جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يَآ أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَافاً مّضَاعَفَةً وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تأكلوا الربا في إسلامكم، بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم. وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال : أخر عني دينك، وأزيدك على مالك ! فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة، فنهاهم الله عزّ وجلّ في إسلامهم عنه. كما :
حدثنا محمد بن سنان، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال : كانت ثقيف تَداين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل، قالوا : نزيدكم وتؤخرون ! فنزلت :﴿لا تَأْكُلُوا الرّبا أضْعافا مُضَاعَفَةً﴾.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تأْكُلُوا الرّبا أضْعافا مُضَاعَفَةً﴾ : أي لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم له، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره مما لا يحلّ لكم في دينكم.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرّبا أضْعافا مُضَاعَفَةً﴾ قال : ربا الجاهلية.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال سمعت ابن زيد يقول في قوله :﴿لا تأكلوا الرّبا أضْعافا مُضَاعَفَةً﴾ قال : كان أبي يقول : إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السنّ، يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حلّ الأجل، فيقول له : تقضيني أو تزيدني ؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوّله إلى السنّ التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حقة، ثم جذعة ثم رباعيا، ثم هكذا إلى فوق. وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة، يضعفها له كل سنة، أو يقضيه. قال : فهذا قوله :﴿لا تأكُلُوا الرّبا أضْعَافا مُضَاعَفَةً﴾.
وأما قوله :﴿واتّقُوا اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فإنه يعني : واتقوا الله أيها المؤمنون في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به، أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه لعلكم تفلحون، يقول : لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه، والخلود في جنانه. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ : أي فأطيعوا الله لعلكم أن تنجوا مما حذّركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى