اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
ثُم قَال :﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ ثمَ بَيَّن أن التوبة وحدَها لا تَكْفِي، حَتَّى يُضافَ إليها العملُ الصالحُ، فَقالَ :
﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي : أصلحوا باطنهم مع الحق بِالمُراقَباتِ، وَمَعَ الْخَلْقِ بالعِبَادَاتِ، وَذَلِكَ أنَّ الحَارثَ بن سُويد لَمَّا لَحِق بالكُفَّار نَدِم، وأرسل إلى قومه أن سَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَفَعَلُوا فَأنْزَلَ اللهُ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فَحَمَلَهَا إليه رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَرأها عَلَيهِ، فَقَالَ الْحَارثُ : إنك واللهِ ما عَلِمْتُ - لَصَدُوقٌ، وَإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لأصدقُ منك ؛ وإنَّ اللهَ - عَزَّ وجل - لأصْدَقُ الثلاثة، فرجع الحارثُ إلى المَدِينَةِ، وَأسْلَمَ، وحسن إسلامه.
وفي قوله :﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وجهان :
الأول : أن الله غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر، رحيم في الآخرة بالعفو.
الثاني : غفور بإزالة العقاب، رحيم بإعطاء الثواب، ونظيره قوله :﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَف﴾ [الأنفال: ٣٨]. ودخلت الفاء في قوله :" فإن الله " لشبه الجزاء ؛ إذ الكلام قد تضمَّن معنى : إن تابوا فإن الله يغفر لهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى