غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿آلم الله﴾ مقطوعة الألف والميم ساكنة : يزيد والمفضل والأعشى والبرجمي الباقون موصولاً بفتح الميم. ﴿التوراة﴾ ممالة حيث كان : أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف والنجاري عن ورش، والخزاز عن هبيرة، وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿كدأب﴾ حيث كان بغير همزة : أبو عمرو وغيره شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش والخزاز عن هبيرة وحمزة عن الوقف.
الوقوف :﴿آلم﴾ ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون. ﴿إلا هو﴾ ج ﴿القيوم﴾ ط ﴿والإنجيل﴾ ط ﴿الفرقان﴾ ط ﴿شديد﴾ ط ﴿انتقام﴾ ه، ﴿في السماء﴾ ط ﴿كيف يشاء﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ه، ﴿متشابهات﴾ ط لاستئناف تفصيل ﴿وابتغاء تأويله﴾ ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق ﴿إلا الله﴾ م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله ﴿والراسخون﴾ على اسم الله وجعل ﴿يقولون﴾ حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على ﴿إلا الله﴾. ﴿آمنا به﴾ ( لا ) لأن قوله ﴿كل من عند ربنا﴾ من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان. ﴿من عند ربنا﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم ﴿الألباب﴾ ه، ﴿رحمة﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبيب ﴿الوهاب﴾ ه، ﴿فيه﴾ ط ﴿الميعاد﴾ ه، ﴿شيئاً﴾ ط ﴿النار﴾ ( لا ) لتعلق كاف التشبيه ﴿فرعون﴾ ( لا ) للعطف، ﴿من قبلهم﴾ ط، ﴿بآياتنا﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿بذنوبهم﴾ ط ﴿العقاب﴾ ه.
وأما الثاني فقوله ﴿نزل عليك الكتاب بالحق﴾ كالدعوى. وقوله ﴿وأنزل التوراة والإنجيل من قبل﴾ كالدليل عليها. وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين. ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلاً من عند الله كما قام في الكتابين. وإذا كان الطريق مشتركاً فالواجب تصديق الكل كالمسلمين. أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال ﴿إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد﴾ وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجماً، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأنهما نزلا جملة. وأما قوله ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾[الكهف: ١] فالمراد هناك نزوله مطلقاً من غير اعتبار التنجيم. قال أبو مسلم : قوله ﴿بالحق﴾ أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، أو أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل. وقال الأصم : أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات. وقيل : مصوناً من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله ﴿ولم يجعل له عوجاً قيماً﴾[الكهف: ١، ٢]﴿لوجدوا فيه اختلافا كثيراً﴾[النساء: ٨٢] وفي قوله ﴿مصدقاً لما بين يديه﴾ إنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه أمياً لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفترياً استحال أن يسلم من التحريف والجزاف. وفيه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان. فإن قيل : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه ؟ فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقاً في معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده. فإن قلت : كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها ؟ قلنا : إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن مصدقاً لها. فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف. والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية. فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء : التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار. قال : وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفاً. أو تورية بكسر الراء " تفعلة " مثل " توفية " إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية " باداة ". وزعم الخليل والبصريون أن أصلها " وورية " " فوعلة " كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث. وأما الإنجيل فالزجاج : إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين. وقيل : من نجلت الشيء استخرجته أي إنه تعالى أظهر الحق بسببه. أبو عمرو الشيباني : التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿آلم﴾ الألف إظهار الوحدة مطلقاً ذاتاً وصفة. فإن الألف واحد في ذاته وصفاته في وضع الحساب، ومتفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، ويشير باستقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغيره عن الوجود الوحداني أزلاً وأبداً. فإن الألف مصدر جميع الحروف، فإن من استقامته يخرج كل حرف معوج. ثم في اللام والميم المتصل كل حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوفة بالإثنينية وذلك قسمان : قسم لم يكن فكان ثم يزول، وقسم ما كان فكان ولا يزول. وهذان قسمان محدثان وموجدهما الواحد القديم الذي لا زال كان ولا يزال يكون وإليه الإشارة بالألف. وأما اللام فإشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يكون باقياً وهو عالم الصورة والملك والأجساد. فوقوعه في المرتبة الثانية، من الألف إشارة إلى أنه مسبوق بالوجود والألف سابق عليه، والانكسار فيه يشير إلى تغيره وزواله. والميم إشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يزال يبقى وهو عالم المعنى والملكوت والأرواح. وذلك أن الميم أول حرف من اسمه المبدىء وآخر حرف من اسمه القيوم، فيشير إلى أنه كما أبدأه المبدىء حين لم يكن يقيمه القيوم حين كان لا يزال. وبوجه آخر الألف إشارة إلى وجود حقيقي قائم بذاته، واللام يشير إلى إثبات ونفي. فالإثبات في لام التمليك ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ والنفي في " لا " النافية أي لا وجود لشيء بالحقيقة سواه، والميم يشير أيضاً إلى إثبات ونفي. فالإثبات ميم اسمه القيوم والنفي " ما " النافية أي ما في الوجود حقيقة إلا هو. ودليل الوجهين في ﴿آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ فـ ﴿الله﴾ إثبات ذات القديم، ﴿لا إله إلا هو﴾ نفى الشرك عن وجوده وإثبات وحدته في وجوده و ﴿الحي القيوم﴾ إثبات جميع صفات كماله ونفي جميع سمات النقص عن ذاته.
وقد أودع مجموع معاني هذه الآية في قوله ﴿آلم﴾ فمعنى قوله ﴿الله﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو الألف، ومعنى قوله ﴿لا إله إلا هو﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو اللام. ومعنى قوله ﴿الحي القيوم﴾ أودع في آخر حرف من حروفه وهو الميم. وإنما أودع في آخر حروفه ههنا ليكون السر مودعاً في الآية من أول حرفها إلى آخر حرفها مكتوماً فيما بينهما. والحروف الثلاثة من قوله ﴿آلم﴾ يكون الألف من أولها دالاً على المعنى الذي هو في الكلمة الأولى وهي ﴿الله﴾ واللام من أوسطها دالاً على المعنى الذي في الكلمة الثانية وهي ﴿لا إله إلا هو﴾ والميم من آخرها دالاً على المعنى الذي هو مودع في الثالثة وهو ﴿الحي القيوم﴾ فيكون الاسم الأعظم مودعاً في ﴿آلم﴾ كما روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو سر القرآن وصفوته كما روي عن أبي بكر وعلي عليه السلام. ثم إنه تعالى بعد أن أظهر أسرار ألوهيته المودعة في ﴿آلم﴾ بقوله ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة مع حبيبه محمد ﷺ فقال ﴿نزل عليك الكتاب بالحق﴾ أي نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة متجلية لسرك، مخيفة عن زورك، فصرت مشاهداً لسر الله المودع في ﴿آلم﴾ وهو الذي بين يدي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ فصرت مصدقاً له تصديق تحقيق لا تصديق تقليد فأفهم إذ لم تتعلم، ولا تعلم أنك لا تفهم لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطيارين ولا من السيارين. ﴿وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس﴾ فلا تظنن يا محمد أن إنزال الكتب على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقيقة على قلبك كما قال :﴿ولكن جعلناه نوراً﴾ [الشورى: ٥٢] حتى صرت مكاشفاً عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما إنزال الكتب على الأنبياء كان بالصورة مكتوبة في صحائف وألواح يقرؤها كل قارئ، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم قاطبة ﴿هدى للناس﴾ وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن بالتنزيل على قلبك كما قال :﴿ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا﴾[الشورى: ٥٢] ﴿وأنزل الفرقان﴾ الذي يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب على صورة الأنبياء، ويفرق بين تعليمك القرآن وبين تعليمهم الكتب. فإن كانوا يتدارسون الكتب فأنت تتخلق بالقرآن، فشتان بين نبي يجيء وهو بذاته نور ومعه كتاب ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾[المائدة: ١٥] وبين نبي يجئ ومعه نور من الكتاب ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس﴾[الأنعام: ٩١] وشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح
﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة﴾[الأعراف: ١٤٥] وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾
[المجادلة: ٢٢] ﴿إن الذين كفروا بآيات الله﴾ يسترون بحجب الغفلات وتتبع الشهوات قلوبهم فتعمى عن مشاهدة هذه الآيات البينات ﴿لهم عذاب شديد﴾ من هذا العمى والحرمان وهم في خسران من الركون إلى هذا النقصان ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ يعز أهل الغرام بنيل المرام وينتقم من أهل السلوة بحجاب العزة. ثم أخبر تعالى عن كمال علمه بقوله ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ وكيف يخفى وإنه ﴿هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز﴾ عن نقص الأحكام ﴿الحكيم﴾ فيما يجري من الأزل إلى الأبد وجفت به الأقلام. وفي الآية إشارة إلى أنه إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجال الحق نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهو بمثابة ملك الأرحام، ويضبط المريد أحواله الظاهرة والباطنة على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منه سقوط النطفة وفسادها، ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره فالله تعالى بتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحوّلها من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر إلى عالم الإنس، فيتكون الجنين في رحم القلب وهو طفل خليفة الله في أرضه فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه ﴿يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾[النحل: ٢]﴿كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾[المجادلة: ٢٢] فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون. الآيات المحكمات تنزيلها شرب الخواص والعوام لبسط الشرع والاهتداء، والمتشابهات تأويلها شرب الخواص وخواص الخواص لإخفاء الأسرار عن الأغيار والابتلاء ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب وهم أهل الأهواء والبدع ﴿فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ ليضلوا بأهوائهم ﴿وابتغاء تأويله﴾ ليضلوا الناس بآرائهم ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ بما شاهدوا من أنوار الحق في تحقيق التأويل ﴿كل من عند ربنا﴾ بتوفيقه وإعلامه وتعريفه ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ الذين خرجوا في متابعة النبي ﷺ من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور لباب وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الكسبية الواصلون إلى حقائق لباب العلوم اللدنية من لدن حكيم خبير. وفي الآية إشارة إلى أن علوم الراسخين كلها بتعليم الله تعالى إياهم في الميثاق إذ تجلى بصفة الربوبية للذرّات، وأشهدهم على أنفسهم بشواهد الربوبية ألست بربكم ؟ فبشهود تلك الشواهد ركز في جبلة الذرّات علم التوحيد فقالوا : بلى.
ويندرج في علم التوحيد كل العلوم كما قال :﴿وعلم ادم الأسماء كلها﴾[البقرة: ٣١] فلما ردّت الذرّات إلى الأصلاب واحتجبت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل، وردت النفس العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها. ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار الأطوار، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك. وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب في الميثاق. فسمعه قشر ذلك السمع الذي استمع خطاب الحق، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق، وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت من الحق. فالنبي ﷺ إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال ﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾[الغاشية: ٢١] فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ عن صراطك بغلبات ظلمات طبائعنا وطباعنا ﴿بعد إذ هديتنا﴾ إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب سمعنا لب التنزيل، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا علومنا ﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾ تجذبنا من لدنا إلى لدنك وتغنينا عنا بك ﴿إنك أنت الوهاب﴾. وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن في مقام ولا يقف مع حال بل يكون إلى الأبد طلاباً كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهاباً. وكما أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه، وأن بعد هذه الدار داراً هي دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار والفجار. فحصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب. ومقاساة التعب والنصب، وإن التقوى خير زاد للمعاد ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ ﴿إن الذين كفروا﴾ استروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات نفسانيتهم ﴿لن تغنى عنهم﴾ طاغوت ﴿أموالهم وأولادهم من﴾ أنوار الله التي حجبوا عنها ﴿وأولئك هم وقود النار﴾ نار الفرقة والقطيعة ﴿نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة﴾
[الهمزة: ٦، ٧] لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا قشور الجلود ولا تخلص إلى لب القلوب. وإن عذاب حرقة لجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب وحرقة القطيعة عن الله كنسيم الحياة إلى سموم لممات.
وكذلك دأب جميع الكفار الذين ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات النفس فعموا وصموا عن مشاهدة أنوارنا ومحافظة أسرارنا، فأخذهم الله فعاقبهم بحجاب ذنبوبهم وحرقة قلوبهم ﴿والله شديد العقاب﴾ أليم نار فراقه عظيم عذاب بعده وإشراقه.
الوقوف :﴿آلم﴾ ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون. ﴿إلا هو﴾ ج ﴿القيوم﴾ ط ﴿والإنجيل﴾ ط ﴿الفرقان﴾ ط ﴿شديد﴾ ط ﴿انتقام﴾ ه، ﴿في السماء﴾ ط ﴿كيف يشاء﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ه، ﴿متشابهات﴾ ط لاستئناف تفصيل ﴿وابتغاء تأويله﴾ ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق ﴿إلا الله﴾ م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله ﴿والراسخون﴾ على اسم الله وجعل ﴿يقولون﴾ حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على ﴿إلا الله﴾. ﴿آمنا به﴾ ( لا ) لأن قوله ﴿كل من عند ربنا﴾ من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان. ﴿من عند ربنا﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم ﴿الألباب﴾ ه، ﴿رحمة﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبيب ﴿الوهاب﴾ ه، ﴿فيه﴾ ط ﴿الميعاد﴾ ه، ﴿شيئاً﴾ ط ﴿النار﴾ ( لا ) لتعلق كاف التشبيه ﴿فرعون﴾ ( لا ) للعطف، ﴿من قبلهم﴾ ط، ﴿بآياتنا﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿بذنوبهم﴾ ط ﴿العقاب﴾ ه.
وأما الثاني فقوله ﴿نزل عليك الكتاب بالحق﴾ كالدعوى. وقوله ﴿وأنزل التوراة والإنجيل من قبل﴾ كالدليل عليها. وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين. ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلاً من عند الله كما قام في الكتابين. وإذا كان الطريق مشتركاً فالواجب تصديق الكل كالمسلمين. أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال ﴿إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد﴾ وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجماً، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأنهما نزلا جملة. وأما قوله ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾[الكهف: ١] فالمراد هناك نزوله مطلقاً من غير اعتبار التنجيم. قال أبو مسلم : قوله ﴿بالحق﴾ أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، أو أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل. وقال الأصم : أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات. وقيل : مصوناً من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله ﴿ولم يجعل له عوجاً قيماً﴾[الكهف: ١، ٢]﴿لوجدوا فيه اختلافا كثيراً﴾[النساء: ٨٢] وفي قوله ﴿مصدقاً لما بين يديه﴾ إنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه أمياً لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفترياً استحال أن يسلم من التحريف والجزاف. وفيه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان. فإن قيل : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه ؟ فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقاً في معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده. فإن قلت : كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها ؟ قلنا : إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن مصدقاً لها. فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف. والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية. فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء : التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار. قال : وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفاً. أو تورية بكسر الراء " تفعلة " مثل " توفية " إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية " باداة ". وزعم الخليل والبصريون أن أصلها " وورية " " فوعلة " كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث. وأما الإنجيل فالزجاج : إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين. وقيل : من نجلت الشيء استخرجته أي إنه تعالى أظهر الحق بسببه. أبو عمرو الشيباني : التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه.
وقد أودع مجموع معاني هذه الآية في قوله ﴿آلم﴾ فمعنى قوله ﴿الله﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو الألف، ومعنى قوله ﴿لا إله إلا هو﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو اللام. ومعنى قوله ﴿الحي القيوم﴾ أودع في آخر حرف من حروفه وهو الميم. وإنما أودع في آخر حروفه ههنا ليكون السر مودعاً في الآية من أول حرفها إلى آخر حرفها مكتوماً فيما بينهما. والحروف الثلاثة من قوله ﴿آلم﴾ يكون الألف من أولها دالاً على المعنى الذي هو في الكلمة الأولى وهي ﴿الله﴾ واللام من أوسطها دالاً على المعنى الذي في الكلمة الثانية وهي ﴿لا إله إلا هو﴾ والميم من آخرها دالاً على المعنى الذي هو مودع في الثالثة وهو ﴿الحي القيوم﴾ فيكون الاسم الأعظم مودعاً في ﴿آلم﴾ كما روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو سر القرآن وصفوته كما روي عن أبي بكر وعلي عليه السلام. ثم إنه تعالى بعد أن أظهر أسرار ألوهيته المودعة في ﴿آلم﴾ بقوله ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة مع حبيبه محمد ﷺ فقال ﴿نزل عليك الكتاب بالحق﴾ أي نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة متجلية لسرك، مخيفة عن زورك، فصرت مشاهداً لسر الله المودع في ﴿آلم﴾ وهو الذي بين يدي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ فصرت مصدقاً له تصديق تحقيق لا تصديق تقليد فأفهم إذ لم تتعلم، ولا تعلم أنك لا تفهم لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطيارين ولا من السيارين. ﴿وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس﴾ فلا تظنن يا محمد أن إنزال الكتب على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقيقة على قلبك كما قال :﴿ولكن جعلناه نوراً﴾ [الشورى: ٥٢] حتى صرت مكاشفاً عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما إنزال الكتب على الأنبياء كان بالصورة مكتوبة في صحائف وألواح يقرؤها كل قارئ، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم قاطبة ﴿هدى للناس﴾ وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن بالتنزيل على قلبك كما قال :﴿ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا﴾[الشورى: ٥٢] ﴿وأنزل الفرقان﴾ الذي يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب على صورة الأنبياء، ويفرق بين تعليمك القرآن وبين تعليمهم الكتب. فإن كانوا يتدارسون الكتب فأنت تتخلق بالقرآن، فشتان بين نبي يجيء وهو بذاته نور ومعه كتاب ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾[المائدة: ١٥] وبين نبي يجئ ومعه نور من الكتاب ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس﴾[الأنعام: ٩١] وشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح
﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة﴾[الأعراف: ١٤٥] وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾
[المجادلة: ٢٢] ﴿إن الذين كفروا بآيات الله﴾ يسترون بحجب الغفلات وتتبع الشهوات قلوبهم فتعمى عن مشاهدة هذه الآيات البينات ﴿لهم عذاب شديد﴾ من هذا العمى والحرمان وهم في خسران من الركون إلى هذا النقصان ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ يعز أهل الغرام بنيل المرام وينتقم من أهل السلوة بحجاب العزة. ثم أخبر تعالى عن كمال علمه بقوله ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ وكيف يخفى وإنه ﴿هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز﴾ عن نقص الأحكام ﴿الحكيم﴾ فيما يجري من الأزل إلى الأبد وجفت به الأقلام. وفي الآية إشارة إلى أنه إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجال الحق نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهو بمثابة ملك الأرحام، ويضبط المريد أحواله الظاهرة والباطنة على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منه سقوط النطفة وفسادها، ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره فالله تعالى بتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحوّلها من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر إلى عالم الإنس، فيتكون الجنين في رحم القلب وهو طفل خليفة الله في أرضه فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه ﴿يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾[النحل: ٢]﴿كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾[المجادلة: ٢٢] فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون. الآيات المحكمات تنزيلها شرب الخواص والعوام لبسط الشرع والاهتداء، والمتشابهات تأويلها شرب الخواص وخواص الخواص لإخفاء الأسرار عن الأغيار والابتلاء ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب وهم أهل الأهواء والبدع ﴿فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ ليضلوا بأهوائهم ﴿وابتغاء تأويله﴾ ليضلوا الناس بآرائهم ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ بما شاهدوا من أنوار الحق في تحقيق التأويل ﴿كل من عند ربنا﴾ بتوفيقه وإعلامه وتعريفه ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ الذين خرجوا في متابعة النبي ﷺ من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور لباب وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الكسبية الواصلون إلى حقائق لباب العلوم اللدنية من لدن حكيم خبير. وفي الآية إشارة إلى أن علوم الراسخين كلها بتعليم الله تعالى إياهم في الميثاق إذ تجلى بصفة الربوبية للذرّات، وأشهدهم على أنفسهم بشواهد الربوبية ألست بربكم ؟ فبشهود تلك الشواهد ركز في جبلة الذرّات علم التوحيد فقالوا : بلى.
ويندرج في علم التوحيد كل العلوم كما قال :﴿وعلم ادم الأسماء كلها﴾[البقرة: ٣١] فلما ردّت الذرّات إلى الأصلاب واحتجبت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل، وردت النفس العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها. ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار الأطوار، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك. وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب في الميثاق. فسمعه قشر ذلك السمع الذي استمع خطاب الحق، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق، وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت من الحق. فالنبي ﷺ إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال ﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾[الغاشية: ٢١] فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ عن صراطك بغلبات ظلمات طبائعنا وطباعنا ﴿بعد إذ هديتنا﴾ إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب سمعنا لب التنزيل، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا علومنا ﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾ تجذبنا من لدنا إلى لدنك وتغنينا عنا بك ﴿إنك أنت الوهاب﴾. وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن في مقام ولا يقف مع حال بل يكون إلى الأبد طلاباً كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهاباً. وكما أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه، وأن بعد هذه الدار داراً هي دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار والفجار. فحصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب. ومقاساة التعب والنصب، وإن التقوى خير زاد للمعاد ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ ﴿إن الذين كفروا﴾ استروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات نفسانيتهم ﴿لن تغنى عنهم﴾ طاغوت ﴿أموالهم وأولادهم من﴾ أنوار الله التي حجبوا عنها ﴿وأولئك هم وقود النار﴾ نار الفرقة والقطيعة ﴿نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة﴾
[الهمزة: ٦، ٧] لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا قشور الجلود ولا تخلص إلى لب القلوب. وإن عذاب حرقة لجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب وحرقة القطيعة عن الله كنسيم الحياة إلى سموم لممات.
| في فؤاد المحب نار هوى | أحر نار الجحيم أبردها |
| بالنار خوّفني قومي فقلت لهم | النار ترحم من في قلبه نار |