اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ﴾ مبتدأ وخبر، تقديره : ذلك مستحق بما قدمت، كذا قدره أبو البقاء، وفيه نظر. و " ما " يجوز أن تكون موصولة، وموصوفة، و " ذلك " إشارةٌ إلى ما قدَّم من عقابهم، وهذه الجملة تحتملُ وجهينِ :
أحدهما : أن تكون في محلِّ نَصْبٍ بالقول ؛ عَطْفاً على " ذُوقُوا " كأنه قيل : ونقول لهم - أيضاً - ذلك بما قدمت أيديكم، وُبِّخُوا بذلك، وذكر لهم السبب الذي أوجب العقاب.
الثاني : أن لا تكونَ داخلةً في حكاية القولِ، بل تكون خطاباً لمعاصري رسول الله ﷺ يوم نزولِ الآيةِ. وذكرت الأيدي ؛ لأن أكثرَ الأعمال تُزاوَل بها، قال القرطبيُّ : وخص الأيدي بالذكر ؛ ليدل على تَوَلي الفعل ومباشرته ؛ إذ قد يضاف الفعلُ إلى الإنسان بمعنى أنه أمر به، كقوله :﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] وأصل " أيْدِيكُمْ " أيْدِيُكُم، فحُذِفت الضمةُ ؛ لثقلها.
قوله :﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ عطف على " ما " المجرورة بالباء، أي : ذلك العقاب حاصل بسبب كَسْبكم، وعدم ظُلْمه لكم.
فإن قيل : إن " ظلاماً " صيغة مبالغة، تقتضي التكثير، فهي أخص من " ظالم "، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فإذا قلت : زيد ليس بظلامٍ، أي : ليس كثير الظُّلم - مع جواز أن يكون ظالماً - وإذا قُلْتَ : ليس بظالم، انتفى الظلم من أصله فكيف قال تعالى :﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؟ فالجوابُ من وجوهٍ :
الأول : أن " فَعَّالاً " قد لا يُراد به [ التكثير ](٨)، كقول طرَفة :[ الطويل ]
لا يريد - هنا - أنه قد يحل التلاع قليلاً ؛ لأن ذلك يدفعه آخر البيت الذي يدل على نَفْي البخل على كل حالٍ، وأيضاً تمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة.
الثاني : أنه للكثرة، ولكنه لما كان مقابلاً بالعباد - وهم كثيرون - ناسب أن يقابلَ الكثيرَ بالكثيرِ.
الثالث : أنه إذا نفي الظلم الكثير انتفى الظلم القليلُ ضرورة ؛ لأن الذي يظلم إنما يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حق مَنْ يجوز عليه النفع والضر - كان للظلم القليل المنفعة أترك.
الرابع : أن يكون على النسب، أي : لا يُنسَب إليه ظُلم، فيكون من باب بَزَّازٍ وعَطَّارٍ، كأنه قيل : ليس بذي ظلم ألبتة. ذكر هذه الأربعة أبو البقاء.
وقال القاضي أبو بكرٍ : العذاب الذي توعد أن يفعلَه بهم، لو كان ظُلْماً لكان عظيماً، فنفاه على حَدِّ عِظَمِه لو كان ثابتاً.
وقال الراغبُ :" العبيد - إذا أُضيف إلى اللَّهِ تَعَالَى - أعم من العباد، ولهذا قال :
﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] فنبَّه على أنه لا يظلم من تخصص بعبادته، ومن انتسب إلى غيره من الذين يُسَمَّون بعبد الشمس وعبد اللات ونحو ذلك ".
وكأن الراغبَ قد قدّم الفرق بين " عبيد " و " عباد " فقال : وجمع العَبْد - الذي هو مسترق - عبيد وقيل : عِبِدَّى وجمع العبَدْ - الذي هو العابد - عباد، وقد تقدم اشتقاقُ هذه اللَّفْظَةِ وجموعها وبقية الوجوه مذكورة في سورة " ق ".
قالت المعتزلةُ : هذه الآية تدل على أنَّ أفعال العِبَادِ مخلوقة لَهُمْ، وإلا لم تكن مما قدمت أيديهم، وأجيبوا بمسألة العلمِ والداعي على ما تقدم.
أحدهما : أن تكون في محلِّ نَصْبٍ بالقول ؛ عَطْفاً على " ذُوقُوا " كأنه قيل : ونقول لهم - أيضاً - ذلك بما قدمت أيديكم، وُبِّخُوا بذلك، وذكر لهم السبب الذي أوجب العقاب.
الثاني : أن لا تكونَ داخلةً في حكاية القولِ، بل تكون خطاباً لمعاصري رسول الله ﷺ يوم نزولِ الآيةِ. وذكرت الأيدي ؛ لأن أكثرَ الأعمال تُزاوَل بها، قال القرطبيُّ : وخص الأيدي بالذكر ؛ ليدل على تَوَلي الفعل ومباشرته ؛ إذ قد يضاف الفعلُ إلى الإنسان بمعنى أنه أمر به، كقوله :﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] وأصل " أيْدِيكُمْ " أيْدِيُكُم، فحُذِفت الضمةُ ؛ لثقلها.
قوله :﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ عطف على " ما " المجرورة بالباء، أي : ذلك العقاب حاصل بسبب كَسْبكم، وعدم ظُلْمه لكم.
فإن قيل : إن " ظلاماً " صيغة مبالغة، تقتضي التكثير، فهي أخص من " ظالم "، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فإذا قلت : زيد ليس بظلامٍ، أي : ليس كثير الظُّلم - مع جواز أن يكون ظالماً - وإذا قُلْتَ : ليس بظالم، انتفى الظلم من أصله فكيف قال تعالى :﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؟ فالجوابُ من وجوهٍ :
الأول : أن " فَعَّالاً " قد لا يُراد به [ التكثير ](٨)، كقول طرَفة :[ الطويل ]
| وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً | وَلكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ الْقَوْمُ أرْفِدِ(٩) |
الثاني : أنه للكثرة، ولكنه لما كان مقابلاً بالعباد - وهم كثيرون - ناسب أن يقابلَ الكثيرَ بالكثيرِ.
الثالث : أنه إذا نفي الظلم الكثير انتفى الظلم القليلُ ضرورة ؛ لأن الذي يظلم إنما يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حق مَنْ يجوز عليه النفع والضر - كان للظلم القليل المنفعة أترك.
الرابع : أن يكون على النسب، أي : لا يُنسَب إليه ظُلم، فيكون من باب بَزَّازٍ وعَطَّارٍ، كأنه قيل : ليس بذي ظلم ألبتة. ذكر هذه الأربعة أبو البقاء.
وقال القاضي أبو بكرٍ : العذاب الذي توعد أن يفعلَه بهم، لو كان ظُلْماً لكان عظيماً، فنفاه على حَدِّ عِظَمِه لو كان ثابتاً.
وقال الراغبُ :" العبيد - إذا أُضيف إلى اللَّهِ تَعَالَى - أعم من العباد، ولهذا قال :
﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] فنبَّه على أنه لا يظلم من تخصص بعبادته، ومن انتسب إلى غيره من الذين يُسَمَّون بعبد الشمس وعبد اللات ونحو ذلك ".
وكأن الراغبَ قد قدّم الفرق بين " عبيد " و " عباد " فقال : وجمع العَبْد - الذي هو مسترق - عبيد وقيل : عِبِدَّى وجمع العبَدْ - الذي هو العابد - عباد، وقد تقدم اشتقاقُ هذه اللَّفْظَةِ وجموعها وبقية الوجوه مذكورة في سورة " ق ".
فصل
قالت المعتزلةُ : هذه الآية تدل على أنَّ أفعال العِبَادِ مخلوقة لَهُمْ، وإلا لم تكن مما قدمت أيديهم، وأجيبوا بمسألة العلمِ والداعي على ما تقدم.