اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وقوله :﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يجوز أن يكون مضارعاً - حُذِفَتْ منه إحدى التاءَين، تخفيفاً - على حَدِّ قراءة :﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ [القدر: ٤]
و ﴿تَذَكَّرُون﴾ [الأنعام: ١٥٢] - ويؤيد هذا نسق الكلام، ونظمُه في خطاب من تقدم في قوله :﴿تَعَالَوْا﴾ ثم جرى معهم في الخطاب إلى أن قال لهم : فَإن تولّوا.
قال أبو البقاء :" ويجوز أن يكون مستقبلاً، تقديره : تتولوا - ذكره النَّحَّاسُ - وهو ضعيفٌ ؛ لأن حَرْفَ الْمُضَارَعةَِ لا يُحْذَف ".
قال شهاب الدين :" وهذا ليس بشيء ؛ لأن حرف المضارعة يُحْذَف - في هذا النحو - من غير خِلافٍ. وسيأتي من ذلك طائفة كثيرة ".
وقد أجمعوا على الحذف في قوله :
﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤].
ويجوز أن يكون ماضياً، أي : فإن تَوَلَّى وَفْدُ نجرانَ المطلوب مباهلتهم، ويكون - على ذلك - في الكلام التفات ؛ إذْ فيه انتقال من خطابٍ إلى غيبةٍ.
قوله :﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ من وقوع الظاهر موقعَ المُضْمَرِ، تنبيهاً على العلة المقتضية للجزاءِ، وكان الأصل : فإن الله عليم بكم - على الأول - وبهم - على الثاني.

فصل


ومعنى الآية : فإن تولوا عما وَصَفْتَ لهم من أنه الواحد، وأنه يجب أن يكون عزيزاً غالباً، قادراً على جميع المقدوراتِ، حكيماً، عالماً بالعواقب - مع أن عيسى ما كان كذلك - فاعلم أن تولّيهم وإعراضَهم ليس إلاَّ على سبيل العِنَادِ، فاقطع كلامَك عَنْهُم، وفَوِّضْ أمرك إلى اللهِ ؛ فإنه عليم بالمفسدين الذين يعبدون غيرَ اللهِ، مُطَّلِع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة، قادرٌ على مجازاتهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى