اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ﴾ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب " يَأمُرَكُمْ " والباقون بالرفع(١٨) وأبو عمرو على أصله من جواز تسكين الراء والاختلاس، وهي قراءة واضحة، سهلة التخريج، والمعنى، وذلك أنها على القطع والاستئناف.
أخبر تعالى - بأن ذلك الأمر لا يقع، والفاعل فيه احتمالان :
أحدهما : هو ضمير الله – تعالى.
الثاني : هو ضمير الموصوف المتقدم.
والمعنى : ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج وجماعة : ولا يأمركم محمد أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً(١٩) وقيل : لا يأمركم عيسى.
وقيل : لا يأمركم الأنبياء أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرْباباً، كفعل قريش والصابئين - حيث قالوا في المسيح هو العزير.
والمعنى على عوده على " بَشَر " أنه لا يقع من بشر موصوفٍ بما وُصِفَ به أن يَجْعَل نفسه ربًّا، فيُعْبَدَ، ولا يأمر - أيضاً - أن تُعْبَد الملائكةُ والنبيون من دون الله، فانتفى أن يدعوَ الناسَ إلى عبادة نفسه، وإلى عبادة غيره - والمعنى - على عَوْده على الله - تعالى - أنه تعالى أخْبَر أنه لم يَأمُرْ بذلك، فانتفى أمر الله وأمر أنبيائه بعبادة غيره تعالى.
وأما قراءة النصب ففيها وجوهٌ :
أحدها : قول أبي علي وغيره، وهو أن يكون المعنى : دلالة أن يأمركم، فقدروا " أن " مضمرة بعده وتكون " لا " مؤكِّدة لمعنى النفي السابق، كما تقول : ما كان من زيد إتيان ولا قيام وأنت تريد انتفاء كل واحد منهما عن زيد، ف " لا " للتوكيد لمعنى النفي السابق، وبقي معنى الكلام : ما كان من زيد إتيان، ولا منه قيام.
الثاني : أن يكون نصبه لنَسَقه على ﴿أَن يُؤْتِيهُ﴾ قال سيبويه : والمعنى : وما كان لبَشَرٍ أن يأمركم أن تتخِذُوا الملائكة.
قال الواحديُّ : ويُقوي هذا الوجهَ ما ذكرنا من أن اليهود قالوا للنبي ﷺ أتريد يا محمدُ أن نتخذَك رَبًّا ؟ فنزلت.
الثالث : أن يكون معطوفاً على " يَقُولُ " في قراءة العامة - قاله الطَّبَريُّ.
قال ابن عطيةَ :" وهذا خَطأ لا يلتئم به المعنى "، ولم يبين أبو مُحَمدٍ وَجْهَ الخَطَأ " ولا عدم التآم المعنى.
قال أبو حيّان(٢٠) :" وجه الخطأ أنه إذا كان معطوفاً على " يَقُولَ " وجعل " لا " للنفي - على سبيل التأسيس لا على سبيل التأكيد - فلا يمكن أن يُقَدَّر الناصب - وهو " أن " - إلا قبل " لا " النافية، وإذا قدرها قبلها انسبك منها ومن الفعل المنفي ب " لا " مصدر منفي، فيصير المعنى : ما كان لبشر موصوف بما وُصِفَ به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً - وإذا لم يكن له انتفاء الأمر بذلك كان له ثبوت الأمر بذلك، وهو خَطَأ بيِّن.
أما إذا جعل " لا " لتأكيد النفي لا لتأسيسه فلا يلزم خَطَأ، ولا عدم التئام المعنى ؛ وذلك أنه يصير النفي مستحباً على المصدرين المقدَّرِ ثبوتهما، فينتفي قوله :﴿كُونُواْ عِبَاداً لِّي﴾ وينتفي أيضاً أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً. ويوضِّح هذا المعنى وَضْعُ " غير " موضع " لا " فإذا قلتَ : ما لزيد فقهٌ ولا نحوٌ. كانت " لا " لتأكيد النفي، وانتفى عنه الوَصْفان، ولو جعلت " لا " لتأسيس النفي كانت بمعنى " غير " فيصير المعنى انتفاء الفقه عنه، وثبوت النحو له ؛ إذ لو قلت : ما لزيد فقه غير نحو، كان في ذلك إثبات النحو له، كأنك قلتَ : ما له غير نحو، ألا ترى أنك إذا قلت : جئت بلا زادٍ، كان المعنى : جئت بغير زاد وإذا قلت : ما جئت بغير زادٍ، معناه أنك جئت بزاد ؛ لأن " لا " هنا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدم التئامِ المعنى إنما يكون على أحد التقديرين، وهو أن يكون " لا " لتأسيس النفي لا لتأكيده، وأن يكون من عطف المنفي ب " لا " على المثبت الداخل عليه النفي نحو : ما أريد أن تجهل وألا تتعلم، تريد : ما أريد أن لا تتعلم ".
وتابع الزمخشريُّ الطبريَّ في عطف " يَأمُرَكُم " على " يَقُولَ " وجوَّزَ في " لا " الداخلة عليه وجهين :
أحدهما : أن يكون لتأسيس النفي.
الثاني : أنها مزيدة لتأكيده، فقال : وقُرِئ ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ﴾ بالنصب ؛ عطفاً على " ثُمَّ يَقُولَ(٢١) " وفيه وجهان :
أحدهما : أن تجعل " لا " مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله :﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾. والمعنى : ما كان لبشر أن يستنبئه الله تعالى، ويُنَصِّبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً لهم، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، كقولك : ما كان لزيد أن أكرمه، ثم يهينني ولا يستخف بي.
والثاني : أن يُجْعَل " لا " غير مزيدة، والمعنى أن رسول الله ﷺ كان ينهَى قُرَيشاً عن عبادة الملائكة واليهود والنصارى عن عبادةِ عُزَيْرٍ والمسيح، فلما قالوا له : أنتخذك ربًّا ؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته، وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء.
قال شهاب الدينِ :" وكلام الزمخشري صحيحٌ، ومعناه واضح على كلا تقديري كون " لا " لتأسيس النفي وتأكيده فكيف يَجْعَل الشيخُ كلامَ الطبريِّ فاسداً على أحد التقديرين - وهو كونها لتأسيس النفي فقد ظهر صحةُ كلام الطبريِّ بكلام الزمخشريِّ، وظهر أن رَدَّ ابنِ عطيةَ عليه مردودٌ ".
وقد رجح الناس قراءةَ الرفعِ على النصبِ.
قال سيبويه : ولا يأمركم منقطعة مما قبلها ؛ لأن المعنى ولا يأمركم الله.
قال الواحدي : ومما يدل على الانقطاع من الأول قراءة عبد الله " وَلَنْ يَأمُرَكُم(٢٢).
وقال الفرّاءُ : فهذا دليل على انقطاعها من النسق، وأنها مُسْتأنفة، فلما وقعت " لا " موقع " لن " رفعت كما قال تعالى :﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] وفي قراءة، عبد الله : ولن تُسْأل.
قال الزمخشريُّ : والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر، ويعضدُهَا قراءةُ عبد الله :" ولَنْ يَأمُرَكم " وقد تقدم أن الضمير في " يَأمُركُمْ " يجوز أن يعود على " الله " وأن يعود على البشر الموصوف بما تقدم والمراد به النبي ﷺ أو أعم من ذلك.
وسواء قرئ برفع ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ﴾ أو بنصبه إذا جعلناه معطوفاً على " يَقُولَ " فإن الضمير يعود على " بشر " لا غير، [ ويؤيد هذا قولُ بعضهم : ووجه القراءة بالنصب أن يكون معطوفاً على الفعل المنصوب قبله، فيكون الضمير المرفوع لِ " بشر " لا غير يعني بما قبله " ثُمَّ يَقُولَ ".
ولما ذكر سيبويه قراءة الرفع جعل الضمير عائداً على " الله " تعالى ولم يذكر غير ذلك، فيحتمل أن يكون هو الأظهر عنده، ويُحْتَمَل أنه لا يجوز غيرُه، والأول أوْلَى.
قال بعضهم : وفي الضمير المنصوب في " يَأمُرُكُمْ " - على كلتا القراءتين - خروج من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات، فكأنه توهم أنه لما تقدم في قوله ذكر النافي - في قوله :﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ كان ينبغي أن يكون النظم ولا يأمرهم ؛ جرياً على ما تقدم، وليس كذلك، بل هذا ابتداء خطابٍ، لا التفات فيه.
قوله :﴿أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ﴾ الهمزة للاستفهام بمعنى الإنكار، يعني أنه لا يفعل ذلك.
قوله :﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ " بَعْدَ " متعلق ب " يَأمُرُكُمْ " وبعد ظرف زمان مضاف لظرف زمان ماضٍ وقد تقدّم أنه لا يضافُ إليه إلا الزمان، نحو حينئذٍ ويومئذٍ. و ﴿أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ في محل خفض بالإضافة ؛ لأن " إذْ " تضاف إلى الجملة مطلقاً.
قال الزمخشريُّ :" بَعْدَ إذ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ " دليلٌ على أن المخاطبين كانوا مسلمين، وهم الذين استأذنوا الرسول ﷺ أن يَسْجُدُوا له.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى