اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قال جابرٌ، وابنُ عبّاسٍ، وقتادةُ، وأنسٌ :" نزلت في النجاشي - ملك الحبشة - واسمه أصْحَمة، وهو - بالعربية - عطية، وذلك أنه لما مات نعاه جبريلُ - عليه السّلام - لرسول الله ﷺ في اليوم الذي مات فيه، فقال رسولُ الله ﷺ لأصحابه : اخرجوا، فصلُّوا على أخ لكم مات بِغَيْر أرْضِكم، فقالوا : مَنْ هو ؟ قال النجاشيُّ، فخرج إلى البقيع، وكُشِفَ له إلى أرض الحبشةِ، فأبصر سريرَ النجاشي، وصَلَّى عليه أربعَ تكبيراتٍ، واستغفر له، فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يُصلي على عِلجٍ حبشيٍّ، نصرانيٍّ، لم يَرَه قطّ، وليس على دينه. " فأنزل اللَّه هذه الآية(١).
قال عطاءٌ : نزلت في أربعينَ رجلاً من أهل نجرانَ، واثنينَ وثلاثينَ من الحبشة، وثمانيةٍ من الرُّوم، كانوا على دينِ عيسى فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم(٢).
قال ابن جُرَيْحٍ : نزلت في عبد اللَّهِ بن سلام وأصحابه(٣). وقال مُجَاهدٌ : نزلتْ في مؤمني أهل الكتاب كُلِّهم(٤).
قوله :﴿لَمَن يُؤْمِنُ﴾ اللام لام الابتداء، دخلت على اسم " إنَّ " لتأخُّرهِ عنها، و " مِنْ أهْلِ " خبرٌ مقدَّمٌ و " من " يجوز أن تكونَ موصولةً - وهو الأظهر - وموصوفة، أي : ل " قوماً "، و " يؤمن " صلة - على الأول - فلا محلَّ له، وصفة - على الثاني - فمحله النصب، وأتى - هنا - بالصِّلة مستقبلة - وإن كان ذلك قد مضى - دلالة على الاستمرار والديمومة.
والمعنى : إن من أهْلِ الكتابِ مَنْ يُؤمِن باللَّهِ وما أنْزِل إليكم، وهو القرآنُ، وما أنْزِلَ إلَيْهَم، وهو التوراة والإنجيل.
قوله :﴿خَاشِعِينَ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ :
أحدها : أنه حالٌ من الضمير في " يؤمن " وجَمَعَه، حَمْلاً على معنى " مَنْ " كما جمع في قوله :" إلَيْهِمْ " وبدأ بالحمل على اللفظ في " يُؤْمِن " ثم بالحَمْلِ على المعنى ؛ لأنه الأولى.
ثانيها : أنه حال من الضمير في " إلَيْهِمْ " فالعامل فيه " أنْزِلَ ".
ثالثها : أنه حال من الضمير في " يَشْتَرُون " وتقديم ما في حيِّز " لا " عليها جائز على الصحيح وتقدم شيء من ذلك في الفاتحة.
رابعها : أنه صفة لِ " من " إذا قيل بأنها نكرة موصوفة. وأما الأوجه الثلاثة السابقة فجائزة، سواء كانت موصولةٌ، أو نكرة موصوفة.
قوله :" للَّهِ " فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلق ب " خَاشِعِينَ " أي : لأجل الله.
ثانيهما : أنه متعلق ب " لاَ يَشْتَرُونَ " ذكره أبو البقاء، قال :" وهو في نية التأخير، أي : لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً لأجل الله ".
قوله :﴿لاَ يَشْتَرُونَ﴾ كقوله :﴿خَاشِعِينَ﴾ إلا في الوجه الثالث، لتعذره، ويزيد عليها وجهاً آخر، وهو أن يكون حالاً من الضمير المستكن في " خَاشِعينَ " أي : غير مشترين. وتقدم معنى الخشوع والاشتراء وما قيل فيه في البقرة.
ومعناه : أنهم لا يُحَرِّفُونَ كُتُبَهم، ولا يكتمون صفة محمد ﷺ لأجل الرياسة والمأكلة، كفعل غيرهم من رؤساءِ اليهودِ.
واعلم أنه - تعالى - لما بيَّن أنَّ مصير الكفار إلى العقاب، بيَّن - هنا - أنَّ مَنْ آمنَ منهم فإن مَصيرَه إلى الثّوابِ.
وقد وصفهم بصفات :
أولها : الإيمان بالله.
ثانيها : الإيمان بما أُنْزِلَ على محمد ﷺ.
وثالثها : الإيمان بما أُنْزِلَ على الأنبياء قَبْلَه.
ورابعها : كونهم خَاشِعِينَ لله.
وخامسها : أنهم لا يشترون بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً، كما يفعله أهلُ الكتابِ ممن كان يكتم أمرَ الرسول ﷺ.
قوله :﴿أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ " أولئك " مبتدأ، وأما " لَهُمْ أجْرُهُمْ " ففيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون " لَهُمْ " خبراً مقدَّماً، و " أجْرُهُمْ " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر الأول، وعلى هذا فالظرفُ فيه وجهانِ :
الأول : أنه متعلق ب " أجْرُهُمْ ".
الثاني : أنه حال من الضمير في " لَهُمْ " وهو ضمير الأجر، لأنه واقع خبراً.
ثانيها : أن يرتفع " أجْرُهُمْ " بالجارِّ قبله، وفي الظرف الوجهان، إلا أنّ الحال من " أجْرُهُمْ " الظاهر ؛ لأن " لَهُمْ " لا ضمير فيه حينئذ.
ثالثها : أن الظرف هو خبر " أجْرُهُمْ " و " لَهُمْ " متعلق بما تعلَّق به من هذا الظرف من الثبوت والاستقرار. ومن هنا إلى آخر السورة تقدم إعراب نظائره.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٩٦ ـ ٤٩٧) عن جابر بن عبد الله وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٠٠) وعزاه للطبري وحده..
٢ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٩/١٢٥)..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٩٨) عن ابن جريح..
٤ أخرجه الطبري (٧/٤٩٩) عن مجاهد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى