البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾ انظر تفاوت ما بين التقسيمين هناك جمع لمن اسودّت وجوههم بين التعنيف بالقول والعذاب، وهنا جعلهم مستقرّين في الرحمة، فالرّحمة ظرف لهم وهي شاملتهم.
ولما أخبر تعالى أنَّهم مستقرّون في رحمة الله بيَّن أنّ ذلك الاستقرار هو على سبيل الخلود لا زوال منه ولا انتقال، وأشار بلفظ الرّحمة إلى سابق عنايته بهم، وأن العبد وإنْ كثرت طاعته لا يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى.
وقال ابن عباس : المراد بالرحمة هنا الجنة، وذكر الخلود للمؤمن ولم يذكر ذلك للكافر إشعاراً بأنَّ جانب الرحمة أغلب.
وأضاف الرحمة هنا إليه ولم يضف العذاب إلى نفسه، بل قال :﴿فذوقوا العذاب﴾ ولما ذكر العذاب علّله بفعلهم، ولم ينص هنا على سبب كونهم في الرحمة.
وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر : فأما الذين اسوادت، وأما الذين ابياضت بألف.
وأصل افعلّ هذا افعلل يدل، على ذلك اسوددت واحمررت، وأن يكون للون أو عيب حسي، كأسود، وأعوج، واعور.
وأن لا يكون من مضعف كاحم، ولا معتل لام كألمى، وأنْ لا يكون للمطاوعة.
وندر نحو : انقضّ الحائط، وابهار الليل، وإشعار الرجل بفرق شعره، وشذا رعوى، لكونه معتل اللام بغير لون ولا عيب مطاوعاً لرعوته بمعنى كففته.
وأما دخول الألف فالأكثر أن يقصد عروض المعنى إذا جيء بها، ولزومه إذا لم يجأ بهما.
وقد يكون العكس.
فمن قصد اللزوم مع ثبوت الألف قوله تعالى :﴿مدهامتان﴾ ومن قصد العروض مع عدم الألف قوله تعالى :﴿تزاور عن كهفهم﴾ واحمرّ خجلاً.
وجواب أما ففي الجنة، والمجرور خبر المبتدأ، أي فمستقرون في الجنة.
وهم فيها خالدون جملة مستقلة من مبتدأ وخبر، لم تدخل في حيز أما، ولا في إعراب ما بعده.
دلّت على أنَّ ذلك الاستقرار هو على سبيل الخلود.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) كيف موقع قوله : هم فيها خالدون بعد قوله : ففي رحمة الله ؟ ( قلت ) : موقع الاستئناف.
كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل : هم فيها خالدون، لا يظعنون عنها ولا يموتون انتهى.
وهو حسن.
وقيل : جواب أما ففي الجنة هم فيها خالدون، وهم فيها خالدون ابتداء.
وخبر وخالدون العامل في الظرفين، وكرر على طريق التوكيد لما يدل عليه من الاستدعاء والتشويق إلى النعيم المقيم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قالوا وتضمنت هذه الآيات الطباق : في تبيضّ وتسودّ، وفي اسودّت وابيضّت، وفي أكفرتم بعد إيمانكم، وفي بالحق وظلماً.
والتفصيل : في فأمّا وأمّا.
والتجنيس : المماثل في أكفرتم وتكفرون.
وتأكيد المظهر بالمضمر في : ففي رحمة الله هم فيها خالدون.
والتكرار : في لفظ الله.
ومحسنه : أنه في جمل متغايرة المعنى، والمعروف في لسان العرب إذا اختلفت الجمل أعادت المظهر لا المضمر، لأن في ذكره دلالة على تفخيم الأمر وتعظيمه، وليس ذلك نظير :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ***
لاتحاد الجملة.
لكنه قد يؤتى في الجملة الواحدة بالمظهر قصداً للتفخيم.
والإشارة في قوله : تلك، وتلوين الخطاب في فأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم، والتشبيه والتمثيل في تبيض وتسودّ، إذا كان ذلك عبارة عن الطلاقة والكآبة والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى