تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿تُدَمِّرُ﴾ أي : تخرب ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ من بلادهم، مما من شأنه الخراب ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي : بإذن الله لها في ذلك، كقوله :﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] أي : كالشيء البالي. ولهذا قال :﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي : قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي : هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا، وخالف أمرنا.
وقد ورد حديث في قصتهم وهو غريب جدًا من غرائب الحديث وأفراده، قال الإمام أحمد :
حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال : حدثنا عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال : خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ، فمررت بالرَبْذَة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي : يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال : فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال : فجلست، فدخل منزله - أو قال : رحله - فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال :" هل كان بينكم وبين تميم شيء ؟ قلت : نعم، وكانت لنا الدبرة(١) عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع، بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب : فأذن لها فدخلت، فقلت : يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، وقالت : يا رسول الله، فإلى أين يضطر مضطرك ؟ قال : قلت : إن مثلي ما قال الأول :" مِعْزَى حَمَلَت حَتْفَها "، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قال :" هيه، وما وافد عاد ؟ " - وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه(٢) - قلت : إن عادًا قحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له : قَيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما " الجرادتان " - فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مَهْرة فقال : اللهم، إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها :" اختر "، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها :" خذها رمادًا رمددًا (٣)، لا تبقي من عاد أحدا ". قال : فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا - قال أبو وائل : وصدق - وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا :" لا تكن كوافد عاد ".
رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، كما تقدم في سورة " الأعراف " (٤).
وقال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو : أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة(٥) أنها قالت : ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. قالت : وكان(٦) إذا رأى غيما - أو ريحا - عرف ذلك في وجهه، قالت : يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية ؟ فقال :" يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا : هذا عارض ممطرنا ". وأخرجاه(٧) من حديث ابن وهب (٨).
طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ناشئا في أفق من آفاق السماء، ترك عمله، وإن كان في صلاته، ثم يقول :" اللهم، إني أعوذ بك من شر ما فيه " (٩). فإن كشفه الله حمد الله، وإن أمطرت قال :" اللهم، صيبا نافعا " (١٠).
طريق أخرى : قال مسلم في صحيحه : حدثنا أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت : كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال :" اللهم، إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به ". قالت : وإذا تَخَيَّلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة، فسألته، فقال :" لعله يا عائشة كما قال قوم عاد :﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (١١).
وقد ذكرنا قصة هلاك عاد(١٢) في سورتي " الأعراف وهود " (١٣) بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.
وقال الطبراني : حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير(١٤)، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :" ما فتح على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم [ فحملتهم ] البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالوا : هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا. وكان أهل البوادي فيها، فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا. قال : عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب(١٥) " (١٦).
١ - (٤) في ت، أ: "الدائرة"..
٢ - (٥) في أ: "يستعظمه"..
٣ - (١) في ت: "رمدا"..
٤ - (٢) المسند (٣/٤٨٢) وانظر تخريج بقية هذا الحديث عند الآية: ٧٣ من سورة الأعراف..
٥ - (٣) في ت: "عائشة رضي الله عنها"..
٦ - (٤) في ت، م: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
٧ - (٥) في ت: "أخرجه"..
٨ - (٦) المسند (٦/٦٦) وصحيح البخاري برقم (٤٨٢٨، ٤٨٢٩) وصحيح مسلم برقم (٨٩٩)..
٩ - (٧) في م: "من سوء عاقبته"..
١٠ - (٨) المسند (٦/١٩٠)..
١١ - (٩) صحيح مسلم برقم (٨٩٩)..
١٢ - (١٠) في ت، م، أ: "هلاك قوم عاد"..
١٣ - (١١) راجع قصة هلاك قوم عاد عند تفسير الآيات: ٦٥ - ٧٢ من سورة الاعراف والآيات: ٥٠ - ٦٠ من سورة هود..
١٤ - (١) في ت: "وروى الطبراني بإسناده"..
١٥ - (٢) في ت: "البيوت"..
١٦ - (٣) المعجم الكبير (١٢/٤٢)، قال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣): "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى