اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتابقال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه - تعالى - لا يريد شيئاً من القبائح، لا من أفعاله، ولا من أفعال عباده، ولا يفعل شيئاً من ذلك، لأن الظلم إما أن يُفْرَض صدوره من الله - تعالى - أو من العبد، وصدوره من العبد إما أن يظلم العبد نفسه بعصيانه - أو يظلم غيره، فهذه الأقسام الثلاثة هي أقسام الظلم، وقوله :﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ نكرة في سياق النفي، فوجب ألا يريد شيئاً يكون ظلماً، سواء كان منه أو من غيره، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يفعل الظلم أصلاً - ويلزم منه أن يكون فاعلاً لأعمال العباد ؛ لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم، وظلم بعضهم لبعض، فثبت بهذه الآية أنه - تعالى - غير فاعل للظلم، وغير فاعل لأعمال العباد، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد، قالوا : ويؤيده قوله - بعد ذلك - :﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٠٩] وإنما ذكر هذه الآية - عقيب ما تقدم - لوجهين :
الأول : نه لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح، استدل عليه بأن فاعل القبيح، إنما يفعل القبيح إما للجهل، أو للعجز، أو للحاجة، وكل ذلك - على الله - محال ؛ لأنه مالك لكل ما في السماوات وما في الأرض وهذه المالكية تنافي العَجْزَ والجَهْلَ والحاجة، فامتنع كونه فاعلاً للقبيح.
الثاني : أنه لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجهٍ من الوجوه، كان لقائل أن يقولَ : إنا نشاهد وجودَ الظلم في العالم، فإذا لم يكن وقوعه بإرادة الله - تعالى - كان على خلاف إرادته، فيلزم منه كونه ضعيفاً عاجزاً مغلوباً، وذلك محال.
فأجاب الله - تعالى - بقوله :﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ أي : أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلم عن الظالم - على سبيل الإلجاء والقَهْر - وإذا كان قادراً على ذلك لا يكون عاجزاً، ضعيفاً ؛ إلا أنه - تعالى - أراد منهم ترك المعصية - اختياراً - ليستحقوا الثواب، فلو قهرهم على الترك لبطلت هذه الفائدة.
وأجيب بأن المراد من الآية أنه - تعالى - لا يريد أن يظلم أحداً من عباده.
وقوله :﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ يدل على كونه خالقاً لأفعالِ العبادِ ؛ لأن أفعالَ العبادِ من جملة ما في السماوات وما في الأرض.
وأجاب الجبائي : بأن قوله :" ولله " إضافة ملك، لا إضافة فعل، ألا ترى أنه يقال : هذا البناء لفلان. ويريدون أنه مملوكه، لا أنه مفعوله، وأيضاً فالمقصود من الآية تعظيم الله - تعالى - لنفسه، وتَمدُّحه لإلهية نفسه، ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الأفعال القبيحة، وأيضاً فقوله :﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، إنما يتناول ما كان مظروفاً في السماوات والأرض، وذلك من صفات الأجسام، لا مِنْ صفات الأفعال التي هي أعراض.
وأجيب بأن هذه إضافة الفعل ؛ لأن القادر على الحَسَن والقبيح، لا يرجح الحَسَن على القبيح إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى الفعل الحَسَن، وتلك الداعية حاصلة بتخليق الله - تعالى - دَفْعاً للتسلسل، ولمَّا كان المؤثِّر في حصول فعل العبد هي مجموع القدرة والداعية بخلق الله - تعالى - ثبت أن فعل العبد مخلوق لله تعالى.
وقوله :﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ المراد منه رجوع الخلق إلى حُكمه وقضائه، لا لحكم غيره.