اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤:قوله :﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء﴾ بدل من «إذا »، ولا يجوز أن يكون «يغنيه » عاملاً، في «إذا »، ولا في «يوم » ؛ لأنه صفة ل «شأن » ولا يتقدم معمول الصِّفة على موصوفها.
والعامة على «يغنيه » من الإغناءِ.
وابن محيصن(١) والزهري، وابنُ أبي عبلة وحميدٌ، وابن السميفع :«يعنيه » بفتح الياء والعين المهملة من قولهم : عناني في الأمر، أي : قصدني. فصل في معنى الآية
قوله :«يَفِرُّ »، أي : يهرب في يوم مجيء الصاخَّةِ، «مَنْ أخِيْهِ » أي : من مُوالاةِ أخيهِ، ومُكالمتهِ لأنه مشتغل بنفسه، لقوله بعده :﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، أي : يشغلهُ عن غيره.
وقيل : إنَّما يفرّ حذراً من مطالبتهم إياه بالتبعات، يقول الأخُ : ما واسيتنِي بمالك، والأبوان يقولان : قصرت في برنَا، والصاحبة تقول : أطمعتني الحرامَ، والبنون يقولون : ما علمتنا.
وقيل : لعلمه أنهم لا ينفعونه، ولا يغنون عنه شيئاً، لقوله تعالى :﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾ [الدخان: ٤١].
وقال عبد الله بن طاهر : يفرُّ منهم لمَّا تبين له عجزهم، وقلّة حيلتهم.
وذكر الضحاك عن ابن عباس، قال : يفر قابيلُ من أخيه هابيل، ويفرُّ النبي من أمِّه، ويفرُّ إبراهيمُ من أبيه، ونوحٌ من ابنه، ولوطٌ من امرأتهِ، وآدمُ من سوءةِ بنيهِ(٢).
قال ابنُ الخطيب(٣) : المراد : أن الذين كان المرء يفرُّ إليهم في دار الدنيا، ويستجيرُ بهم، فإنه يفرُّ منهم في دار الآخرة، وذكروا في فائدة الترتيب كأنَّه قيل :﴿يَوْمَ يفرُّ المَرْءُ من أخِيهِ﴾، بل من أبويه، فإنهما أقرب من الأخوين، بل من الصَّاحبة والولد ؛ لأنَّ تعلُّق القلب بهما أشد من تعلُّقه بالأبوين.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤٤٠، والبحر المحيط ٨/٤٢١، والدر المصون ٦/٤٨٢..
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٤٦)..
٣ ينظر: الفخر الرازي ٣١/٥٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى