البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ذلك بما قدّمت أيديكم﴾ الإشارة إلى ما تقدم من عقابهم، ونسب ما قدموه من المعاصي القولية والفعلية والاعتقادية إلى الأيدي على سبيل التغليب، لأن الأيدي تزاول أكثر الأعمال، فكان كل عمل واقع بها.
وهذه الجملة داخلة في المقول، وبخوا بذلك، وذكر لهم السبب الذي أوجب لهم العقاب.
ويحتمل أن يكون خطاباً لمعاصري الرسول ﷺ يوم نزل الآية، فلا يندرج تحت معمول قوله ونقول.
﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ هذا معطوف على قوله : بما قدمت أيديكم، أي ذلك العقاب حاصل بسبب معاصيكم، وعدل الله تعالى فيكم.
وجاء لفظ ظلام الموضوع للتكثير، وهذا تكثير بسبب المتعلق.
وذهب بعضهم إلى أن فعالاً قد يجيء لا يراد به الكثرة، كقول طرفة :
ولست بحلال التلاع مخافةولكن متى يسترقد القوم أرفد
لا يريد أنه قد يحل التلاع قليلاً، لأن عجز البيت يدفعه، فدلّ على نفي البخل في كل حال، وتمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة، وقيل : إذا نفى الظلم الكثير اتبع القليل ضرورة، لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضرر كان للظلم القليل المنفعة أترك.
وقال القاضي : العذاب الذي توعد أن يفعله بهم : لو كان ظالماً لكان عظيماً، فنفاه على جد عظمه لو كان ثابتاً والعبيد جمع عبد، كالكليب.
وقد جاء اسم الجمع على هذا الوزن نحو الضيفن وغيره من جمع التكسير، جواز الإخبار عنه إخبار الواحد كأسماء الجموع، وناسب لفظ هذا الجمع دون لفظ العباد، لمناسبة الفواصل التي قبله مما جاءت على هذا الوزن، كما ناسب ذلك في سورة فصلت، وكما ناسب لفظ العباد في سورة غافر ما قبله وما بعده.
قال ابن عطية : وجمع عبداً في هذه الآية على عبيد لأنه مكان تشقيق وتنجية من ظلم انتهى كلامه.
ولا تظهر لي هذه العلة التي ذكرها في هذا الجمع.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) : فلم عطف قوله : وأن الله ليس بظلام للعبيد، ﴿على ما قدمت أيديكم﴾ وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكاً لاجتراحهم السيئات في استحقاقهم العذاب ؟ ( قلت ) : معنى كونه غير ظلام للعبيد : أنه عادل عليهم، ومن العدل أن يعاقب المسيء منهم ويثب المحسن انتهى.
وفيه رائحة الاعتزال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات التجنيس المغاير في قوله : الذين قالوا : والمماثل في : قالوا، وسنكتب ما قالوا، وفي : كذبوك فقد كذب.
والطباق في : فقير وأغنياء، وفي : الموت والحياة، وفي : زحزح عن النار وأدخل الجنة.
والالتفات في : سنكتب ونقول، وفي : أجوركم، إذ تقدمه كل نفس.
والتكرار في : لفظ الجلالة، وفي البينات.
والاستعارة في : سنكتب على قول من لم يجعل الكتابة حقيقة، وفي : قدّمت أيديكم، وفي : تأكله النار، وفي : ذوقوا وذائقة.
والمذهب الكلامي في فلم قتلتموهم.
والاختصاص في : أيديكم.
والإشارة في : ذلك، والشرط المتجوز فيه.
والزيادة للتوكيد في : وبالزبر وبالكتاب في قراءة من قرأ كذلك.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى