١٠ \] وقوله\[ في الأصل وم : و \] :( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه )\[ فصلت : ٢٦ \] ونحوه. أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكروا\[ في الأصل وم : ذكرنا \] :( ما هذا إلا إفك مفترى )\[ سبإ : ٤٣ \] وقولهم :( إنما يعلمه بشر ) الآية\[ النحل : ١٠٣ \] ومن قال : نور الله هو الدين كقوله :( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه )\[ الزمر : ٢٢ \] وقوله\[ في الأصل وم : فقال \] تعالى :( الله نور السموات والأرض مثل نوره )\[ النور : ٣٥ \] وفي \[ الواو ساقطة في الأصل وم \] حرف أبي : مثل نور المؤمن، ومثله، أرادوا إطفاء هذا النور لتسلم لهم المنافع التي كانت لهم. 
وقوله تعالى :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا ) يحتمل وجهين :\[ يحتمل \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ( يُرِيدُونَ أَنْ ) يجتهدون أن يطفئوه، فما يقدرون على إطفائه. ويحتمل ( يريدون أن ) أي يحتالون أن يطفئوه بأسباب يتكلفون، ويحتالون. 
وقوله تعالى :( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) بالحجج والبراهين أي بالنشر والإظهار، وقد أتمه كقوله :( اليوم أكملت لكم دينكم )\[ المائدة : ٣ \] وقوله تعالى ( وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) وقد كره الكافرون.

### الآية 9:33

> ﻿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [9:33]

وقوله تعالى :( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ) يحتمل قوله ( بالهدى ) هدى يهديهم إلى ما به تكون جميع المحاسن والخيرات محاسن وخيرات ؛ إنما تقوم بالإيمان به ينتفع بها، بعثه لذلك. 
ويحتمل قوله ( بالهدى ) وهو القرآن، يهديهم ويبين لهم المحاسن من المساوئ والحسنات من السيئات، وهو يهديهم إلى ذلك. 
وقوله تعالى :( ودين الحق ) وهو دين الحق أي الإيمان الذي يصير المحاسن محاسن والخيرات خيرات وهو دين الحق، ويحتمل قوله ( ودين الحق ) أي دين الله كقوله :( ويعلمون أن الله هو الحق المبين )\[ النور : ٢٥ \]. 
وقوله تعالى :( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) يحتمل وجوها : يحتمل ( ليظهره ) رسوله على أهل الدين كلهم\[ في الأصل وم : كله \] بالحجج والآيات، وقد\[ في الأصل وم : فقد \] أظهره بحمد الله على الأديان كلها بالحجج والبراهين حتى لم يتعرض أحد في شبه ذلك فضلا \[ عن أن لم \]\[ في الأصل وم : أن \] يتعرض في إبطاله. 
ويحتمل ( ليظهره على الدين ) على أهل الدين كلهم بالقهر والغلبة والإذلال وقد\[ من م، في الأصل : فهو \] كان، حتى خضعوا كلهم، وذلوا، حتى لم يبقى في جزيرة العرب مشرك ولا كافر إلا خضع لهم وصار أهل الكتاب ذليلين صاغرين في أيدي المسلمين. 
وإن كان المراد من قوله ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) فهو بالحجج والبراهين كلها. وإن كان أراد به الدين أن يظهره على الأديان كلها فبعدو لم يكن، ويكون إن شاء الله، هو الظاهر على الأديان كلها يوم القيامة. 
وقوله تعالى :( على الدين كله ) ولم يقل على الأديان كلها فالدين يتأول الأديان كلها كقوله :( يا أيها الإنسان )\[ الإنفطار : ٦ \] يدخل فيه كل إنسان. وجائز أن يكون أديانا مختلفة. وهو\[ من م، في الأصل : فهو \] واحد لأن الكفر كله ملة واحدة\[ وهو دين \]\[ من م، في الأصل : لأن الكفر \] الشيطان، فسماه بذلك.

### الآية 9:34

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:34]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ) قد ذكر. 
وقوله تعالى :( لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ) لأنهم كانوا يأكلون أموالهم بما يحرفون كتاب الله، ويبذلونه كقوله :( يحرفون الكلم عن مواضعه )\[ النساء : ٤٦ \] وقوله :( وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب )الآية \[ آل عمران : ٧٨ \] فهم إنما حرفوا ذلك وبدلوه، لتسلم لهم تلك الأموال، فذلك أكل بباطل لأنهم خافوا ذهاب تلك المنافع والأموال إذا أسلموا. 
فيجوز أن يكون إنما سماهم أربابا في الآية الأولى لما جعلوا أموالهم أموالا لأنفسهم وأنفسهم عبيدا لهم، فهم كالأرباب لهم. 
وقوله تعالى :( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) يحتمل أن يكون هذا صلة ما قال، ( ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) أي أخذوا أموالهم لصد الناس عن سبيل الله وكنزوها، ولم ينفقوها في سبيل الله، إنما أنفقوها لصد الناس عن سبيله. 
ومن الناس من حمل الآية في منع الزكاة ؛ روي في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن بعض الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين **«أن كل مال أديت الزكاة عنه فهو ليس بكنز وإن كان\[ في الأصل وم : أدى \] تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤد زكاته\[ في الأصل وم : الزكاة \] فهو كنز، وإن كان على وجه الأرض »**\[ أبو داوود ١٥٦٤ \]، ومن أصحابها من استدل بلزوم ضم الفضة والذهب بعضه إلى بعض في الزكاة في هذه الآية لأنه ذكر كنز الذهب والفضة جميعا، والحق الوعيد بترك الإنفاق من الفضة بقوله :( ولا ينفقونها في سبيل الله ) فلولا أن الضم واجب، أو يكون المؤدى عن أحدهما مؤدى عن الآخر، وإلا لم يكن لذلك\[ في الأصل وم : كذلك \] معنى. 
ثم في متعارف الناس أنهم يؤدون من الفضة عن الذهب لأن الذهب أعز عندهم، والفضة دونه. 
ثم إن كانت الآية في الكفرة فهو في القبول كقوله ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم )\[ التوبة : ٥ \]، وقوله ( الذين يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون )\[ فصلت : ٧ \] وذلك على القول لا في الأداء نفسه.

### الآية 9:35

> ﻿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [9:35]

وقوله تعالى :( يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ )الآية قد جعل الله تعذيب الكفرة في الآخرة بالأسباب التي منعتهم\[ في الأصل وم : منعهم \] عن طاعة الله، ودعتهم إلى مخالفة أمره، ويجمع بينهما في النار كقوله :( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض شيطانا فهو له قرين )\[ الزخرف : ٣٦ \] وقوله ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم )\[ الصافات : ٢٢ \] ونحو ذلك. فعلى ذلك ما كنزوا ( يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ) يعذبهم بها لما منعتهم تلك الأموال عن طاعته ودعتهم إلى صد الناس عن سبيل الله، يجعل عذابهم في الآخرة بها. 
ويحتمل قوله :( جباههم ) كناية على التقديم إلى الآخرة أي لم يقدموها، ولم ينفقوها في سبيل الله، وقوله ( وجنوبهم ) لما أخذوها مما يحل ومما لا يحل من كل جهة، وقوله وظهورهم لما أنفقوها في الصد عن سبيل الله. 
ويحتمل ذكر هذا إحاطة العذاب بهم من كل الجهات كقوله :( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش )\[ الأعراف : ٤١ \] وقوله :( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل )\[ الزمر : ١٦ \] أي يحيط العذاب بهم. فعلى ذلك هذا الله أعلم، وكقوله ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة )\[ الزمر : ٢٤ \] أي يحيط بهم حتى لا يقدروا على رفعه عن وجوههم. 
وقوله تعالى :( يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) الآية روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها من نار جهنم ثم يكوى بها جبينه وجبهته وظهره ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة )\[ المعارج : ٤ \] حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار »**\[ مسلم ٢٦/٩٨٧ \] وقال\[ في الأصل وم : و \] :**«ما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أتى يوم القيامة تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها »**\[ بنحوه البخاري ١٤٠٢ \] ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول فقالوا\[ في الأصل وم : قالوا \] : يا رسول الله فصاحب الخيل ؟ قال :**«هي لثلاث : لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر ؛ فأما من ربطها عدة في سبيل الله فإنه طول لها/٢١٣-أ/ في مرج خصيب أو في روضة خصيبة كتب الله له عدد ما أكلت حسنات وعدد أرواثها حسنات ولو انقطع طوالها له ذلك، فاستنت شرفا أو شرفين كتب الله له عدد آثارها حسنات، ولو مرت بنهر ثجاج\[ في الأصل وم : عجاج لا \] يريد السقي به، فشربت منه كتب الله له عدد ما شربت حسنات ومن ارتبطها فخرا وعزا على المسلمين كانت له بورا\[ في الأصل وم : وزر \] يوم القيامة، ومن ارتبطها تغنيا وتعففا ثم لم ينسى حق الله في رقابها وظهورها كانت له سترا من النار يوم القيامة »**\[ الطحاوي في شرح معاني الآثار٥٣٣٧ \]. 
فإن تبث هذا الخبر عن رسول صلى الله عليه وسلم ففيه دلالة وجوب الزكاة في الخيل وهو حجة لأبي حنيفة بأنه قال :**«ثم لم ينسى حق الله في رقابها وظهورها »** والحق الذي في رقابها هو \[ الزكاة، والذي في ظهورها هو \]\[ من م ساقطة من الأصل \] الجهاد عليها، الله أعلم.

### الآية 9:36

> ﻿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:36]

قوله تعالى :( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ ) من الناس من يقول إن الشهور التبست عليهم، واختلطت لكثرة ما كانوا يؤخرونها، ويقدمونها حتى ولو لم يكونوا يعرفون الشهور بعينها كل شهر على حدة. 
فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بالموسم، فقال :**«ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا ؛ منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ثم قال لهم : أي بلد هو ؟ وأي شهر هو ؟ وأي يوم هو ؟ قالوا بلد الحرام وشهر حرام ويوم حرام. ألا بلغت ؟ قالوا بلى، فقال : اللهم فاشهد »**\[ البخاري ٤٦٦٢ \] وفي بعض الأخبار زيادة ؛ فقال : ألا و( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا )\[ التوبة : ٣٧ \]. 
وقالوا : وذلك أنهم كانوا يجعلون صفر عاما حراما وعاما حلالا فكان النسيء من الشيطان، وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الأشهر، وبينها فدل ذلك على أن النبي كان يحرم القتال فيها على ما كان أهل الجاهلية يحرمونه. 
وزاد ذلك بيانا يعيب أصحاب النسيء إذ\[ في م : إذا \] كانوا يستحلون القتال في المحرم ويؤخرونه إلى صفر فيحرمون صفر مكان المحرم فعاب الله عليهم تحليل ما حرم من الشهر، وجعله زيادة في الكفر وقال :( يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ )\[ التوبة : ٣٧ \] أي عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله. وقال ( فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ )\[ التوبة : ٣٧ \]. 
ومنهم من قال : إن الله جعل عدة الشهور اثني عشر \[ شهرا \]\[ من م ساقطة من الأصل \] بالأهلة على ما عرفته العرب على ما وقفوا على معرفة ذلك، ولم يوقف غيرهم وإنما يعدون السنة بالأيام، والعرب تعرفها بالأهلة \[ على \]\[ من م ساقطة في الأصل \] ما خلقها الله ( يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ). 
قال بعضهم : في الأشهر كلها لما جعل هذه الأشهر شهودا عليهم يشهدون على ما يعملون فيها من المعاصي والخيرات، وبها تنقضي آجالهم ؛ يخبر ألا تظلموا في هذه الأشهر التي تأتي بكم بكل خير وبكل نعمة، فإنها تنصرف بما يعملون فيها من الخير والشر. 
وقال بعضهم : قوله :( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) أي في الأربعة الحرم خص الأربعة وإن كان الظلم في الأشهر \[ كلها لا يحمد على ما \]\[ في الأصل كله لا يحمد عاما، في م : كله لا يحمد على ما \] خص مكة بترك الظلم حراما في الأماكن كلها كقوله :( سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم )\[ الآية الحج : ٢٥ \] أي لا تقاتلوا فيها إذ كل ظلم. 
وقوله تعالى :( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) قيل : ذلك الحساب حساب الأشهر قيم أي صحيح مستقيم على ما خلقه الله. وقيل : الحساب هو القضاء العدل. 
وقوله تعالى :( في كتاب الله ) يحتمل كتاب الله اللوح المحفوظ على ما قيل :( في كتاب الله ) أي في حكم الله ذلك. 
وقوله تعالى :( عند الله ) يحتمل ما ذكرنا من اللوح المحفوظ أن ذلك عند الله لم يطلع عليه غيره. ويحتمل ( عند الله ) أي في علمه على ما عرفته العرب، الله أعلم. 
وقوله تعالى :( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) يحتمل قوله ( كافة ) أي مجتمعين\[ في الأصل وم : مجتمعون \] أي قاتلوهم مجتمعين على ما يقاتلونكم مجتمعين، ويحتمل ( كافة ) أي جماعة. ويحتمل ( كافة ) إلى الأبد إلى يوم القيامة ؛ أي قاتلوهم إلى الوقت الذي يقاتلونكم ( كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) في النصر والمعونة.

### الآية 9:37

> ﻿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [9:37]

وقوله تعالى :( كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) الآية، كأن هذه الآية والتي\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] قبلها :\[ وهي \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قوله :( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً ) في مشركي العرب، وسائر الآيات التي قبلها، وهي \[ في الأصل وم : هو \] قوله :( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ )\[ التوبة : ٣١ \] وقوله :( إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ )\[ التوبة : ٣٤ \] في أهل الكتاب. 
يخبر أن ملوك العرب اتخذوا أنفسهم أربابا والأتباع عبيدا من دون الله حتى يتبعوهم\[ في الأصل وم : يتبعونهم \] في جميع ما يحلونه، ويحرمونه كما أن اليهود والنصارى اتخذوا أنفس أولئك عبيدا. فكأنه قال للمؤمنين : إن ملوك العرب وأحبار اليهود ورهبان النصارى اتخذوا أنفسهم أربابا والأتباع عبيدا فأنتم يا معشر المؤمنين لا تتخذا أنفسكم أربابا والأتباع عبيدا.

### الآية 9:38

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [9:38]

ألا ترى أنه قال في الآية التي تلي\[ في الأصل وم : تتلو \] هذه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ ) ؟ قال بعضهم : الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك كقوله :( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدنية ) الآية\[ التوبةك١٠١ \] فيُفهم \[ من \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ذكر ذلك الوعيد. 
وقال بعضهم : الآية في المؤمنين أمروا أن ينفروا ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ) قيل : استثقلتم النفر في سبيل \[ الله \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] وأقمتم. ويحتمل التثاقل، وهو\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] أن يروا من أنفسهم الثقل من غير أن قاموا كما يقال : يتصامم، ويتعامى من غير أن كان به الصمم أو العمى، ولكن لما يرى من نفسه ذلك. 
وقال بعض أهل الأدب : قوله :( أثاقلتم )\[ أي تثاقلتم \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] وركنتم إلى المقام، وذلك في القرآن كثير كقوله :( حتى إذا ادراكوا فيها جميعا )\[ الأعراف : ٣٨ \] أي تداركوا. 
وقوله تعالى :( أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ) أي ما منعكم في الدنيا قليل بما وعد أن يمتعكم في الآخرة. 
أو أن يقال : متاع الحياة الدنيا من أولها إلى آخر ما تنتعي أقل\[ في الأصل وم : قليل \] من متاع الآخرة وكراماتها لأن كرامات الدنيا على شرف الزوال وكرامات الآخرة على الدوام أبدا. 
أو أن يقول : متاع الحياة الدنيا أقل\[ في الأصل وم : قليل \] من متاع الآخرة لأن متاع الدنيا ومنافعها تشوبه الآفات والمضرات، ومتاع الآخرة لا تشوبه الآفات والمضرات. 
قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) الآية عاتب المؤمنين بالتثاقل والإخلاد\[ في الأصل وم : بالخروج \] إلى الأرض ونهاهم عن الركون إلى الدنيا. 
وقوله تعالى :( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) أي لما أحدث أولئك الملوك من تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله زيادة في كفر أولئك أحدثوا من وقت إحداثِهِم. 
وقوله تعالى :( يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يحتمل وجهين : يحتمل ( يضل به الذين كفروا ) أي يهلك به الذين كفروا أي الذين أحدثوا. أو يحتمل ( يضل به الذين كفروا ) أي ما أحدث أولئك الملوك إنما أحدثوا ليضل به الأتباع، يحلونه. 
فأما ما ذكر في القصة أنهم كانوا يستحلون المحرم عاما، فيصيبون فيه الدماء والأموال، ويحرمونه عاما فلا يستحلون فيه الدماء والأموال. 
وقوله تعالى :( لِيُوَاطِئُوا/٢١٣-ب/ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) قيل ليوافقوا عدة ما حرم الله : كان عندهم أن التحريم إنما كان بعدد الأشهر للأشهر، فحفظوا عدد الأشهر، ولم يحفظوا الوقت. وذلك تأويل قوله ( لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ) أي زين تأخير المحلل وتقديم المحرم ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) قيل : ل يهديهم وقت اختيارهم الكفر، أو لا يهديهم في الآخرة طريق الجنة لكفرهم في الدنيا. وقد ذكرنا تأويله في غير موضع. 
قال أبو عوسجة : النسيء التأخير ؛ يقال : نسأت الشهر أي أخرته، ويقال : أنسأ الله في أجلك أي أخر الله، وقوله :( ليواطئوا ) والمواطأة : أن يدخلوا شهر مكان شهر، وهو التتابع ؛ يقال : تواطأ القوم على حديث كذا وكذا أي تتابعوا، وواطأت فلانا أي تابعته. 
وقال القتبي : النسيء التأخير، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم منها سنة، ويحرمون غير مكانة لحاجتهم إلى القتال فيه، ثم يردونه إلى التحريم في سنة\[ في الأصل وم : صفة \] أخرى ؛ كأنهم يستنون ذلك ليواطئوا أي ليوافقوا عدة ما حرم الله بقول : إذا حرموا من الشهور عدد الشهور المحرمة لم ينالوا أن يحلوا الحرام، ويحرموا الحلال.

### الآية 9:39

> ﻿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [9:39]

وقوله تعالى :( إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) فإن كانت الآية في المنافقين فهو ظاهر، وإن كانت في المؤمنين فيحتمل قوله :( إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) يحل بهم. ولم يبين ما ذلك العذاب ؟ 
وقال بعضهم : شدد الله الوعيد في تركهم النفر والخروج في سبيل الله على ما شدد ببدر في التولية الدبر بقوله :( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ) الآية\[ الأنفال : ١٦ \] غير أنه شدد يوم \[ بدر \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لما لم يكن ملجأ، وكان نفارهم نِفار نفاق. وههنا شدد لغير ذلك لوجوه. 
أحدها : لما في تخلف المؤمنين عنه موضع العدو للمنافقين بالتخلف عنه أنهم \[ تخلفوا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] للعذر، فنحن نتخلف أيضا للعذر، ولنا في ذلك عذر. 
والثاني : يكون للكفار موضع الاحتجاج عليهم ؛ يقولون : إنهم يرغبوننا في الآخرة، ويحثوننا في ذلك، ثم إنهم ينفرون عن ذلك، ويرغبون عنه. 
والثالث : يكون في تخلفهم الشوكة على المسلمين ؛ إذ يقلون\[ من م، في الأصل : يلقون \] إذا تخلفوا. 
وقوله تعالى :( وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) \[ على ما استبدلكم يا أهل مكة، فينصروه\[ في الأصل : فينصرونه \] وقال بعض أهل التأويل :( ويستبدل قوما غيركم ) \]\[ ساقطة من م \] أي ينشئ قوما غيركم. لكن تأويل الأول أشبه. ألا ترى أنه قال في آخره :( إلا تنصروه فقد نصره الله ) ؟ \[ التوبة : ٤٠ \]. 
وقوله تعالى :( وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً ) هو ما ذكرنا أي لا تضروا رسول الله بالتخلف عنه. وقال بعضهم : لا تضروا الله شيئا. والأول أشبه لما ذكرنا.

### الآية 9:40

> ﻿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:40]

وقوله تعالى :( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ) يقول : إن لم تنصروا رسول الله، فالله ينصره على \[ ما \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] نصره في الوقت الذي كان في الغار لم يكن معه أحد من البشر إلا واحد، فإن لم تنصروه فالله كافيه في النصر \[ على ما كفاه، ونصره \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] في الحال التي لم يكن معه بشر إلا واحد. فاليوم، ألا ينصره ومعه من الأنصار والأعوان ما لا يحصى ؟ وكان ما استنفرهم رسول الله، وأمرهم بالخروج إلى العدو، ولم يكن يستنفرهم لمكان نفسه ؛ إذ يعلم أن الله كافيه في نصره، ولكن إنما يستنفرهم\[ في الأصل وم : يستنفر \]، ويأمرهم لمكان أنفسهم ليكتسبوا قربا وثوابا عند الله وزلفى. 
ألا ترى أنه قال :( إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) وقال :( ولا تضره شيئا ) ؟ \[ التوبة : ٣٩ \] أي إن لم تنفروا، ولم تنصروا رسول الله، فلا تضروه شيئا، إذ الله كافيه في نصره، وإنما غايتهم بترك النفر والخروج ليركنوا إلى الدنيا، وحبهم إياها هو الذي منعهم عن اتباع محمد، وهو الذي حملهم على الكفر بالله والتكذيب لرسوله وترك الإجابة له في ما يدعوهم إليه. 
فيقول، والله أعلمن للمؤمنين : لا تركنوا إلى الدنيا، ولا ترضوا بها عن الآخرة ليمنعكم ذلك عن النفر والخروج إلى ما يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما منع أولئك الكفرة على ما ذكرنا. 
وأصله : أنه إنما استنصرهم لا لحاجة له إلى نصرهم ؛ إذ هو قادر أن ينصر رسوله بما شاء، لكن طلب منهم النصر له ليكتسبوا بذلك ثوابا لأنفسهم وما ذكر في الأجل. كذلك ما طلب منهم الشكر له على نعمه لحاجة له في ذلك، ولكن ليستديموا النعمة، ويصلوا إلى الباقية الدائمة. 
وقوله تعالى :( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) واضطروه إلى الخروج حين هموا بقتله حتى خرج من بين أظهرهم. 
وقوله تعالى :( ثاني اثنين ) أي لم يكن معه من البشر إلا واحد ليعلموا أن النصر لم يكن بأحد من البشر، إنما كان بالله تعالى ؛ إذ بالواحد لا تكون النصرة والحفظ من ألوف أو بذكر فضل أبي بكر، وكان هو ثانيه في كل أمره. 
وقوله تعالى :( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ) لم يكن حُزن أبي بكر على نفسه، ولكن إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصاب وكذلك روي في الخبر أنه قال لرسول الله إنك إن تصب يذهب دين الله، ولن يُعبد الله على وجه الأرض. 
وفي بعض الأخبار أن أبا بكر كان يبكي إشفاقا على رسول الله، فقال له رسول الله : ما يبكيك ؟ فقال ما ذكرنا، فقال له : يا أبا بكر :**«ما ظنك باثنين، ثالثهما الله ؟ »** \[ البخاري٤٦٦٣ \]. 
وقيل : إنهما \[ لما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أتيا باب الغار، سبق أبو بكر، فدخل الغار، وكان الغار معروفا بالهوام، فألقمها أبو بكر قدميه، فأطال ذلك، فقال : إن كان فيه شيء بدا \[ نادني، أو كلاما \]\[ في الأصل وم : لي أو كلام \] نحو هذا، والله أعلم. 
\[ وقوله \]\[ ساقطة من الأصل وم \] تعالى :( إن الله معنا ) ليس بنهي عن الحزن، ولكن على تخفيف الأمر عليه، وتيسير الحال التي هو عليها. 
وقوله تعالى :( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) قيل : أنزل سكينته على أبي بكر حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«ما ظنك باثنين ثالثهما الله ؟ »** حتى سكن قلب أبي بكر من الحزن والخوف على رسول الله. 
وقال بعضهم : أنزل السكينة\[ على رسول الله ؛ فهو يخرج على وجهين :
أحدهما : أنه أنزل السكينة عليه \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] حتى رأى هو جنودا لم يروها هم حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ). 
والثاني :\[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أنزل سكينته بالحجج والبراهين. 
لكنه إن كان ما ذكر فهو قد أنزل السكينة عليه في البدء، ولأنه كان رسول الله، لا يخاف سوى الله، ويعلم أنه ينصره. 
وكذلك رُوي عن ابن عباس \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : فأنزل سكينته على أبي بكر لأن النبي لم تزل السكينة معه، وهو أشبه. 
وقوله تعالى :( وأيده بجنود لم تروها ) يحتمل في ذلك الوقت، ويحتمل في الغزوات التي نصره بالملائكة يوم بدر وغيره ؛ يخبر أنه قادر أن ينصره لا بالسر ليعلموا أنه إنما يأمرهم بالنفر لا لنصر رسول الله، ولكن ليكتسبوا بذلك ما ذكرنا من الثواب. 
وقوله تعالى :( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) أي مكر الله بهم\[ ساقطة من م \] ونصرة رسوله هي العليا كقوله :( وإذ يمكر بك الذين كفروا ) الآية\[ الأنفال : ٣٠ \] ويحتمل قوله :( كلمة الذين كفروا ) دينهم الذي يدينون به ومذهبهم الذي ينتحلونه ( السفلى ) أي جعل تلك السفلى بالحجج، وجعل دين محمد ( هي العليا ) بالحجج والبراهين على ذلك على ما كان. 
ويحتمل قوله ( كلمة الذين كفروا السفلى ) أي جعل أهل كلمة\[ في الأصل وم : الكلمة \] ( الذين كفروا ) هم السفلة\[ في الأصل وم : السفلى \] وأهل دين الله هم الأعلون كقوله :( وأنتم الأعلون )\[ آل عمران : ١٣٩ \].

### الآية 9:41

> ﻿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [9:41]

وقوله تعالى :( انفروا خفافا وثقالا ) اختلف فيه /٢١٤-أ/ قيل : شبابا وشيوخا، وقيل : مرضى وأصحاء، وقيل : مشاغيل وغير مشاغيل، وقيل فقراء وأغنياء، وقيل : نشاطا وغير نشاط. 
وأصله :( انفروا ) مستخفين ومستثقلين ؛ أي أنفروا خف عليكم الخروج أو ثقل، وما ذكر أهل التأويل من الشيخوخة والتسفل والفقر والمرض لأن ذلك بالذي يثقل الخروج والنصر، وأصله ما ذكرنا ( انفروا ) خف عليكم ذلك أو ثقل. 
وقوله تعالى :( انفروا خفافا وثقالا ) انفروا خف على النفس أو ثقل، أو خف على الطبع، أو ثقل، أو خف على العقل أو ثقل. 
وقوله تعالى :( ذلكم خير لكم ) في الدنيا والآخرة. أي اعلموا أن ذلك خير لكم من المقام وترك النفر ( إن كنتم تعلمون ).

### الآية 9:42

> ﻿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:42]

وقوله تعالى :( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ ) قال بعض أهل التأويل :( لو كان عرضا قريبا أي غنيمة قريبة ( وسفر قاصدا ) أي هينا ( لاتبعوك ) في غزواتك\[ في الأصل وم : غزاتك \] ( وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ ) يعني المسير، وقيل العرض : الدنيا ( وسفرا قاصدا ) ليس فيه مشقة. 
وأصل قوله :( لو كان عرضا قريبا ) أي منافع حاضرة ( وسفرا قاصدا ) أي منافع غائبة، والعرض المنافع. يقول : لو كانت لهم منافع حاضرة ( لاتبعوك ) في ما استتبعتهم لأن عادتهم اتباع المنافع ؛ يعني المنافقين كقوله :( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه )\[ الحج : ١١ \] أخبر أنهم يعبدون الله على حرف ؛ وهو ما ذكر( فإن أصابه خير اطمأن به ) فمن عادتهم أنهم إنما يتبعون المنافع، وإليها يميلون. 
وأما المؤمنون يعبدون الله في كل حال : في حالة السعة وفي حالة الضيق، ويتبعون رسول الله، ولا يفارقونه، كانت لهم منافع، أو لم تكن، أصابتهم مشقة، أو لا ؛ هم لا يفارقون رسول الله على كل حال. 
وقوله تعالى :( وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ) أي لو كان لنا ظهر وسلاح ( لخرجنا معكم ) ولو كان \[ معنا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] زاد وما نشتر ما نحارب به ( لخرحنا معكم ). 
ثم أخبر أنه لهم استطاعة على ذلك، وأنهم كاذبون أنه لا استطاعة لهم حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ) ؟ \[ التوبة : ٤٦ \]. 
وقالت المعتزلة : دل قوله :( لو استطعنا لخرجنا معكم ) أن الاستطاعة تتقدم الفعل لأنه أخبر أنهم كاذبون في ما يقولون : إنه ليس معنا ما ننفق، وما نشتري به السلاح. لكنا نقول : إن الاستطاعة على وجهين : استطاعة الأسباب والأحوال واستطاعة الأفعال. 
واستطاعة الأسباب والأحوال يجوز أن تتقدم، وهذه الاستطاعة هي استطاعة الأسباب والأحوال. ألا ترى أنه قال ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ) ؟ \[ التوبة : ٤٦ \]. 
ومن قوله أيضا : أن استطاعة الأفعال لا تبقى أوقاتا. ثم إن هذه أخبر أنها كانت باقية أوقاتا. دل أنها استطاعة الأسباب والأحوال. 
وقوله تعالى :( يهلكون أنفسهم ) قيل ( يهلكون أنفسهم ) بأيمانهم الكاذبة أنهم لا يستطيعون. وقيل :( يهلكون أنفسهم ) بتركهم الخروج لأنهم يُقتلون إذا تركوا الخروج كقوله ( ملعونين ) الآية\[ الأحزاب : ٦١ \]. ويحتمل ( يهلكون أنفسهم ) في الآخرة بنفاقهم في الدنيا.

### الآية 9:43

> ﻿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [9:43]

وقوله تعالى :( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) بالتخلف ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) أي يطلعك الله على نفاقهم، فيكون ذلك آية من آيات النبوة\[ من م، في الأصل : الله \] : إن لم اذن لهم بالتخلف، أو إن تأذن\[ أدرج قبلها في الأصل وم : لم \] لهم يتبين لك نفاقهم ؛ لأنهم يتخلفون، ويفارقونك، وإن لم تأذن لهم، والذين صدقوا لا يقارقونك ؛ فيتبين هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء المؤمنين. 
وفي قوله :( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ ) دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر. وفيه دلالة العمل بالاجتهاد لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر لم تكن إجابته على الإذن. دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم غنما يستأذنونه بالقعود للعدو. 
فإن قيل : كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله :( لتحكم بين الناس بما أراك الله )\[ النساء : ١٠٥ \] قيل : يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك \[ الأفضل لأن ترك \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن ؛ إذ به يتبين له الصادق من الكاذب، ويكون فيه آية من آيات الرسالة. ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل. 
ويحتمل أن يكون قوله :( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) تعليما من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضا ؟ ليس على العتاب. 
ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله على غيره من الأنبياء، صلوات الله عليهم، بهذه الآية لأنه يذكر العفو، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب لم يذكر زلته، وذكر في سائر الأنبياء الزلات.

### الآية 9:44

> ﻿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [9:44]

وقوله تعالى :( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) بالتخلف لغير عذر.

### الآية 9:45

> ﻿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [9:45]

( إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) بالقعود لغير عذر ( وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ). 
وعن الحسن \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) إلى قوله ( يترددون ) نسختها الآية التي في سورة النور :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ )\[ الآية : ٦٢ \] لكن لا يحتمل لأنه ذكر أن سورة التوبة من آخر ما نزلت، أو أنهم إذا كانوا في أمر جامع لم يذهبوا إلا بعد الاستئذان لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين في الأمور الجامعة، وأما في الخلوات فلا.

### الآية 9:46

> ﻿۞ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:46]

وقوله تعالى :( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ) يحتمل أن يكون هذا ي غزوة تبوك على ما قاله أهل التأويل : أمروا بالخروج و التأهب للغزو ؛ فعزموا ألا يخرجوا، فعوتبوا على ذلك. 
ويحتمل أن يكون في جميع الغزوات ؛ عزموا، واعتقدوا ألا يخرجوا، ولا يتأهبوا له قط، فقالوا :( لو استطعنا لخرجنا معكم )\[ التوبة : ٤٢ \] فأكذبهم الله تعالى \[ بقوله :( والله يعلم إنهم لكاذبون )\[ التوبة : ٤٢ \]\[ في الأصل وم : أنهم كذبة \] وأنهم أغنياء، لكنهم عزموا ألا يخرجوا، ولا يعدوا له عدة، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ ) يحتمل قوله :( كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ ) أي لم يرض الله بخروجهم وانبعاثهم. ثم بين الوجه الذي لم يرض ما ذكر في قوله :( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا )\[ التوبة : ٤٧ \] أي فسادا. لم يرد الله خروجهم لما علم منهم أنه لا يزيد خروجهم في الجهاد إلا ما ذكر من الخبال والفساد. 
وقوله تعالى :( فثبطهم ) قيل حبسهم ؛ أي إذ\[ في م : إذا، ساقطة من الأصل \] علم منهم أن خروجهم وانبعاثهم \[ لا يزيدهم \]\[ في الأصل وم : لم يزدهم \] إلا فسادا حبسهم. ويحتمل : أن خلق منهم الفعل الذي كان من الكسل والتثاقل. 
وفيه دلالة خلق الله فعل الشر. ويكون في ذلك خير\[ في الأصل وم : خيرا \] لغيره، وإن كان شرا لهم. فعلى ذلك خلق فعل المعصية من العاصي\[ في الأصل وم : المعاصي، وهو شر له، ويكون ذلك خيرا لغيره. 
وقوله تعالى :( وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ) يحتمل قوله :( وقيل اقعدوا ) لما استأذنوا رسول الله بالقعود أذن لهم في ذلك على ما وقع عنده أن لهم عذرا في ذلك. وإن كان من الله عز وجل فهو على التهدد والتوعد. 
ويحتمل أن يكون من الشيطان ؛ وسوس إليهم إن اقعدوا ترغيبا منه إياهم بالقعود والتخلف، و الله أعلم.

### الآية 9:47

> ﻿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [9:47]

وقوله تعالى :( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ) أي لو كانوا خرجوا فيكم. ألا ترى أنه قال :( ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ) ؟ \[ التوبة : ٤٦ \] دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا. ولو كانوا خرجوا لم يكن ثبطهم. دل أنه ما ذكرنا والانبعاث هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود : ولكن كره الله خروجهم، والتثبيط الحبس. وأصل التثبيط التثقيل. 
وقال أبو عوسجة : الانبعاث هو القيام، والخبال : قيل الفساد والشر، وقيل : الغي، وهو واحد. 
وقوله تعالى :( ما زادوكم إلا ) كذا. تحتمل/٢١٤-ب/ زيادة الخبال وجوها : تحتمل أن يكونوا عيونا للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين ؛ أو كانوا يجيئون أهل الإسلام بقولهم\[ في الأصل وم : كقولهم \] :( إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم )\[ آل عمران : ١٧٣ \]\[ ونحو ذلك \]\[ في الأصل : ونحو، في م : ونحوه \]. 
وقوله تعالى :( وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ) قيل : هو من إيضاع الإبل خلالكم، يتخلل في ما بينكم. وقيل :( وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ) أي رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم\[ في الأصل وم : يصيبكم \] الأذى ؛ وكانوا\[ أدرج بعدها في الأصل وم : لا \] يستترون بالمسلمين لئلا يصيبهم شيء من البلاء والشدة. 
وقال القتبي :( وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ) من الموضع، وهو سرعة السير. وقال أبو عوسجة : هو من الإيضاع يكون على الإبل. وهو عندي : من عدو الإبل ؛ يقال : أوْضَعْتُ البعير، وركَّضْتُ الفرس، وأَجْرَيْتُ الحمار، ( خلالكم ) بينكم. وقيل : الخِلال : القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يُدخِلون فيهم النقصان والقتال والفشل. 
وقوله تعالى :( يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ ) قيل يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه. ويحتمل ما ذكرنا من القتل وإدخال الفشل والجُبن فهيم، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) هذا يحتمل أن هؤلاء المنافقين يكونون سُماعا وخُبُرا وعيونا ؛ يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم، ويحتمل قوله :( وفيكم ) من المؤمنين ( سماعون لهم ) الآية : قيل : إنه كان في أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة لشرفهم فيهم. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :( يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين، فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول : أبلغكم ما بلغني أن العدو أمامكم عوَّروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا ؟ 
ويحتمل قوله :( وفيكم سماعون لهم ) أي فيكم من المنافقين الذين قعدوا، ولم يخرجوا، يسمعون للمؤمنين الذين لم يخرجوا أيضا ما يكرهون ؛ يقولون : الدَّبْرَةُ على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة. 
وقوله تعالى :( والله عليم بالظالمين ) أي لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم كقوله :( ولا تحسبن الله غافلا )الآية\[ إبراهيم : ٤٢ \].

### الآية 9:48

> ﻿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [9:48]

وقوله تعالى :( لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ ) تحتمل الفتنة الوجهين اللذين ذكرتهما. 
وقوله تعالى :( وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ) أي تكلفوا، واجتهدوا ليطفئوا هذا النور ( حتى جاء الحق وظهر أمر الله ) قيل : دين الله الإسلام. ويحتمل حجج الله وأدلته، وهو ما ذكر :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ )\[ التوبة : ٣٢ \]. 
ويحتمل قوله ( وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ) ظهرا لبطن ليمكروا برسول الله، ويقتلوه، كقوله :( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك ) الآية\[ الأنفال : ٣٠ \]. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وظهر أمر الله ) ما ذكرنا من دين الله وحججه ( وهم كارهون ) لذلك كقوله :( ليظهره على الدين كله )\[ التوبة : ٣٣ \] فظهر دين الإسلام ( وهم كارهون ) له.

### الآية 9:49

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [9:49]

وقوله تعالى :( ومنهم من يقول ائذن لي ) فيه دلالة أنه لا كل المنافقين قالوا إنما قال ذلك بعضهم، قال غير هذا. 
وقوله تعالى :( ولا تفتني ) \[ قيل فيه وجهين :
أحدهما :\]\[ ساقطة من الأصل و م \] قيل : ولا تؤثمني، وقيل : ولا تُخرجُني، وقيل : لا تُكفرني، وهو واحد. يقول : من قال :( ولا تفتني ) أي لا تكن سبب فتنتي ومعصيتي، أي لا تأمرني بالخروج، ولكن ائذن لي بالقعود لأنك إن أمرتني بالخروج، ولم تأذن بالقعود والتخلف، فقعدت، وتخلفت، وكنت عاصيا تاركا لأمرك، فكنت أنت سبب عصياني وفتنتي. 
والثاني : قوله :( ولا تفتني ) أي لا تأمرني المشقة والشدة ولكن بالدعة \[ لأنهم كانوا عبا ذوي السعة \]\[ في الأصل : هم كانوا عباد السعة، ساقطة من م \] والرخاء، حيث كانوا مالوا إليهم كقوله :( ومن الناس من يعبد الله على حرف )الآية\[ الحد : ١١ \] يقول : لا تكن سبب إثمي وانقلابي، 
ومنهم من قال : إن رجلا منهم، يقال له : الجد بن قيس، قال\[ أدرجت في الأصل وم : قبل : يقال \] : إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمال. ففيه نزل قوله :( قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم )\[ التوبة : ٥٣ \] وهو قول ابن عباس ؛ يقول : لا تأمرني بالخروج فإني مولع بالنساء، لا أصبر إذا رأيتهن. ولا ندري كيف كانت القصة ؟ لكن الوجه فيه ما ذكرنا آنفا. 
قوله تعالى :( ولا تفتني ) أي ولا تمتحني بالمحنة التي فيها الهلاك والمشقة، فقال :( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ) أي ألا في المشقة والبلاء والهلاك سقطوا. هذا يدل أن أهل النفاق، هم الكفرة. 
وقوله تعالى :( ألا في الفتنة سقطوا ) أي ألا في الشر والإثم سقطوا على تأويل من تأول قوله :( ولا تفتني ) لا تؤثمني، ولا تخرجني. وعلى تأويل من قال :( ولا تفتني ) لا تشق علي، ولا تأمرني بالمشقة والشدة والضيق ؛ يقول : ألا في الشدة والضيق يسقطون. 
وقوله تعالى :( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) أي تحيط بهم حتى لا يجدوا\[ في الأصل وم : يجدون \] منفذا ولا مخلصا، أو تحيط بهم من تحت ومن فوق وأمام وخلف ويمين وشمال، تحيط بهم حتى تصيب كل جارحة منهم كقوله :( لهم من فوقهم ظلل من النار ) الآية\[ الزمر : ١٦ \] أخبر أنها تحيط بهم. 
وفيه دلالة أن المنافقين هم كفار لأنه ذكر في أول الآية صفة المنافقين، ثم أخبر أن ( جهنم لمحيطة بالكافرين ).

### الآية 9:50

> ﻿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [9:50]

وقوله تعالى :( إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ ) قيل :( إن تصبك حسنة ) أي الغنيمة والظفر والنصر على الأعداء يسؤهم ذلك ( وإن تصبك ) مصيبة النكبة والهزيمة يفرحوا بها، يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، أي أخذنا أمرنا بالوثيقة والاحتياط حين\[ في الأصل وم : حيث \] لم نخرج معهم حتى لا يصيبنا ما أصابهم. 
ويحتمل أن يكون قوله :( قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ ) أي قد أظهرنا الموافقة للمؤمنين في الظاهر وكنا مع الكافرين في السر، وواليناهم\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] في الحقيقة. وهو ما ذكر من انتظارهم أحد أمرين في قوله :( الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم )الآية \[ النساء : ١٤١ \]. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ ) يحتمل ( ويتولوا ) أولئك الكفرة ( وهم فرحون ). 
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد ونبوته لأنه معلوم أنما يسوؤهم كانوا يضمرون، ويسترون عنهم ثم أخبر عما أصروا وأضمروا. دل أنه إنما علم ذلك بالله.

### الآية 9:51

> ﻿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [9:51]

وقوله تعالى :( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ) قال بعضهم ( إلا ما كتب الله لنا ) أي قضى الله لنا ؛ أي لن يصيبنا إلا ما قضى الله لنا. وقال بعضهم ( إلا ما كتب الله لنا ) أي ما جاء به القرآن وهو قوله :( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً )\[ التوبة : ١١١ \]. 
ويحتمل قوله :( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) من الكرامة والمنزلة والنعم الدائمة في الآخرة ؛ أي لن يصيبنا إلا ذلك. وإن كنتم أنتم تفرحون بذلك فذلك الذي ( كتب الله لنا هو مولانا ) أي هو ربنا، ونحن عبيده، يكتب لنا ما يشاء من الخير والشر ؛ أي ما أكرمنا الله به\[ في الأصل وم : لنا \]، أي ما أحل لنا وأباح. 
وأما القضاء فإنه كل ما يقال فيما يكون لهم، وإنما يقال فيما قضى عليهم. وأما الكتاب فهو\[ الفاء ساقطة من الأصل وم \] فيما \[ يحرم عليهم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ويحل لهم، ويتيح. 
وقوله تعالى :( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ) يحتمل وجهين : يحتمل على الإخبار ؛ أي على الله يتوكل المؤمنون، لا يتوكل على غيره، ويحتمل أن يكون على الأمر ؛ أي على الله توكلوا أيها المؤمنون.

### الآية 9:52

> ﻿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [9:52]

قوله تعالى :( قُلْ هَلْ تََربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ) قال\[ في الأصل وم : عن \] ابن عباس رضي الله عنه ( قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ) يعني الشهادة والحياة والرزق الدائم والكرامة كقوله تعالى :( ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا )الآية \[ آل عمران : ١٦٩ \]. 
ويحتمل ( إلا إحدى الحسنيين ) في الدنيا الغنيمة والظفر ؛ يقول :( هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) إما الحياة الدائمة في الآخرة والرزق الحسن والكرامة، وإما الغنيمة والنصر في الدنيا :( قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ ) العذاب في الآخرة أن قتلتم\[ في الأصل وم : قلتم \] أَوْ بِأَيْدِينَا أي القتل\[ في م : القتيل \] بأيدينا. 
( فتربصوا )\[ بنا الشر ( إنا معكم متربصون ) \]\[ ساقطة من م، ساقطة من الأصل \] العذاب بكم. 
هم /٢١٥-أ/ كانوا لا يتربصون بنا إلا الدوائر والهلاك وهو ما ذكر في آية أخرى حيث قال :( ويتربصون بكم الدوائر )\[ التوبة : ٩٨ \] هم كانوا لا يتربصون بنا الحسنى لكن ما ذكرنا من الدوائر. لكن ذلك، وإن كان عند أولئك المنافقون هلاك ودائرة فهو للمؤمنين الحسنى في الآخرة.

### الآية 9:53

> ﻿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ [9:53]

وقوله تعالى :( قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ) قال بعضهم الآية في الجهاد، وإن المنافقين كانوا يأمرون بالجهاد والقتال مع الكفرة، على ما أمر أهل الإيمان بذلك. 
ثم منهم من كان يخرج للجهاد، ومنهم من كان يجهز غيره، ويقعد، ومنهم من كان يخرج كارها، ونحوه. فنزل قوله :( قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ) أي خوفا ( لن يتقبل منكم ). 
ومنهم من قال الآية في الزكاة ؛ إن الله عز وجل فرض الزكاة في أموال المؤمنين والمنافقون قد أظهروا الإيمان وكانوا ينفقون، ويؤدون الزكاة، لكن منهم من كان يؤدي طوعا، ومنهم من يؤدي كرها، فقال :( قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ) لأنهم كانوا لا يرون قربة، وكانوا ينفقون وهم كارهون في الباطن. ألا ترى أنه قال :( ولا ينفقون إلا وهم كارهون ) ؟ \[ الآية : ٥٤ \]. 
دل أنهم كانوا ينفقون جميعا، وهم كارهون لذلك في الباطن\[ في الأصل وم : الباطل \]. ثم بين ما به لم يتقبل نفقاتهم، وهو ما ذكر ( إنكم كنتم قوما فاسقين ).

### الآية 9:54

> ﻿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [9:54]

وقال :( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ ) الآية. في الآية وجهان :
أحدهما : دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلام لأنه أخبر أنهم ( وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى ) وهم في الظاهر كانوا يأتون الصلاة على ما كان يأتي المؤمنون. ثم أخبر أنهم يأتونها كسالى. دل \[ أنه \]\[ من م، ساقطة في الأصل \] إنما عرف ذلك بالله تعالى. وكذلك أخبر أنهم ينفقون، وهم كارهون لذلك، وكانوا ينفقون في الظاهر مراآة لموافقتهم. ثم أخبر أنه كانوا كارهين لذلك في السر. دل أنه إنما علم ذلك بالله تعالى. 
والثاني : ألا تقوم قربة، ولا تقبل، إلا على حقيقة الإيمان ؛ هو شرط قيام هذه العبادات وقبول القُرَب، لا أن نفسها إيمان، لأنهم يظهرون الإيمان، ويسرون الكفر. دل أنه ما ذكرنا، وبالله التوفيق. 
وقوله تعالى :( إنكم كنتم قوما فاسقين ) أي إنكم كنتم فاسقين. ويحتمل قوله :( إنكم ) أي صرتم فاسقين بما أنفقتم، وأنتم كارهون ؛ إذ هم قد أظهروا الإيمان، ثم تركوه، كقوله :( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا )\[ المنافقون : ٣ \] أخبر أنهم آمنوا، ثم كفروا فعلى ذلك الأول. 
وقوله تعالى :( وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى ) وكسلى، وكسالى فيه لغات ثلاث\[ في الأصل وم : ثلاثة \]، والمعنى واحد ؛ وهو أنهم لا يأتون الصلاة إلا مستقلين لأنهم كانوا لا يرونها قربة.

### الآية 9:55

> ﻿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:55]

وقوله تعالى :( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال بعضهم : هو على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال : فلا تُعْجِبك أموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وفي الحياة الدنيا. والتعذيب في الدنيا، هو ما فُرض عليهم بالجهاد\[ في الأصل وم : الجهاد \]، وأمروا بالخروج للقتال، فكان يشق ذلك عليهم، ويشتد، فذلك التعذيب لهم. وهو ما ذكر في آية أخرى :( أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم )\[ الأحزاب : ١٩ \] أو التعذيب في الدنيا، هو القتل } يقتلون إن لم يخرجوا. 
وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة لأنهم يقولون : لا يُعطي \[ الله \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أحدا شيئا إلا ما هو أصلح له في الدين، ثم قال لرسوله\[ في الأصل وم : لرسول الله \] :( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ) ولو كان لم يعطهم الأموال والأولاد إلا للخيرات والصلاح فذلك بعيد. فدل أنه قد يعطي خلقه ما ليس بأصلح لهم في الدين، وكذلك في قوله :( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ) ( نسارع لهم في الخيرات ) الآية\[ المؤمنون : ٥٥و٥٦ \] دلالة الرد على قولهم لأنهم قال :( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ) ( نسارع لهم في الخيرات ) ثم قال ( بل لا يشعرون )\[ المؤمنون : ٥٦ \] \[ أن ما \]\[ في الأصل وم : أنه \] يمدهم به لا للخيرات. دل أنه قد يعطي خلقه ما ليس هو بأصلح لهم في الدين. 
وفي قوله :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) دلالة الرد عليهم أيضا لأنه أخبر أنه يعذبهم في الدنيا والآخرة، ولا يعذبهم مجانا في ما لا يفعل لهم في ذلك. دل أن \[ له صنعا \]\[ في الأصل وم : لهم صنع \] في ذلك، وإنما يعذبهم بفعل اكتسبوه. 
وفي قوله :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) دلالة أن ليس كل ما يعطيهم ليرحمهم به، ولكن يعطيهم لما عليهم منهم : فإن كان علم منهم أنهم يستعملون ما أعطاهم من الأموال وغيرها في ما فيه هلاكهم أعطاهم لذلك، ومن علم منهم أنه يستعمله لنجاته أعطاه ليرحمه\[ في الأصل وم : ليرحمهم \] به. فإنما أعطى كلا ما علم أن يكون منه\[ في الأصل وم : منهم \] ؛ لأنه لو أعطاهم على غير ما علم منهم يكون\[ أدرج في الأصل وم قبلها : أنه \] في إعطائه مخطئا. 
وقوله تعالى :( وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) قيل : تخرج، وتهلك خوفا. قال أبو عوسجة : يقال : خرجت نفسه من فمه، وقيل : تذهب، وكذلك قال أبو عبيد، تزهق أي تذهب\[ في الأصل مم : ذهب \]. 
وفي الآية دلالة إثبات رسالة رسول الله لأنه أخبر أن أنفسهم تزهق ( وهم كافرون ) فكان ما ذكر. دل أنه علم ذلك بالله.

### الآية 9:56

> ﻿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [9:56]

وقوله تعالى :( وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ) في الباطن في الدين لأنهم كانوا منهم في الظاهر، وقال :( وما هم منكم ) في الباطن في الدين ( ولكنهم قوم يفرقون ) أي يخافون القتل، فيظهرون الموافقة لهم.

### الآية 9:57

> ﻿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [9:57]

وقوله تعالى :( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ ) قيل : لو وجدوا حرزا أو مغارات ؛ يعني الغيران في الجبال أو ( مدخلا ) أي سربا في الأرض في الجبال ( لولوا إليه ) أي رجعوا إليه ( وَهُمْ يَجْمَحُونَ ) أي يسرعون. يقال : جمحت الدابة، تجمح جماحا، وهو جامح، وهو من الإسراع. 
وكذلك قال القتبي، وقال أبو معاذ : الجموح الراكب رأسه وهواه. وقال بعضهم : قوله :( أو مدخلا ) بو\[ في الأصل وم : لا \] يجدون ناسا يدخلون بينهم ( لولوا إليه ) دونكم. 
وأصله : أنهم لو وجدوا مأمنا يأمنون، ( لولوا إليه ) أي لصاروا إليه مسرعين، ولا يظهرون لكن الإيمان، ولكن ليس لهم ذلك، والله أعلم.

### الآية 9:58

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [9:58]

وقوله تعالى :( ومنهم ) يعني المنافقين ( مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ) اختلف ليه : قال بعضهم ( يلمزك ) يزورك لمكان الصدقات طمعا فيها \[ لتعطيه من \]\[ في الأصل وم : لتعطيهم \] الصدقات، ويلمزك أي يزورك ليسألك من الصدقات ؛ أي إنما يزورونك لمكان الصدقات ( فإن أعطوا منها رضوا ) وعظموك\[ في الأصل وم : ويعظمونك \]، وإن لم تعطهم ( إذا هم يسخطون ) لأن إتيانهم رسول الله وزيارتهم إياه لمكان الصدقة. فإذا لم يعطوا منها شيئا سخطوا. 
ومنهم من قال : قوله :( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) أي يطعن عليك في الصدقات أي في قسمة الصدقات ؛ روي عن أبي سعيد الخذري \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«بينا رسول الله يقسم قسما جاء\[ في الأصل : له فجاء، في م : له فجاءه \] رجل يقال له الخُويصرة التميمي، فقال : اعدل، فقال له النبي : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل أنا ؟ فقال عمر : ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال له النبي : دعه، فإن له أصحابا، يحقر\[ في الأصل وم : يحتقر \] أحدكم صلاته \[ مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم لحسن صلاتهم وصيامهم، فيَحْقِرُ \]\[ في الأصل وم : إلى صلاته وصيامه إلى صيامه لحسن صلاته وصيامه فيحتقر \] صلاته عند صلاة أولئك، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية »**\[ البخاري٣٦١٠ \]. ذكر\[ الضمير فيه يعود على أبي سعيد الخدري \] حديثا طويلا، وهو كأنه كان من الخوارج، وهو الذي قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

### الآية 9:59

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [9:59]

وقوله تعالى :( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ )/٢١٥-ب/ ما أتاهم الله من الرزق ورسوله من الصدقات ( وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ). \[ وقيل :( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ) من فضله \]\[ ساقطة من م \] أي من دينه ( ورسوله وقالوا حسبنا الله ) كان خيرا لهم مما طمعوا في هذه الصفات، وطعنوا رسول الله في ذلك. 
وقال بعضهم :( رضوا ما آتاهم الله ) من فضله ما رزق لهم مما فعلوا، وقال بعض أهل التأويل :( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ) من فضله أي من الصدقات التي كان أعطاهم رسول الله منها، وإلى الله رغبوا لكان خيرا مما طمعوا في تلك الصدقات، وطعنوا رسول الله، وسخطوا عليه. 
ويقرأ ( يلمزك ) ويُلْمِزك برفع الميم\[ انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٢٧ \]. قال أبو عوسجة : اللمز الغيبة ؛ يقال له : لمَّاز، ولامز، وهماز، وهامز. وقال القتبي :( يلمزك ) يعيبك، ويطعن عليك ؛ يقال : همزت فلانا، ولمزته، إذا اغتبته، وغِبته، وكذلك قوله الله :( ويل لكل همزة لمزة )\[ الهمزة : ١ \]

### الآية 9:60

> ﻿۞ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:60]

وقوله تعالى :( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) يشبه أن تكون الآية في بيان موضع الصدقة على ما تقدم من الذكر بقوله :( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا ) الآية ما ذكر أن المنافقين كانوا يأتون رسول الله، ويسألونه من الصدقات، فإن أعطاهم رضوا منه، وإن لم يطعهم طعنوا فيه، وعابوا عليه. فبين أن الصدقات ليست لهؤلاء ولكن للفقراء من المسلمين والمساكين من المسلمين، وكذلك ما ذكر من الأصناف المكاتبين والغارمين. أنها لهؤلاء من المسلمين لا لهم. 
ويدل على ما جاء من الأخبار : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وضع صدقتن بأعيانها، حملت إليه في صنه واحد، ما روي أنه أعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل\[ انظر الحديث في البخاري٣١٥٠ \] وأعطى فلانا كذا. 
وروي عن الصحابة أنهم\[ في الأصل وم : أنه \] وضعوا الصدقة في صنف واحد، روي\[ عن \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] حذيفة أنه قال : هؤلاء أهلها، ففي أي صنف وضعتها أجزاك، وعن ابن عباس أنه قال كذلك. 
وعن عمر أنه كان إذا جمع صدقات المواشي والبقر والغنم نظر ما كانت\[ في الأصل وم : كان \] منتجة للبن، فيعطي الأهل على قدر ما يكفيهم ؛ فكان يعطي العشرة شاة للبيت الواحد، ثم يقول : عطية تكفي خير من عطية لا تكفي، أو كلاما\[ في الأصل وم : كلام \] نحو هذا، وقد روي عنه أنه سئل عن ذلك، فقال : والله لأردن عليهم الصدقة حتى يروح على أحدهم مئة ناقة أو مئة بعير. 
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه\[ أنه \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] أتي بصدقة عن ذلك، فبعثها إلى أهل بيت واحد. 
هؤلاء نجباء الصحابة استجازوا وضع الصدقة في صنف واحد. ولو كان حق كل صدقة أن تقسم بين هؤلاء الأصناف الذين ذكر بالسوية على ما قال القوم لمكان \[ ما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال الله عز وجل :( إنما الصدقات للفقراء ) بين الفقراء وبين من معهم من الأصناف كما يقال : الميراث لقرابة فلان، أي ليس للأجنبيين في ذلك حق. 
وإذا قيل : الميراث بين قرابة فلان كان لكل في ذلك حق لأن حرف بين يقتضي التسوية، وقوله لهم يقتضي أنه لاحق فيه لغيرهم. ألا ترى أنه يقال : الخلافة لولد العباس ؛ يراد أنه لا حظ فيها لغيره ؟ والسقاية لبني هاشم ؟ ونحوه، ليس يراد ذلك أن لا حق لغيرهم فيها. 
وبعد فإنه لو كان في الآية : إنما الصدقات بين الفقراء. وبين من ذكر معهم لكان لا يجب قسمة كل صدقة بين هؤلاء الأصناف المذكورة في الآية لأنه ليس للصدقات انقطاع بل لها مدد إذا دفعت صدقة واحدة إلى صنف واحد، فإذا أوتي بصدقة أخرى دفعت إلى صنف آخر. هكذا يعمل في الأصناف كلها. 
وبعد فإنه لم يذكر عن أحد من الأئمة أنه تكلف طلب هؤلاء الأصناف، فقسمها بينهم، وكذلك لم يذكر عن أحد من أرباب الأمول \[ أنه دفع \]\[ في الأصل وم : أنهم دفعوا \] صدقة واحدة بين هؤلاء الذين ذكر، فدل أنه خرج على ما ذكرنا لأنه لو كان على تسوية كل صدقة بينهم لم يجز ألا يقسموها كذلك، ويضيعوا\[ في الأصل وم : ويضيعون \] حق البعض من هؤلاء. 
وبعد فإنه لو تكلف الإمام أن يظفر بهؤلاء الثمانية ما قدر على ذلك. دل أنه لم يخرج الحطاب على ما توهم خصومنا، ولأن الحق لو كانت التسوية بينهم في كل صدقة لكان إذا لم يجد في بلدته مكاتبين أو واحد من هؤلاء الأصناف فيجب أن يسقط مقدار حصة من لم يجد من أربابها، فذلك بعيد، فقد جاء في الخبر أنه بعث معاذا إلى اليمن فقال له : خذ من أغنيائهم ورد في فقرائهم، ويكره إخراج صدقة كل بلد إلى بلد غيره من البلدان. 
ثم تحتمل الآية جميع الصدقات التي يتصدق بها على الفقراء والمساكين من الفيء وغيره، فبين\[ الله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أن هؤلاء موضع لذلك كله من نحو قوله :( وآتوا حقه يوم حصاده )\[ الأنعام : ١٤١ \] وقوله :( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها )\[ التوبة : ١٠٣ \] وتحتمل زكاة الأموال المفروضة، والوجه فيه ما ذكرنا. 
فإن قيل : إن الرجل إذا أوصى فقال : ثلث مالي لفلان وفلان أليس هو مقسوم بينهما\[ في الأصل وم : بينهما \] بالسوية ما منع أن الأول بمثله ؟ قيل : لا تشبه الصدقات الوصايا. 
وذلك أن الوصية إنما وقعت في مال معلوم لا تزيد فيه بعد موت الميت شيئا، ولا يتوهم لها مدد. والصدقات يزيد بعضها بعضا، وإذا فني مال جاء مال آخر، وإذا مضت سنة جاءت سنة أخرى بمال جديد. فإذا دفع الإمام صدقة بجميع ما عنده إلى الفقراء، ثم حضره غارمون تحمل\[ في الأصل وم : فتحمل \] إليه صدقة أخرى، يجعلها فيهم، فيصلح بذلك أحوال الجميع لما لا انقطاع للأموال إلى يوم القيامة. 
وكيف تقسم الصدقة على ثمانية أسهم ؟ ولا خلاف في أن للعاملين بقدر عمالتهم\[ سهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] زاد ذلك على الثمن أو نقص منه، فإذا \[ زاد الثمن في \]\[ في الأصل : زالت \] القسمة في بعض الأصناف زاد \[ في الأصل وم : زالت \] في الجميع، فأعطي كل صنف منه قدر حاجته كما أعطي العاملون. 
وكيف يصنع بسهم المؤلفة قلوبهم، وقد ارتفع ذلك ونسخ ؟ على ذلك جاء عن بعض الصحابة من نحو أبي بكر وعمر أنهم لم يعطوهم\[ في الأصل وم : لم يعطهم \] شيئا. 
أليس يرد ذلك على سائر السهام ؟ فإذا جاز أن يزاد على الثمن في وقت جاز أن ينقص\[ في الأصل وم : ينقصوا \] منه في وقت. 
وفي قوله :( والعاملين ) دلالة أن لا بأس للأئمة والقضاة أخذ الكفاية من بيت المال، ولكل عامل للمسلمين حد كفايته ورزقه من ذلك إن فرغ نفسه لذلك وكفها عن غيرها من المنافع والأعمال. 
ثم اختلف في الفقراء والمساكين : قال بعضهم : الفقراء هم من المهاجرين كقوله ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم )\[ الحشر : ٨ \] والمساكين من الذين لم يهاجروا. 
وقال بعضهم : الفقير الذي به زمانة، وهو محتاج وقال بعضهم : الفقراء هم المتعففون الذين لا يخرجون ولا يسألون الناس كقوله تعالى :( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف )\[ البقرة : ٢٧٣ \] والمساكين هم الذين يسألون. وكذلك قال الحسن. 
وعن عمر \[ أنه \] \[ ساقطة من الأصل وم \] قال : ليس المسكين الذي لا مال له، ولكن المسكين الذي يصيب المكسب. 
وعن ابن عباس \[ أنه \] \[ ساقطة من الأصل وم \] قال : فقراء المسلمين والمساكين الطوافون، وهو قريب مما قاله الحسن. 
وعن الأصم \[ أنه \] \[ ساقطة من الأصل وم \] قال : الفقير الذي لا يسأل، وهو ما ذكرنا بدأ، والمسكين الذي يسأل إذا احتاج ويمسك إذا استغنى. 
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرويه أبو هريرة\[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«ليس المسكين هذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قيل فما المسكين يا رسول ؟ قال : الذي لا يجد ما يغنيه ولا يفطن به، يتصدق عليه ولا يقوم، فيسأل الناس »**\[ البخاري : ١٤٧٩ \] فهذا لو حمل/٢١٦-أ/ على ظاهره لدفع قول من قال : إن المسكين هو الذي لا يسأل الناس، ولكن يجوز أن يكون معناه، والله أعلم، أن الذي لا يسأل، وإن كان عندكم مسكينا، فإن الذي لا يسأل أشد مسكنة منه. ولا يحتمل غير ذلك لأن الله قد سمى الذين لا يسألون الناس فقراء، ولا يجوز أن يجعل الحدث مخالفا للآية ما أمكن أن يكون موافقا لها. 
قال الله تعالى :( يتيما ذا مقربة ) ( مسكينا ذا متربة )\[ البلد : ١٥-١٦ \] فقوله :( ذا متربة ) قيل : هو الذي لا حائل بينه وبين التراب لفقره. فدل بذلك، والله أعلم على أن المسكين هو الشديد الفقر، والفقير هو الذي لا يملك شيئا، ولم يبلغ في الفقر والضرورة حال المسكين، ويدل على\[ في الأصل وم : ل \] ذلك قول عمر : ليس المسكين من لا مال له، ولكن المسكين من لا مكسب له ؛ كأنه يقول : إن الذي لا مال له، وله مكسب، هو فقير، والمسكين أشد حالا من الفقير وليس له مال ولا مكسب، وإن حمل قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«ليس المسكين الذي يسأل ولكن المسكين الذي لا يفطن به ولا يسأل »**\[ على أن الذي لا يفطن به هو أشد \]\[ في الأصل : هو أشد، في م : على أن الذي لا يفطن به أشد \] مسكنة من الآخر، وإن كان الآخر مسكينا أيضا، كان موافقا للمعنى الذي ذكرنا ؛ لأنا قلنا : إن المسكين هو الشديد الفقر، وقد يكون فقيرا وإن لم يبلغ به الضر مبلغ ضر الأول. 
وقد يخرج قول من قال : إن المسكين الذي يخرج هذا المخرج لأن من شأن المسلم الفقير أنه يتحمل ما كانت له حيلة، ويتعفف، ولا يخرج، فيسأل، وله حيل. فخروجه يدله على شدة ضيقه وعلى الزيادة في سوء حالها. فكان القولان جميعا يرجعان إلى معنى واحد وإذا كان الفقير أحسن حالا من المسكين لما ذكرنا فقد يجوز أن تدفع الصدقة إلى من له مال قليل لأنه فقير، وإن لم يكن حاله في فقره حال المسكين الذي لا يملك شيئا، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( والعاملين عليها ) اختلف فيه : قال \[ بعضهم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يعطى لهم\[ ثمن الوفاء \]\[ في الأصل وم : الثمن \] وقال بعضهم : يعطى لهم قدر عمالتهم، وقال بعضهم : يعطى لهم قدر كفايتهم وعيالهم. 
أما قوله\[ من قال، من م ساقطة من الأصل \] يعطى لهم الثمن فلا\[ الفاء ساقطة من الأصل وم \] معنى له لما لا يجوز أن يبلغ الثمن الوفاء، وعمالته لا تبلغ عشر عشر ذلك. ومن قال : يعطى لهم قدر كفايتهم وكفاية عيالهم فهو، والله أعلم، إذا كان هو لا\[ ساقطة من م \] تسلم نفسه لذلك واستعمله الإمام في جميع أمور المسلمين. فإذا كان كذلك يعطى له عند ذلك الكفاية له ولعياله. وأما إذا تولى شيئا من تلك العمالة في وقت، فيعطى له الكفاية، فلا. 
والأشبه عندنا أن يعطى لهم قدر عمالتهم وهكذا الإمام إذا استعمل أحدا في عمل من أعمال اليتيم فإنه يعطى له قدر أجر عمله. 
وقوله تعالى :( والمؤلفة قلوبهم ) قد ذكرنا في ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يعطي الرؤساء من المنافقين الصدقات، يتألف له قلوبهم ليسلموا على ما روي أنه كان يعطي فلانا مئة من الإبل وفلانا كذا. وروي أنه قسم ذهبة في أديم مقروظ بعثها علي رضي الله عنه من اليمن بين الأقرع بن حابس وبين فلان وفلان. والحديث في هذا كثير. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص به الرؤساء منهم بالصدقة، يتألفهم والإسلام في ضعف، وأهله في قلة وأولئك كثير ذووا\[ في الأصل وم : ذو \] قوة وعدة. 
فأما اليوم فقد كثر أهل الإسلام وعز الدين وصار أولئك أذلاء بحمد الله فقد ارتفع ذلك وذهب، إذ قوي المسلمون، وكثروا فيقاتلون حتى يسملوا. 
وعلى ذلك جاء الخبر عن أبي بكر وعمر رضي الله عنه ما دل على ما ذكرنا ؛ روي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن \[ حصن جاء \]\[ في الأصل وم : فلان جاؤوا \] إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالا\[ في الأصل وم : فقالوا \] : يا خليفة الله إن عندنا أرضا سبخة، ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطناها\[ فأقطعها إياهما \]\[ في الأصل وم : فأقطعنا إياها \] وكتب لهما \[ بذلك \]\[ ساقطة من الأصل وم \] عليها كتابا \] وأشهد عمر رضي الله عنه، وليس في القوم\[ في الأصل وم : قوم \] فانطلقنا إلى عمر ليشهداه. فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله\[ في الأصل وم : فتناوله \] من أيديهما \]، ثم نظر فيه، فمحاه، فتذمرا، وقالا\[ الواو ساقطة من الأصل \] له مقالة سيئة، وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما، والإسلام يومئذ قليل وإن الله تعالى قد أعز الإسلام، ف

### الآية 9:61

> ﻿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:61]

وقوله تعالى :( وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ) أخبر أنهم يؤذون النبئ ولم يبين بما كان يؤذون، فيحتمل ( يؤذون النبئ ) بتكذيبهم إياه وتركهم الإجابة له والطاعة فيما يدعوهم إليه، ويحتمل يؤذونه بكلمات يسمعونه بطعن يطعنونه\[ من م، في الأصل : يطعنون \] ويعيبون عليه. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ) قيل : الأذن هو الذي يقبل العذر ممن اعتذر إليه، ويسمع منه، سواء كان له عذر أم\[ في الأصل وم : أو \] لا عذر له لكرمه وشرفه وحسن خلقه. /٢١٦-ب/ فظن أولئك لما رأوه أنه كان يعاملهم معاملة أهل الكرم والشرف والمجد أنه إنما يعاملهم هذه المعاملة لسلامة قلبه وصغر همته وقصور يده، وهم كانوا أهل كبر وأنفة، قالوا :( هو أذن ) نقول ما شئنا، ثم نخلف ونعتذر إليه، فيصدقنا، ويقبل عذرنا. 
قال الله تعالى :( قل ) يا محمد ( أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) أي الذي يقبل العذر ويسمع ( خير لكم ) من الذي لا يقبل ولا يسمع، فكيف تؤذونه، وتطعنونه، وتعيبون، ولا تصدقون، ولا تؤمنون به ؟ يخبر عن سفههم. 
قال أبو عوسجة : الذي من قال له شيئا أو وحدثه حديثا صدقه، واستمع منه وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق كل من قال له شيئا وحدثه حديثا، واستمع لكرمه وشرفه ومجده وحسن خلقه لا\[ أدرجت في م بعد لما \] لما ظن أولئك. 
وقيل :( وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ) أي ليسر في نفسه ويكتم ولا يكافئ من أذاه ولا يجازي. 
قال الله تعالى :( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) قال\[ في الأصل وم : وقال \] بعضهم :( يؤمن بالله ) أي يصدق بالله بما ينزل عليه ومن آياته ( بؤمن بالله ) أي يصدقهم في ما بينهم من شهاداتهم وإيمانهم على حقوقهم وفروجهم وأموالهم. 
ويحتمل قوله :( يؤمن بالله ) يصدقه بما يخبره من سر المنافقين وما استكتموه منه من الكيد له والمنكر به ( يؤمن للمؤمنين ) بما يخبرونه من قِيل أولئك المنافقين من الطعن فيه والعيب عليه. والإيمان\[ في الأصل : والإيمان بآخر، في م : ولا إيمان بآخر \] : هو التصديق بجميع\[ من م، في الأصل : جميع \] ما فيه، والإيمان له من خَبره وحديثه. 
وقوله تعالى :( ويؤمن للمؤمنين ) في ما يشهدون في ما يشهدون في الآخرة له بالتبليغ إليهم كقوله :( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ )\[ الأعراف : ٦ \] ويكون قوله ( ويؤمن للمؤمنين ) أي يؤمن بالمؤمنين فيما بينهم بالأخوة في الدين كقوله :( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ )\[ التوبة : ١١ \]. 
وقوله تعالى :( ورحمة للذين آمنوا ) كان صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين لما استنقذهم من الكفر إلى الإيمان ومن الهلاك إلى النجاة ؛ يشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة بقية من الآية الأولى. 
وقوله تعالى :( والغارمين ) جعل الله الغارم موضعا للصدقة وهو الذي عليه الدين و الغرم من أي وجه لحقه على ذلك. روي في الخبر عن نبي الله \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«إن المسألة لا تحل لغني إلا بإحدى ثلاث\[ في الأصل : إلا بإحدى ثلاث من، في م : إلا إحدى ثلاث من \] : فقر مدقع أو غرم مفظع أو لذي دم موجع »**\[ بنحوه الترمذي٦٥٣ \] وفي بعض الأخبار **«أن الصدقة لا \[ تحل لغني إلا لخمسة : لعامل \]\[ في الأصل وم : يحل إلا لخمس للعامل \] عليها أو رجل اشتراها أو غارم أو غاز في سبيل الله \[ أو مسكين تُصُدِّق عليه منها، فأهدى منها لغني \]\[ ساقطة من الأصل وم \] »**\[ بنحوه ابن ماجه١٨٤١ \]. 
وروي عن الحسن والحسين وابن عمر وابن جعفر أن رجلا سألهم شيئا، فقالوا : إن كانت مسألتك في إحدى ثلاث فقد وجب حقك : في فقر مذقع أو غرم مفظع أو دم موجع. 
هذه الأخبار كلها تدل على أن الغارم موضع للصدقة ؛ قل دينه أو كثر. فإن قيل في الخبر : أو غرم مفظع : قيل لا خلاف بينهم في أن من دينه غير مفظع فله أن يأخذ بقدر دينه من الصدقة. فهذا يدل أن الذي روي في الخبر إنما هو لكراهم المسألة لا على التحريم. وهكذا نقول : إن المسألة لا تحل له إذا كان غرمه غير مفظع، ولكن يحل وضعه فيه وأخذه له. 
وقوله تعالى :( وفي سبيل الله ) هو ما ذكرنا أنه المنقطع عن ماله جعله الله موضع للصدقة. فإن كان غنيا في مقامه للحاجة التي بدت له. وعلى ذلك روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«لا تحل الصدقة لغني إلا لغاز في سبيل الله وابن السبيل أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له »**\[ أبو داوود١٦٣٥ \]. 
وفي بعض الأخبار عنه ما ذكرنا\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة »** وفيه **«أو فقير تصدق عليه فأهداها للغني »**\[ أبو داوود١٦٦٥ \] وقد يكون الرجل غنيا بأن يكون له دار يسكنها ومتاع تهيأه\[ في الأصل وم : يتهياء \] وثياب، عزم على الخروج في سفر غزو، احتاج إلى \[ في الأصل وم : من \] آلات سفره وسلاح يستعمله في غزوه ومركب يغزو عليه وخادم ليستغني بخدمته ما\[ أدرج قبلها في الأصل وم : إلى \] لم يكن محتاجا إليه في حال إقامته، فيجوز أن يعطى من الصدقة ما يستغني به في حوائجه التي يحدثها سفره\[ في الأصل وم : لسفره \]. 
فهو في مقامه غني بما يملكه لأنه غير محتاج حينئذ إلى ما وصفنا، وهو في حال سفره غير غني فيحتمل أن يكون معنى قوله :**«لا تحل الصدقة لغني إلا لغاز في سبيل الله »** على من كان غنيا في حال مقامه فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره لما أحدث السفر له من الحاجة. 
ألا ترى أن الرجل قد يكون له المتاع لا يحتاج إليه والدابة لا يركبها فإذا صار ذلك مئتي درهم لم يجز له أن يأخذ من الزكاة، فإن عرض له مرض أو سفر، فاحتاج إلى دابة ليركبها فإنه\[ الفاء ساقطة من الأصل وم \] يخرج من الغنى بما حدث له من الحاجة إلى الركوب، وكان له أن يأخذ من الصدقة عندنا لا يستغني عما هو له، وإنما الغني من استغنى عما يملكه ؟. 
فكذلك الغارم على العرف قد تحدث له الحاجة إلى أكثر مما يملكه، ويصير\[ في الأصل وم : وصار \] ممن يجوز أن يعان، وإن كان ملكه الذي كان به غنيا قبل ذلك لم ينقص. فهذا، والله أعلم، يحتمل. 
وابن السبيل أيضا ما ذكرنا أيضا من الخبر ألا تحل الصدقة لغني إلا لابن السبيل ومن ذكر معه. 
وعلى ذلك اتفاق الأئمة\[ في الأصل وم : الأمة \]، وهو ما قيل المجتاز من أرض إلى أرض. وعن ابن عباس رضي الله عنه في تأويل قوله :( إلا عابري سبيل ) فهو المسافر وهو ما ذكرنا أنه المنقطع عن ماله وإن كان غنيا في مقامه، والفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة بما روي عن الحسن ابن علي رضي الله عنهما \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«للسائل حق، وإن جاء على فرس »**\[ أبو داوود : ١٦٦٥ \] وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«لا يسأل عبد أو أحد مسألة، وله ما يغنيه إلا جاءت يوم القيامة خدوشا أو كدوحا في وجهه، قال يا رسول الله وماذا يغنيه ؟ أو ما أغناه ؟ قال : خمسون درهما أو حسابها من الذهب »**\[ عن ابن مسعود أبو داوود١٦٢٦ \]. 
وفي بعض الأخبار :**«من سأل، وله أربعون درهما فقد ألحف »**\[ النسائي ٥/٩٨ \] وعن علي وعبد الله \[ أنهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قالا : لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو عوضها من الذهب، وعن عمر كذلك. وعن ابن عباس \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«سأل رجل رسول صلى الله عليه وسلم فقال : عن لي أربعين \[ في الأصل وم : أربعون \] درهما، مستكثر أنا ؟ قال نعم »**\[ أبو داوود١٦٣٤ \]. 
وفي بعض الأخبار عن أبي هريرة \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :****«لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي »**** وفي بعض الأخبار **«لقوي مكتسب »**\[ أبو داوود١٦٣٣ \] وإنما يحتمل قوله :****«لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي »****\[ تخريجه على \]\[ في الأصل وم : خرج عن \] الزجر عن العرض على الصدقة والمسألة عليها. 
وروي عن سلمان أنه حمل إلى رسول الله صدقة، فقال لأصحابه : كلوا، ولم يأكل هو، ولا يتوهم متوهم أن أصحابه كانوا زمنى، فهذا يبين أن النبي أراد الزجر عن المسألة والتعرض لها في حال الضرورة لا على التحريم له، وأن من أخذها وله أقل من مئتين درهم أو قيمتها، فله في ما يملك سداد من عيش، فذلك مكروه. 
ألا ترى أنه روي عن الحسن أنه قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم /٢١٧-أ/ يأخذون الصدقة، ولأحدهم من السلاح والقراع والعقار قيمة عشرة آلاف درهم، فهذا حسن، والتعفف عنها أحسن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم **«من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله »**\[ النسائي ٥/٩٨ \]. وقوله :**«لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل الناس شيئا أعطوه أو منعوه »**\[ البخاري١٤٧١ \].

### الآية 9:62

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [9:62]

وقوله تعالى :( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ) بما حلفوا عليه. ذكر بعض أهل التأويل : أن الأنصار مشت إليهم ؛ يعني إلى المنافقين، فقالوا تعيروننا\[ في الأصل وم : عيرنا \] وما نزل فيكم حتى متى ؟ فكانوا يحلفون للأنصار : والله ما كان شيء من ذلك، فأكذبهم الله فقال :( يحلفون بالله لكم ) ما كان الذي بلغكم ( ليرضوكم ) بما حلفوا ( والله ورسوله أحق ) منكم يا معشر الأنصار ( أن يرضوه ) حين\[ في الأصل وم : حيث \] اطلع على ما حلفوا وهم كذبة ( إن كانوا مؤمنين ) يقول : ولكن ليسوا بمصدقين. 
والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة جرت بين المؤمنين والمنافقين باستهزاء كان منهم برسول الله أو طعن فيه أو استهزاء بدين الله، فاعتذروا إليهم، وحلفوا على ذلك ليرضوا، فقال :( والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) حقيقة، ولكن ليسوا بمؤمنين. 
وأما ما قاله بعض أهل التأويل أن رجلا من المنافقين قال : والله لئن كان ما يقول محمد حقا فلنحن شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين، فأخبر بذلك رسول الله فدعاه فقال : ما حملك على الذي قلت ؟ فحلف، والتعن ما قاله، فنزل قوله :( يحلفون بالله لكم ليرضوكم ). 
هذا لو كان ما ذكر لكانوا يحلفون لرسول الله لا يحلفون لهم. دل أن الآية في غير ما ذكر. 
ويذكر عن ابن عباس أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، فجعلوا يحلفون لرسول الله حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه أبدا. 
وكذلك قال غيره من أهل التأويل : لو\[ أدرج قبلها في الأصل وم : ولكن \] كان ما قالوا لكانوا يحلفون لرسول الله، ليرضوه\[ في الأصل وم : ويرضونه \] لا للمؤمنين. 
**دل أن الأشبه ما ذكرنا وفيه وجوه :**
أحدها : أن فيه دلالة تحقيق رسالته صلى الله عليه وسلم ليعلموا أنه حق حين\[ في الأصل وم : حيث \] اطلع عليه بما أسروا في أنفسهم وكتموا من المكر به وأنواع السفه. 
والثاني : ليحذروا، ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه، لما علموا أنه يطلع على جميع ما يسرون عنه، ويكتمون. 
والثالث :\[ أن فيه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] تنبيها للمؤمنين وتعليما لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا يشتغلون بالحلف طلب\[ من م، في الأصل وم : طلبا \] إرضاء بعضهم بعضا، ولكن يتوبون إلى الله، ويطلبون به مرضاته. 
وقوله تعالى :( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) ذكر نفسه ورسوله، ثم أضاف الرضا إلى رسوله بقوله :( أحق أن يرضوه ) ولم يقل : أحق أن يرضوهما، فهو، والله أعلم، لأنهم إذا أرضوا رسوله رضي الله عنهم، كان في إرضائهم رسوله إرضاء الله ؛ وهو ما ذكر أنهم دعوا إلى الله ورسوله. 
ثم أضاف الحكم إلى رسوله لأنهم إنما دعوا أن يحكم الرسول بينهم بقوله\[ في الأصل وم : وقوله \] :( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) لأن الخلاف والخيانة كان في حق الله وفي حق رسوله، لم يكن في حق المؤمنين. لذلك قال :( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) من المؤمنين. 
ثم ذرك مخادعة الله ورسوله، ثم اقتصر على إرضاء رسوله، لأنهم لم يقصدوا قصد مخالفة رسوله، أو أن يكون ذكر إرضاء أحدهما لأن في إرضاء رسوله إرضاء الرب كقوله :( من يطع الرسول فقد أطاع الله )\[ النساء : ٨٠ \].

### الآية 9:63

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [9:63]

وقوله تعالى :( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) في الآية دلالة أنهم علموا أنهم معاندون\[ في الأصل وم : معاندين \] في صنيعهم، وعلموا أن من عاند وكابر بغير حق ( فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ). 
وقوله تعالى :( يُحَادِدْ اللَّهَ ) يحتمل يعاند الله وقيل يشاقق الله، ويخالف الله، وهو واحد. 
وقوله تعالى :( أَلَمْ يَعْلَمُوا ) يخرج على وجهين :
أحدهما : أي قد علموا ( أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ ) ما ذكر. لكنهم عاندوا بالخلاف\[ الباء ساقطة من الأصل وم \] والمحادة مع علمهم. 
والثاني : أي علموا ( أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ ) ما ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على الإيجاب والإلزام. 
وقوله تعالى :( ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ) يحتمل وجهين : يحتمل الخزي\[ أدرج بعدها في الأصل وم : أي \] الفضيحة العظمى في الدنيا، ويحتمل ( ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ) في الآخرة\[ أدرج بعدها في الأصل وم : أي \] نار جهنم خزي عظيم.

### الآية 9:64

> ﻿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ [9:64]

وقوله تعالى :( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ) يحتمل قوله ( يحذر المنافقون ) على\[ في الأصل وم : أي \] الحق عليهم أن يحذورا لما أطلعهم\[ في الأصل وم : أطلع \] الله ورسوله مرارا\[ على ما \]\[ في الأصل وم : مما \] أسروا، وكتموا، ويحتمل على الخبر أنهم كانوا يحذرون ( أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ) لكثرة ما اطلع الله ورسوله من سرائرهم وسفههم. 
وقوله تعالى :( قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ) فهو، والله أعلم ليس على الأمر ولكن على الوعيد ؛ يقول : استهزئوا فإن الله مظهر ومبين ما أسررتم، وكتمتم من العيب والاستهزاء برسوله والطعن فيه.

### الآية 9:65

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [9:65]

وقوله تعالى :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) ذكر السؤال، ولم يبين عم\[ في الأصل وم : مم \] يسألهم. ولكن في الجواب بيان أن السؤال إنما كان على الاستهزاء حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ) ذكر أن فقراء من المنافقين كانوا اختفوا في بعض الطريق ليمر رسول الله \[ وهو راجع \]\[ في الأصل وم : ويرجع \] من الغزو فيقتلونه، فأطلع الله نبيه على إجماعهم في ذلك أنه لماذا ؟ فقال :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ). 
وذكر بعض أهل التأويل أن النبي لما رجع من غزوة تبوك، بينا هو يسير إذا\[ في م : إذ \] هو برهط يسيرون بين يديه، يضحكون ويستهزئون به\[ في الأصل : بك، ساقطة من م \] فأطلع الله رسوله أنهم يستهزئون بالله وكتابه ورسوله فقال :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) وقيل بغير ذلك. وقيل :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) أي لو سألتهم ما تقولون ؟ يقولون\[ في الأصل وم : فيقولون \] لك مما يخوض فيه الركب إذا ساروا وليس لنا إلى معرفة كيفية استهزائهم حاجة ولا ماهيته سوى في أن ما ذكر لنا من خبر المنافقين تنبيها\[ في الأصل وم : تنبيه \] للمؤمنين وتحذيرا\[ في الأصل وم : وتحذير \] لهم ليحذروا إسرار ما لم يظهروا على ألسنتهم ليعلموا أن الله مطلع على ما يسرون ويضمرون. 
وقوله تعالى :( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ) قوله :( أبالله ) تحتمل الإضافة إلى نفسه إضافة إلى نفس المؤمنين لأنه لا أحد يقصد قصد الاستهزاء بالله ولكنهم كانوا يستهزئون بالأحكام، فأضاف الاستهزاء إلى الآيات كقوله :( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزؤا )\[ البقرة : ٢٣١ \] هم لم يتخذوا آيات الله هزوا ولكن هزئوا بالأحكام التي لها آيات. أضاف الهزء إلى آياته. ومن استخف بحكم من الأحكام\[ في الأصل وم : أحكام \] التي لها آيات كان \[ ذلك \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] استخفافا بآياته، والله أعلم.

### الآية 9:66

> ﻿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [9:66]

وقوله تعالى :( لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) أي لا تعتذروا فإنه لا يقبل اعتذاركم لما لا عذر لكم في ما تعتذرون بعدما قلتم : إنه أذن لما ظهر منكم \[ من \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الخلاف والكذب في ذلك كقوله :( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ )\[ التوبة : ٩٤ \] أخبر أنه لا يصدقهم فيما اعتذروا لما ظهر كذبهم، وتبين خلافهم. 
وقوله تعالى/٢١٧-ب/ :( قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) يحتمل كفرتم في الباطن بعدما أظهرتم باللسان، ويحتمل ( قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) حقيقة : قد كفروا بعدما آمنوا. 
وقوله تعالى :( إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ) قال بعضهم : قوله :( إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ ) وذلك أن المنافقين قد آمن منهم \[ من آمن \]\[ ساقطة من الأصل وم \] بعد النفاق، وتاب فأخبر أنه إن يعفوا عنهم يعذب الطائفة الذين لم يؤمنوا ولم يتوبوا. 
وقيل ( إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ) لأن المنافقين \[ منهم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] من قد مات على الكفر فوعد العفو على من مات على الإيمان في قوله :( ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم )\[ الأحزاب : ٢٤ \] أخبر أنه إن شاء تاب عليهم. فقوله :( إن نعف عن طائفة ) التي يتوب عليهم. 
وقوله تعالى :( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ ) يحتمل وجهين أحدهما على الإيجاب أي يفعلون بالله ورسوله ذلك. 
والثاني\[ في الأصل وم \] : ويحتمل على التوعيد والتوبيخ : أبالله يفعلون هذا ؟ والله أعلم.

### الآية 9:67

> ﻿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [9:67]

وقوله تعالى :( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) ذكر في أهل الإيمان ( بعضهم أولياء بعض ) بقوله :( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض )\[ التوبة : ٧١ \] وذكر في الكافرين الولاية لبعضهم ببعض بقوله :( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض )\[ الأنفال : ٧٣ \] وقال في المنافقين :( بعضهم من بعض ). 
فهو والله أعلم، أن لأهل الإيمان دينا\[ في الأصل وم : دين \] يدينون به، ويتناصرون ويدعون الناس إليه وأهل الكفر يدينون بدين، يتناصرون به، ويعاون\[ في الأصل وم : ويتعاون \] بعضهم بعضا. فصار لكل واحد من الفريقين موالاة في ما بينهم موالاة الدين. 
وأما المنافقون فإنهم لا دين لهم، يدينون به، ولا مذهب ينتحلونه، ولا يناصر \[ بعضهم بعضا، ولا يعاون بعضهم بعضا ولا يجري بينهم التناصر \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] والتعاون. فإنما هم عباد النعمة والسعة ؛ مالوا حيثما مالت النعمة والسعة، فلا موالاة في ما بينهم لما ذكرنا. 
وفي قوله :( والمنافقات ) دلالة أن من نافق بالتقليد لآخر \[ ومن \]\[ ساقطة من الأصل وم \] نافق لا بتقليد سواء في استجاب الاسم والتعذيب في ذلك والوعيد ؛ لأن النساء هن\[ في الأصل وم : من \] أتباع وأهل تقليد. ثم سوى بينهم وبين النساء في الاسم والوعيد. 
وقوله تعالى :( يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ ) يحتمل قوله :( يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ ) أي ما تنكره العقول، وهو الشرك بالله، والخلاف له ( وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ ) أي ينهون عن ما تعرفه العقول، وتستحسنه، وهو التوحيد لله والإيمان به، ويدخل في ذلك كل خير وحسن وفي المنكر يدخل الشرك وكل معصية. 
وقوله تعالى :( وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) قيل :( وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) عن الإنفاق في سبيل الخير. لكن يحتمل أن يكون على التمثيل لا على تحقيق قبض اليد، ولكن على كف النفس ومنعها من الاشتغال بالخيرات وخوضها فيها وفي جميع الطاعات. 
ولكنه ذكر باليد لما بالأيدي يعمل وبها\[ أدرج قبلها في الأصل : بها، في م : بها \] تكتسب الخيرات والسيئات كقوله :( ذوقوا عذاب الحريق ) ( ذلك بما قدمت أيديكم )\[ آل عمران : ١٨١-١٨٢ \]. وذلك مما لا تقدمه الأيدي ولا كسبت لكنه ذكر القلب لما ذكرنا أنه باليد ما يقدم، وبها يقبض في الشاهد. 
وجائز أن يكون ما ذكر من قبض كناية عن بخلهم وقلة إنفاقهم في الجهاد كقوله :( ولا ينفقون إلا وهم كارهون )\[ التوبة : ٥٤ \]. 
وقوله تعالى :( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) قيل \[ فيه بوجوه :
أحدها \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : جعلوا الله عز وجل كالشيء المنسي، لا يذكرونه أبدا، فنسيهم ؛ أي جعلهم كالمنسيين في الآخرة من رحمة لا ينالونها. 
والثاني\[ في الأصل وم : و \] : يحتمل ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) أي نسوا نعم الله التي أنعمها عليهم فلم يشكروها، فنسيهم على المجازاة لذلك، وإن لم يكن نسيا كما سمى جزاء السيئة سيئة، وإن لم يكن الثاني سيئة. فعلى ذلك ذكر النسيان على مجازاة النسيان، وإن لم يحتمل النسيان. 
والثالث :( نَسُوا اللَّهَ ) أي بسؤال المعونة والنصرة وسؤال التوفيق ( فنسيهم ) الله، أي لم ينصرهم ولم يوفقهم. 
وقوله تعالى :( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ) فإن قيل : اسم النفاق أشر وأقبح من اسم الفسق، فما معنى ذكر الفسق لهم ؟ فهو، والله أعلم، لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين باللسان، فأخبر أنهم ليسوا على ما أظهروا، و الله أعلم، وأن يكون اسم النفاق أشر وأقبح عند الناس من اسم الفسق فعندهم يحتمل أن يكون اسم الفسق أكبر في القبح، أو سماهم فاسقين لما أن كل أهل هذه الأديان يأنفون من النسبة إلى الفسق والتسمية به، وأن يكونوا يعلمون في أنفسهم أنهم أهل نفاق، ولا يعرفون أنهم فسقة. وأصل الفسق هو الخروج عن أمر الله.

### الآية 9:68

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [9:68]

وقوله تعالى :( وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ ) وعد لهم نار جهنم. كأن جهنم هي المكان الذي يعذبون فيه، والنار فيه بها يعذبون ( خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ ) جزاء لصنيعهم ويقول الرجل لآخر : حسبك كذا، أي كفاك ذلك جزاء لك. 
وقوله تعالى :( ولعنهم الله ) قيل : اللعن هو الطرد في اللغة ؛ أي طردهم عن رحمته ( ولهم عذاب مقيم ) لا يفارقهم البتة.

### الآية 9:69

> ﻿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [9:69]

وقوله تعالى :( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً ) أي هؤلاء المنافقون\[ في الأصل وم : المنافقين \] والكفرة ( كالذين من قبلكم ) ولم يبين كأولئك في ماذا ؟ ولكن يحتمل قوله ( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً ) وبطشا ( وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً ). 
وفي\[ الواو ساقطة من م \] الشاهد إنما يدفع العذاب والعقوبة بهذا. وبه يتناصر بعضهم من بعض، ثم لم يقدروا على دفع ذلك. 
هذا قد قيل. وقيل :( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) أي صرتم وما اخترتم من الأعمال كما صار أولئك في ما اختاروا من الأعمال وكل أنواع الخلاف لله وتكذيب الرسل وتعاطي ما لا يحل، فصرتم أنتم كما صاروا هم. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ ) كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم. قيل انتفعوا بخلاقهم ؛ أي أكلتم أنتم الدنيا بدينكم كما أكل أولئك الدنيا بدينهم. 
وقيل ( فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ ) أي بنصيبهم من الدنيا، ولم يقدموا شيئا للآخرة، والخلاق النصيب لقوله :( أولئك لا خلاق لهم في الآخرة )\[ آل عمران : ٧٧ \] أي لا نصيب لهم. قال أبو هريرة : الخلاق الدين ؛ وكذلك قال الحسن في قوله :( بخلاقهم ) أي بدينهم. 
وقوله تعالى :( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ) أي خضتم أنتم في الباطل والتكذيب كالذي خاض أولئك من الأمم الخالية. 
قال أبو عبيدة : قوله ( وخضتم ) أي لعبتم ( كالذي خاضوا ) أي لعبوا بالتكذيب. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) فلا ثواب لها في الدنيا والآخرة لأنها كانت في غير إيمان. فثواب الأعمال إنما يكون في الآخرة بالإيمان ( وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ ) خسران بينا. وبطلان أعمالهم في الدنيا لما لا يقبل واحد من الفريقين من المؤمنين والكفار صنيعه لأنهم يرون من أنفسهم الموافقة لكل واحد منهما وما كانوا مع واحد من الفريقين كقوله :( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء )\[ النساء : ١٤٣ \].

### الآية 9:70

> ﻿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [9:70]

وقوله تعالى :( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ ) إلى آخره. يحتمل هذا وجهين :
أحدهما : قوله :( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ) أي قد أتاهم خبر ( الذين من قبلهم ) وما حل بهم وما انتقم الله منهم لتكذيبهم الرسل وسعيهم في قتلهم وإهلاكم وهم من جنس أنفسكم وأشد قوة وبطشا منكم وأنتم تقلدونهم في ذلك. ثم حل بهم ما حل بتكذيبهم والخلاف لهم. فأنتم دونهم في كل شيء، وأقل منهم في القوة والبطش أولى بذلك أن يصيبكم. 
والثاني\[ في الأصل وم : و \] : يحتمل قوله :( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي ( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) وما حل بهم كقوله :( ألم تر إلى )\[ البقرة : ٢٤٣ \] و. . . \] كذا، أي سترى. فعلى ذلك هذا يحتمل. وهو حرف وعيد : يحذرهم ما حل بأولئك ليمتنعوا عن مثل صنيعهم. 
وقوله /٢١٨-أ/ تعالى :( وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ ) قال أهل التأويل في قريات لوط مؤتفكات أي منقلبات. 
قال القتبي : إئتفكت : انقلبت، وقال أبو عوسجة :( والمؤتفكات ) هي من الإفك، وهو الصرف \[ كقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( أنى يؤفكون )\[ المائدة : ٧٥ \] و. . . \] أي يصرفون. وقال بعضهم ( والمؤتفكات ) المكذبات ( أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ ) فكذبوهم، فأهلكوا، وهو من الانقلاب كأنه أشبه. 
وقوله تعالى :( فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) بتعذيبهم إياهم، وهم غير مستوجبين لذلك العذاب ( وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) حين\[ في الأصل وم : حيث \] كذبوا رسله، وردوا ما \[ جاؤوهم به \]\[ في الأصل وم : جاؤوا بهم \] من البينات والبراهين.

### الآية 9:71

> ﻿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [9:71]

وقوله تعالى :( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) يحتمل قوله :( بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) على الإيجاب و الإخبار أن الدين الذي اعتقدوا وتمسكوا به يوجب لهم الولاية ويصير بعضهم أولياء بعض كقوله :( إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم )الآية\[ آل عمران : ١٠٣ \] وقوله ( إنما المؤمنون إخوة )\[ الحجرات : ١٠ \] ونحوه، فهي أخوة الدين وولايته. 
ويحتمل قوله :( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) على الأمر ؛ أي اتخذوا بعضهم أولياء بعض ولا تتخذوا غيرهم أولياء كقوله :( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء )\[ المائدة : ٥١ \]. وقوله :( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء )\[ الممتحنة : ١ \] نهى المؤمنين أن يتخذوا أولياء من غيرهم فكأنهم أمر أن يتخذ المؤمنون بعضهم بعضها أولياء، ولا يتخذوا من غيرهم. 
**ثم تحتمل الولاية وجهين :**
\[ أحدهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : ولاية روحانية وهي ولاية في الدين توجب مراعاة تحديث بالدين وحفظها. 
والثانية ولاية نفسانية هي الولاية التي تكون في الأنفس والأموال من نحو ولاية النكاح والميراث وغيره ؛ فهذه الولاية هي الولاية النفسانية التي كانت بالرحم و النسب فإذا اجتمعوا في دين واحد وجبت تلك الولاية لهم، وهو الولاية نفسها. 
والولاية الروحانية هي المحبة والمودة، فيجب \[ مراعاة الدين بها \]\[ في الأصل وم : مراعاته بالدين \] وتعهده. وهذا كما تقول : حياة روحانية وحياة جسدانية. والحياة الروحانية هي العلم والآداب، ترى أشياء وتعرفها من بعد. والحياة الجسدانية في الروح الذي به يحيى الجسد وبذهابه يموت الجسد. 
وقوله تعالى :( يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) يحتمل المعروف الذي توجبه العقول، وهو التوحيد لله والإيمان به ( وينهون عن المنكر ) ينهون عما تنكره\[ في الأصل وم : تنكر به \] العقول، وهو الشرك بالله والتكذيب له. وهذا الأمر بالمعروف والنهي والمنكر هو في ما بين الكفرة، يأمرهم المؤمنون بذلك، ويدعونهم إلى ذلك، وينهون\[ في الأصل وم : وينهاهم \] عن ضد ذلك وإن كان في ما بين المؤمنين، فهو أمر شرع، يأمر بعضهم بعضا بما جاء به الشرع، وينهاه عن ما لم يجئ به الشرع، أو يأمر بعضهم بعضا بكل خير وبر وينهى عن كل شر ومعصية. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) في كل أمره ونهيه ( أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ ) وعد أنه يرحمهم ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) قيل :( عزيز ) ترى آثار عزه في كل شيء ( حكيم ) ترى آثار رحمته وتدبيره في كل شيء.

### الآية 9:72

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:72]

وقوله تعالى :( وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ). 
وقوله تعالى :( وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ) أي رضا الله عنهم أكبر من كل ما أعطاهم لأن فيه حياة الروح ولذته، وما أعطاهم من الجنة والمساكن الطيبة في حياة الجسد ؛ لأنه لا تؤثر زيادة في الجسد. 
وكذلك العز والحمد وذكره\[ الهاء ساقطة من الأصل وم \] الحسن : فيه حياة الروح ولذته ؛ إذ ليس فيه زيادة في الجسد إنما هو فرح وسرور، يدخل فيه. وإذا أصابهم شيء من الذل وسمع مكروها، حزن، واهتم من غير أن يتألم جسده أو يجد ألما وشدة في نفسه، وذلك لما أصاب روحه ولم\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] يصب جسده. 
وأصله أن العمل في الدنيا لطلب مرضاة الله ومرضاته أكبر من العمل يطلب ثوابه لأن العمل لطلب الثواب أمر له. فالذي قام بأداء ما عليه أعظم درجة وأكبر فضلا من الذين قام بعمل ما له \[ ثواب \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لأن كل واحد يعمل ما له \[ ثواب \] \[ ساقطة من الأصل وم \] وله فيه نفع. ولا كل أحد يعمل لغيره. لذلك كان ما ذكر. 
وقوله تعالى :( ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) لأنه فوز ونجاة لا خوف بعده ولا هوان ولا ذل.

### الآية 9:73

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [9:73]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) يحتمل الأمر بالجهاد الفريقين جميعا جهادا بالسيف. ويحتمل مجاهدة بالحجج والبراهين الفريقين جميعا. ويحتمل\[ الواو ساقطة من الأصل \] أيضا الأمر بمجاهدة الكفار ؛ يجاهدهم بالسيف ويغلظ القول، ويشدده على المنافقين، ويقيم عليهم الحدود. 
فإن كان على مجاهدة الفريقين جميعا بالسيف فهو والله أعلم بالمنافقين الذين انفصلوا عن المؤمنين وخرجوا من بين أظهرهم، وأظهروا الخلاف للمؤمنين بعدما أظهروا الموافقة لهم. فأمثال هؤلاء يجاهدون بالسيف، ويقاتلون به. وهو كقوله :( لئن لم ينته المنافقون ) إلى قوله ( ملعونين ) الآية\[ الأحزاب : ٦٠و٦١ \] أخبر أنهم يؤخذون، ويقتلون أينما وجدوا. فيشبه أن تكون الآية بالأمر بالجهاد في هؤلاء المنافقين \[ من م، في الأصل : المنافقون \]. 
ويحتمل وجها آخر، وهو أن المنافقين كانوا يطعنون في رسول الله، ويعيبون عليه فأطلع الله رسوله على ذلك، وهم قد علموا أن الله قد أطلعه على ما يطعنون فيه، ويذكرونه بسوء، فيقول، والله أعلم : جاهدهم إذا طعنوا فيه، وذكروك بسوء بعد ذلك. 
وإن كان الأمر على المجاهدة بالحجج فهو صلى الله عليه وسلم قد كان حاج الفريقين جميعا بالحجج وخاصة سورة ( براءة ) نزلت في محاجة\[ في الأصل وم : المحاجة \] المنافقين \[ ويحتمل الأمر بالجهاد في الكفار خاصة، وفي المنافقين \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] تغليظ القول وتشديد وإقامة الحدود التي\[ في الأصل وم : الذي \] ذكرنا والتعزير إذا ارتكبوا شيئا مما يجب فيه الحد والتعزير، والله أعلم بذلك، لما أقاموا بين أظهر المؤمنين مظهرين لهم الموافقة.

### الآية 9:74

> ﻿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:74]

وقوله تعالى :( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ) قال بعض أهل التأويل : الآية نزلت في شأن رجل منافق قال\[ من م، في الأصل : قالوا \] يوما\[ من هنا يبدأ النقص من م وسينتهي ص٤٣٥، انظر الحاشية الرابعة فيها \] والله لئن كان ما يقول محمد حقا فلنحن شر من الحمير فسمع\[ في الأصل فسمعه \] ذلك غلام وهو ربيب ذلك القائد فقال له تب إلى الله، وجاء هذا الغلام إلى النبي فأخبره، فأرسل إليه النبي فآتاه فجعل يحلف ما قال ذلك. فنزلت الآية فيه :( يحلفون بالله ما قالوا ). 
لكن غير هذا لكأنه أشبه لأن الآية :( وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ) وقوله الرجل لئن كان ما يقول محمد حقا فلنحن شر من الحمير، هذا القول ليس هو كلام ذم به نفسه. وبعد فإن الآية ( يحلفون بالله ) هو\[ في الأصل : فهو \] قول جماعة. 
وقيل :\[ نزلت الآية \]\[ في الأصل نزل \] في شأن عبد الله بن أبي قال لأصحابه : والله ما مثلنا \[ ومثل \]\[ ساقطة من الأصل \] محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك، وقال :( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل \]\[ المنافقون : ٨ \] فأخبر النبي بذلك، فدعاه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله. 
لكن يشبه أن تكون الآية :( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب )الآية \[ التوبة : ٦٥ \] كانوا يستهزئون بالله وبآياته وبرسوله والاستهزاء بذلك كفر. وإن قالوا قول كفر لم يبين لنا ذلك فلا نفسره أنهم قالوا كذا لما ليس لنا إلى معرفة ذلك القول الذي قالوه حاجة. 
وقوله تعالى :( وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ) يحتمل كفروا بعدما أسلموا إسلام حقيقة. ويحتمل قوله \[ ( بعد إسلامهم ) \]\[ ساقطة من الأصل \] ما أظهروا الإسلام ؛ أي رجعوا عما أظهروا من الإسلام وفي الآية دلالة أن الإسلام والإيمان واحد \[ لأنه \]\[ ساقطة من الأصل \] قال :( وكفروا بعد إسلامهم ) وقال /٢١٨-ب/ في آية أخرى ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) ثم قال :( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ) ( ثم ازدادوا كفرا )\[ آل عمران : ٨٥/٩٠ \] فدل أن الإسلام والإيمان واحد. 
وقوله تعالى :( وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ) قيل هموا بقتل رسول الله والمكر به، فلم ينالوا ما هموا به. وفي دلالة إثبات الرسالة له، لأنهم أسروا ما هموا به ثم أخبر عن ذلك وهو غير دل أنه بالله علم ذلك. 
وقوله تعالى :( وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) قال بعض أهل التأويل : إن الرجل الذي قال ذلك تاب عن ذلك فقبل منه ذلك، وكان له قتل في الإسلام، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاه ديته، فاستغنى بذلك. 
وقال ابن عباس : رضي الله عنهما ( وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي المنافقين من الغنائم والصدقات يقول :( وما نقموا إلا ) ما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنيمة والصدقة. 
وقوله تعالى :( نقموا ) قالوا بعض أهل الأدب أبو معاذ وغيره : نقموا أي طعنوا، فيه لغتان ؛ نقِموا بالخفض، ونقَموا بالنصب ؛ يقال : نَقِم ينْقَمُ بكسر القاف فهو، والله أعلم، يقول : ما طعنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكروه بسوء ( إلا أن أغناهم الله ) لأنه لو كانوا أهل فقر وحاجة ما\[ في الأصل : وما \] اجترؤوا على الطعن على رسول الله وما ذكروه بسوء ولكن طعنوا عليه لما أغناهم الله. 
ويحتمل قوله :( ورسوله من فضله ) ما عاملهم رسول الله معاملة الكرام، وبسط إليهم حتى قالوا :( هو أذن )\[ التوبة : ٦١ \] يقبل العذر، فلذلك حملهم على الطعن. 
وقوله تعالى :( فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْراً لَهُمْ ) فيه أن المنافقين يقبل منهم التوبة ( وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً ) يحتمل قوله :( يتولوا ) بعدما أسلموا ويحتمل قوله ( يتولوا ) أي داموا على الكفر والنفاق ( يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً ) بما ذكرنا : في الدنيا الأمر بالجهاد والقتل والخوف. والتعذيب في الآخرة ظاهر. 
وقوله تعالى ( وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ). قد ذكرنا هذا في موضع غير هذا.

### الآية 9:75

> ﻿۞ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [9:75]

وقوله تعالى :( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ) قال بعضهم نزلت الآية في ثعلبة بن حاطب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله ليرزقه مالا وقال :( لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ). 
ومنهم من قال إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ؛ إنه كان له أموال في الشام، فقال :( لَئِنْ آتَانَا ) تلك الأموال لأصدقن وأكن من الصالحين فقد آتاه الله تلك الأموال فبخل فمنع ما وعد. 
ومنهم من قال : نزلت في المنافقين جملة ليست في شأن واحد منصوص مشار إليه ولكن في المنافقين جملة. وهكذا كانت عادتهم أنهم إذا وعدوا شيئا أخلفوا ولم يوفوا الوعد. 
ثم يحتمل قوله :( ومنهم من عاهد الله ) أنه كان منافقا وقت ما وعد الله لئن آتاه الله من فضله ليصدقن. ويحتمل أنه لم يكن منافقا في ذلك الوقت لكنه صار بما بخل، وكذب، واعتقد الخلاف، واستحل الخلف لما وعد \[ فصار \]\[ ساقطة من الأصل \] منافقا. 
فإن كان إنما صار إنما صار منافقا بما بخل، \[ واستحله، وامتنع، يكن \]\[ في الأصل : واستحل له والمنع فيكون \] قوله ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم )\[ التوبة : ٧٧ \] أي صار في قلوبهم نفاق\[ في الأصل : نفاقا \]. وإن كان منافقا في ذلك الوقت يكن\[ في الأصل : فيكون \] قوله ( فأعقبهم نفاقا نفاقا في قلوبهم ) أي أعقبهم الدوام على النفاق إلى يوم القيامة ببخلهم ومنعهم ما وعدوا. فيكون هذا كقوله :( ومنهم من يلمزك بالصداقات )الآية \[ التوبة : ٥٨ \]. 
وفي قوله :( ومنهم من عاهد الله ) إلى قوله :( أخلفوا الله ما وعدوه )\[ التوبة : ٧٥-٧٧ \] دلالة أن النذور تلزم أهلها، ويجب الوفاء بها، ويؤاخذون بها إن تركوا الوفاء، ويكفرون إن استحلوا نقض ما عاهدوا. 
وقوله تعالى :( ولنكونن من الصالحين ) قال بعضهم : من المؤمنين، فهو على تأويل من قال : إنه كان منافقا وقتئذ. ويحتمل ( ولنكونن من الصالحين ) أي من الشاكرين. وكذلك ذكر في الخبر أن ثعلبة \[ بن حاطب الأنصاري \]\[ ساقطة من لاأصل \] لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله له مالا، قال\[ في الأصل : فقال \] له **«قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي حقه »**\[ ابن جرير الطبري في تفسيره : ج١٠/١٨٩ \] أو كلاما\[ في الأصل : كلام \] من نحو هذا.

### الآية 9:76

> ﻿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [9:76]

وقوله تعالى :( فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) يحتمل ( وتولوا ) عن وفاء ما وعدوا أو ( وتولوا ) عن طاعة الله، أو ( وتولوا وهم معرضون ) عما وعدوا، وعاهدوا أن يوفوا.

### الآية 9:77

> ﻿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [9:77]

وقوله تعالى :( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ) قال بعضهم : أثابهم نفاقا بما بخلوا إلى يوم القيامة وقال بعضهم : أعقبهم الدوام على النفاق بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون. ينبغي للمسلم أن يجتنب الكذب والخلف في الوعد فإنه سبب النفاق، أو نوع من النفاقز وعلى ذلك روي في الخبر :**«أن اجتنبوا الكذب فإنه باب من النفاق، وعليكم بالصدق فإنه باب من الإيمان »**\[ السيوطي في الدر المنثور ٤/٢٤٨ \]. 
وفي بعضها عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«أربع من كن فيه كان منافقا : من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر »**\[ البخاري ٣٤ \] وفي بعضها :**«وإذا ائتمن خان »**. 
فإن قيل : إن أولاد يعقوب ائتمنوا، فخانوا، وحدثوا، فكذبوا، بقولهم ( فأكله الذئب )\[ يوسف : ١٧ \] ووعدوا فأخلفوا، فنرى أنهم نافقوا، قيل : ما روي أن من إذا حدث كذب في أمر الدين وأما الكذب في غير أمر الدين فإنه لا يوجب النفاق. 
وفي الآية دلالة ألا ينص بالسؤال في شيء على غير طلب الخيرة في ذلك من الله. 
ألا ترى أن ثعلبة \[ بن حاطب الأنصاري \]\[ ساقطة من الأصل \] لما ألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السؤال أن يسأل ربه ليرزقه مالا فعل\[ في الأصل : ففعل \] فأعقبه الله النفاق إلى يوم القيامة ؟ وأن\[ في الأصل : ولأن \] أولاد يعقوب، قد قدموا التوبة والإصلاح قبل صنيعهم الذي صنعوه على خوف منهم بما فعلوا، فلم يصيروا منافقين ؟ 
وأصله أن اعتقاد الكذب واستحلال الخلاف لما عهدوا الخلف في الوعد هو الموجب للنفاق فإما نزل فعل الوفاء على غير استحلال منه فلا يوجب ما ذكر، والله أعلم.

### الآية 9:78

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [9:78]

وقوله تعالى :( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) يحتمل هذا وجهين :
\[ أحدهما \]\[ ساقطة من الأصل \] : أن قد علموا ( أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) لكثرة ما يطلع رسوله على ما أسروا من الخلاف له وذكرهم السوء في رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
والثاني :( ألم يعلموا ) أي ألم يعلموا أن الله يعمل سرهم ونجواهم ويطلع\[ الواو ساقطة من الأصل \] رسوله على سرهم ونجواهم ؟ فاتركوا الطعن في رسول الله ذكر السوء فيه والخلاف له. 
وقوله تعالى :( وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) أي غلاب الغيوب، أو ( عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) بما يكون غائبا\[ في الأصل : غائب \] عن الخلق وعلام\[ في الأصل : وإلا \] ليس شيء يغيب عنه ما غاب عن الخلق وما لم يغب، عنده بمحل واحد، أو علام بما يكون أبدا في الأوقات التي يكون. 
وفيه دلالة أنه لم يزل علاما لأن علم الغيب ما علم أنه يكون لا ما علم، وهو كائن. دل أنه كان لم يزل عالما بما ذكرنا.

### الآية 9:79

> ﻿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:79]

وقوله تعالى :( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ) الآية ؛ يشبه أن تكون الآية صلة قوله :( ومنهم من عاهد الله ) إلى قوله :( وتولوا ) \[ التوبة : ٧٦ \] إن أهل النفاق كانوا أهل بخل، لا ينفقون إلا مراآة وسمعة فظنوا بمن أنفق من المسلمين، وتصدق /٢١٩-أ/ ظنا بأنفسهم، فقالوا : إنهم أنفقوا وتصدقوا مراآة وسمعة. 
ذكر في بعض القصة أن عبد الرحمن بن عوف أتى بنصف ماله في غزوة تبوك يتقرب به إلى الله وقال : يا نبي الله هذا نصف مالي أتيتك به وتركته نصفه لعيالي، فدعا له نبي الله أن يبارك فيما أعطى وفيما أمسك، فلمزه المنافقون، وقالوا : ما أعطى إلا رياء وسمعة. وجاء رجل آخر من فقراء المسلمين بصاع من تمر فنشره في تمر الصدقة، فقال له نبي الله خيرا، ودعا له، فقال المنافقون : إن الله لغني عن صاع هذا. فذلك لمزهم. 
فأنزل الله تعالى :( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ) يعني الذي جاء بصاع. قال القتبي :( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ ) أي يعيبون المطوعين بالصدقة ( وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ) أي طاقتهم، والجهد الطاقة، وقال : والجهد المشقة. 
وقال أبو عوسجة : الجهد إنفاق الرجل من الشيء القليل ؛ يقال : جهد الرجل إذا كان من الضعف أو الفقر، ويقال : جهد في العمل يجهد جهدا، فهو إذا بلغ في العمل. قال أبو عبيد : الجهد الطاقة كذلك قال أبو معاذ. وفي الآية معنيان :
أحدهما : دلالة إثبات رسالة رسول الله لأنه معلوم أنما كان منهم\[ في الأصل : منه \] من اللمز لم يكن ظاهرا ولكن كان سرا. ثم أخبرهم رسوله بذلك. دل إنما عرف بذلك بالله. 
والثاني : أن الأمور التي في ما بين الخلق تحمل على ظاهرها و إن كان في الباطن على خلاف الظاهر حين\[ في الأصل حيث \] عوتب هم بما طعنوا فيهم بالرياء والسمعة ليعلموا أن الأمور التي ما بين الخلق تحمل على ظواهرها ولا ينظر فيها إلى غير ظاهرها. 
والحقيقة هو ما بطن وأسروا به يخلص العمل لله والسر هو ما يسر المرء في نفسه، والنجوى اجتماع جماعة على نجوة من الأرض أي المرتفع من المكان. 
وقوله تعالى :( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ) قال بعضهم : إن من اعتذر إلى آخر، فيقبل عذره على علم من المعتذر أنه لا عذر له في ما يعتذر إليه وأنه كاذب في ذلك، فقبول المعتَذَر إليه ما يعتذر من المعتذر سخرية من المعتذَر إليه من\[ في الأصل إلى \] المعتذر. 
وقال بعضهم قوله :( سخر الله منهم ) أي يجزيهم جزاء السخرية فسمى جزاء \[ السخرية \]\[ ساقطة من الأصل \] باسم السخرية، وإن لم يكن الجزاء سخرية كما سمى جزاء السيئة سيئة، وإن لم تكن الثانية سيئة. وكذلك سمى جزاء الاعتداء، وإن لم الثاني اعتداءا. فعلى ذلك سمى جزاء السخرية سخرية وإن لم تكن سخرية. 
ويحتمل قوله :( سخر الله منهم ) أي سخر أولياء الله منهم، فأضيف إليه. وكذلك يحتمل قوله :( الله يستهزئ بهم )\[ البقرة : ١٥ \]\[ ساقطة من الأصل \] أولياؤه، وقوله ( ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا )\[ الحديد : ١٣ \] فذلك استهزاء بهم. وكذلك جائز في اللغة إضافة الشيء إلى آخر والمراد\[ الواو ساقطة من الأصل \] منه غير المضاف إليه.

### الآية 9:80

> ﻿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [9:80]

وقوله تعالى :( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) قال عامة أهل التأويل إنه لما مات عبد الله بن أبي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه، فقال : ما أمرك الله بهذا ؛ قال :( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) فقال :**«قد خيرني ربي، فقال : افعل أو لا تفعل »**\[ ابن جرير الطبري في تفسيره١٠/٢٠٠ \]. 
وفي بعض الروايات قال له عمر : لا تستغفر فإن الله قد نهاك، فقال :**«يا عمر أفلا أستغفر إحدى وسبعين مرة »** ؟ \[ السيوطي في الدر المنثور ٤/٢٥٢ \] أو كلاما نحو هذا. فأنزل الله عند ذلك :( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم )\[ المنافقون : ٦ \]. 
لكن هذا يبعد ؛ يفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآية التخيير وعمر يمنعه عن ذلك، ولا يجوز أن يفهم التخيير في ذلك أو يخرج ذلك على التحذير، أو تكون هذه منسوخة بالتي في المنافقين لأنه وعيد، والوعيد لا يحتمل النسخ. 
والوجه فيه والله أعلم : إن استغفرت لهم فإن استغفارك ليس بالذي يرى، فلا يجاب، لكنهم قوم كفروا بالله ورسوله، وقد تعلم من حكمي أن لا أغفر لمن\[ في الأصل من \] مات على ذلك، \[ وذلك \]\[ ساقطة من الأصل \] يخرج على الاعتذار لرسوله في ذلك والنهي له عن الاستغفار لهم كقوله :( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى )\[ التوبة : ١١٣ \] وقد علم شرك المنافقين وكفرهم بالله ورسوله، فنهاه عن الاستغفار لهم ؛ إذ لا يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يطلع رسوله على كفرهم. فدل أنه بعد العلم بذلك نهاه. 
وفيه دلالة نقض المعتزلة في قولهم أن صاحب الكبيرة : لا يغفر له لأنه أخبر أنه لا يغفر لهم بما ( كفروا بالله ورسوله ) فدل \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل \] إن لم يكن كفر بالله ورسوله فإنه يغفر له وإن له الشفاعة وصاحب الكبيرة ليس بكافر دل أنه ما ذكرنا. 
ثم طلب المغفرة من الله والشفاعة لغير يجيء ألا يكون إلا للخواص من الخلق وهم الرسل والأنبياء، على ما يكون في الشاهد لا ترفع إلى ملوك الأرض الحاجة لغيرهم إلا للخواص\[ في الأصل الخواص \] لهم، ولا يشفعون إلا لأهل\[ في الأصل : الأهل \] الشرف عندهم والمنزلة. 
لكن الله تعالى : أذن لنا في \[ الاستغفار لغيرنا \]\[ في الأصل : استغفار غيرنا \] بقوله :( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان )\[ الحشر : ١٠ \] وقوله :( سواء عليهم استغفرت لهم أم تستغفر لهم )\[ المنافقون : ٦ \]. 
ويحتمل قولهم ( سواء عليهم ) أي سواء عندهم : أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ويكون طلب استغفارهم من رسول الله استهزاء منهم له بقوله\[ في الأصل : حيث \] ( سيقول لك المخلفين من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا )\[ الفتح : ١١ \] يخرج قولهم :( فاستغفر لنا ) مخرج الاستهزاء على هذا التأويل. 
ويحتمل ذكر السبعين لأن السبعين هو النهاية والغاية في الاستغفار على ما روي أنه كان يستغفر في كل يوم سبعين مرة استغفارا. فأخبر أنك وإن انتهيت \[ إلى \]\[ ساقطة من الأصل \] النهاية فيه لا يغفر لهم، ولا ينفعهم ذلك. 
وقوله تعالى :( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) وقت اختيارهم الفسق أو لا يهديهم طريق الجنة في الآخرة لفسقهم في الدنيا إذا ماتوا على ذلك.

### الآية 9:81

> ﻿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [9:81]

وقوله تعالى :( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) الآية جمعوا ؛ أعني المنافقين جميع خصال الشر التي فعلوا :
أحدها : ما ذكر من فرحهم بالتخلف عن رسول. 
والثاني كراهتهم الجهاد مع رسول الله وبخلهم بأموالهم. 
والثالث : صدهم الناس عن الجهاد والخروج في سبيل الله بقولهم :( لا تنفروا في الحر ) جمع الله جميع خصال المنافقين في هذه الآية. 
وقوله تعالى :( فرح المخلفون ) ذكر المخلفين\[ في الأصل المخلفون \] وهم كانوا متخلفين في الحقيقة، لكنه يحتمل وجهين \]\[ هنا ينتهي النقص من م الذي أشرنا إلى بدايته في بدء تفسير الآية٧٤ من السورة. . . قال بعض أهل التأويل. . . قال يوما\[ ( ٢ ) والله لئن. . ص٤٣١، انظر الحاشية الثانية فيها \] :
\[ أحدهما : هم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] مخلفون ؛ خلفهم الله لما ذكر أن خروجهم لا يزيدهم ( إلا خبالا ) وأنهم يبغون ( الفتنة )\[ التوبة٤٧ \] خلفهم الله عن ذلك بقوله\[ في الأصل وم : كقوله \] ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم )\[ التوبة : ٤٦ \] قيل : حبسهم. 
فعلى ذلك \[ هم \]\[ ساقطة من الأص وم \] مخلفون ؛ خلفهم الله \[ لما علم أن خروجهم لا يزيدهم ( إلا خبالا )\[ التوبة : ٤٧ \] وفسادا. 
\[ والثاني : يحتملهم \]\[ في م : ويحتمل، ساقطة من الأصل \] مخلفون ؛ خلفهم أصحاب رسول الله لأنهم لو أرادوا أن يخرجوهم كرها لقدروا على ذلك، فهم كالمخلفين من هذا الوجه لما لو أرادوا إخراجهم أخرجوهم، وإن كانوا\[ في الأصل وم : كان \] متخلفين في الحقيقة. 
وقوله تعالى :( بمقعدهم خلاف رسول الله ) أي مخالفة رسول الله. وقرئ خَلْفَ رسول الله\[ انظر معجم القراءات القرآنية٣/٣٤ \] أي فرحوا بقعودهم بعد خروج رسول الله. 
وقوله تعالى :( بمقعدهم ) يحتمل القعود أي بقعودهم خلفهم، ويحتمل ( بمقعدهم ) أي موضع قعودهم وهو منازلهم وأوطانهم، ( وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم ) بخلهم وخلافهم الذي في قلوبهم. 
وقوله تعالى :( لا تنفروا في الحر )/٢١٩-ب/ هذا في الظاهر يخرج على إظهار الشفة للمؤمنين، ولكن \[ لم يكونوا \]\[ من م، في الأصل : لا يكن \] أرادوا، إنما أرادوا حبسهم عن الخروج في سبيل الله، لكن المؤمنين لا يمتنعون عن لخروج إلى الغزو وكانوا يحتالون في منعهم المؤمنين عن الخروج في سبيل الله ولو أطلقوا القول في المنع وصرحوه، لفهم المؤمنون\[ في الأصل وم : المؤمنين \] ذلك، ويظهر نفاقهم. 
وجائز أن يكون قولهم ( لا تنفروا في الحر ) قالوا ذلك لأتباعهم لا للمؤمنين كقولهم ( وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى )\[ آل عمران : ١٥٦ \]. 
وقوله تعالى :( نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) أي لو كانوا يفقهون ما أنزل على رسول الله لعلموا أن نار جهنم أشد حرا من حر الدنيا، أو لو كانوا يفقهون أنهم لم يخلقوا في الدنيا للدنيا خاصة، ولكن خلقهم فيها ليمتحنهم، ليعلموا أن الموعود في الآخرة أشد مما امتحنوا في الدنيا.

### الآية 9:82

> ﻿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:82]

وقوله تعالى :( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ) يشبه أن يكون الضحك كناية عن الفرح و السرور، والبكاء كناية عن الحزن ؛ يقول : افرحوا، و سروا قليلا، فستحزنون\[ في الأصل وم : وتحزنون \] في الآخرة طويلا كثيرا. وأمكن أن يكون على حقيقة الضحك لأنهم كانوا يضحكون، ويستهزئون بالمؤمنين في الدنيا ؛ يقول : ضحكوا قليلا لأن الدنيا قليلة، تنقطع، وسيبكون\[ في الأصل وم : يبكون \] كثيرا في الآخرة لأنها لا تنقطع ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ).

### الآية 9:83

> ﻿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ [9:83]

قوله تعالى :( فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ ) دل قوله ( رجعك الله إلى طائفة منهم ) أن ليس كل متخلف عنه في ذلك، وهو\[ في الأصل وم : فهو \] منافق، ولا كل المنافقين امتنعوا، وتخلفوا عنه. 
وقوله تعالى :( فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً ) لأنه أخبر أن خروجهم معهم لا يزيدهم ( إلا خبالا )\[ التوبة : ٤٧ \] وفسادا ؛ فيقول :( لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أي عوقبوا ( بالقعود أول مرة ) لنفاقهم. 
وقوله تعالى :( فقل لن تخرجوا معي أبدا ) أي لن آذن لكم أن ( تخرجوا معي أبدا ) و لن آذن لكم أن ( تقاتلوا معي عدوا ) ويحتمل ( لن تخرجوا ) أي وإن\[ في الأصل وم : و \] أذنت لكم بالخروج فلن تخرجوا أبدا ( فاقعدوا مع الخالفين ) قيل : مع المتخلفين، وهم المنافقون \[ على\[ ساقطة من الأصل وم \] \] ما ذكر. ويحتمل : أن اقعدوا مع أصحاب الأعذار. وقال بعضهم \[ اقعدوا \]\[ ساقطة من الأصل و م \] مع النساء والزمنى، وهو واحد.

### الآية 9:84

> ﻿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [9:84]

وقوله تعالى :( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ) يعني المنافقين ( ولا تقم على قبره ) وذكر في بعض القصة أنه لما مات عبد الله بن أبي جاء\[ في الأصل وم : فجاء \] ابنه إلى رسول الله، فقال : يا رسول الله إن أبي مات، وأوصانا أن \[ نكفنه بقميصك \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] وأن تصلي عليه، فخلع النبي قميصه، فأعطاه، ومشى، فصلى، وقام على قبره. وروي في بعض الأخبار أنه صلى عليه، وألبسه قميصه. وقيل له : تلبس عدو الله قميصك، وقال :**«إني لأرجو أن يسلم بقميصي من بني الخزرج ألف »**\[ ابن جرير الطبري في تفسيره١٠/١٩٩ \] فذكر أنه لما فعل ذلك أسلم ألف رجل من المنافقين. 
وروي أنه لم يصل عليه. فلا ندري كيف كان الأمر بعد أن جاء النهي عن الصلاة على المنافقين بقوله :( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) سماهم فسقة، واسم الكفرة أقبح وأذم، لكنهم جمعوا مع الكفر أنواع الفسق ليعلم أن اعتقادهم الكفر والمذهب الذي يذهبون إليه ؛ إنما اعتقدوا لهواهم ؛ إذ الفسق مما يحرمه كل مذهب ودين، وكل يأنف عن الفسق، ويتبرأ منه، ولا كذلك الكفر ؛ لأن كل من آمن بشيء كفر بضده وأصل الفسق هو الخروج عن الأمر، والله أعلم.

### الآية 9:85

> ﻿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [9:85]

وقوله تعالى :( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا ) قال بعضهم من أهل التأويل : إنه على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال : ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم في الآخرة وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح، وقد ذكرنا الوجه الذي يدل على نقض قولهم في ما تقدم، ويحتمل قوله :( إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ) القتال، والحروف التي أمروا فيها ( ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا )\[ الأحزاب : ٦١ \] التعذيب الذي ذكر لأنهم يصيرون مقتولين. 
وقوله تعالى :( وتزهق أنفسهم ) تذهب، وتهلك ( وهم كافرون ).

### الآية 9:86

> ﻿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [9:86]

وقوله تعالى :( وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ ) أي ( وإذا أنزلت سورة ) فيها ( أن آمنوا بالله ) لا إنها تنزل سورة بهذا الحرف، ولكن فيها ذكر ( أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ) وهو كقوله :( فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال )\[ محمد : ٢٠ \] وقوله :( أن آمنوا بالله ) بقلوبكم\[ في الأصل وم : بقلوبهم \] لأنهم قد أظهروا الإيمان باللسان، وهم لم يكونوا مؤمنين بالله حقيقة. 
وقوله تعالى :( اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ ) قيل ( أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ ) هم أهل الغنى والسعة، وقيل ( أولوا الطول ) أهل الفضل والشرف الذين كانوا يصدرون لآرائهم، وينظرون إلى تدبيرهم، وقد كان في أهل النفاق أهل السعة والغنى وأهل النظر و التدبير. 
وقوله تعالى :( وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ) استأذنوا القعود عن الجهاد، والله أعلم، لما كانوا يوالون أهل الكفر سرا، فكرهوا القتال مع الأولياء، أو كانوا يتخلفون، ويمتنعون عن الخروج إلى القتال. 
وأما أهل الإيمان فإنهم إنما يعملون للعواقب، وكذلك أهل الكفر إنما يقاتلون أهل الإيمان \[ وأما المنافقون فإنهم يأملون غنيمة في العامة \]\[ في الأصل وم : إما غنيمة في العاقبة يتأملون \] لكنهم كانوا يستأذنون القعود، ويكونون مع القاعدين، \[ يرون \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] من أنفسهم أن لهم العذر في القعود. 
ثم قوله :( وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ) يحتمل ( مع القاعدين ) من الضعفاء والمرضى الصبيان حتى إذا أتاهم العدو من بعد ما خرج الرجال منهم إلى قتال العدو، عن هؤلاء، أو يكون قوله ( وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِين ) من أهل العذر، يرون أنفسهم أنه أهل العذر، ولم يكن لهم عذر في ذلك كقوله :( إن بيوتنا عورة وما هي بعورة ) الآية\[ الأحزاب : ١٣ \] فعلى ذلك الأول يحتمل هذا.

### الآية 9:87

> ﻿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [9:87]

وقوله تعالى :( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ) قيل : مع النساء، فهذا حرف تعيير وتوبيخ ؛ أي رضوا بأن يكونوا في مشاهد النساء دون مشاهد الرجال. 
وقوله تعالى :( وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) إن\[ من في الأصل : أي \] للإيمان نورا تبصر به عواقب الأمور، ويرفع الحجاب والستر من القلوب ومن الأمور، فتراها بادية ظاهرة. وللكفر ظلمة تستر الظاهر من الأمور والبادي منها، فتستر تلك الظلمة قلبه، ذلك الطبع، وقد ذكرنا الوجه فيه في غير موضع، والله أعلم ( فهم لا يفقهون ) ما يلحقهم من التغيير برضاهم بالقعود مع الخوالف. و الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، منعت\[ في الأصل وم : منع \] تلك الظلمة أن تعرف الأشياء بمعانيها وبنظائرها للحجاب الذي ذكرنا.

### الآية 9:88

> ﻿لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [9:88]

وقوله تعالى :( لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ) يقول، والله أعلم : إن الرسول والذين حققوا الإيمان والتصديق ( جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ) أي بذلوا أنفسهم وأموالهم لنصر دين الله وإظهار سبيله، ولم يبخلوا كما بخل أهل النفاق في بذل أموالهم وأنفسهم في نصر دينه بالمجاهدة مع أعدائه، ولم يحققوا الإيمان والتصديق. 
ثم أخبر أن للمؤمنين الذي حققوا الإيمان والتصديق، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، وجاهدوا بها في نصر دين الله وإظهار سبيله ( لهم الخيرات ) قال بعضهم ( لهم الخيرات ) الذكر في الدنيا والثناء الحسن وسلوك الناس طريقهم، وفي الآخرة /٢٢٠-أ/ الثواب والجزاء. وقيل :( لهم الخيرات ) في الآخرة لما بذلوا أنفسهم وأموالهم في نصر دينه والمجاهدة مع عدوه. وقيل :( لهم الخيرات ) الحور العين كقوله :( فيهن خيرات حسان )\[ الرحمن : ٧٠ \] والله أعلم. ( وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) المفلح هو الذي يظفر بحاجة ؛ وقد يقال : أفلح، وقد ذكرنا هذا في ما تقدم.

### الآية 9:89

> ﻿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:89]

وقوله تعالى :( أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ليعمل أن العظم ليس يقع في ما فيه الغلظ والكثافة، ولكن القدر والمنزلة.

### الآية 9:90

> ﻿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [9:90]

وقوله تعالى :( وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ) قال بعضهم من أهل التأويل :( المعذرون ) هم الذي يستأذنون القعود، ولا عذر لهم في ذلك. وقال الكلبي :( المعذرون ) هم الذين لهم عذر، وبهم علة. وبعضهم قال :( المعذرون ) هم المعتذرون. 
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قرأ : المعذرون\[ انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٣٥ \] بالتخفيف، وقال : لعن الله المعذِّرين ؛ كأنه ذهب إلى أن المُعْذِرَ هو الذي له عذر، والمعذِّر بالتشديد الذي لا عذر له، لذلك لعن المعذر. 
قال أبو معاذ : وأكثر كلام العرب المُعْذِرُ هو الذي له عذر وهو قولهم : قد أعذر من أنذر. 
وقال عوسجة : المعذِّر بالتشديد الذي لا يُناصَحُ، إنما يريد أن يعذر، ويقال : عذرت في الأمر إذا لم أبالغ\[ في الأصل وم : يبالغ \] فيه، وأعذرت في الأمر أي بالغت فيه. 
وقال القتبي :( المعذرون ) بالتشديد هم الذين لا يجدون، إنما يعرضون ما لا يريدون أن يفعلوه، يقال : عذرت في الأمر إذا قصرت، وأعذرت : جددت. 
ثم قال بعض أهل التأويل : دل هذا على أن أهل النفاق كانوا صنفين ؛ صنف كانوا يستأذنون القعود، وصنف لا يستأذنون، ولكن يقعدون بقوله :( وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) دل قوله :( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) على أن من أهل النفاق من قد آمن، وتاب، وأن من تاب يقبل منه لأنه قال :( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ولم يقل سيصيبهم عذاب أليم. 
وقال بعضهم : المعذرون بالتخفيف : هم المؤمنون الذين لهم العذر والتخلف ؛ أتوا رسول الله لينظر في أمرهم الأوفق : إن كان الخروج لهم أوفق يخرجوا\[ في الأصل وم : يخرجون \]، وإن كان القعود أوفق يقعدوا\[ في الأصل وم : يقعدون \]. يدل على ذلك الآية التي تلي هذه، وهو قوله تعالى :( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ )الآية\[ التوبة : ٩١ \]. 
فإن قيل : كيف احتمل أن يكون آية واحدة في الفريقين مختلفين : إذا قرئ بالتخفيف فهي في الذين لهو عذر، وإذا قرئ بالتشديد كانت في الذين لا عذر لهم ؟ قيل : تصير على اختلاف القراءة كاثنتين\[ في م : كاثنين \] في حالتين ووقتين مختلفين. 
وإن كان تأويل المُعَذِّرُ بالتشديد فهو\[ الفاء ساقطة من الأصل وم \] الذي يعتذر، ولا عذر له، والمُعذِر بالتخفيف هو الذي له \[ عذر، وإن \]\[ في الأصل وم : عذرا و \] كان تأويل إحدى القراءتين على ضد\[ في الأصل وم : ضدي \] الأخرى كان لهم عذر في حال، ولا عذر لهم في حال أخرى. وإلا لا يحتمل أن يكون القراءتان جميعا في وقت واحد، وتأويلهما على الاختلاف الذي ذكروا، وهو كقوله :( ربنا باعد بين أسفارنا )\[ سبأ : ١٩ \] وقوله\[ في الأصل وم : و \] ربُّنا بالرفع\[ انظر معجم القراءات القرآنية٥/١٥٥ \] باعد ( بين أسفارنا ) : أحدهما على الدعاء، والآخر على الإيجاب، هما آيتان، صارتا آية واحدة لاختلاف القراءة، والله أعلم.

### الآية 9:91

> ﻿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:91]

وقوله تعالى :( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ) لو لم يذكر المرضى ولا الذين لا يجدون ما ينفقون لكان المفهوم من قوله ( ليس على الضعفاء ) المريض والذي لا يجد ما ينفق. وكذلك إذا ذكر المريض كان في ذكره ما يفهم منه كل ضعيف وكل ما لا يجد ما ينفق، وفي كل حرف من هذا الحروف ما يفهم منه معنى الآخر. فلما ذكر دل أن المراد من ذكر الضعفاء الزمنى من نحو الأعمى والأعرج، فكان كقوله :( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج )\[ النور : ٦١ \] فتكون الآيتان واحدة ؛ أعني معناهما واحد. 
وفيه دلالة أن ليس في ذكر عدد من الأشياء في ذكر عدد من الأشياء خطر دخول غير المذكور إذا كان في معناه. ولهذا قال أصحابنا : إن ليس في ما ذكر رسول الله عددا\[ في الأصل وم : عددا \] في الربا بقوله **«والحنطة بالحنطة والذهب بالذهب والفضل ربا »**\[ بنحوه مسلم١٥٨٧ \] على أنه لا لمعنى ورد، ولا تدخل فيه ما لم يذكر لما ذكرنا أنه لو ذكر الضعفاء لذكر المريض والأعمى والأعرج وجميع من ضعف عن الخروج من أنواع الأعذار. 
ثم لم يدل ما ذكر من العدد وتخصيصه على أنه لا لمعنى ذكر فعلى ذلك خبر الربا. 
ثم جعل العمى والعرج والمرض وعد النفقة ونحوه عذرا في ترك الخروج، ولم يجعل شده الحر وبعد المسافة ونحوه عذرا بقوله :( وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا )\[ التوبة : ٨١ \]. 
**وأصله، والله أعلم \[ في وجهين :**
أحدهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : أن كل ما لم يعمل في المنع عن الخروج لشهوة أو لطمع، يرجو نيله من التجارة ونحوها لم يكن ذلك عذرا في ترك الخروج ؛ إذ شدة الحر وبعد السفر وخوف العدو مما لا يمنعهم عن الخروج للتجارة، فلم يصر ذلك عذرا لهم بالتخلف عن الخروج للجهاد. وأما حال المرض والزمانة وعدم النفقة يمنع، ويعجزهم عن الخروج في كل ما يهوون ويشتهون، صار ذلك عذرا لهم بالتخلف عن الخروج للجهاد. 
والثاني : أن كل ما يقدر على دفعه بحال لم يجعل ذلك عذرا في التخلف، وكل ما لا سبيل لهم إلى دفعه فهو عذر والحر وبعد السفر وخوف العدو يجوز أن يدفع، فيصير كأن ليس \[ عذرا \]\[ ساقطة من الأصل وم \]. وهو ما ذكر :( قل نار جهنم أشد حرا )\[ التوبة : ٨١ \]. فإذا ذكر شدة حر جهنم وبعد سفر الآخرة وأهواله هان عليه الخروج، وسهل، فارتفع ذلك فلذلك صار أحدهما عذرا، والآخر لا، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( إذا نصحوا لله ورسوله ) قيل : لم يخدعوا أحدا في دينه، ولم يغشوا في دنياه، وقيل :( إذا نصحوا لله ورسوله ) أي أطاعوا الله ورسوله في الحضرة، ولم يتركوا طاعته. 
وقوله تعالى :( والله غفور رحيم ) بتركهم الخروج وتخلفهم عن الجهاد مع الأعذار.

### الآية 9:92

> ﻿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [9:92]

وقوله تعالى :( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ) ذكر في بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«لولا أن أشق على أمتي »** أو قال :**«على المؤمنين، و إلا لخرجت في كل سرية بعثتها لأنهم لا يجدون ما ينفقون فيحرجوا\[ في الأصل وم : فيحرجون \]، ولا أجد ما أحملهم عليه، فيشق عليهم مفارقتهم إيانا، فلا حرج بتركهم الخروج إذا لم يجدوا ما ينفقون ولا يحملون\[ في الأصل وم : يحمل \] عليه »**\[ بنحوه أحمد ٢/٢٤٥ \].

### الآية 9:93

> ﻿۞ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [9:93]

ثم قال :( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ ) يجدون ما ينفقون، فيتركون الخروج بقوله :( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ) يعني النساء ( وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) هذا قد ذكر ههنا ( وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون \[ وذكر في الآية الأولى :( وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون )\[ التوبة : ٧٨ \]\[ ساقطة من الأصل \] والفقه هو معرفة الشيء بغيره، والعلم هو وقوع العلم لا بغيره. ولذلك يقال : الله عالم، ولا يجوز أن يقال فقيه. فأخبر عز وجل أنهم لا عرفوا الشيء بغيره ولا بنفسه عنادا منهم ومكابرة.

### الآية 9:94

> ﻿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:94]

وقوله تعالى :( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ) فيه إنباء عما يقول لهم المنافقون إذا رجعوا إليهم وتعليم من الله لرسوله والمؤمنين ما يقول لهم وماذا يجيبون لهم، فقال :( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ) أي لن نصدقكم بما تعتذرون أي بما تظهرون /٢٢٠-ب/ لأنفسكم من العدو. 
وقوله :( ولا تعتذروا ) ليس على النهي، ولكن على التوبيخ. 
وقوله تعالى :( قد نبأنا الله من أخباركم ) يحتمل قوله :( قد نبأنا الله من أخباركم ) أنكم لا تصلحون أبدا كما قال :( إنهم رجس ومأواهم جهنم )\[ التوبة : ٩٥ \] وقيل :( قد نبأنا الله أخباركم ) حين قال لهم ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) إلى قوله ( يبغونكم الفتنة )\[ التوبة : ٤٧ \] وقالوا : وهذا الذي ( قد نبأنا الله من أخباركم ). 
وقوله تعالى :( وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) قال بعضهم ( وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) في ما تستأنفون. ويحتمل قوله :( وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) أي سيرى الله عملكم باطلا، أو يقول : سيرى الله عملكم ؛ أي يجزيكم جزاء عملكم، ورسوله والمؤمنون يشهدون عليكم بذلك. 
وقوله تعالى :( ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) قد ذكرنا أن ليس يغيب عنه، أو يكون شيء عنده أظهر من شيء، ولكن ما يغيب عن الخلق وما لا يغيب عنده بمحل واحد. 
وقوله تعالى :( فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) يخرج على الوعيد.

### الآية 9:95

> ﻿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [9:95]

وقوله تعالى :( سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ) يحتمل قوله ( لتعرضوا عنهم ) أي لتتجاوزا عنهم، ولا تكافئوهم، فيكون قوله :( فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ) لما سألوا من المجاوزة عنهم وترك المكافآت. ويحتمل قوله ( لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ) أي لا تحاجوهم، ولا تشتغلوا بهم، فإنهم لا يصلحون أبدا، ( إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ).

### الآية 9:96

> ﻿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [9:96]

وقوله تعالى :( يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ) وتقبلوا\[ في الأصل وم : وتقبلون \] منهم ما يظهرون من العذر، ثم أخبر أنكم إن رضيتم منهم، وقبلتم ما يذكرون من عذرهم ( فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى ) عنهم لما يعلم أنه لا عذر لهم في ما يظهرون لكم من العذر، والله أعلم، ليس على النهي عن إرضاء أولئك لأن إرضاء الخلق بعضهم لبعض إنما يكون بالحلف، وما يكون من الظاهر، ولكن النهي عن ترك الموافقة في الباطن، وفيه يتحقق رضا الله.

### الآية 9:97

> ﻿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:97]

وقوله تعالى :( الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ) \[ يحتمل وجوها :
أحدها \]\[ في الأصل وم : وهو \] : أن رسول الله دعا كفار المدينة، فاتأس من إيمانهم لقوله تعالى :( فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم ) الآية. فلما أويس من إيمان هؤلاء أقبل نحو طائفة من الأعراب الذين كانوا بقرب المدينة وحواليها، \[ فأخبره الله \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أنهم ( أشد كفرا ونفاقا ) من أهل المدينة. 
والثاني\[ في الأصل وم : ويحتمل \] : أنه أراد بالأعراب جملة أنهم : أي الكفار منهم وأهل النفاق ( أشد كفرا ونفاقا ) من أهل الأمصار والمدن ؛ كانوا يسمعون الآيات والحجج، ويخالطون أهل رحمة وأهل مودة. وأما الأعراب وأهل البادية، كانوا لا يسمعون الآيات والحجج، ولا خالطوا أهل رحمة ورأفة، فهم\[ في الأصل وم : فهؤلاء \] أقسى قلوبا وأضيق صدورا، وأهل المدن والأمصار ألين قلوبا وأوسع صدورا ؛ فهم أسرع للإجابة، وأولئك أبعد وأبطأ إجابة. 
\[ والثالث\[ في الأصل : والثاني \] : أنهم وصفوا بفضل الجهل ما لم يوصف به أهل المدن والأمصار \]\[ ساقطة من الأصل وم : ما روي \] بذلك. 
\[ روي في بعض الأخبار \]\[ في الأصل وم : ما روي \] عن نبي الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«لا يؤمنكم أعرابي »** وفي بعضها :**«لا يؤمن أعرابي مهاجر »**\[ البيهقي في الكبرى٣/١٧١ \] وفي بعض الأخبار :**«من بدا جفا »**\[ أحمد٢/٣٧١ \]. 
وذلك، والله أعلم، لأنهم لا يدخلون الأمصار ليتأدبوا، ويتعلموا\[ في الأصل وم : ويتعلمون \] الآداب. فإذا كانوا كذلك فهم أجهل. والإيمان هو التصديق، والتصديق إنما يكون بعد العلم لأنه ما لم يعلم لا يصدق. فإذا كانوا بالجهل ما وصفنا كانوا أشد إنكارا وتكذيب من غيرهم، وهو ما ذكر. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ) وصفهم بالجهل يكون التكذيب، وبالعلم التصديق، وهو ما ذكرنا. وأجدر وأحرى واحد. 
وقوله تعالى :( حدود ما أنزل الله على رسوله ) قال بعضهم : هم أقل علما بالسنن، وقيل : بالفرائض. ويقال : الحدود ما بين من طاعة الله ومعصيته. 
وأصله أنهم أهل جهل بجميع الأوامر والمناهي وجميع الآداب وما لا يحل ( والله عليم حكيم ) أي على علم بما يكون منهم ؛ خلقهم ( حكيم ) حين\[ في الأصل وم : حيث \] وضع الخلائق بموضع يدل على وحدانيته وألوهيته لو تدبروا فيهن ونظروا.

### الآية 9:98

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:98]

وقوله تعالى :( وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ) أي كان لا ينفق حسبة. وقال بعضهم : ينفق، ولا يراه حقا، إنما يراه غرما يلحقه غرما يغرمه. وأصله أنهم لو كانوا علموا حقيقة أنهم وما حوله أيديهم لله، ليس لهم، لم يعدوا ذلك غرما غرموا، وتبعة لحقتهم. ولكن لما لم يروا لله تعالى في أموالهم حقا، ولم يعلموا أن أموالهم لله حقيقة، لا لهم، عدوا ذلك غرما وتبعة. 
وقوله تعالى :( وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ) قيل : الدوائر هي انقلاب الأمر، وهو من الدوران. ثم يحتمل قوله :( ويتربص بكم الدوائر ) ما قال بعضهم\[ من م، في الأصل : بعضكم \] : موت محمد. وقيل :( الدوائر ) دوائر الزمان وحوادثها ( عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ) أي عليهم انقلاب الأمر، وعليهم ما يتربصون على المؤمنين. 
وقوله تعالى :( وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ )\[ التوبة : ٩٧ \] ليس على حقيقة الإنزال من موضع، ولكن على خلق ذلك كقوله :( وأنزل لكم من الأنعام )\[ الزمر : ٦ \] كذا \[ وكقوله \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباس )\[ الأعراف : ٢٦ \]. 
وقوله تعالى :( والله سميع عليم ) لما قالوا\[ في الأصل وم : قال \] ( عليم ) بما أسروا، وأضمروا.

### الآية 9:99

> ﻿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:99]

وقوله تعالى :( وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ ) ذكرفي الآية أن ( وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) ليعلم أن قوله ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا )\[ التوبة : ٩٧ \] كان في طائفة مشار إليها لا كل الأعراب لأنه ذكر ههنا أن منهم من ينفق ( ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ) وذكر \[ في \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] الآية الأولى أن منهم ( من يتخذ ما ينفق مغرما )\[ التوبة : ٩٨ \] أي لا يراه حقا واجبا، ولكن غرما يلحقه، ومنهم من يرى ذلك حقا لله واجبا في أموالهم، فيجعلون ذلك قربة لهم عند الله، وأولئك يرون غرما لحقهم لا قربة. 
ثم في الآية خوف دخول المؤمنين \[ الذين لا يؤدون الزكاة، ولا ينفقون \]\[ أدرجت هذه العبارة في الأصل وم بعد كلمة الآية \] في وعيد هذه الآية، وخوف لحوق النفاق \[ بهم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لأنه أخبر أنهم يتخذون ما ينفقون مغرما ؛ فمن ترك أداء \[ الزكاة \]\[ ساقطة من الأصل وم \] فإنما يترك لأنه لا يرى ذلك حقا واجبا لأدَّاه على ما أدى غيره من الحقوق، أو لو كان موقنا بالبعث لأنفق، وجعل ذلك قربة له عند الله لأن المؤمن إنما ينفق، ويعمل للعاقبة. فإذا ترك ذلك يخاف دخوله في وعيد الآية ولحوق اسم النفاق به، وإن كان لا نشهد عليه ذلك. 
وقوله تعالى :( وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ) قال بعضهم : جعلوا ما أنفقوا قربات عند الله بصلوات الرسول لأنهم إذا أنفقوا كان الرسول يدعو لهم بذلك، ويستغفر، فكان ذلك لهم قربات عند الله باستغفار الرسول ودعائه. 
وقال بعضهم : جعلوا ما أنفقوا وصلوات الرسول قربات عند الله، ويكون لهم ما أنفقوا قربة عند الله وصلوات الرسول طمأنينة وبراءة من النفاق لأن الرسول كان لا يدعو لأهل الكفر والنفاق. فإذا دعا لهؤلاء، وصلى عليهم كان ذلك طمأنينة لقلوبهم وعلما لهم للبراءة من النفاق. وعلى ذلك يخرج قوله :( إن صلواتك سكن لهم )\[ التوبة : ١٠٣ \] أي تسكن قلوبهم بصلاة الرسول، وتطمئن بأنهم ليسوا من أهل النفاق وأنهم بُرآء من ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ألا إنها قربة لهم ) ذكر هذا مقابل ما ذكر في الآية الأولى، وهو قوله :( وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ )\[ التوبة : ٩٨ \] أخبر هناك\[ في الأصل وم : ههنا \] /٢٢١-أ/ أن ما يتربصون هم بهم من الدوائر عليهم ذلك. وههنا أخبر أن ما ينفق المؤمنون، ويطلبون بذلك قربة عند الله ( إنها قربة لهم ). 
ثم وعد لهم الجنة بقوله :( سيدخلهم الله في رحمته ) أي جنته. سمى جنته رحمة لما برحمته يدخلون لا استيجابا لهم منه بذلك بل رحمة منه وفضلا ( إن الله غفور ) لما كان منهم من المساوئ والشرك إذا تابوا، وآمنوا ( رحيم ) حين لم يؤاخذهم بذلك.

### الآية 9:100

> ﻿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:100]

وقوله تعالى :( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ) يحتمل هذا أن يكون مربوطا معطوفا على قوله ( سيدخلهم الله ) مع السابقين الأولين ؛ أي أولئك الذين آمنوا من بعد أولئك المهاجرين و الأنصار يدخلهم الله في الجنة مع السابقين الأولين. 
ويحتمل أن يكون على الابتداء \[ لا \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] على العطف الأول. 
ثم اختلف فيه : قال بعضهم ( والسابقون الأولون ) في الإسلام والنصرة، وقال بعضهم : الأولون في الهجرة والنصرة ( والذين اتبعوهم بإحسان ) على تأويل منع جعل السابقة في الإسلام، وعلى تأويل من جعل على الهجرة ( اتبعوهم بإحسان ) يجعلهم فريقين المهاجرين والأنصار، ولا يجعل طبقة ثالثة. وأما قراءة\[ انظر مجمع القراءات القرآنية ج٣/٣٨ \] العامة من القراء فهي على إثبات الواو وجعل طبقة ثالثة. 
ثم منهم من قال من أهل التأويل :( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ ) هم الذين بايعوا بيعة الرضوان. وقال بعضهم : هم الذين صلوا القبلتين. وقال بعضهم ( والسابقون ) إلى الإسلام ( الأولون من المهاجرين والأنصار ) الذين صلوا القبلتين ( والذين اتبعوهم ) على دينهم إلى يوم القيامة ( بإحسان ). 
ثم خصوص تسمية أهل المدينة أنصارا، وإن كانوا هم والمهاجرون جميعا نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أنصارا لهم\[ في الأصل وم : له \]، والله أعلم، لأنهم نصروا المهاجرين حين\[ في الأصل وم : حيث \] آووهم، وأنزلوهم في منازلهم وأوطانهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم لهم، وإن كانوا جميعا في النصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شعا سواء. 
ثم في الآية دلالة الرد على الروافض لأنهم يجعلون أبا بكر وعمر وهؤلاء رضي الله عنهم ظلمة لا على الحق بتوليهم أمر الإمامة والخلافة لأنه معلوم أنهم كانوا في ما ذكر عز وجل بقوله :( من المهاجرين والأنصار ) ثم أخبر أن الله راض عنهم، وأنهم راضون عنه دل أنهم كانوا على حق وصواب من الأمر، وأن من وصفهم بالظلم والتعدي هو الظالم، و المتعدي واضع الشيء \[ في \]\[ ساقطة من الأصل وم \] غير موضعه. 
وفيه جواز تقليد الصحابة والأتباع لهم والاقتداء بهم لأنه مدح عز وجل من اتعب المهاجرين والأنصار بقوله :( والذين اتبعوهم بإحسان ). 
ثم أخبر عن جملتهم أن الله راض عنهم. دل، والله أعلم، أن التقليد لهم لازم، والاقتداء بهم واجب، وإذا أخبروا \[ بخبر \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] أو حدثوا بحديث يجب العمل به، ولا يسع تركه، والله أعلم.

### الآية 9:101

> ﻿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ [9:101]

وقوله تعالى :( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ) أخبر أن من حولهم ( مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ) أيضا ( مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ) فقال بعضهم : المرد في الشيء هو النهاية في الشر. وقال بعضهم :( مردوا على النفاق ) أي ثبثوا عليه، وقاموا\[ من م، في الأصل : وداموا \] وقال بعضهم :( مردوا ) أي عتوا ( على النفاق ) وبالغوا فيه. 
أخبر أنهم لشدة مكرهم وخداعهم وعتوهم ( لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) لأن من المنافقين من كان يعرفهم الرسول في لحن القول، ومنهم من كان يعرفهم في ضلاله كقوله :( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى )\[ النساء : ١٤٢ \]، ومنهم من كان يعرف نفاقه في تخلفه عن رسول الله ؛ يعني عن الغزو. فأخبر عز وجل أن هؤلاء لشدة عتوهم ومكرهم وفضل خداعهم لا تعرف نفاقهم، نحن نعرف نفاقهم. 
ثم أخبر أنه يعذبهم مرتين ؛ قال بعضهم : القتل والسبي، وعن الحسن \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : عذاب في الدنيا وعذاب في القبر، وقال بعضهم : يعذبهم بالجوع مرتين. وقال أبو بكر الأصم : قوله ( سيعذبهم مرتين ) القتل والسبي قبل الموت، و العذاب الآخر يعذبون في القبر ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ). 
ويشبه أن يكون تعذيبه إياهم مرتين \[ حين أمروا بالإنفاق \]\[ في الأصل وم : حيث أخذوا بالانفاق \] على المؤمنين، وبينهم وبين المؤمنين عداوة، وأمروا أيضا بالقتال مع الكفار، وهم أولياؤهم. هذا أحد العذابين لأنهم أمروا بالإنفاق على أعدائهم، وأمروا أيضا أن يقاتلوا أولياءهم. والعذاب الثاني : القتل في القتال. 
فإن قيل : لم يذكر أن منافقا قتل قبل : لم يذكر لعلة أنهم كانوا لا يعرفونهم لقوله :( لا تعلمهم ) إذا لم يعرفوا \[ فكيف يقتلون \]\[ في الأصل وم : فيقتلون \] كما يُقتَل غيرهم من المؤمنين ؟ والله أعلم.

### الآية 9:102

> ﻿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [9:102]

وقوله تعالى :( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) قال عامة أهل التأويل : الآية نزلت في أبي لبابة وأصحابه \[ لأنهم تخلفوا \]\[ في الأصل وم : تخلفون \] عن غزوة تبوك عن رسول الله، فندموا على ذلك، واعترفوا، ورجعوا عن ذلك، وتابوا، فقبل الله توبتهم، ووعد لهم المغفرة بقوله :( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ). 
وذكر في بعض القصة أنه لما رجع رسول الله عن غزوته تلك جاء هؤلاء الذين تخلفوا عنه بأموالهم إلى رسول الله، فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا التي خلَّفَتْنا عنك، فخذها، فقال : لم أؤمر بذلك، فنزل \[ قوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ) وهذا الوعد لكل مسلم ارتكب ذنبا لم يخرجه من الإيمان، ثم ندم على ذلك، وتاب، وترجَّى\[ الواو ساقطة من الأصل وم \]، والله أعلم، أن يكون في عد هذه الآية لأنه ذكر المؤمنين، وما هم عليه، وذكر المنافقين وما هم عليه، ثم ذكر الذين خلطوا أعمالهم الصالحة بأعمالهم السيئة، ثم ندموا على ما فعلوا، وتابوا. وعد الله لهم قبول التوبة والمغفرة.

### الآية 9:103

> ﻿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9:103]

وقوله تعالى :( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) اختلف في هذه الصدقة التي أمر الله تعالى ورسوله بأخذها من أموالهم : قال بعضهم : هي صدقة فريضة. ثم اختلف فيها : أي\[ في الأصل وم : أية \] فريضة هي ؟ فقال بعضهم : فريضة زكاة الأموال، وقال بعضهم : هي فريضة كفارة المأثم ؛ وذلك أن أولئك الذين تخلفوا عن رسول الله عن غزوة تبوك ندموا على تخلفهم، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاؤوا بأموالهم، فقالوا له : تصدق بأموالنا عنا فإن أموالنا هي التي خلفتنا عنك، فأمر الله رسوله أن يأخذ منهم ذلك، ويتصدق بها كفارة لما ارتكبوا. 
ومن قال : هي فريضة زكاة المال لما رُوي عن أ بي أمامة \[ الباهلي أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال **«إن ثعلبة بن حاطب \[ الأنصاري \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أتى رسول الله، فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، ثم جاءه، فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، قال : ويحك يا ثعلبة أما ترضى أن تكون مثل رسول الله، لو سألت الله أن يسيل الجبال علي ذهبا لسالت، ثم أتاه، فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني ملا، فوالله لئن آتاني الله مالا لأوتين كل ذي حق حقه، فدعا له، فقال : اللهم ارزق ثعلبة ثلاث مرات »** وذكر أنه اتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت على أزقة المدينة، فتنحى بها، وكان يصلي الصلوات كلها مع رسول الله، ويخرج إليها، ثم ضاقت عليه مراعي المدينة، فتنحى بها /٢٢١-ب/ فكان يصلي الظهر والعصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يتبعها، ثم تنحى بها، فكان يصلي الجمعة مع رسول الله، ثم بلغ أمره إلى أن يترك الجمعة والجماعات، فتنحى بها يتلقى\[ في الأصل وم : ويتلقى \] الركبان، فيسألهم عن الخبر عما أنزل على رسول الله ( خذ من أموالهم صدقة ) الآية، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة رجلين، فكتب لهما فرائض، وأمرهما أن يسعيا في الناس، ويأخذا صدقاتهم، وأن يمرا بثعلبة ورجل من بني سُلَيم، فيأخذا صدقاتهما، فخرجا يصدقان الناس، فمرا بالسليمي، فأقرآه كتاب رسول الله، فأطاع بالصدقة، ومرا بثعلبة، فأقرآه كتاب رسول الله، فقال : والله ما أدري ؟ ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية. فإذا فرغتما فمرا بي، فلا فرغا من الناس مرا به، فقال لهما مثل مقالته الأولى، وقال : أنطلقا، فإني سألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله :( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ) إلى قوله ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم )\[ التوبة : ٧٥-٧٧ \]\[ ابن جرير الطبري في تفسيره : ١٠/١٨٩ \] إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل : أنها نزلت في شأن ثعلبة. 
ومنهم من قال ما ذكرنا أنها نزلت في شأن أهل تبوك الذين \[ من م، في الأصل : الذي \] تخلفوا عن رسول الله. 
ومنهم من قال : الصدقة التي أمر الله رسوله\[ من م، في الأصل : ورسوله \] أن يأخذها من أموالهم هي صدقة تطوع وتبرع وهي ما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحث الناس على الإنفاق في غزوة تبوك، فجاء عبد الرحمن بن عوف بكذا، \[ وفلان بكذا \]\[ من م، ساقطة من الأصل \]، فأخذها منهم، وفيهم\[ في الأصل وم : وفيه \]، فأخذها منهم، وفيهم\[ في الأصل وم : وفيه \] نزل قوله :( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات )\[ التوبة : ٧٩ \]. 
ومنهم من قال : هو في كل صدقة تطوع، قلت الصدقة، أو كثرت ؛ أمر رسول أن يأخذ من أمواله ما رأى، لا يأخذ الكل لأن أخذ الكل يحوجهم، ويشغلهم عن جميع الطاعات والعبادات. ولك أمر أن يأخذ قدرا منها \[ ومن \]\[ في الأصل وم : و \] طائفة مقدار ما يكفر ما ارتكبوا من المآثم. 
وقوله تعالى :( تطهرهم وتزكيهم بها ) إن كانت صدقة الزكاة فهي تطهر آثامهم التي لحقتهم بذلك ( وتزكيهم ) قيل وتصلحهم، وهو ظاهر، وإن كانت صدقة تطوع فهي مما يطهر أيضا، ويزكيهم لما ينفي عنهم البخل، ويؤدي إلى الجود والكرم. ألا ترى أنه مدح من أعطى، وذم من بخل، ومنع بقوله :( فأما من أعطى ) الآية\[ الليل : ٥ \] ( وأما من بخل ) الآية ؟ \[ الليل : ٨ \]. 
وقوله تعالى :( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) قال بعضهم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى أحد بصدقة دعا له، واستغفر. وكان لا يستغفر لأهل النفاق. وكانت قلوبهم تسكن، وتطمئن باستغفار النبي لما علموا بذلك أنهم ليسوا من أهل النفاق. وهذا يحتمل. 
ويحتمل وجها آخر، وهو أن الله أمر رسوله أن يستغفر لهم، ويصلي عليهم. ثم لا يحتمل أن يأمره بذلك، فلا يفعل، أو يفعل\[ في الأصل وم : فعل \]، فلا يجيبه، فكانت قلوبهم تسكن وتطمئن، باستغفار النبي لهم\[ في الأصل وم : إياهم \] لما قبلت توبتهم، وكفرت سيئاتهم، والله أعلم. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( والله سميع عليم ) قد ذكرنا هذا غير مرة. 
وفي قوله :( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) دلالة أن الصدقة إذا وقعت في يد المُتَولي والعامل عليها سقطت عن أربابها، وإن لم تقع في أيدي الفقراء، ولم تصل إليهم لأن النبي كان لا يُحِلُّ له\[ من م، في الأصل : لهم \] صدقة \[ ثم أخبر \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] أنه إذا أخذها منهم كانت طهارة لهم وتزكية عن أربابها. 
وفيه استدلال لمحمد بن الحسن في الوقف أن الواقف إذا وقف، وأخرجه من يده، وجعله في يدي\[ في الأصل وم : أيدي \] آخر من لا حق له في ذلك كان جائزا، وكان\[ من م، في الأصل : أو يكون \] وقفا وقفا صحيحا. 
ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن للإمام أن يطالب بزكاة الأموال. وكذلك مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في مواضعها. وعلى ذلك فعل الأئمة من بعده أبو بكر وعمر والإئمة ا لراشدون. وظهر العمل بذلك من بعدهم إلى هذا الوقت حتى قال أبو بكر لما امتنعت العرب من إعطائه الزكاة : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله حاربتهم عليها. فذلك يؤيد ما ذكرنا من مطالبة أصحاب الأنعام والمواشي بزكاة أنعامهم ومواشيهم. 
وقد بين الله تعالى وجوب ذلك بيانا شافيا بقوله :( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) فجعل العاملين عليها حقا. فلو لم يكن على الإمام أن يطالب بصدقات\[ الباء ساقطة من الأصل وم \] الأنعام في أماكنها، وكان أداء ذلك ألى أرباب الأموال ما كان لذكر العاملين\[ من م، في الأصل العالمين \] وجه. ولم يبلغنا أن النبي بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة، ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، أو من حمله منهم إلى الإئمة يقبلون ما يحمل إليهم منه، ولا يسألون أحدا عن مبلغ ملكه، ولا يطالبونه به إلا ما كان من توجيه عمر العشار في الأطراف. 
وكان ذلك منه عندنا، والله أعلم، للتخفيف عمن بعده عن داره، وشق عليه، أن يحمل صدقته إلى إمامه. فجعل في كل طرف من لأطراف عشارا بتجار أهل الحرب والذمة، وأمر أن يأخذ\[ في الأصل وم : يأخذوا \] من تجار المسلمين ما يدفعونه إليه. وكان ذلك من عمر تخفيفا على المسلمين \[ ألا أن \]\[ في م : لأن \] على الإمام مطالبة أرباب أموال العين وأموال التجارة بأداء الزكاة سوى المواشي والأنعام فإن مطالبة ذلك إلى الأئمة إلا أن يأتي أحد منهم الإمام بشيء من ذلك فيقبله منه، ولا يتعدى ما جرت به السنة إلى غيره، و الله أعلم.

### الآية 9:104

> ﻿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:104]

وقوله تعالى :( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) يحتمل قوله :( ألم يعلموا ) أي قد علموا أن الله يقبل توبة من تاب، ويحتمل على الأمر ؛ أي اعلموا ( أن الله يقبل التوبة عن عباده ) ويحتمل\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] قوله :( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة ) ممن تاب ( ويأخذ الصدقات ) ؟ قيل : يقبل. 
وتشبه إضافة الأخذ إلى نفسه إضافته إلى رسوله بقوله ( خذ من أموالهم صدقة ) وذلك كثير في القرآن. 
وقوله تعالى :( وأن الله هو التواب الرحيم ) قال أبو بكر الأصم :( التواب ) هو صفة العافي، وهم اسم للتائب. 
والتواب عندنا هو الموفِّق للتوبة. ثم الكافر إذا أسلم، وتاب، لم يُلزم مع التوبة \[ كفارة أخرى سوى التوبة \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] وإن كان ارتكب مساوئ وفواحش سوى الشرك والكفر. والمسلم إذا ارتكب مساوئ لزمه التوب والكفارة جميعا ؛ وذلك لأن المسلم لما أسلم اعتقد حفظ ما لزمه من الشرائع ؛ فإذا ارتكب ما ذكر خرج \[ عن \]\[ ساقطة من الأصل \] شرائعه، وأدخل نقصانا في ما اعتقد حفظه ؛ فإذا ترك حفظه أدخل\[ في الأصل وم : فادخل \] فيه النقصان الذي أدخل فيه. 
وأما الكافر فليس عليه شيء من الشرائع ؛ إنما عليه أن يتوب عن الشرك، ويأتي بالإيمان ؛ لذلك افترقا.

### الآية 9:105

> ﻿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [9:105]

وقوله تعالى :( وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) اختلف فيه : قال بعضهم : ذلك في الذين تخلفوا\[ في الأصل وم : تخلفون \] عن تبوك، ثم ندموا، وتابوا عن ذلك، فتاب الله عليهم، يقول :( وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) أي إن عدتم إلى ما عنه تبتم، وهو التخلف، يطلع الله رسوله والمؤمنين على ذلك ( وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ). 
وقال بعضهم : الآية في المنافقين، يقول : اعملوا في ما نتافقون\[ في الأصل وم : تستأنفون \] فإن الله يطلع رسوله والمؤمنين على نفاقكم، فتفتضحون حين\[ في الأصل وم : حيث \] يطلعون على سرائركم/٢٢٢-أ/ وستردون إلى \[ ما أعد لكم عالم \]\[ في الأصل : ما أعد لكم، في م : عالم \] الغيب والشهادة ؛ أي تردون إلى ما أعد لكم عالم الغيب والشهادة ( فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي يجزيكم جزاء ما كنتم تعملون. 
يُخَرَّج ذلك على الوعيد. وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة، والمؤمنون أيضا شهدوها، فأثنى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت، فقيل : يا رسول الله ما وجبت ؟ قال : الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، فإذا شهدتم وجبت ثم قرأ قوله :( وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) فإن ثبت هذا ففيه دلالة جواز الإجماع لأنه قال : الملائكة شهداء الله في \[ السماء، وأنتم شهداء الله في \]\[ من من، ساقطة من الأصلي \] الأرض، فإذا شهدتم وجبت، فإذا \[ شهد المؤمنون \]\[ في الأصل وم : شهدوا \] على شر فهو شر، وإذا شهدوا على خير فهو خير. فعلى ذلك إذا شهدوا على حكم يلزم العمل به. 
وقوله تعالى :( وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) ليس على الأمر أن يقول لهم جميعا : اعملوا كذا، ولكن أن\[ ساقطة من م \] كل من يلقنه هذه الآية يتفكر فيها، ويتدبر، فلا يقدم على عمل لا يستحسنه أن يكون رسول الله والمؤمنون بحضرة\[ في الأصل وم : بحضرته \]، فإذا خلا به لا يعمله. 
وكذلك قوله :( قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين )\[ الأنعام : ١١ \] ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الأمر بالتفكر والتدبر في ما نزل بهم بالتكذيب، وكذلك قوله :( قل هو الله أحد )\[ الإخلاص : ١ \]، ليس على الأمر أن يقول لهم ذلك، ولكن \[ على أن \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يتفكر كل فيه أنه واحد.

### الآية 9:106

> ﻿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:106]

وقوله تعالى :( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) قال بعضهم : هو صلة قوله ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا )\[ التوبة : ١٠٢ \] كانوا موقوفين محبوسين، لا يدرون ما يحكم الله فيهم أيعذبهم أم\[ في الأصل وم : أو \] يتوب عليهم ؟ فنزل قوله :( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) وقال بعضهم : هو صلة قوله :( والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا ) وقال بعضهم : قوله :( وآخرون مرجون لأمر الله ) قال : هم الثلاثة الذين تخلفوا. 
قال أبو عوسجة :( وآخرون مرجون لأمر الله ) أي محبوسون ؛ يقال : أرجيته أي حبسته. و قال القتبي :( مرجون لأمر الله ) أي مرجون على أمره ؛ كأن هذه الآية نزلت في الذين تخلفوا عنه للركون إلى الدنيا، ورغبة فيها ؛ وهم المؤمنون، والآية التي كانت قبل هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا للركون في الدنيا وكفرا ونفاقا.

### الآية 9:107

> ﻿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [9:107]

وقوله تعالى :( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) عن ابن عباس رضي الله عنه أن المنافقين اتخذوا مسجدا، فلما فرغوا منه جاؤوا إلى نبي الله، وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا يا رسول الله بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة واللية المطيرة، وإنا نحب يا رسول الله أن تأتينا، فتصلي فيه، قال رسول الله : أنا على سفر وحال شغل، ولو قدمنا من سفرنا آتيناكم، فصلينا لكم فيه، إن شاء الله، فأنول الله على رسوله :( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً ) الآية أخبر يه أنهم لم يقصدوا ببناء مسجدهم ذلك ما ذكروا أنا بنيناه لذل العلة والحاجة والليلة المطيرة والإشفاق على الدين وحفظ الصلاة بالجماعة، ولكن يقصدون به ضَرّاً وكفرا وتفريقا بين المؤمنين. 
وقوله تعالى :( مسجدا ضرارا ) بين المؤمنين، يكون قوه :( وتفريقا بين المؤمنين ) تفسيرا لقوله ( ضرارا ) تفسير لقوله ( ضرارا ) يقصدون ببناء المسجد ( الذين بنوا زينة )\[ التوبة : ١١٠ \] أن يفرقوا بين المؤمنين وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا جاءهم العدو وجدهم متفرقين، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم والظفر بهم من أن كانوا مجموعين. 
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لن يغلب اثنا عشر ألفا كلمتهم واحدة »**\[ أبو داوود٢٦١١ \] \[ وقال تعالى \]\[ في الأصل وم : وقوله \] :( ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم )\[ آل عمران : ١٠٣ \] جعل الاجتماع في الدنيا نعمة، ونهاهم عن التفرق، وهم كانوا يقصدون بذلك أن يفرقوا بين ضعفة من المؤمنين وبين رسول الله، فيُلبِسوا الله، عليهم الدين لأنهم كانوا أهل لسان وجدل، وذلك كله كفر على ما ذكر. 
وفيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه معلوم أنهم أسروا، وأضمروا في ما بينهم من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فأطلع الله نبيه على ما أسروا ليُعلم أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى. 
وقوله تعالى :( و إرصادا لمن حارب الله ورسوله ) أي بنوا ذلك المسجد إرصادا لمن حارب الله ورسوله. 
قال عامة أهل التأويل : هو ابو عامر \[ الراهب \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ؛ \[ ذكر أن أبا عامر \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فر منه، فقال للمنافقين\[ من م، في الأصل : للمنافق \] : ابنوا مسجدا، واستعدوا، فإني ذاهب إلى قيصر بالشام، فآت بجند فنخرج محمدا وأصحابه من المدينة، فذهب إلى قيصر بالشام، فبنوا مسجدا إرصادا لمن حارب الله ورسوله ؛ يعني أبا عامر\[ في الأصل وم : عمر \]. 
قال القتبي :( ضرارا ) أي مضارة ( وإرصادا ) أي ترقبا بالعداوة. وقال أبو عوسجة :( ضرارا ) مضارة ( وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ) أي وقوفا وانتظارا الفرصة لمن حار الله على المؤمنين. 
وقوله تعالى :( وليحلفن إن أردنا ) أي حلفوا ما أردنا باتخاذ المسجد ( إلا الحسنى ) والخير ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) فيه ما ذكرنا من الدلالة على إثبات الرسالة.

### الآية 9:108

> ﻿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [9:108]

وقوله تعالى :( لا تقم فيه أبدا ) قيل : لا تصل فيه لأنهم سألوه أن يصلي فيه، وقيل :( لا تقم ) أي لا تأته، ولا تدخل، وهو واحد. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) قال بعضهم : هو مسجد قباء، وقال بعضهم : هو مسجد رسول الله. وروي عن أبي سعيد الخدري\[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : اختصم، أو قال : اختصمنا \[ في \]\[ ساقطة من الأصل وم \] المسجد الذي أسس على التقوى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ****«هو مسجدي هذا »****\[ الترمذي٣٠٩٩ \] **«هو مسجدكم هذا »**\[ مسلم١٣٩٨/٥١٤ \]. وعن أبي بن كعب \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال :****«هو مسجدي هذا »****. وظاهر ما ذكر أن يكون مسجد قباء لأنه ذكر لما نزل ( فيه رجال يحبون أن يطهروا والله يحب المطهرين ) قال لأهل قباء :**«إن الله قد أحسن عليكم الثناء، فماذا تصنعون ؟ قالوا : إنا نغسل عنا إثر الغائط أو البول »**\[ أحمد٣/٤٢٢ \] وفي بعض الأخبار **«قالوا : يا رسول الله إنا نجد مكتوبا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء فلا ندعه، فقال : لا تدعوه »**\[ السيوطي في الدر المنثور٤/٢٩٠ \]. 
وقوله تعالى :( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ) يحتمل أي فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان والتوحيد و الصلاة فيه، وفي كل مسجد هذا فيه مؤسس على التقوى أي تقوى الشرك والخلاف لأمر الله ومناهيه، أو يقول :( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ ) أي يؤثرون التطهر بالتقوى والأعمال الصالحة على غيرها من الأعمال التي تنجسهم. ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقذار والأنجاس ؛ كأنه قال : فيه رجال يؤثرون الإبلاغ في التطهر من الأقدار والأنجاس التي تصيبهم.

### الآية 9:109

> ﻿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [9:109]

وقوله تعالى :( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ ) أي على الطاعة لله والإخلاص له ( ورضوان ) له وطلب مرضاته ( خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ) أي بني للاختلاف والتفريق بين المؤمنين والكفر بالله. 
هذا المثل مقابلة\[ في الأصل وم : مقابل \] مكان بمكان ؛ يقول : من بنى بناء\[ من م، في الأصل : فلان \] على قرار من الأرض مما يقر به، وينتفع به خير من بنى بناء على المكان الذي لا يقر به، ويؤدي إلى الهلاك، ولا ينتفع به. والأول مقابلة\[ في الأصل وم : مقابل \] فعل بفعل ؛ وهو قوله :( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً /٢٢٢-ب/ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ )\[ التوبة : ١٠٧ \] كالذي بنى لضد ذلك ؛ أي ليسا بسواء ثم قوله\[ في الأصل وم : قال \] :( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ )\[ التوبة : ١٠٨ \] هذا مقابلة فعل بفعل ؛ يقول : الذين بنوا المسجد على الطاعة لله والإخلاص له وطلب مرضاته و الاجتماع فيه خير أم من بنى للكفر بالله والتفريق بين المؤمنين والضرار\[ في الأصل وم : وضوا \] بهم ؟ هذا مقابلة فعل بفعل. 
وقوله تعالى :( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ) هذا مقابلة\[ في الأصل وم : مقابل \] مكان بمكان كما\[ في الأصل وم : لما \] ذكرنا. والأس والأسس و التأسيس والأساس واحد. 
وقوله تعالى :( شفا جرف هار ) قال أبو عوسجة :( شفا جرف هار ) قال : شفاه فمه، والجمع شفاه، وجرف أرض يسيل فيها السيل حتى يحفرها، والجرفة جمع، والهاري الهش الذي ليس بصلب، ويقال : انهار ينهار أي انهدم ينهدم، ويقال : رجل هار، أي ضعيف. وأرض شهة أي رخوة سريعة الانهدام، والهش الرخو. 
وقال القتبي :( شفا جرف هار ) أي جرف هائر، والجرف ما ينحرف بالسيول \[ من \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الأودية، والهاثر الساقط، ومنه يقال : تهور البناء إذا سقط، وانهار. 
وقال أبو عبيدة :( شفا جرف هار ) الشفا هو الشفير، والجرف ما تجرف بالسيول\[ في الأصل وم : من السيول \] من الأودية، وهار يريد هاثر. 
وقوله تعالى :( فانهار به في نار جهنم ) قال بعضهم : خسف الله مسجدهم في نار جهنم. وفي حرف ابن مسعود : فخر من قوعده في نار جهنم، وقال : حُرِقت فيه بقعة، فَرُئِي منها دخان، سطع، وقال :\[ فهوى بناؤهم \]\[ في الأصل وم : يهوي ببنائهم \] الذي ينوا في نار ولا تدري كيف هو ؟ وما معناه ؟

### الآية 9:110

> ﻿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [9:110]

وقوله تعالى :( لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ) \[ قال بعضهم :( بنوا ريبة ) \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] أي حسرة وندامة. وقال بعضهم : ريبة أي شكا وريبة. 
وم قال : حسرة وندامة فهو على وجهين : يحتمل أنهم تابوا، وندموا على ما صنعوا، ويحتمل : حسرة وندامة لما افتضحوا بما صنعوا وبما\[ أدرج قبلها في الأصل : ويحتمل \] أرادوا بقوله ( والله يشهد إنهم لكاذبون )\[ التوبة : ١٠٧ \]. 
ومن قال :\[ ( ريبة ) أي \]\[ ساقطة من الأصل وم \] شكا ونفاقا ( إلا أن تقطع قلوبهم ) إلى الممات \[ أراد أنهم \]\[ في الأصل وم : أي هم \] على الشك والنفاق \[ إلى \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] الموت، وهو كقوله :( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه )\[ التوبة : ٧٧ \]. وأصل الريبة التهمة، يقال : فلان مريب إذا كانت به تهمة. 
وقوله تعالى :( إلا أن تقطع قلوبهم ) هذا أيضا على وجهين :
أحدهما : على التمثيل : أن الخوف والحزن إذا بلغ غايته يقال : فلان منقطع القلب. 
\[ والثاني : على الوعيد كقوله :( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ) \]\[ ساقطة من الأصل وم، انظر ما ذكر المؤلف في تفسير الآيات : ٧٥و٧٦و٧٧ من السورة \].

### الآية 9:111

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9:111]

وقوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ) يحتمل قوله ( اشترى ) أي استام ؛ لأن قوله :( اشترى ) خبر، ولكن يحتمل الاستيام، أي استام أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم ليجعل لهم الله الجنة ثم بين، فقال :( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ). 
ويحتمل أن يكون قوله :( اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) خبر عن قوم باعوا أنفسهم وأموالهم كقوله :( ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله )\[ البقرة : ٢٠٧ \] وقوله ( الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله )الآية\[ النساء : ٧٤ \] فإذا صاروا بائعين أنفسهم كان الله مشتريها منهم. 
ثم بين أن كيف يباع ؟ وكيف يشرى ؟ فقال :( يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) أي يقتلون العدو، ويقتلون أي يقتلهم العدو. وقد قرئ الأول بالرفع فيقتلون والثاني بنصب الياء \[ ويقتلون \]\[ ساقطة من الأصل وم. انظر معجم القراءات القرآنية٣/٤٦ \]، فهو لي على الجمع : أن يُقتلوا، ويَقتلوا، ولكن أن يقتلوا العدو، وأي يقتلهم العدو. وأيهما كان، أو يقاتلون، وإن لم يقتلوا كقوله :( ومن يقتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما )\[ النساء : ٧٤ \] وقوله\[ في الأصل وم : قال \] ( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) ( تؤمنون بالله ورسوله ويجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) الآية\[ الصف : ١٠و١١ \] سمى الإيمان بالله والمجاهدة في سبيل الله تجارة. 
ثم قال :( بأن لهم الجنة ) بحق الوعد لهم فضلا منه لا يحق البذل. 
ثم قوله تعالى :( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) ذكر شِرَى أنفسهم، وأموالهم منهم، وأنفسهم في الحقيقة لله ؛ \[ له \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أن يأخذ منهم أنفسهم وأموالهم، وأن يتلفهم بأي وجه ما شاء، لكنه عامل عبادة معاملة من لا ملك له في ذلك، ولا حق، كرما منه وجودا. 
ووعد لهم على ذلك أجرا وبدلا. وكذلك ما ذكر من القرض له، ووعد لهم على ذلك الأجر مضاعفا، وكذلك ما وعد لهم من الثواب في ما يعملون لأنفسهم كالعاملين له حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( جزاء بما كانوا يعملون )\[ الواقعة : ٢٤ \] وقال :( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا )\[ الكهف : ٣٠ \] ونحوه ؛ وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم بقوله :( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم )الآية\[ الإسراء : ٧ \]. 
ذكر ما ذكر فضلا منه وإكراما ؛ إذ هي له حق في الحقيقة، وهو كما قال :( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم )\[ الحج : ٣٧ \] فإنما يطلب منهم بذل أنفسهم وأموالهم. 
أو ذكر، والله أعلم، شرى ماله في الحقيقة ليعلم الخلق أن كيف يعامل الناس بعضهم \[ بعضا \]\[ ساقطة من الأصل وم \]، وكذلك قال الله ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا )\[ البقرة : ٢٤٥ \] عاملهم معاملة من لاحق له في أموالهم وأنفسهم ليعامل\[ اللام ساقطة من الأصل وم \] الناس بعضهم بعضا في أموالهم وأنفسهم كمن لا حق له في ذلك. 
وقوله تعالى :( وعدا عليه حقا ) أي وعدا واجبا ( في التوراة و الإنجيل و القرآن ) أي وعد ذلك في التوراة والإنجيل والقرآن. وفي حرف ابن مسعود : عهدا عليه حقا في التوراة والإنجيل و القرآن. 
وقوله تعالى :( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) هذه الآية تنقض قول من يقول بأن الإنجيل على التخفيف والتيسير، والتوراة بالشدائد، وكذلك قوله :( فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة )\[ الصف : ١٤ \] وذلك مذكور في حكم الإنجيل، إلا أن يقال بأن قوله :( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ) أي كان هذا مذكورا لهذه الأمة، وما ذكر. 
ثم قال :( ومن أوفى بعهده من الله ) هذا على قوله ( اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) الآية إنما هو عهدا إليهم حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( ومن أوفى بعهده من الله ) أي لا أحد أوفى وأصدق بعهده من الله إن\[ من من، وفي الأصل : أي \] وفيتم أنتم بعهده الذي عهد إليكم\[ في الأصل وم : عليكم \]، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) يشبه أن يكون الاستبشار الذي ذكر وقت الموت أن يقول لهم الملائكة ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) في الحياة. هذا يدل أن البيع يكون بيعا بالبدل، وإن لم يتلفظ بلفظة البيع، وقد ذكرنا في ما تقدم أن الأحكام لم تتعلق بالألفاظ والأسامي، إنما علقت بمعاني فيها ؛ فإذا وجدت المعاني حكم بها ( وذلك هو الفوز العظيم ) \[ الذي \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ذكر.

### الآية 9:112

> ﻿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [9:112]

وقوله تعالى :( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ ) إلى آخره، قال بعضهم : على الصلة بالأول في ما ذكر من الشرى والوعد لهم الجنة إذا كانوا على الوصف الذي ذكره. وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي \[ بن كعب \]\[ ساقطة من الأصل وم \] رضي الله عنه أن الله اشترى من المؤمنين التائبين العابدين الحامدين\[ انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٤٧ \] على الصلة بالأول بالكسر إلى قوله ( والحافظون لحدود الله ) قرآها. والقائمين على حدود الله ( أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ). 
ومنهم من قال : على الابتداء بالرفع :( التائبون العابدون الحامدون ) إلى آخره. ويشبه أن يكون الشراة الذي ذكر في أول\[ من م، في الأصل : الأول \] الآية، وما وعد لهم ببذل أنفسهم وأموالهم في الجهاد يكون ذلك أيضا في غيره من الطاعات والخيرات من بذل النفس لله في ما ذكر من العبادة والجهاد. وما ذكر في الآية فهو بائع نفسه منه كقوله :( ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله )\[ البقرة : ٢٠٧ \] ونحوه. 
وقوله تعالى :( التائبون ) يحتمل :( التائبون ) من الشرك أو من جميع المعاصي/٢٢٣-أ/ ( العابدون ) يحتمل الموحدين\[ في الأصل وم : الموحدون \]، ويحتمل ( العابدين ) جميع أنواع العبادة و( الحامدون ) قيل : الشاكرون، وقيل : المثنون على الله. 
فإن كان قوله :( العابدون ) يحتمل من العبادة \[ يكن ( الحامدون ) المثنين \]\[ في الأصل وم : فيكون المثنون \] على الله لأن العبادات كلها شكر. وإن كان قوله ( العابدون ) الموحدين \[ يكن قوله ( الحامدون ) الشاكرين \]\[ في الأصل وم : يكون قوله الشاكرون \] النعم التي أنعمها الله عليهم. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( السائحون ) قيل : الصائمون وعلى ذلك روي عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن السائحين، فقال : هم الصائمون، و قال :**«وسياحة أمتي الصيام »**\[ القرطبي في تفسيره : ٤/١٨٩ \]. 
وقال القتبي : وأصل السائح : الذاهب في الأرض، ومنه يقال : سائح إذا جرى، وذهب، والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات، فشبه الصائم\[ في الأصل وم : الصيام \] به لإمساكه في صومه عن المطعم والمشرب وجميع اللذات. 
وقال أبو عوسجة : هم اللذين يمضون على وجوههم في الأرض، ليست \[ لهم \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] منازل ؛ يقال : ساح يسيح سيحا وسياحة. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) قيل المصلون، وقيل : الخاضعون لله، والخاشعون له، وكذلك ذكر في حرف حفصة. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) يحتمل التوحيد ؛ أي آمرون بتوحيد الله، ويحتمل ( الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) لهم بالخيرات كلها ( والناهون عن المنكر ) الشرك، ويحتمل كل معصية. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ) قال بعضهم : لفرائض الله التي فرضها على عباده، وقال بعضهم : لسنن الله، وهم\[ في الأصل وم : ولكن \] حافظون جميع أحكام الله، ويجاوزون ما حد لهم، ولا يفرطون فيها. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وبشر المؤمنين ) يحتمل البشارة لهؤلاء الذين سبق ذكرهم، ويحتمل على الابتداء، أي بشر جميع المؤمنين ( بأن لهم من الله فضلا كبيرا )\[ الأحزاب : ٤٧ \] والله أعلم.

### الآية 9:113

> ﻿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [9:113]

وقوله تعالى :( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) دلت الآية بما نهانا أن نستغفر لمن علمنا أنه أهل النار لما أن الله لا يغفر له لما علم أنه لا يؤمن فعلى ما علمنا أنه لا يغفر له لم نستغفر له، ولم\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] يجز لنا أن نقول :\[ له \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] إنه أراد الإيمان لمن يعلم له أنه لا يؤمن أبدا كما لم يجب أن نستغفر\[ في الأصل وم : يغفر \] لمن وجبت له النار. 
فهذا ينقض على المعتزلة قولهم : إن الله قد أراد لكل كافر الإيمان، لكنه لم يؤمن. 
ثم قوله تعالى :( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) قال بعض أهل التأويل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استغفر لأحد والديه، وذكر أنه دخل على أبي طالب عمه، فدعاه إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فأبى، ثم استغفر له، وقال : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه، أو كلام نحو هذا، فنزل قوله :( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى ) الآية. 
قال الحسن : لا يحتمل أن يكون رسول من رسل الله لا يعلم أن الله لا يغفر للكافر ؛ إذ في العقل و الحكمة ألا يغفر له والتعذيب له أبدا. 
وعندنا في الحكمة تعذيب الكافر أبدا وألا يغفر \[ أنه \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] لوجوه :
أحدها : أن في ذلك تسوية بين العدو ووليه ؛ فهو ليس بحكمة\[ في الأصل وم : بحكيم \] ؛ إذ في الحكمة التمييز بينهما. 
والثاني : أنه إذا عبد غير الله معه إنما يعبد غيره لجهله، وتلك الجهالة لا ترتفع أبدا ؛ لأنه إذا غفر له، فيقع عنده أنه إنما جزي \[ بما جزي \]\[ في الأصل : به بما جزي \] وغفر لعبادة غير الله. 
والثالث : أنه لو غفر للكافر لذهبت حكمة الأفعال ؛ لأن الأفعال إنما يؤمر بها لعواقب تُتألم : إما حمدا وإما ذما. فإذا غفر له حمد بأفعال كان الحق له الذم بها. ففي \[ ذلك \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] خروجها عن الحكمة. 
وجائز أن يكون رسول الله يستغفر للمنافقين قبل أن يتبين له أنهم منافقون فلما تبين له نفاقهم كف عن \[ استغفاره لهم \]\[ في الأصل وم : استغفارهم \] فأما أن يستغفر للكافر على علم منه أنه كافر فلا يحتمل على ما يقوله بعض أهل التأويل : إنه استغفر لعمه ولأحد والديه.

### الآية 9:114

> ﻿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [9:114]

وقوله تعالى :( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ) قال بعضهم : وعده إياه الإسلام، فكان استغفاره لأبيه على وعد الإسلام، فإنما كان استغفاره بعد إسلامه. 
ألا ترى أنه قال :( ربنا وتقبل دعاء ) ( ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين ) ؟ \[ إبراهيم : ٤٠و٤١ \] فإنما طلب له المغفرة في ذلك اليوم، وقد كان وعد له الإسلام، لذلك كان استغفر له. ألا ترى أنه تبرأ منه إذ\[ في الأصل وم : إذا \] تبين له أنه من أهل النار \[ بقوله تعالى :( إني برىء مما تشركون )\[ الأنعام : ٧٨ \] \]\[ من م، ساقطة من الأصل \]. 
ويحتمل أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه طلب السبب الذي به منه يستوجب المغفرة، وهو التوحيد، وهو كقول هود لقومه :( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه )\[ هود : ٥٢ \] وكقوله نوح :( استغفروا ربكم إنه كان غفارا )\[ نوح : ١٠ \] ليس بأمرهم أن يقولوا : نستغفر الله، ولكن يأمرهم بالإسلام ليغفر لهم، ويكونوا من أهل المغفرة. فعلى ذلك استغفار إبراهيم لأبيه، وكذلك قوله :( واغفر لأبي إنه كان من الضالين )\[ الشعراء : ٨٦ \] أي اعطه السبب الذي به يستوجب المغفرة ؛ وهو التوحيد كان سؤاله سؤال التوحيد ؛ إذ لا يحل طلب المغفرة للكافر، وفي الحكمة لا يجوز أن يغفر له. 
فإن قيل : فإن كان على ما ذكرتم فكيف\[ الفاء ساقطة من الأصل وم \] استثنى ( إلا قول إبراهيم لأستغفرن لك ) بعد ما أخبر لنا أن في إبراهيم قدوة بقوله :( قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم ) ؟ \[ الممتحنة : ٤ \] قيل : يحتمل الاستثناء، ( إلا قول إبراهيم لأبيه ) أي حتى نعلم المعنى من استغفاره لأنا لا نعرف مراد إبراهيم من استغفاره لأبيه. وكذلك استغفار الأنبياء عليهم السلام لقومهم والمتصلين بهم، فاستثنى ذلك إلى أن نعلم مرادهم من استغفارهم. 
وقوله تعالى :( إن إبراهيم لأواه حليم ) قيل : الأواه الدَّعَّاء. وعلى ذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الأواه، وقال : الدعاء الخاشع والمتضرع. عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : الأواه المؤمن، وقيل : الأواه الفقيه الموقن، وقيل : المسبح، وقيل : الأواه المُتَأوِّه حزنا وخوفا. 
و( حليم ) قيل : الحكيم ضد السفيه، وقيل : العليم والحليم هو الذي لا يغضب، ولا يسفه عند سفه السفيه.

### الآية 9:115

> ﻿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [9:115]

وقوله تعالى :( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ) اختلف أهل التأويل : قال بعضهم : الآية في استغفار المؤمنين للمشركين. وقال بعضهم : الآية في نسخ الأحكام والشرائع التي تحتمل النسخ. 
فإن كان في \[ الاستغفار للمشركين \]\[ في الأصل وم : استغفار المشركين \] فإنه ليس هناك نسخ، لأنه لم يسبق لهم الأمر بالاستغفار ولا الإباحة لهم في ذلك ؛ فإنه قال : ما كان الله ليجعل قوما ضلالا بالاستغفار بعد إذ جعلهم مهتدين حتى يعلموا بالنهي عن ذلك، والله أعلم. 
وهو يحتمل ما ذكرنا من استغفارهم للمنافقين قبل أن يتبين لهم ؛ يقول : لا يجعلهم ضلالا بذلك ( حتى يبين لهم ما يتقون )
وإن كان في نسخ الأحكام فكأنه، والله أعلم، قال : ما كان الله ليجعل قوما ضلالا جهالا بفعلهم الذي فعلوا بالأمر ( حتى يبين لهم ما يتقون ) أي حتى يعلموا بالذي يلزمهم الانتهاء عنه، وهو النسخ. 
هذا في الأحكام التي تحتمل النسخ وأما الأحكام التي لا تحتمل النسخ فلا. وأصله : إن كل ما كان في العقل امتناع نسخه فإنه لا يرد فيه النسخ، وكل ما كان في العقل لا امتناع على نسخه فإنه يجوز أن يرد في النسخ. 
ثم المسألة في ما عملوا بالمنسوخ قبل العلم به بالنسخ : ما حال العمل الذي عملوا به ؟ يخرجون، ويأثمون في عملهم بذلك في حال نسخه، ويُثابون، ويؤجرون على ذلك. فإن كان الفعل فعل طاعة وقربة فإنه يثاب في قصده وفعله /٢٢٣-ب/، ولا يخرج منه. 
ولكن أن\[ في الأصل وم : فان \] كان الفعل ليس بفعل قربة وطاعة، ولكن فعل حل وحرمة فإنه في فعله قبل بلوغ العلم بنسخه لا يخرج في فعله نحو ما روي أنهم كانوا يشربون الخمر، ثم آتاهم آت فقال : ألا إن الخمر قد حرمت، فصبوها، وكفوا عنها. فهم في شربهم بعد التحريم قبل بلوغ الخبر إليهم لا يخرجون. 
وأما الفعل الذي هو فعل قربة وطاعة فإن لهم القربة في فعلهم، وهو الصلاة، ونحوه ما روي أن نفرا كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فمر علهيم مار، فقال : ألا إن القبلة قد حولت، وهم في الركوع، إلى الكعبة، فتحولوا نحوها، فأخبروا عن ذلك رسول الله، فلم يأمرهم بالإعادة لأن الفعل قربة وطاعة. فالطاعة والقربة موجودة في فعلهم لأن الأفعال التي فرضت لم تفرض لنفس الأفعال، إنما فرضت للطاعة والقربة لله فيها. فإنه يؤجر على ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( إن الله بكل شيء عليم ) بما في مصالح الخلق وما ليس فيه. كان هذا، والله أعلم، خرج لإنكار من أنكر النسخ في الشرائع. يقول : إن الله يعلم بما فيه مصالح الخلق، وأنتم لا تعلمون. وفي الناسخ مصالح لهم، وأنتم لا تعلمون. 
ويؤيد ذلك قوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ )

### الآية 9:116

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [9:116]

( إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ ) أي كما له أن يميت بعد الحياة ويحيي بعد الموت فله أن يتعبدهم في حال عبادة وفي حال عبادة أخرى.

### الآية 9:117

> ﻿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:117]

وقوله تعالى :( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ ) الآية ؛ قال بعض أهل التأويل : تاب الله عليهم لزلات سبقت منهم ولهفوات تقدمت من غير أن كان منهم زلات ؛ في هذا يعني في غزوة تبوك، وهفوات. 
أما التوبة على النبي بقوله :( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا )\[ التوبة : ٤٣ \] وعلى\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] المهاجرين والأنصار بما\[ الباء ساقطة من الأصل وم \] كان منهم يوم أحد ويوم\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] حنين بقوله\[ في الأصل وم : وقوله \] :( إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم )\[ آل عمران : ١٥٥ \] وقال بعضهم : تاب عليهم لهفوات كانت منهم في غزوة تبوك ؛ هموا أن ينصرفوا في وقت غير وقت الانصراف. 
ويشبه أن تكون التوبة التي ذكر على وجهين سوى ما ذكروا :
\[ أحدهما : هو \]\[ في الأصل وم : وهو \] : أنه تاب عليهم أي جدد عليهم التوبة للهفوات التي تقدمت أو للثبات عليها من غير أن كان منهم في الحدوث شيء. ولكن يكون لذلك حكم التجديد والثبات عليها، فيكون كسؤال الهدى، وهم على الهدى كقوله عز وجل ( اهدنا الصراط المستقيم )\[ الفاتحة : ٦ \] وقوله :( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله )\[ النساء : ١٣٦ \] أي يا أيها الذين آمنوا في ما مضى من الوقت \[ آمنوا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أو اثْبثُوا في ذلك. فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله :( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) أي جدد عليهم التوبة من غير أن كان منهم هفوة، أو ثبتهم على التوبة التي كانت منهم. 
والثاني : أنه ذكر التوبة ؛ وذلك أنهم حين\[ في الأصل وم : حيث \] صبروا على ما أصابهم من الشدائد والجهد كشف الله عنهم أشياء كانت مستورة عنهم\[ في الأصل وم : عندهم \]، وجلا لهم أعطية كانت لا تتجلى لهم من قبل. 
لكن انجلى ذلك لهم، وانكشف لصبرهم على الشدائد التي أصابتهم \[ كقوله :( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) \]\[ من م، ساقطة من الأصل \]\[ البقرة : ١٥٦ \] لما صبروا على ما أصابهم من المصائب \[ ازدادوا هم \]\[ في الأصل ازدادهم، في م : ازداد لهم \] تفويضا \[ وتسليما للأمر \]\[ في الأصل وم : وتسليم الأمر \] والمرجع إليه، وكقوله :( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله )الآية\[ التغابن : ١١ \] زاد\[ في الأصل وم : ازداد لهم \] لهم بما صبروا هدى، وتجلى لهم أشياء، لم تكن من قبل. 
فعلى ذلك تحتمل التوبة التي ذكر أنهم لما صبروا على ما أصابهم من الشدة والجهد تجلى لهم أشياء كانت مغطاة، والله أعلم ؛ فإنه ذكر ( مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ) ولم يذكر أنها زاغت، وذكر قلوب فريق منهم، ولم يذكر قلوب الكل كما ذكرنا. 
ويحتمل ذكر التوبة على النبي الإشراك\[ أدرج قبلها في الأصل وم : على \] له مع المؤمنين من غير أن كان له ذنب ؛ لأنه أخبر أن ذنبه مغفور بقوله :( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر )\[ الفتح : ٢ \] فهو كما أشركه في الاستغفار كقوله :( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات )\[ محمد : ١٩ \] أمره بالاستغفار لذنبه على الإشراك له مع استغفار المؤمنين ؛ إذ أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. 
**والتوبة من الله تعالى تخرج على وجوه :**
أحدها : التوفيق ؛ وفقهم للتوبة، وأكرمهم بها، كقوله :( ثم تاب عليهم ليتوبوا )\[ التوبة : ١١٨ \] أي وفقهم للتوبة، فتابوا. 
والثاني : التوفيق ؛ وفقهم للتوبة، وأكرمهم بها، كقوله :( ثم تاب عليهم ليتوبوا )\[ التوبة : ١١٨ \] أي وفقهم للتوبة، فتابوا. 
والثاني : التوبة منه قبولها منهم ؛ أي يقبل منهم التوبة كقوله :( إن الله هو التواب الرحيم )\[ التوبة : ١١٨ \]. 
والثالث : تاب عليهم ؛ أي تجاوز عنهم، وعفا، وصفح عنهم. 
على هذه الوجوه الثلاثة تخرج إضافة التوبة إلى الله، 
وقوله تعالى :( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) قيل : هي عسرة النفقة، وعسرة الظهر. 
وقوله تعالى :( مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ) ذكر في بعض القصة أنه قد أصابهم من الجهد والشدة حتى إن الرجلين ليقسمان التمرة بينهما، وكانت التمرة يتداولون بينهم، يمصها هذا، ثم يشرب عليها الماء، ثم يمصها هذا. ذكر نحو هذا، ولكن لا ندري كيف كان الأمر ؟ سوى أنه أخبر أن قلوبهم كادت تزيغ من الجهد.

### الآية 9:118

> ﻿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [9:118]

وقوله تعالى :( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) عن التوبة نحو قوله ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) كانوا يبتهلون ويدعون الله، حتى تاب الله عليهم، فتابوا. 
وقال قائلون :( خلفوا ) عن رسول الله لما تقدمهم القوم، فهم المخلفون بتقدم اولئك، وقال قائلون ( خُلِّفوا ) خلفهم الله ؛ أي خلفهم. 
ويشبه أن يكون قوله :( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) هم الذين تخلفوا\[ في الأصل وم : تخلفهم \]، فلحقوا رسول الله، وهو ما ذكرنا. 
وقوله تعالى :( حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ )\[ يحتمل هذا على التحقيق \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] ويحتمل أن يكون على التمثيل. وللتحقيق وجهان :
أحدهما :( ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ) أنهم شدوا أنفسهم بالسواري، والأسطوانات، وأتوا بأموالهم التي منعتهم عن الخروج مع رسول الله، وتصدقوا بالأرضين التي منعتهم عن الخروج، وضاقت عليهم الأرض بعدما كانت عليهم متسعة ؛ يتسعون فيها ؛ لأنه ذكر في القصة أن واحدا من هؤلاء مما حبسته أرضه عن الخروج، فتصدق بها على الفقراء، وكان له التوسع بتلك الأرض، ثم ضاقت عليه. 
والثاني :( ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) لما حبسوا أنفسهم عن أراضيهم، وتركوا شهواتهم وأمانيهم وما يتلذذون به فذلك ضيق الأرض ( وضاقت عليهم أنفسهم ) لما شدوا أنفسهم بالأسطوانات. 
ويحتمل أن يكون على التمثيل ؛ وذلك أن الخوف إذا اشتد على الإنسان، وبلغ غايته، حتى يمنعه من القرار في الأرض والتلذذ فيها، يقال : ضاقت عليه الأرض بسعتها، وضاقت عليهم أنفسهم لما ذكر : كان الناس لا يكلمونهم، ولا يخالطونهم، ولا يبايعونهم، ولا يكلمهم أهاليهم. 
وقوله تعالى :( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) قال بعضهم : ظنوا أن لا نجاة من عقوبة الله إلا عفوه، أي أيقنوا أن لا مخلص لهم ولا احتراز لهم من عقابه. وقيل :( وظنوا أن لا ملجأ ) من عذاب الله إلا إلى رحمته. وقيل :( وظنوا أن لا ملجأ ) من رسول الله إلا إلى الله ؛ لأنه ذكر أنهم سألوا رسول الله /٢٢٤-أ/ التجاوز عن ذلك، فلم يجبهم، فأيقنوا عند ذلك أن الفزع والملجأ إلى الله، لا إلى دونه. 
وقوله تعالى :( ثم تاب عليهم ) أي وفقهم التوبة، فتابوا ( إن الله هو التواب الرحيم ) أي يقبل التوبة، أي قابلها.

### الآية 9:119

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [9:119]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) في ظاهر الآية أن قوما عرفوا بالصدق، فأمروا بالكون معهم. ويشبه أن يكون أمر هؤلاء \[ الذين \]\[ ساقطة من الأصل وم \] تخلفوا عن رسول الله بالكون مع المهاجرين والأنصار الذين كانوا مع رسول الله. 
وفيه دلالة على أن الإجماع حجة ؛ لأنه أمر بالكون مع الصادقين في دين الله. فلو لم يلزمهم قبول قولهم ثم يكن الأمر بالكون معهم وجه. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه ( وكونوا مع الصادقين ) وهو ظاهر
وقوله تعالى :( اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) وهو ظاهر. 
وقوله تعالى :( واتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) يحتمل وجوها :
أحدها : احفظوا الله في حقه، ولا تضيعوه، ( وكونوا مع الصادقين ) في وفاء ذلك وحفظه. 
والثاني\[ في الأصل وم : أو \] : اتقوا ما في ترك ما امتحنكم به من الخروج والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من المحن. 
والثالث\[ في الأصل وم : أو \] : يقول : اتقوا مخالفة الله ورسوله في ما يأمركم به، وكونوا مع الموافقين لأمره، والله أعلم.

### الآية 9:120

> ﻿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [9:120]

وقوله تعالى :( مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ) يشبه أن يكون هذا صلة ما سبق منهم من المبالغة والعهود التي جرت بينهم وبين رسول الله. يقول، والله أعلم ( ما كان ) أي لم يكن ( لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ) بعد ما قبلوا النصر له والمعونة، وبايعوه على ذلك. هذا محتمل. 
ويحتمل وجها آخر ؛ وهو أن يكون صلة ما ذكر على إثره، وهو قوله :( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) يقول، والله أعلم :( مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ) \[ ما جعل كل \]\[ في الأصل وم : وقد جعل بكل \] ما يصيبهم في أنفسهم من العناء والشدة وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون من النفقة قليلة كانت أو كثيرة، أو يصيبون من العدو ومن القتل والغنيمة إلا كتب لهم بذلك العمل الصالح ؛ أي ما كان ينبغي لهم أن يتخلفوا عنه، وقد كتب لهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء وما يصيبون من الخير العمل الصالح والأجر لهم، والله أعلم. أو يقول :( ما كان لأهل المدينة ) إذا اختلفوا من رسول الله أن يختلفوا عنه. 
وقوله تعالى :( وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ) يحتمل قوله :( وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ) أي ولا يرغبوا بالتخلف عن نفسه. يقال : جاء فلان بنفسه، ورأيت أنا بعيني، ونحوه ؛ أي جاء هو، ورأى هو. فعلى ذلك هذا ( ولا يرغبوا ) أي ما كان ينبغي لهم أن يرغبوا عن رسول الله. ويحتمل ( ولا يرغبوا بأنفسهم ) أي لأنفسهم عن نفسه. وذلك جائز \[ على \]\[ ساقطة من الأصل وم \] ما ذكرنا. 
وقوله تعالى :( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ) قيل : عطش ( ولا نصب ) \[ قيل : هو \]\[ في م : فيهم، ساقطة من الأصل \] العناء والمشقة ( وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي مجاعة ( وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ ) قال بعضهم : ولا يقفون موقفا، قال بعضهم : هو من الوطءن الشيء الذي يوطأ ( ولا ينالون من عدو نيلا ) قيل :\[ قتلا فيهم \]\[ في الأصل وم : منهم \] وإغارة عليهم ( إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ) أي يكتب ما لهم وما عليهم : العمل الصالح مكان من تخلف منهم مخافة أن يصيبه ما ذكر من العناء والشدة، يقول : كتب لهم بكل ما يصيبهم العمل الصالح ( إن الله لا يضيع أجر المحسنين )

### الآية 9:121

> ﻿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [9:121]

وقوله تعالى :( وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ) هو ما ذكرنا أنه يجزيهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء في أنفسهم وفي أموالهم من النقصان، وما ينفقون ( لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أي يجزيهم لصالح أعمالهم وأحسنها، ولا يجزيهم لسيئاتهم ؛ وهو كقوله :( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم )\[ الأحقاف : ١٦ \] أخبر أنه يتقبل منهم أحسن ما عملوا، ويكفر عنهم سيئاتهم فعلى ذلك الأول ؛ يخبر أنه يجزيهم أحسن ما عملوا في الغزو، ويتجاوز عن سيئاتهم. 
فعلى ذلك الأول ؛ يخبر أنه يجزيهم أحسن ما عملوا في الغزو، ويتجاوز عن سيئاتهم.

### الآية 9:122

> ﻿۞ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [9:122]

وقوله تعالى :( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) الآية اختلف أهل التأويل : قال بعضهم : إن نبي الله كان إذا خرج للغزو خرجوا جميعا، فتبقى المدينة خالية من الرجال، فنهى الله عن ذلك، وقال : ما ينبغي للمؤمنين أن ينفروا كافة مع رسول الله ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ). 
وقال بعضهم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية خرجوا جميعا، فبقي هو وحده، لم يبق معه أحد ممن يشهد التنزيل ليخبر\[ في الأصل وم : ليخبروا \] أولئك \[ حين يحضرون \]\[ في الأصل وم : حضروا \]. 
وقال آخرون : الآية في الوفود ؛ وذلك أن الوفود إذا قدموا من الآفاق المدينة قدموا مع النساء والذراري جميعا، فأمروا أن ينفر\[ من م، في الأصل : ينفروا \] الرجال منهم دون النساء والذراري، ومن كل قوم نفر ( ليتفقهوا في الدين ). 
ذكر في هذه الآية :( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ) نهى الكل أن ينفرون، وأمر في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله :( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا )\[ النساء : ٧١ \] فهو يخرج على وجهين ؛ 
أحدهما : أمر بالنفر الجميع عند قلة المؤمنين ليكون لهم الكفاية مع العدو. 
والثاني : أمر بنفر الكل عند النفير. 
فتكون إحدى الآيتين في حالة النفير، والأخرى في\[ أدرج قبلها في الأصل وم : أنها \] غير حال النفير وما ذكرنا في وقت القلة والكثرة. 
فمن يقول : الآية في الذين كانوا يخرجون جميعا مع رسول الله إذا خرج ؛ كأنه نهى عن الخروج جملة مع رسول الله خوفا على أهاليهم وذراريهم، لعل العدو سباهم، وأخذ أموالهم. يقول الله :( فلولا نفر من كل منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) أي هلا نفرت\[ في الأصل وم : نفر \] طائفة منهم، فيخبروا الكفار المقيمين بما أنزل الله على رسوله من النصر والمعرفة والهزيمة على الكفار الذين قاتلوا رسول الله، فيكون ذلك سبب دعائهم إلى السلام. وإلى هذا يذهب الحسن والأصم. 
ويقولون : إن هذه الآية نسخت الآية التي \[ قبلها، وهي \]\[ في الأصل م : قبله وهو \] قوله تعالى :( مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ) يقول الحسن : إن عليهم أن يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، فيقول : هذا منسوخ بالآية التي تليها ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ) الآية. 
ومن يقول بأن الآية في الوفود الذين كانوا يأتون رسول الله المدينة بالنساء والذراري فالنهي لذلك لما كانوا يضيقون على أهل المدينة أوطانهم، ويغلون أسعارهم ونحوه ؛ يقول : الآية في الذين خرجوا، أو نفروا مع السرايا ؛ نهاهم عن خروج الكل لما لعله إذا نزل على رسوله شيئا، فلم يكن معه أحد يبلغه إليه\[ في الأصل وم : إليهم \]، ثم يبلغ إلى من هو غاب عنه، ضاع ذلك، فيقول :( كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ ) أي ليعلموا قومهم ما نزل على رسول الله وليبلغوا ذلك إلى من غاب عنه. 
وقوله تعالى :( من كل فرقة منهم طائفة ) قيل : من كل عصبة ومن كل قبيلة ومن كل حي. 
ففي الآية دلالة سقوط فرض الجهاد عن الجماعة إذا قام بعضهم عن بعض. وفيه دلالة لزوم العمل بخبر الآحاد، وإن احتمل الغلط ؛ لأن ما ذكر من الطائفة يحتمل أن يجتمعوا على ذلك كذبا أو غلطا، ثم ألزم قومهم قبول خبر، وإن احتمل الغلط والكذب بقوله ( وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) والآية تخرج على وجهين :
أحدهما : أن أهل بلدة وأهل قبيلة يختارون من يصلح للتفقه في الدين والتعلم، فينفر، حتى إذا تفقه، وتعلم، ورجع إلى \[ قومه، علمهم \]\[ في الأصل وم : قومهم فيعلمهم \]. 
والثاني :\[ أن \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يأمر من يصلح للتفقه بالتخلف عن الجهاد إذا كان بهم غنية ليتفقهوا \[ في الأصل وم : ليتفقه \] عند رسول الله، فينذروا\[ في الأصل وم : فينذر \] قومهم إذا رجعوا \[ إليهم من غزوهم \]\[ في الأصل وم : إليه من غزائهم \].

### الآية 9:123

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [9:123]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ ) اختلف فيه : قال بعضهم : الآية قبل أن ينزل قوله :( وقاتلوا المشركين كافة )\[ التوبة : ٣٦ \] كان الأمر بالقتال بالأدنى، ثم جاء الأمر بقتال الكفار عامة. 
وقال بعضهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا ربما كان تجاوز كفارا، وتركهم وراءه، وقاتل\[ في الأصل وم : ويقاتل \] غيرهم ليكون ذلك آية لنبوته، وليعلم أنه لا يبالي بمن يقاتل، ولا يخاف من تركهم وراءه. ثم أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأقرب فالأقرب منهم والأدنى، و ألا يتركوا العدو وراءهم. 
إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل. وأمكن أن يكون هذا تعليما\[ في الأصل م : تعليم \] من الله المؤمنين أمر الحرب وأسبابه كما علمهم جميع ما يقع لهم من الحاجة إلى أسباب الحرب في غير آية من القرآن : من ذلك قوله\[ في الأصل وم : وقوله \] تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا )\[ الأنفال : ٤٥ \] وقوله :( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا )الآية\[ الأنفال : ١٥ \] وقوله :( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )الآية\[ الأنفال : ٦٠ \] وغير ذلك من الآيات، أو يحتمل أن يكون أمر بقتال الأقرب منهم كسائر العبادات. 
وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ ) يخرج على وجهين :
أحدهما : ما ذكرنا أنه يخرج على أمر القتال منه للمؤمنين. 
والثاني : إنباء عن دوام الجهاد والقتال مع الأعداء أبدا \[ لأنهم كلما فتحوا ناحية، وقاتلوا \]\[ في الأصل وم : لأنه كلما فتح ناحية و \] قوما صار الذين بقوا وراء هؤلاء الذي يلونهم. 
وقوله تعالى :( وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) قيل : شدة عليهم. وفي حرف ابن مسعود وأبي \[ بن كعب \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) أي شدة. ويقرأ غُلظة برفع الغين\[ انظر معجم القراءات ج٣/٥٢ \]، ويقرأ ( غِلظة ) بكسرها ؛ وهما لغتان \[ ومعانيهما واحدة \]\[ في الأصل وم : ومعانيها واحد \] ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) أي من اتقى الخلاف له \[ وعد \]\[ ساقطة من الأصل وم \] بالنصر لهم على عدوهم. 
وقوله تعالى :( أن الله مع المتقين ) يخرج على وجهين\[ في الأصل وم : وجوه \] :
أحدها : ما ذكرنا أن الخلاف له في ما علمهم من أمر الحرب يكون معهم بالنصر. 
والثاني : معهم في التوفيق والهداية. 
والثالث : في الجزاء.

### الآية 9:124

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [9:124]

فأجاب الله تعالى وقوله تعالى :( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً ) \[ فيه وجهان : أحدهما \] : قال أهل التأويل : قوله :( فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً ) يعني : يقول المنافقون بعضهم لبعض إذا خلوا عن المؤمنين ( أيكم زادته هذه إيمانا ) استهزاء منهم بها وسخرية.

### الآية 9:125

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [9:125]

فقال :\[ ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) ( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) أي شك ونفاق ( فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ) أي تكذيبا وكفرا إلى تكذيبهم الذي كان منهم ؛ لأن أهل النفاق \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] والكفر ليسوا هم بأهل إنصاف ؛ يقبلون الحجة والدلالة إذا قامت عليهم، إنما همهم العناد والتكذيب ورد الحجج والدلائل \[ فكلما زاد لهم \]\[ في الأصل : فلما زادوا، في م : فكلما زادوا \] الحجج والبراهين \[ ازدادوا هم \]\[ في الأصل وم : ازداد \] عنادا في التكذيب والرد. 
وأما أهل الإيمان فإن همهم قبول الحجج والإنصاف ؛ فكلما ازداد\[ في الأصل وم : ازداد لهم \] لهم الحجج والبراهين \[ ازدادوا هم \]\[ في الأصل وم : ازداد لهم \] إيمانا وتصديقا على ما كان لهم. ثم قوله :( فزادهم إيمانا ) زادتهم ثباتا ودواما على ما كانوا من قبل بما قدمت\[ في الأصل وم : قامت \] لهم من الحجج والبراهين. 
وكذلك ازداد لأهل النفاق والكفر بها الثبات على العناد في تكذيب الحجج والآيات. 
والثاني : زادتهم\[ في الأصل وم : ازداد لهم \] إيمانا بالتفسير على إيمانهم بالجملة، وإن كانوا مصدقين لذلك كله جملة. فإذا نزلت لهم نوازل وفرائض ازداد لهم التصديق والثبات. 
وأصله أنه لوما\[ من م، في الأصل : لولا \] كان منهم من الإيمان والتصديق لكان هذا منهم ابتداء وإحداث تصديق. وكذلك لو لم يكن من أهل النفاق ما سبق من العناد لكان ذلك منهم إحداث تكذيب وعناد. فإذا كان منهم ما ذكرنا كان ذلك زيادة على ما كان لما ذكرنا. 
وقال بعضهم : يزداد لأهل الإيمان خيرات ولأهل النفاق شر. ولكن هو واحد، وهو ما ذكرنا. 
وقوله تعالى :( فزادهم إيمانا ). . . ( فزادتهم رجسا ) يخرج على وجهين :
أحدهما : زادت للمؤمنين إيمانا على الذي كان لهم من الإيمان والتصديق. 
والثاني : زادت\[ في الأصل وم : زاد \] لهم حجة وبرهانا لما كان. 
وكذلك يزداد لأهل النفاق ضد ذلك. 
وقوله تعالى :( وهم يستبشرون ) قيل : يفرحون بنزولها. 
ثم إضافة الزيادة إلى السورة بقوله :( فزادتهم إيمانا ) لوجهين :
أحدهما : أضيف إليها الزيادة على ما أضيف الغرور إلى الدنيا ؛ وهو ما\[ في الأصل وم : لما \] ذكرنا أنه يبدو منها لهم التزيين ما لو كان من دون الأفعال والتغرير كان ذلك غرورا. 
والثاني : أضاف التغرير إليها لما بها اغترار أهلها، وكذلك إضافة الزيادة إلى السورة لما بها ازداد لهم التكذيب والكفر، وازداد لأهل الإيمان بها \[ التصديق، فأضيفت\[ في م : فأضيف \] الزيادة إليها. 
وقال بعضهم ما ذكرنا أنها حجة ودلالة، فالحجة يزداد لأهل الإيمان التصديق\[ في م : بها \] \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] إذ هم قد اعتقدوا قبول الحجج والدلائل. 
وأما النفاق والكفر فإنهم أهل عناد ومكابرة، إذ قد اعتقدوا العناد ورد الحجج، فكلما ازداد لهم \[ الحجج ازدادوا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] عنادا وكفرا. 
وقال أبو بكر الأصم : إنما أضيفت الزيادة إليها لأنها كانت سبب الزيادة. وقد تضاف الأشياء إلى أسبابها كما تضاف إلى حقيقة الأفعال. ولكن يحتمل أن تكون السورة التي نزلت سببا لزيادة الكفر، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

### الآية 9:126

> ﻿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [9:126]

وقوله تعالى :( أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ) قيل : يبتلون بالجهاد والغزو، فيتخلفون عنه، فيظهر بذلك نفاقهم وكفرهم، وقيل : يبتلون بالشدة والجوع، فيظهر أيضا بذلك نفاقهم كقوله :( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ) وقيل :( يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ) ذلك\[ في الأصل وم : وذلك \] أنهم كانوا إذا خلوا تكلموا بالكفر في ما بينهم، ثم إذا أتوا النبي أخبرهم بما تكلموا به في الخلوة، فيضحكون. 
بذلك افتتانه إياهم وابتلاؤه لهم ؛ كان يظهر بما ذكر نفاقهم مرة في الجهاد في سبيل الله ومرة بالشدة والخوف ومرة بما يُطلع الله نبيه \[ على ما \]\[ في الأصل وم : فما \] يضمرون، ويتكلمون به. 
وتحتمل هذه الآية الوجوه الثلاثة : الجهاد معه والابتلاء بالشدائد والإفزاع. وتحتمل إظهار الأسرار التي أسروا في أنفسهم والافتضاح مما أخفوا. فإن\[ في الأصل وم : لكن \] كان هذا فذلك مما يكثر منه ؛ أعني كتمان النفاق وإسرار الخلاف لهم، \[ وإن كان \]\[ في الأصل وم : لكن \] ذكر المرة والمرتين يرجع \[ إلى \]\[ في الأصل وم : بما \] الافتضاح والإظهار فذلك يحتمل أن يكون في العام مرة أو مرتين. 
وقوله تعالى :( ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ) عن نفاقهم ( وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) ما\[ في الأصل وم : بما \] ما ابتلوا من الافتضاح وظهور النفاق منهم، والله أعلم.

### الآية 9:127

> ﻿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [9:127]

وقوله تعالى :( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) قال بعضهم : الآية صلة قوله :( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً )/٢٢٥-أ/ أي كان ( نظر بعضهم إلى بعض ) ثم يقولون ما ذكر ( فمنهم من يقول ) إذا كانت السورة التي نزلت حجة في إظهار الدين والإيمان يسمعون، ويقولون ( أيكم زادته هذه إيمانا ) وإذا نزلت في إظهار نفاقهم وافتضاحهم ( نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا ) ولا يسمعون منه السورة إشفاقا لئلا يظهر نفاقهم. 
وقوله تعالى :( صرف الله قلوبهم ) يحتمل خلق الله منهم انصرافهم، فأضاف\[ في الأصل وم : فأضيف \] إليه الصرف. ويشبه أن يكون قوله :( صرف الله قلوبهم ) عقوبة ؛ أي عاقبهم الله بصرف قلوبهم باعتقادهم العناد وردهم الحجج، وتركهم القبول.

### الآية 9:128

> ﻿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [9:128]

وقوله تعالى :( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ ) اختلف فيه : قال بعضهم :( رسول من أنفسكم ) من البشر، وهو امتنان منه عليهم حين\[ في الأصل وم : حيث \] بعث الرسول من البشر، وله أن يبعث من غير البشر، لكنه بعث من البشر ليعرفوا الآيات الت يأتي بها من التمويهات لأنهم يعرفون مبلغ وسع البشر في الأشياء في التعليم عرفوا أنها آيات لا تمويهات مع ما\[ ساقطة من م \] أن يتألف كل جنس بجنسه، وينفر من غير جنسه. وينفر من غير جنسه. هذا ظاهر في الخلائق أن كل ذي جنس يألف جنسه\[ في الأصل وم : بجنسه \]، ولا يألف غير\[ في الأصل وم : بغير \] جنسه، فبعث الرسول من البشر ومن جنسهم ليتآلفوا به، ويقبلوا منه ما يأتيهم به، يجيبوه\[ في الأصل وم : ويجيبهم \] إلى ما يدعوهم إليه. 
وقال بعضهم :( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ ) أي من المكان الذي أنتم فيه، وهو الحرم. وقال آخرون :( من أنفسكم ) أي من أنسابكم، هو أيضا موضع الامتنان عليهم حين\[ في الأصل وم : حيث \] بعثه من أنسابهم ؛ يعرفون نسبه ومولده ومنشأه\[ من م، في الأصل : نشأته \] من بين أظهرهم سليما من جميع الآفات بريئا من جميع المطاعن والعيوب لأن المرء إذا كان مولده ومنشؤه في قبيلة أو في مكان لا يعرف له النسب ربما يتمكن فيه الطعن والعيب، ويقع التناكر في نسبه لجهلهم بنسبه ومولده ومنشئه\[ في الأصل وم : به \] على السلامة والصحة والبراءة من العيوب. 
فبعث رسول محمدا صلى الله عليه وسلم لئلا يتمكن فيه ما ذكرنا من المطاعن، ولا يعرف شيء من العيوب والآفات التي ذكرنا فيه. 
وقال بعضهم :( من أنفسكم ) من العرب أميا كما هم، لا يكتبن ولا يخطه بيمينه على ما وصفه في كتابه ( النبي الأمي الذي يجدونه )الآية\[ الأعراف : ١٥٧ \] وقال :( ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون )\[ العنكبوت : ٤٨ \] وذلك أن العرب كانت تتمنى أن يبعث رسول منهم بقولهم\[ في الأصل وم : بقوله \] ( لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم )\[ فاطر : ٤٢ \] ذكر مجيء الرسول من أنفسهم ليكون أبعد عن المطاعن التي طعنوا فيه والآفات التي ذكروا فيه والبراءة من العيوب التي فرقوا بها\[ في الأصل وم : بكذب \] من السحر والكهانة والجنون والافتراء على الله، وأقرب إلى المعرفة بأنه رسول لأنه لما يأتيهم من الآيات والحجج يعرفون أنها سماوية لما عرفوا أنه لم يتعلم السحر، ولا أخذوا عليه كذبا\[ في الأصل وم : بكذب \] قط، ولا جن قط بما كان نشأ في ما بين أظهرهم. 
وقوله تعالى :( عزيز عليهم ما عنتم ) قيل : شديد عليه ما أعنتكم ؛ أي ما ضيق عليكم، وقال القتبي : العنت الضيق، وقال بعضهم : العنت الإثم ؛ أي شديد عليه ما أثمتم، وقال أبو عوسجة : هو إلى الإثم أقرب، وهو يحتمل كل إثم : الكفر وغيره ( حريص عليكم ) قال بعضهم على من لم يسلم أن يسلم، ( حريص عليكم ) بالهدى والرشد ( بالمؤمنين رؤوف رحيم ) رحمة الدين والإسلام لا رحمة الطبع. 
قال الشيخ أبو منصور الماتريدي\[ في الأصل : ماتريدي، ساقطة من م \]، رحمه الله، في قوله :( بالمؤمنين رؤوف رحيم ) سماه بفعله العمل الحسن وبرأفته ورحمته بذلك ؛ أي استحق ذلك الاسم بفعله. وإنما سماه بذلك لأن عمله كان لله لم يكن عمله لنفسه شيئا، وكذلك ماله واكتسابه به ؛ فلذلك لم يكن ماله ميراثا بين ورثته.

### الآية 9:129

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [9:129]

وقوله تعالى :( فإن تولوا ) أي أعرضوا \[ عن \]\[ ساقطة من الأصل وم \] إجابتك ودعائك إياهم إلى الإيمان والتوحيد ( فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ ) أي يكفيني الله ( لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ). 
ويحتمل قوله :( فإن تولوا ) عنك، وردوا إجابتك والطاعة لك والانقياد، وهموا أن\[ في الأصل وم : أي \] يكيدوك، ويمكروا بك ( فقل حسبي الله لا إله إلى هو عليه توكلت ) أي على \[ ما \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] وعدني من النصر والظفر، توكلت أي اتكلت على وعده، ووكلت أمري إلى الله. 
ويحتمل وقوله ( فإن تولوا ) عن نصرتك ومعونتك على الأعداء ( فقل حسبي الله ) في النصر والمعونة على الأعداء، ويكفيني عليهم. هذا في هذا\[ ساقطة من م \] الموضع أقرب لأنه ذكر على إثر ذكر المنافقين. 
ويحتمل ما ذكرنا من الإعراض عن التوحيد والإجابة له. 
وقوله تعالى :( وهو رب العرش العظيم ) قيل\[ من م، في الأص : أي كل \] : هو رب الملك العظيم، أي كل ملك عند ملكه صغير، ليس بملك فإن كان العرش هو السرير على ما قاله بعض أهل التأويل، والله أعلم، \[ فالسرير هو \]\[ في الأصل وم : السرير \] الذي يكرم به الأخيار من الخلائق والأبرار منهم، وقد ذكرنا \[ ما فيه الكفاية \]\[ من م، في الأصل : فيه \] في ما تقدم، والله أعلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/9.md)
- [كل تفاسير سورة التوبة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/9.md)
- [ترجمات سورة التوبة
](https://quranpedia.net/translations/9.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/9/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
