اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ شرطٌ وجوابه، وكذلك قوله :﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي﴾ وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب - كذا قاله أبو حيان. يعني من الغيبة في قوله :﴿لِنتَ لَهُمْ﴾ وقوله :﴿لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ وقوله :﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ﴾ قال شهاب الدين : وفيه نظر. وجاء قوله :﴿فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ جواباً للشرطِ، وهو نفيٌ صريحٌ، وقوله :﴿فَمَن ذَا الَّذِي﴾ - وهو متضمن للنفي - جوابٌ للشرط الثاني، تلطفاً بالمؤمنين، حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول، ولم يصرح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني بل أتى به في صورة الاستفهام - وإن كان معناه نفياً.
وقوله :﴿فَمَن ذَا الَّذِي﴾ قد تقدم مثله في البقرة(١).
والهاء - في قوله :﴿مِّنْ بَعْدِهِ﴾ - فيها وجهان :
أحدهما - وهو الأظهر - : أنها تعود على " اللَّه " تعالى، وفيه احتمالانِ :
الأول : أن يكون ذلك على حذف مضاف، أي : من بعد خذلانه.
الثاني : إنه يحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلامِ : إنكم إذا جاوزتموه إلى غيره - وقد خذلكم - فمن يجاوزه إليه وينصركم ؟
ثانيهما : أن يعود على الخذلان المفهوم من الفعل، وهو نظيرُ قوله :﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
قوله :﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ يعنكم ويمنعكم من عدوكم ﴿فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ مثل يوم بدر ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ يترككم كما أن بأُحُدٍ - لم ينصركم أحَدٌ. والخذلان : القعود عن النصرة. قراءة الجمهور ﴿يَخْذُلْكُمْ﴾ - بفتح الياء - من خَذَله - ثلاثياً -.
وقرأ عمرو بن عبيد :" يُخْذِلْكُم " - بضم الياء(٢) - من أخْذَلَ - رباعياً - والهمزة فيه لجعل الشيء، أي : إن يجعلكم مخذولين، والخَذْل والخُذلان - ضد النصر - وهو ترك من يظن به النُّصرة، وأصله من خَذَلَت الظبيةُ ولدَها - إذا تركته منفرداً - ولهذا قيل لها : خاذل ويقال للولدِ المتروك - أيضاً - : خاذل، وهذا النَّسَبِ، والمعنى : أنَّها مخذولة.
قال الشاعرُ :[ البسيط ]
ويقال له - أيضاً - : خذول، فعول بمعنى مفعول.
قال الشاعر :[ الطويل ]
ومنه يقال : تخاذلَتْ رجلا فلان.
قال الأعشى :[ الرمل ]
ثم قال :﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقدم الجارّ إيذاناً بالاختصاص، أي : ليخص المؤمنون رَبَّهُم بالتوكل عليه والتفويض له ؛ لعلمهم أنه لا ناصرَ لهم سواهُ. وهو معنى حَسَنٌ، ذكره الزمخشريُّ.
احتجوا - بهذه الآية - على الإيمانَ لا يحصل إلا بإعانة الله، والكفر لا يحصل إلا بخذلانه ؛ لأن الآية دالةٌ على أن الأمر كلَّهُ لِلِّهِ.
وقوله :﴿فَمَن ذَا الَّذِي﴾ قد تقدم مثله في البقرة(١).
والهاء - في قوله :﴿مِّنْ بَعْدِهِ﴾ - فيها وجهان :
أحدهما - وهو الأظهر - : أنها تعود على " اللَّه " تعالى، وفيه احتمالانِ :
الأول : أن يكون ذلك على حذف مضاف، أي : من بعد خذلانه.
الثاني : إنه يحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلامِ : إنكم إذا جاوزتموه إلى غيره - وقد خذلكم - فمن يجاوزه إليه وينصركم ؟
ثانيهما : أن يعود على الخذلان المفهوم من الفعل، وهو نظيرُ قوله :﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
قوله :﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ يعنكم ويمنعكم من عدوكم ﴿فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ مثل يوم بدر ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ يترككم كما أن بأُحُدٍ - لم ينصركم أحَدٌ. والخذلان : القعود عن النصرة. قراءة الجمهور ﴿يَخْذُلْكُمْ﴾ - بفتح الياء - من خَذَله - ثلاثياً -.
وقرأ عمرو بن عبيد :" يُخْذِلْكُم " - بضم الياء(٢) - من أخْذَلَ - رباعياً - والهمزة فيه لجعل الشيء، أي : إن يجعلكم مخذولين، والخَذْل والخُذلان - ضد النصر - وهو ترك من يظن به النُّصرة، وأصله من خَذَلَت الظبيةُ ولدَها - إذا تركته منفرداً - ولهذا قيل لها : خاذل ويقال للولدِ المتروك - أيضاً - : خاذل، وهذا النَّسَبِ، والمعنى : أنَّها مخذولة.
قال الشاعرُ :[ البسيط ]
| بِجِيدِ مُغْزِلَةٍ أدْمَاءَ خَاذِلَةٍ | مِنَ الظِّبَاءِ تُرَاعِي شَادِناً خَرِقا(٣) |
قال الشاعر :[ الطويل ]
| خَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَباً بِخَمِيلَةٍ | تَنَاوَلُ أطْرَافَ الْبريرِ وتَرْتَدِي(٤) |
قال الأعشى :[ الرمل ]
| بَيْنَ مَغْلوبٍ كَريمٍ جَدُّهُ | وخَذُولِ الرِّجْلِ مِنْ غَيْرِ كَسَحْ(٥) |
فصل
احتجوا - بهذه الآية - على الإيمانَ لا يحصل إلا بإعانة الله، والكفر لا يحصل إلا بخذلانه ؛ لأن الآية دالةٌ على أن الأمر كلَّهُ لِلِّهِ.
١ آية: ٢٥٥..
٢ انظر: البحر المحيط ٣/١٠٦، والدر المصون ٢/٢٤٧..
٣ البيت لزهير بن أي سلمى ينظر ديوانه ٣٥، والبحر المحيط ٣/٨٨ وأشعار الشعراء الستة الجاهليين ١/٣٠٤ والدر المصون ٢/٢٤٨..
٤ البيت لطرفة بن العبد ينظر ديوانه (٩) وشرح المعلقات ١٣٨ والبحر ٣/٨٨ وأشعار الشعراء الستة الجاهليين ٢/٤١ ومقاييس اللغة ٢/١٦٥ واللسان (خذل) وشرح القصائد السبع ص ١٤١ والدر المصون ٢/٢٤٨..
٥ ينظر ديوانه ٢٤٣ وتاج العروس ٧/٣٠١ وأساس البلاغة ص ١٥٦ و٥٤٣ والمفردات في غريب القرآن ص ١٤٥ ومقاييس اللغة ٢/١٦٦ والدر المصون ٢/٢٤٨..
٢ انظر: البحر المحيط ٣/١٠٦، والدر المصون ٢/٢٤٧..
٣ البيت لزهير بن أي سلمى ينظر ديوانه ٣٥، والبحر المحيط ٣/٨٨ وأشعار الشعراء الستة الجاهليين ١/٣٠٤ والدر المصون ٢/٢٤٨..
٤ البيت لطرفة بن العبد ينظر ديوانه (٩) وشرح المعلقات ١٣٨ والبحر ٣/٨٨ وأشعار الشعراء الستة الجاهليين ٢/٤١ ومقاييس اللغة ٢/١٦٥ واللسان (خذل) وشرح القصائد السبع ص ١٤١ والدر المصون ٢/٢٤٨..
٥ ينظر ديوانه ٢٤٣ وتاج العروس ٧/٣٠١ وأساس البلاغة ص ١٥٦ و٥٤٣ والمفردات في غريب القرآن ص ١٤٥ ومقاييس اللغة ٢/١٦٦ والدر المصون ٢/٢٤٨..