مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿إِنَّآ أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة﴾ أي ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان. وقيل : بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة. والجمهور على الأول لقوله ﴿إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: ١] وقوله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان. ثم قالوا : أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل في وقت وقوع الحاجة إلى نبيه محمد ﷺ. وقيل : ابتداء نزوله في ليلة القدر. والمباركة الكثيرة الخير لما ينزل فيها من الخير والبركة ويستجاب من الدعاء ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ﴾ هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم كأنه قيل : أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصاً، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكمية وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. ومعنى ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويكتب كل أمر من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى ليلة القدر التي تجيء في السنة المقبلة ﴿حَكِيمٍ﴾ ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجازاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى