جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ﴾
يعني بذلك تعالى ذكره : إنما الذي قال لكم أيها المؤمنون : إن الناس قد جمعوا لكم، فخوفوكم بجموع عدوكم، ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان، ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين أبي سفيان وأصحابه من قريش، لترهبوهم، وتجبنوا عنهم. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿إنّمَا ذَلِكُمُ الشّيطانُ يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ﴾ يخوف والله المؤمن بالكافر، ويرهب المؤمن بالكافر.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد :﴿إنّمَا ذَلِكُمُ الشّيطانُ يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قال : يخوف المؤمنين بالكفار.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿إنّمَا ذَلِكُمُ الشّيطانُ يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ﴾ يقول : الشيطان يخوف المؤمنين بأوليائه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿إنّمَا ذَلِكُمُ الشّيطانُ يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ﴾ : أي أولئك الرهط، يعني : النفر من عبد القيس الذين قالوا لرسول الله ﷺ ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم، ﴿يُخَوّفُ أوْلياءَهُ﴾ أي يرهبكم بأوليائه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا علي بن معبد، عن عتاب بن بشير، مولى قريش، عن سالم الأفطس، في قوله :﴿إنّمَا ذَلِكُمُ الشّيطانُ يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قال : يخوفكم بأوليائه.
وقال آخرون : معنى ذلك : إنما ذلكم الشيطان يعظم أمر المشركين أيها المنافقون في أنفسكم فتخافونه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : ذكر أمر المشركين وعظمهم في أعين المنافقين فقال :﴿إنّمَا ذَلِكُمُ الشّيطانُ يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ﴾ : يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونهم.
فإن قال قائل : وكيف قيل :﴿يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ﴾ وهل يخوف الشيطان أولياءه ؟ قيل : إن كان معناه يخوفكم بأوليائه يخوف أولياءه. قيل ذلك نظير قوله :﴿لِيُنذِرَ بَأْسا شَدِيدا﴾ بمعنى : لينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا ينذر، وإنما ينذر به. وقد كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : معنى ذلك : يخوّف الناس أولياءه، كقول القائل : هو يعطي الدراهم، ويكسو الثياب، بمعنى : هو يعطي الناس الدراهم، ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه. وليس الذي شبه ذلك بمشبه، لأن الدراهم في قول القائل : هو يعطي الدراهم معلوم أن المُعْطَى هي الدراهم، وليس كذلك الأولياء في قوله :﴿يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ﴾ مخوفين، بل التخويف من الأولياء لغيرهم، فلذلك افترقا.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إنْ كُنُتمْ مُؤْمِنِينَ﴾.


يقول : فلا تخافوا أيها المؤمنون المشركين، ولا يعظمنّ عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني، واتبعتم أمري، وإني متكفل لكم بالنصر والظفر، ولكن خافون، واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا إن كنتم مؤمنين. يقول : ولكن خافوني دون المشركين، ودون جميع خلقي أن تخالفوا أمري إن كنتم مصدّقي رسولي وما جاءكم به من عندي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى