المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ويحتمل أن يريد الإخبار عن أن الظالم في ظلمه ليس على هدى من الله، فتجيء الآية عامة تامة العموم، و «اللعنة » الإبعاد وعدم الرحمة والعطف، وذلك مع قرينة الكفر زعيم بتخليدهم في النار، ولعنة الملائكة قول، و﴿الناس﴾ : بنو آدم، ويظهر من كلام أبي علي الفارسي في بعض تعاليقه، أن الجن يدخلون في لفظة الناس، وأنشد على ذلك، [ الوافر ]
فقلتُ إلى الطَّعامِ فَقَالَ مِنْهُمْ. . . أُناسٌ يَحْسُدُ الأَنَسَ الطَّعاما(١)
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والذي يظهر، أن لفظة ﴿الناس﴾ إذا جاءت مطلقة، فإنما هي في كلام العرب بنو آدم لا غير، فإذا جاءت مقيدة بالجن، فذلك على طريقة الاستعارة، إذ هي جماعة كجماعة، وكذلك ﴿برجال من الجن﴾(٢) وكذلك ﴿نفر من الجن﴾(٣)، ولفظة النفر أقرب إلى الاشتراك من رجال وناس، وقوله تعالى :﴿من الجنة والناس﴾(٤) قاض بتباين الصنفين، وقوله تعالى :﴿والناس أجمعين﴾(٥) إما يكون لمعنى الخصوص في المؤمنين ويلعن بضعهم بعضاً، فيجيء من هذا في كل شخص منهم أن لعنة جميع الناس، وإما أن يريد أن هذه اللعنة تقع في الدنيا من جميع الناس على من هذه صفته، وكل من هذه صفته - وقد أغواه الشيطان- يلعن صاحب الصفات ولا يشعر من نفسه أنه متصف بها، فيجيء من هذا أنهم يلعنهم جميع الناس في الدنيا حتى أنهم ليلعنون أنفسهم، لكن على غير تعيين.
١ - نسب صاحب "خزانة الأدب" ٣/٣ البيت لشمير بن الحارث الضبي، وقيل: لتأبط شرا، وهي رواية الجرجاوي أيضا. وفي العيني على الشواهد: لجذع بن سنان الغساني في رواية من روى: "عموا صباحا". وأما على رواية من روى: "عموا ظلاما" فإنه ينسب إلى شمر بن الحارث الغساني: فقلت: إلى الطعام: أي: هلموا إليه، نحسد: يروى بالنون، ويروى بالمثناة التحتية، والإنس: البشر، أي يحسد الإنس على الطعام. والكلام مع الجن بدليل البيت قبله:
أتوا ناري فقلت: منون أنتم فقالوا: الجن. قلت: عموا ظلاما..

٢ - من الآية (٦) من سورة الجن..
٣ - من الآية (١) من سورة الجن..
٤ - من الآية (٦) من سورة الناس..
٥ - تكررت أيضا في الآية (١٦١) من سورة البقرة والآية (٨٧) من سورة آل عمران..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى