فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
ولبس الحق بالباطل : خلطه بما يتعمدونه من التحريف ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة حالية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سفيان قال : كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب، فهو في النصارى، ويدفع هذا أن كثيراً من خطابات أهل الكتاب المذكورة في هذه السورة لا يصحّ حملها على النصارى البتة، ومن ذلك هذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها، فإن الطائفة التي ودّت إضلال المسلمين، وكذلك الطائفة القائلة :﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار﴾ هي : من اليهود خاصة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله :﴿يا أَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ قال : تشهدون أن نعت نبيّ الله محمد في كتابكم، ثم تكفرون به، وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، والإنجيل النبيّ الأمّي.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع مثله. وأخرجا أيضاً، عن السدي نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج :﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أن الدين عند الله الإسلام ليس لله دين غيره. وأخرجا عن الربيع في قوله :﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل﴾ يقول : لم تخلطون اليهودية، والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام :﴿وَتَكْتُمُونَ الحق﴾ يقول : تكتمون شأن محمد، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : قال عبد الله بن الصيف وعدّي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض : تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد، وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون، كما نصنع، فيرجعون عن دينهم، فأنزل الله فيهم :﴿يا أهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل﴾ إلى قوله :﴿والله واسع عَلِيمٌ﴾ وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة من طريق أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله :﴿وَقَالَت طائِفَةٌ﴾ الآية، قال : كانوا يكونون معهم أول النهار، ويجالسونهم، ويكلمونهم، فإذا أمسوا، وحضرت الصلاة كفروا به، وتركوه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله :﴿وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ قال : هذا قول بعضهم لبعض. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج أيضاً عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :﴿أَن يؤتى أَحَدٌ مثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ حسداً من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة أن يتابعوا على دينهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك، وسعيد بن جبير :﴿أَن يؤتى أَحَدٌ مثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ قال أمة محمد ﷺ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي ؛ قال الله لمحمد ﷺ :﴿إِنَّ الهدى هُدَى الله أَن يؤتى أَحَدٌ مثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يا أمة محمد :﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ﴾ يقول اليهود : فعل الله بنا كذا، وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المنّ، والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضل، فقولوا ﴿قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء﴾. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة :﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله أَن يؤتى أَحَدٌ مثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يقول لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم، وبعث نبياً كنبيكم حسدتموه على ذلك ﴿قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء﴾.
وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج :﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله أَن يؤتى أَحَدٌ مثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يقول : هذا الأمر الذي أنعم الله عليه ﴿أَن يؤتى أَحَدٌ مثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ﴾ قال : قال بعضهم لبعض لا تخبروهم بما بين الله لكم في كتابه ﴿ليُحَاجُّوكُم﴾ قال : ليخاصموكم به ﴿عِندَ رَبّكُمْ﴾ فتكون لهم حجة عليكم :﴿قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله﴾ قال : الإسلام ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء﴾ قال : القرآن، والإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء﴾ قال : النبوّة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : رحمته الإسلام يختص بها من يشاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى