اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
قال ابنُ عباس : هي الجنة. (٩)
قال المحققون : هذا إشارة إلى أن العبد - وإن كثرة طاعاتُه - لا يدخل الجنة إلا برحمة الله ؛ وذلك لأن العبد ما دامت داعيته إلى الفعل، والترك سواء، يمتنع منه الفعل، فإذا لم يحصل رُجْحان داعية الطاعة، لم تحصل منه الطاعة، وذلك الرُّجْحان لا يكون إلا بخلق الله - تعالى - فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من الله تعالى في حق العبد، فكيف يصير ذلك موجباً على الله شيئاً كما تقوله المعتزلة ؟ فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله - تعالى - وبرحمته، وبكرمه، لا باستحقاقنا.
قرأ أبو الجوزاء، وابنُ يَعْمُرَ : اسْوَادَّتْ، وابياضَّتْ - بألف(١٠) - وقد تقدمت قراءتهما : تبياض، وتسوادُّ، وهذا قياسها، وأصْل " افْعَلَّ " هذا أن يكون دالاً على عَيْبٍ حِسِّيٍّ - ك " اعورَّ واسود واحْمَرَّ " - وأن لا يكون من مضعف كأجَمَّ، ولا معتل اللام كألْمَى، وأن يكون للمطاوعة، وندر نحو انقضَّ الحائط، وابْهَارَّ الليل، واشعارَّ الرجل - تفرَّق شَعْرُه - إذْ لا دلالةَ فيه على عَيْبٍ، ولا لون، وندر - أيضاً - ارْعَوَى، فإنه معتل اللام، مطاوع لرعوته - بمعنى، كففته - وليس دالاًّ على عيب، ولا لون، وأما دخول الألف في " افْعَلَّ " هذا - فدالٌّ على عُرُوضِ ذلك المعنى، وعدمها دالٌّ على ثبوته واستقراره، فإذا قلتَ : اسوادَّ وجْهُه، دلَّ على اتصافه بالسواد من غير عُروض فيه، وإذا قلت : اسوادَّ، دل على حدوثه، هذا هو الغالب، وقد يُعْكَس، قال تعالى :﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] - فالقصد الدلالة على لزوم الوصف بذلك للجنتين - وقال :﴿تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧] القصد به العروض لازورار الشمس، لا الثبوت والاستقرار - كذا قيل - وفيه نظر ؛ لأن المقصود وَصْف الشمس بهذه الصفة الثابتة بالنسبة إلى هؤلاء القوم خاصَّة.

فصل


قال بعض المفسرين : بياض الوجوه وسوادها، إنما يحصل عند قيامهم من قبورهم للبعث، فتكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه الكافرين مسودة.
وقيل : عند الميزان، إذا رجحت حسناته ابْيَضَّ وجهه، وإذا رجحت سيئاته اسوَدَّ وجهه.
قيل : إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذ قرأ المؤمن كتابه، فرأى حسناته استبشر، ابيضَّ وجْهُه، وإذا قرأ الكافر كتابَه، فرأى سيئاته اسوَدَّ وجهه.
وقيل : إن ذلك عند قوله تعالى :﴿وَامْتَازُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩].
قيل : يُؤمَرُ كلُّ فريق بأن يجتمع إلى معبوده، فإذا انتهَوا إليه حزنوا واسودَّتْ وجوهُهُمْ.
قوله :﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فيها وجهان :
أحدهما : أن الجارَّ متعلق ب " خالِدُونَ "، و " فِيهَا " تأكيد لفظي للحرف، والتقدير : فهم خالدون في رحمة الله فيها. وقد تقرر أنه لا يؤكد الحرف تأكيداً لفظياً، إلا بإعادة ما دخل عليه، أو بإعادة ضميره - كهذه الآية - ولا يجوز أن يعود - وحْدَه - إلا في ضرورةٍ.
كقوله :[ الرجز ]
حَتَّى تَرَاهَا وكَأنَّ وكأنْأعْنَاقَهَا مُشَدَّدَاتٌ بِقَرَنْ(١١)
كذا ينشدون هذا البيت.
وأصرح منه في الباب - قول الشاعر :[ الوافر ]
فَلاَ وَاللهِ لا يُلْقَى لِمَا بِيوَلاَ لِلِمَا بِهِمْ أبَداً دَوَاءُ(١٢)
ويحسن ذلك إذا اختلف لفظهما.
كقوله :[ الطويل ]
فَأصْبَحْنَ لا يَسْألْنني عَنْ بِمَا بِهِأصَعَّدَ في عُلُوِ الْهَوَى أمْ تَصَوَّيَا(١٣)
للهم إلا أن يكون ذلك الحرفُ قائماً مقام جملة، فيُكَرَّر - وحده - كحروف الجواب، مثل : نَعَمْ نَعَمْ، وبلى بلى، ولا لا.
والثاني : أن قوله :﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ : خبر لمبتدأ مُضْمَر، والجملة - بأسْرها - جواب :" أما " والتقدير : فهم مستقرون في رحمة الله، وتكون الجملة - بعده - من قوله :﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ جملة مستقلة من مبتدأ وخبر، دلت على أن الاستقرار في الرحمة على سبيل الخلود، فلا تعلُّق لها بالجملة قبلها من حيث الإعراب.
قال الزمخشريُّ : فإن قلتَ : كيف موقع قوله :﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ بعد قوله :﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ؟
قلت : موقع الاستئناف، كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل : هم فيها خالدون، لا يظنعون عنها، ولا يموتون.
فإن قيل : الكُفَّار مخلَّدون في النار، كما أن المؤمنين مخلَّدون في الجنة، فما الحكمة في ذكر خلود المؤمنين ولم يذكر خلود الكافرين ؟
فالجواب : أن ذلك يُشْعِر بأنَّ جانبَ الرحمةِ أغْلَب ؛ لأنه ابتدأ بذكر أهل الرحمة، وختم بهم، لمَّا ذكر العذابَ لم يُضِفْه إلى نفسه، بل قال :﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾، وأضاف ذكر الرحمة إلى نفسه، فقال :﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، ولما ذكر العذاب ما نصَّ على الخلود، ونصَّ عليه في جانب الرحمة، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم، فقال :﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ولما ذكر الثواب علَّلَه برحمته، فقال :﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ثم قال - في آخر الآية- :
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وكل ذلك يُشْعِر بأن جانبَ الرحمة مُغَلَّب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى