الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي
عن الكتاب
ثم أخبر سبحانه عن تَصْويره للبَشَرِ في أرحامِ الأمَّهاتِ، وهذا أمر لا ينكرُهُ عاقلٌ، ولا ينكر أنَّ عيسى وسائر البَشَر لا يقْدِرُونَ عليه، ولا ينكر أنَّ عيسى من المصوَّرِينَ كغيره من سائرِ البَشَر، فهذه الآية تعظيمٌ للَّه جلَّتْ قُدْرته، في ضِمْنِها الرَّدُّ على نصارى نَجْران، وفي قوله :﴿إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وعيدٌ، وشرح النبيُّ ﷺ كيفيَّة التصْويرِ في الحديثِ الَّذي رواه ابنُ مَسْعُودٍ وغيره :( إنَّ النُّطْفَةَ، إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، مَكَثَتْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكاً، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ، أَذَكَرْ أَمْ أنثى ؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ ) الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه، وفي مسندِ ابن «سِنْجَر » حديثٌ، ( إنَّ اللَّهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ عِظَامَ الجَنِينِ، وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَلَحْمَهُ وَشَحْمَهُ وَسَائِرَ ذَلِكَ مِنْ مَنِيِّ المَرْأَةِ )، وَصَوَّرَ : بناءُ مبالغةٍ من صَارَ يَصُورُ، إِذا أمال وثنى إلى حالٍ مَّا، فلما كان التصويرُ إمالةً إلى حال، وإِثباتاً فيها، جاء بناؤه على المُبَالغة.