تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ [ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ] (١) أي : الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند الله، وهم فَرحون(٢) مما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون(٣) بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدَمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم.
قال محمد بن إسحاق ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي : ويُسَرون بلحوق من خَلْفهم(٤) من إخوانهم على ما مَضَوْا عليه من جهادهم ؛ ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم.
[ و ](٥) قال السدي : يُؤتى الشهيد بكتاب فيه :" يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذَا وكَذَا، ويَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذَا وكَذَا، فَيُسَرُّ بِذَلِكَ كَمَا يُسَرُّ أَهْلُ الدُّنْيَا بِقُدُومِ غُيَّابِهِمْ " (٦).
وقال سعيد بن جبير : لَمّا دخلوا الجنة ورَأوْا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا : يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا للقتال(٧) باشروها بأنفسهم، حتى ويُستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأُخبِر رسولُ الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم - أي ربهم - [ أني ](٨) قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم، وما أنتم فيه، فاستَبْشروا بذلك، فذلك قوله :﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس، رضي الله عنه، في قصة أصحاب بئر مَعُونة السبعين من الأنصار، الذين قتلوا في غداة واحدة، وقَنَت رسول الله ﷺ على الذين قتلوهم، يدعو عليهم ويَلْعَنهم، قال أنس : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع :" أنْ بَلغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنّا وأرْضَانا " (٩).
١ زيادة في جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية"..
٢ في أ: "فرحين" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه..
٣ في جـ، ر، أ: "ويستبشرون"..
٤ في جـ، ر، أ، و: "لحقهم"..
٥ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٦ في جـ، ر، أ، و: "غايبهم"..
٧ في أ، و: "القتال"..
٨ زيادة من جـ، ر..
٩ صحيح البخاري برقم (٢٨٠١، ٤٠٩٥) وصحيح مسلم برقم (٦٧٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى