مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أن ينصركم الله فلا غالب لكم وأن يخدلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.
قال ابن عباس : إن ينصركم الله كما نصركم يوم بدر. فلا يغلبكم أحد، وإن يخذلكم كما خذلكم يوم أحد لم ينصركم أحد. وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قيل المقصود من الآية الترغيب في الطاعة، والتحذير عن المعصية، وذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن من اتقى معاصي الله تعالى نصره الله، وهو قوله :﴿بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة﴾ ثم بين في هذه الآية أن من نصره الله فلا غالب له، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين، أن من اتقى الله فقد فاز بسعادة الدنيا والآخرة فإنه يفوز بسعادة لا شقاوة معها وبعز لا ذل معه، ويصير غالبا لا يغلبه أحد، وأما من أتى بالمعصية فإن الله يخذله، ومن خذله الله فقد وقع في شقاوة لا سعادة معها، وذل لا عز معه.
المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الإيمان لا يحصل إلا بإعانة الله، والكفر لا يحصل إلا بخذلانه، والوجه فيه ظاهر لأنها دالة على أن الأمر كله لله.
المسألة الثالثة : قرأ عبيد بن عمير ﴿وإن يخذلكم﴾ من أخذله إذا جعله مخذولا.
المسألة الرابعة : قوله :﴿من بعده﴾ فيه وجهان : الأول : يعني من بعد خذلانه، والثاني : أنه مثل قولك : ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان.
ثم قال :﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ يعني لما ثبت أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا راد لقضائه ولا دافع لحكمه، وجب أن لا يتوكل المؤمن إلا عليه، وقوله :﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ يفيد الحصر، أي على الله فليتوكل المؤمنون لا على غيره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى