كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ ؛ أي إنَّ الذينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا على كُفْرِهِمْ لو كانَ لأحدِهم في الآخرة مِلْءُ الأرضِ ذهباً فافتدَى به لن يُقْبَلَ منهُ، كما رُوي : أنه يقالُ للكافرِ يومَ القيامة : لو كانَ لكَ مِلْءُ الأرضِ ذهباً أكُنْتَ تفتدي بهِ مِن العذاب ؟ فيقولُ : نَعَمْ، فيقالُ له : قد سُئلتَ ما هو أيسرُ عليكَ من هذا فلم تَفْعَلْ؟
وقولهُ تعالى :﴿ذَهَباً﴾ نُصِبَ على التفسيرِ في قول الفرَّاء، ومعنى التفسِير : أن يكون الكلامُ تامّاً وهو مُبْهَمٌ كقولهِ : عندِي عُشْرُونَ فالعددُ معلومٌ والمعدودُ مُبْهَمٌ، فإذا قلتَ : عُشْرونَ دِرْهَماً ؛ فسَّرْتَ العددَ ؛ ولذلكَ إذا قلتَ : هو أحْسَنُ الناسِ ؛ فقد أخبرتَ عن حُسْنِهِ ولم تُبَيِّنْ في أيِّ شيءٍ. فاذا قلتَ : وَجْهاً أو فِعْلاً ؛ فَقَدْ بَيَّنْتَهُ ونصبتَ على التَّفسيرِ، وإنَّما نصبتَهُ لأنَّهُ ليسَ له ما يخفِضُه ولا ما يرفعُه، فلمَّا خلاَ من هَذين نُصِبَ ؛ لأن النصبَ أخفُّ الحركاتِ ؛ فجُعِلَ لكلِّ ما لا عَامِلَ لهُ.
وقال الكسائيُّ :(نُصِبَ عَلَى إضْمَار (مِنْ ذهَبٍ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿أَو عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً﴾[المائدة: ٩٥] أيْ مِنْ صِيَامٍ). وقد يقالُ : نُصبَ على التمييزِ ثلاثةُ أشياءٍ : تَمييزُ جملةٍ مبهمَةٍ كما في قولهِ :﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾[الكهف: ٣٤]، وتَمييزُ عددٍ مُبْهَمٍ كقولِكَ : عُشْرُونَ دِرْهَماً، وتَمييزُ مِقدارٍ مُبْهَمٍ كما يقالُ : عِنْدِي مِلْءُ زقٍّ عَسَلاً.
وأمَّا دخولُ الواو في قولهِ :﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ ؛ فقال بعضُهم : هي زائدةٌ. وقال الزجَّاج :(لَيْسَتْ بزِائِدَةٍ ؛ وإنَّمَا هِيَ لِتَعْمِيْمِ النَّفْيِ لِوُجُوهِ الْقَبُولِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ وَاواً لأَوْهَمَ الْكَلاَمُ ؛ لأَنَّ ذلِكَ لاَ يُقْبَلُ فِي الإفْتِدَاءِ، وَيُقْبَلُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الإفْتِدَاءِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفةِ لَهم عذابٌ وَجِيْعٌ في الآخرةِ، ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ؛ أي من مَانِعٍ يَمْنَعُهُمْ مِن العذاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى