فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
المراد ب ﴿الذين كفروا﴾ : جنس الكفرة. وقيل : وفد نجران، وقيل : قريظة، وقيل : النضير، وقيل : مشركو العرب. وقرأ السلمي :«لن يُغني بالتحتية » وقرأ الحسن بكون الياء الآخرة تخفيفاً. قوله :﴿مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي : من عذابه شيئاً من الإغناء، وقيل : إن كلمة من بمعنى عند، أي : لا تغني عند الله شيئاً قاله أبو عبيد، وقيل : هي بمعنى بدل. والمعنى : بدل رحمة الله، وهو بعيد. قوله :﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار﴾ الوقود : اسم للحطب، وقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة، أي : هم حطب جهنم الذي تسعر به، وهم : مبتدأ، ووقود خبره، والجملة خبر أولئك، أو هم ضمير فصل، وعلى التقديرين، فالجملة مستأنفة مقرّرة لقوله :﴿لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم﴾ الآية. وقرأ الحسن، ومجاهد، وطلحة بن مصرف «وَقُودُ » بضم الواو، وهو مصدر، وكذلك الوقود بفتح الواو في قراءة الجمهور يحتمل أن يكون اسماً للحطب، كما تقدم، فلا يحتاج إلى تقدير، ويحتمل أن يكون مصدراً ؛ لأنه من المصادر التي تأتي على وزن الفعول، فتحتاج إلى تقدير، أي : هم أهل، وقود النار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال : كصنيع آل فرعون. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه قال : كفعل. وأخرج مثله أبو الشيخ، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير، عن الربيع قال : كسنتهم. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس :«أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع قال :" يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً، " قالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً كانوا غماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله :﴿قُلْ للَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله :﴿أُوْلِى الأبصار﴾». وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عاصم بن عمر بن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال : قال فنحاص اليهودي، وذكر نحوه.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ﴾ عبرة، وتفكر. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله﴾ أصحاب رسول الله ﷺ ببدر ﴿وأخرى كَافِرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار. وأخرج عبد الرزاق أن هذه الآية نزلت في أهل بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ يقول : قد كان لكم في هؤلاء عبرة، ومتفكر أيدهم الله، ونصرهم على عدوهم يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً، وكان أصحاب محمد ﷺ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود في الآية قال : هذا يوم بدر نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال : أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين كانوا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم ستمائة وستة وعشرين، فأيد الله المؤمنين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى