اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتابفصل
دلت هذه الآية على أنه ﷺ كان مبعوثاً إلى الجِنِّ كما كان مبعوثاً إلى الإنْسِ.
قال مقاتل : لم يبعث الله نبياً إلى الإنس وإلى الجن قبله.
فإن قيل : قوله ﴿أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله﴾ أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال : وآمنوا به » ؟
فالجواب : أفاد ذكر الإيمان على التعيين، لأنه أهم الأقسام وِأشرفها وقد جرت عادة القرآن الكريم بأنه يذكر اللفظ العام ثم يعطف عليه أشرف أنواعه، كقوله :﴿وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان فقال :﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ قال بعضهم : كلمة «من » هنا زائدة(١) والتقدير : يغفر لكم ذُنُوبَكُمْ، وقيل : بل فائدته أن كلمة «من » هنا لابتداء الغاية والمعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب ثم ينتهي إلى عَفْوِ ما صدر عنكم من ترك الأَوْلَى والأكمل(٢). ويجوز أن تكون تبعيضيةً(٣).
قوله :﴿وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال ابن عباس ( رضي الله عنهما ) فاستجاب لهم من قومهم نحو سبعينَ بَعْلاً من الجن فَرَجَعُوا إلى رسول الله ﷺ فوافقوه في البَطْحَاء فقرأ عليهم القُرْآنَ وأمرهم ونَهَاهُمْ(٤).
فصل
اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا ؟ فقيل : لا ثَوَابَ لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم : كُونُوا تراباً مثلَ البهائم. واحتجوا على ذلك بقوله :( ويُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) وهو قول أبي حنيفة والصحيح أن حكمهم حكم بني آدم يستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية.
وهو قولُ ابن أَبِي لَيْلَى ومَالِكٍ(٥) وتقدم عن ابن عباس أيضاً نحوُ ذلِكَ. قال الضحاك : يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، لأن كل دليل(٦) دل(٧) على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حقِّ الجنِّ. والفرق بينهما بَعيداً جِدًّا(٨)، وذكر النقاش في تفسيره حديثاً أنه يدخلون الجنة. فقيل : هل يصيبون من نعيمها ؟ قال : يُلْهِمُهُم اللهُ تسبيحهُ وذِكْرَه فيصيبهم من لذته ما يصيب بني آدم من نعيم الجنة. وقال أَرطَأَةُ بْنُ المُنْذِر : سألت ضمرةَ بن حبيب هل للجن ثواب ؟ ققال : نعم وقرأ :﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ﴾(٩) [الرحمن: ٥٦]. وقال عمر بن العزيز : إن مؤمني الجنِّ حول الجنة في رَبَض(١٠) وَرِحابٍ ولُبْسِ فيها(١١).
١ ذكرت في البحر والرازي دون تحديد انظر البحر ٨/٦٨ والرازي ٢٨/٣٣..
٢ الرازي السابق..
٣ البحر السابق..
٤ ذكره القرطبي ١٦/٢١٧..
٥ والشافعي وانظر القرطبي ١٦/٢١٧ و٢١٨..
٦ في ب يدل مضارعا..
٧ في ب يدل مضارعا..
٨ الرازي ٢٨/٣٣..
٩ من الرحمن عز وجل ٥٦..
١٠ أي حول الجنة فالربض هو ما حول الشيء..
١١ انظر البغوي في معالم التنزيل..
٢ الرازي السابق..
٣ البحر السابق..
٤ ذكره القرطبي ١٦/٢١٧..
٥ والشافعي وانظر القرطبي ١٦/٢١٧ و٢١٨..
٦ في ب يدل مضارعا..
٧ في ب يدل مضارعا..
٨ الرازي ٢٨/٣٣..
٩ من الرحمن عز وجل ٥٦..
١٠ أي حول الجنة فالربض هو ما حول الشيء..
١١ انظر البغوي في معالم التنزيل..