المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿لم تلبسون الحق﴾ معناه تخلطون، تقول لبست الأمر بفتح الباء بمعنى خلطته، ومنه قوله تعالى :﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾(١) وتقول : لبست الثوب بكسر الباء، قال ابن زيد :﴿الحق﴾ الذي لبسوه هو التوراة المنزلة، و«الباطل » الذي لبسوه به هو ما كتبوه بأيديهم ونسبوه إلى التوراة، وقال ابن عباس :﴿الحق﴾ إسلامهم بكرة، و«الباطل » كفرهم عشية، والآية نزلت في قول عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد والحارث بن عوف(٢)، تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وجه النهار، ونكفر آخره، عسى أن نلبس على المسلمين أمرهم، وقال قتادة وابن جريج :﴿لم تلبسون الحق بالباطل﴾ معناه لم تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام.
قال الفقيه الإمام أبو محمد : فكأن هذا المعنى لم تبقون على هذه الأديان وتوجدونها ؟ فيكون في ذلك لبس على الناس أجمعين، وقال بعض المفسرين :﴿الحق﴾ الذي لبسوه قولهم : محمد نبي مرسل، و«الباطل » الذي لبسوه به قول أحبارهم : لكن ليس إلينا، بل ملة موسى مؤبدة، وقوله تعالى :﴿وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾ يريد شأن محمد ﷺ، كذلك قال الربيع وابن جريج وقتادة وغيرهم، وفي قوله :﴿وأنتم تعلمون﴾ توقيف على العناد ظاهر، قال أبو إسحاق الزجّاج : ولو قيل وتكتموا الحق لجاز على قولك، لم تجمعون ذا وذا، على أن تكتموا في موضع نصب على الظرف(٣) في قول الكوفيين، وبإضمار «أن »، في قول أصحابنا، قال أبو علي : الصرف ها هنا يقبح، وكذلك إضمار «أن »، لأن ﴿تكتمون﴾، معطوف على موجب، فليست الآية بمنزلة قولهم : أتأكل السمك وتشرب اللبن، وبمنزلة قولك أتقوم فأقوم والعطف على الموجب مقرر وليس بمستقيم عنه، وإنما استفهم عن السبب في اللبس، واللبس موجب، والعطف على الموجب المقرر قبيح متى نصب إلا في ضرورة شعر كما روي :[ الرجز ]
وألحقُّ بالحِجَازِ فاسْتَرِيحَا(٤).
وقد قال سيبويه في قولك : أسرت حتى تدخل المدينة ؟ لا يجوز إلا النصب في- تدخل -، لأن السير مستفهم عنه غير موجب، وإذا قلت : أيهم سار حتى يدخلها ؟ رفعت، لأن السير موجب والاستفهام إنما وقع عن غيره.
١ - من الآية (٩) من سورة الأنعام..
٢ - عبد الله بن الصيف وعدي من أحبار بني قينقاع؛ وفي سيرة ابن هشام: ابن صيف، ويقال: ابن ضيف، وفي بعض نسخ تفسير ابن عطية: الضيف، وعند القرطبي: مالك بن الصيف؛ أما الحارث فكان من أحبار بني قريظة..
٣ - في بعض النسخ "على الصرف"-وهو أن تعطف الواو ما لا يستقيم أن يعاد فيه الحادث الذي فيما قبله-ولعلها أقرب إلى الصواب..
٤ - البيت للمغيرة بن حبناء الحنظلي، وصدره: سأترك منزلي لبني تميم (الخزانة ٣/٦٠٠).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى