الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ﴾ : مبتدأ وخبر تقديره : ذلك مستحق بما قَدَّمَتْ، كذا قدره أبو البقاء، وفيه نظرٌ تقدَّم مثله. و " ما " يجوز فيها أن تكونَ موصولة وموصوفةً. و " ذلك " إشارةٌ إلى ما تقدَّم من عقابِهم. وهذه الجملةُ تحتمل وجهين، أحدُهما : أن تكونَ في محل نصب بالقول عطفاً على " ذُوقوا " كأنه قيل : ونقول لهم أيضاً : ذلك بما قَدَّمَتْ أيديكم، وُبِّخوا بذلك، وذَكَر لهم السببَ الذي أوجب لهم العقابَ. والثاني : ألاَّ تكونَ داخلةً في حكايةِ القول، بل تكون خطاباً لمعاصري رسول الله ﷺ يومَ نزولِ الآيةِ، وذُكِرت الأيدي لأن أكثرَ الأعمالِ تُزاوَلُ بها.
قوله :﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ عطفٌ على " ما " المجرورةِ بالباءِ أي : ذلك العقابُ حاصلٌ بسببِ كَسْبكم وعدمِ ظلمهِ لكم. وهنا سؤال : وهو أن " ظَلاَّماً " صيغةُ مبالغةٍ تقتضي التكثيرَ، فهي أخصُّ من " ظالمِ "، ولا يَلْزَمُ من نفي الأخصِّ نفيُ الأعَمِّ، فإذا قلت :" زيدٌ ليس بظلاَّم " أي : ليس يُكْثِرُ الظلم، مع جوازِ أَنْ يكونَ ظالماً، وإذا قلت :" ليس بظالم " انتفى الظلمُ مِنْ أصلِه، فكيف قال تعالى :﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؟ وفي ذلك خمسَةُ أوجهٍ، ذكر أبو البقاء منها أربعة.
الأول : أن " فَعَّالاً " قد لا يُراد به التكثيرُ كقوله طرفة :
لا يُريد هنا أنه يَحُلُّ التلاعَ قليلاً ؛ لأنَّ ذلك يَدْفَعُه آخرُ البيت الذي يَدُلُّ على نفي البخلِ على كلِّ حال، وأيضاً تمامُ المدحِ لا يَحْصُل بإرادة الكثرة. الثاني : أنه للكثرة، ولكنه لَمَّا كان مقابَلاً بالعباد وهم كثيرون ناسب أن يُقابَلُ الكثيرُ بالكثير. والثالث : أنه إذا نفى الظلم الكثير انتفى القليلُ ضرورةً ؛ لأن الذي يَظْلم إنما يَظْلِمُ لانتفاعِه بالظلمِ، فإذا تَرَكَ الظلمَ الكثيرَ مع زيادةِ نَفْعِه في حَقِّ مَنْ يجوزُ عليه النفعُ والضُّرُّ كان للظلمِ القليلِ المنفعةِ أتركَ. الرابع : أن يكونَ على النسبِ أي : لا يُنْسَبُ إليه ظلمٌ، فيكونُ من باب : بَزَّار وعَطَّار، كأنه قيل : ليس بذي ظلم البتة. والخامس : قال القاضي أبو بكر :" العذاب الذي تَوَعَّد أَنْ يفعلَه بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً فنفاه على حَدِّ عظمته لو كان ثابتاً ".
وقال الراغب بعد تفرقَتِه بين جَمْعَي " عَبْد " على عبيد وعِباد : فالعبيدُ إذا أُضيف إلى الله تعالى أَعَمُّ من العباد، ولهذا قال :﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فنبَّه على أنه لا يَظْلِمُ مَنْ تخصَّص بعبادتِه ومَنِ انتسَبَ إلى غيرِه مِن الذين تَسَمَّوْا بعبدِ الشمس وعبدِ اللات "، وكان الراغبَ قد قَدَّم الفرقَ بين " عبيد " و " عِباد " فقال :" وجَمْعُ العبدِ الذي هو مسترقٌّ " :" عبيد "، وقيل :" عِبِدَّى "، وجمعُ العبد الذي هو العابد " عِباد ". وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه اللفظةِ وجموعُها وما قيل فيها.
قوله :﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ عطفٌ على " ما " المجرورةِ بالباءِ أي : ذلك العقابُ حاصلٌ بسببِ كَسْبكم وعدمِ ظلمهِ لكم. وهنا سؤال : وهو أن " ظَلاَّماً " صيغةُ مبالغةٍ تقتضي التكثيرَ، فهي أخصُّ من " ظالمِ "، ولا يَلْزَمُ من نفي الأخصِّ نفيُ الأعَمِّ، فإذا قلت :" زيدٌ ليس بظلاَّم " أي : ليس يُكْثِرُ الظلم، مع جوازِ أَنْ يكونَ ظالماً، وإذا قلت :" ليس بظالم " انتفى الظلمُ مِنْ أصلِه، فكيف قال تعالى :﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؟ وفي ذلك خمسَةُ أوجهٍ، ذكر أبو البقاء منها أربعة.
الأول : أن " فَعَّالاً " قد لا يُراد به التكثيرُ كقوله طرفة :
| ولَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاعِ لبيته | ولكنْ متى يَسْتَرْفِدِ القومُ أَرْفِدِ |
وقال الراغب بعد تفرقَتِه بين جَمْعَي " عَبْد " على عبيد وعِباد : فالعبيدُ إذا أُضيف إلى الله تعالى أَعَمُّ من العباد، ولهذا قال :﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فنبَّه على أنه لا يَظْلِمُ مَنْ تخصَّص بعبادتِه ومَنِ انتسَبَ إلى غيرِه مِن الذين تَسَمَّوْا بعبدِ الشمس وعبدِ اللات "، وكان الراغبَ قد قَدَّم الفرقَ بين " عبيد " و " عِباد " فقال :" وجَمْعُ العبدِ الذي هو مسترقٌّ " :" عبيد "، وقيل :" عِبِدَّى "، وجمعُ العبد الذي هو العابد " عِباد ". وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه اللفظةِ وجموعُها وما قيل فيها.