اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿أولئك الذين نتقبل عنهم﴾ قرأ الأَخَوانِ وحَفْصٌ : نَتَقَبَّلُ بفتح النون مبنياً للفاعل ونصب «أحسن » على المفعول به، وكذلك «نتَجَاوَزُ » والباقون بنيابتهما للمفعول، ورفع «أحْسَن : لقيامه مقام الفاعل، ومكان النون ياء مضمومة في الفعلين(١). والحَسَنُ والأَعْمَشُ وعِيسَى بالياء من تحت، والفاعل الله تعالى(٢).
( فصل )
ومعنى أولئك أي أهل هذا القول الذي تقدَّم ذكره، فمن يدعو بهذا الدعاء نتقبل عنهم، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله. وقوله :﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا وكلها حسن.
فإن قيل : كيف قال :﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ والله يَتَقبَّل الأحْسَنَ وَمَا دُونَه ؟ !
فالجواب من وجهين :
الأول : المراد بالأحسن الحسن، كقوله تعالى :﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وكقولهم : النَّاقِصُ والأشجُّ أعدلا بني مروان أي عادلاً بني مروان.
الثاني : أنّ الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب، ولا عقاب، والأحسن ما يغاير ذلك وهو المندوب أو الواجب(٣).
وقوله :﴿وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ فلا يعاقبهم عليها.
قوله :﴿في أصحاب الجنة﴾ فيه أوجه :
أظهرها : أنه في محل أي كائنين في جملة أصحاب الجنة كقولك :«أَكْرَمَنِي الأَميرُ في أصحابِهِ » أي في جُمْلَتِهِم(٤).
والثاني : أن «في » معناها «مَعَ »(٥).
الثالث : أنها خبر ابتداء مضمر أي هُمْ في أصحاب الجنَّة(٦).
قوله :﴿وَعْدَ الصدق﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأن قوله :﴿أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ في معنى الوعد، فيكون قوله :«نَتَقَبَّلُ وَنَتَجَاوَزُ » وعداً من الله بالتقبل والتجاوز(٧) والمعنى ( أنه(٨) ) يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء، وذلك وعد من الله، فبين أنه صدق لا شك فيه(٩).
١ قراءة متواترة ذكرها صاحب السبعة ٥٩٧ والقارئون بالياء ابن كثير، نافع، وأبو عمرو، وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، وانظر الكشف لمكي أيضا ٢/٢٧٢..
٢ قراءة شاذة ذكرها بدون نسبة الكشاف ٣/٥٢١ وابن خالويه في الشواذ ١٣٩ والبحر المحيط ٨/٦١..
٣ وهو ما قال به الرازي في تفسيره ٢٨/٢١ و٢٢..
٤ البحر المحيط ٨/٦١ والكشاف ٣/٥٢٣..
٥ البحر المحيط ٨/٦١..
٦ قاله أبو البقاء في التبيان ١١٥٦..
٧ قاله الرازي وأبو حيان في تفسيريهما الأول في التفسير الكبير ٢٨/٢٢ والثاني في البحر المحيط ٨/٦١..
٨ زيادة للسياق..
٩ الرازي السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى