التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ أى : هذه الآيات بأيدى سفرة من صفاتهم أنهم مكرمون ومعظمون عنده - تعالى -، وأنهم أتقياء مطيعون الله - تعالى - كل الطاعة، جمع بَرّ، وهو من كان كثير الطاعة والخشوع لله - عز وجل -..
هذا والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد اشتملت على كثير من الآداب والأحكام، ومن ذلك : أن شريعة الله - تعالى - تجعل التفاضل بين الناس، أساسه الإِيمان والتقوى، فمع أن عبد الله ابن أم مكتوم، كان قد قاطع الرسول ﷺ لم يتشاغل عنه إلا لحرصه على جذب هؤلاء الزعماء إلى الإِسلام.
مع كل ذلك، وجدنا الآيات الكريمة، تعاتب النبى ﷺ عتابا تارة فيه رقة. وتارة فيه شدة. وذلك لأن الميزان الذى أنزله الله - تعالى - للناس مع الرسل، لكى يبنوا عليه حياتهم، هو :﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ ولقد استجاب الرسول الكريم لهذا التوجيه الحكيم، فبنى حياته كلها بعد ذلك على هذا الميزان العادل، ومن مظاهر ذلك : إكرامه لابن أم مكتوم، وقوله له كلما رآه : " أهلا بمن عاتبنى فيه ربى ".
وفعل ﷺ ما يشبه ذفلك، مع جميع المؤمنين الصادقين الذين كانوا من فقراء المسلمين، ولم يكونوا أصحاب جاه أن نفوذ أو عشيرة قوية.
لقد جعل زيد بن حارثة - وهو الغريب عن مكة والمدينة، أميرا على الجيش الإِسلامى فى غزوة مؤتة، وكان فى هذا الجيش عدد كبير من كبار الصحابة.
وقال ﷺ فى شأن سلمان الفارسى : " سلمان منا أهل البيت ".
وقال ﷺ فى شأن عمار بن ياسر، عندما استأذن عليه فى الدخول : " ائذنوا له. مرحبا بالطيب المطيب ".
وكان من مظاهر تكريمه لعبد الله بن مسعود، أن جعله كأنه واحد من أهله بيته.
فعن أبى موسى الأشعرى قال : قدمت أنا وأخى من اليمن، فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ من كثرة دخولهم على رسول الله، ولزومهم له..
وقال ﷺ لأبى بكر الصديق عندما حدث كلام بينه وبين سلمان وصهيب وبلال فى شأن أبى سفيان : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك.
فقد أخرج الإِمام مسلم فى صحيحه.. " أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال فى نفر، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟
فأتى النبى ﷺ فأخبر فقال : " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم فقد أغضب ربك " فأتاهم فقال : يا إخوتاه أأغضبتكم ؟ قالوا : لا. ويغفر الله لك يا أخى.. "
ولقد سار خلفاؤه ﷺ على هذه السنة، فكانوا يكرمون الفقراء، فأبوا بكر - رضى الله عنه - أذن لصهيب وبلال فى الدخول عليه، قبل أن يأذن لأبى سفيان وسهيل بن عمرو..
وعمر - رضى الله عنه - يقول فى شأن أبى بكر : " هو سيدنا وأعتق سيدنا " يعنى : بلال ابن رباح..
قال صاحب الكشاف عند تفسيره، لهذه الآيات : ولقد تأدب الناس بأدب الله فى هذا تأدبا حسنا، فقد روى عن سفيان الثورى - رحمه الله -، أن الفقراء كانوا فى مجلسه أمراء..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى