محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله﴾ أي رسول الله محمدا إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله، ﴿وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض﴾ أي بمعجز ربه. بهربه إذا أراد تعالى عقوبته، لأنه في قبضته وسلطانه أنّى اتجه. ﴿وليس له من دونه أولياء﴾ أي نصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه. ﴿أولئك في ضلال مبين﴾ أي أخذ على غير استقامة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الأول روى الإمام مسلم(١) عن علقمة قال :( سألت ابن مسعود رضي الله عنه : هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن ؟ قال : لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل : استطير، اغتيل ! قال : فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال : فقلنا : يا رسول الله ! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فقال : أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن. قال، فانطلق بنا، فأرانا آثارهم ).
وروى الإمام أحمد (٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :( كان الجن يستمعون الوحي، / فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا. فيكون ما سمعوا حقا، وما زادوا باطلا. وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك. فلما بُعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده ألا رُمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال : ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبثّ جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال :( هذا الحدث الذي حدث في الأرض ). ورواه الترمذي (٣) والنسائي في كتابي التفسير من ( سننيهما ). وهكذا قال الحسن البصريّ :( إنه ﷺ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم ).
وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظيّ قصة خروج النبيّ ﷺ إلى الطائف، ودعائه إياهم إلى الله ﷺ عز وجل، وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها، ثم قال :( فلما انصرف عنهم، بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعته الجن من أهل نصيبين ). قال ابن كثير : وهذا صحيح، ولكن قوله ( إن الجن كان استماعهم تلك الليلة ) فيه نظر. فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دلّ عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور. وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال :( هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا، فأنزل الله عز وجل عليه(٤) ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن...﴾ الآية ). قال ابن كثير : فهذا مع الأول من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا : قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج.
فأما ما رواه البخاري ومسلم (٥) جميعا عن معن بن عبد الرحمن قال :( سمعت أبي يقول : سألت مسروقا : من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن فقال : حدّثني أبوك – يعني ابن مسعود رضي الله عنه – أنه آذنته بهم شجرة )، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس رضي الله عنهما، ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي أعلمته باجتماعهم، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات والله أعلم.
قال الحافظ البيهقيّ : وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم، ولم يرهم. ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن، فقرأ، عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله عز وجل – كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه -.
ثم قال ابن كثير : وأما ابن مسعود رضي الله عنه، فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن، ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا، لم يشهد حال المخاطبة. هذه طريقة البهيقي. وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم، لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى – والله أعلم- كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قل أوحيّ إليّ﴾ من حديث ابن جريج قال : قال عبد العزيز بن عمر :( أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة، فجن نصيبين ). وتأوّل البيهقي قوله ( فبتنا بشرّ ليلة ) على غير ابن مسعود، ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل، على بُعْدٍ /وبالجملة، فقد روي ما يدل على تكرار ذلك. وقد روي عن ابن عباس غير ما روي عنه أولا من وجه جيد عند ابن جرير(٦) في هذه الآية، قال :( كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم )، فهذا يدل على أنه قد روى القصتين. وذكر أبو حمزة الثماليّ أن هذا الحي من الجن كانوا أكثر الجن عددا، وأشرفهم نسبا. وعن ابن مسعود أنهم كانوا تسعة. ويروى أنهم كانوا خمسة عشر، وروي ستين، وروي ثلاثمائة. وعن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا. قال ابن كثير : فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه ﷺ. ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في ( صحيحه ) أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :( ما سمعت عمر رضي الله عنه لشيء قط يقول : إني لأظنه هكذا، إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب جالس، إذ مرّ به رجل جميل فقال : لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم. عليّ الرجل. فدعي له، فقال له ذلك، فقال : ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال : فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني ! قال كنت كاهنهم في الجاهلية. قال : فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟ قال : بينما أنا يوما في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت : ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ؟ قال عمر : صدق ! بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه، يقول : يا جليح ! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول : لا إله إلا الله. قال، فوثب القوم. فقلت : لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى : يا جليح ! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول : لا إله إلا الله. فقمت، فما نشبنا أن قيل : هذا نبيّ ) – هذا سياق البخاري – وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه. ثم قال : وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل / الذي ذبح. وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر رضي الله عنه. وسائر الروايات تدلّ على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه –والله أعلم -
وهذا الرجل هو سواد بن قارب. قال البيهقي : وسواد بن قارب يشبه أن يكون هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح. ثم روى بسنده عن البراء قال :( بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال : أيها الناس ! أفيكم سواد بن قارب ؟ قال، فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال : أيها الناس ! أفيكم سواد بن قارب ؟ قال، فقلت : يا أمير المؤمنين ! وما سواد بن قارب ؟ قال، فقال له عمر : إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا ! قال : فبينما نحن كذلك، إذ طلع سواد بن قارب. قال، فقال له عمر : يا سواد، حدثنا ببدء إسلامك كيف كان. قال سواد : فإني كنت نازلا بالهند، وكان لي رئيّ من الجن. قال، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذا جاءني في منامي ذلك، قال : قم فافهم، واعقل إن كنت تعقل ! قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب، ثم أنشأ يقول :
قال : ثم أنبهني فأفزعني وقال : يا سواد بن قارب ! إن الله عز وجل بعث نبيا، فانهض إليه تهتد وترشد. فلما كان من الليلة الثانية، أتاني فأنبهني، ثم أنشأ يقول :
فلما كان في الليلة الثالثة، أتاني فأنبهني، ثم قال :
قال : فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله. قال : فانطلقت إلى رحلي، فشددته على راحلتي، فما حللت نسعة، ولا عقدت أخرى، حتى أتيت رسول الله ﷺ، فإذا هو بالمدينة –يعني مكة – والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ ! قال : مرحبا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك. قال : قلت : يا رسول الله ! قد قلت شعرا، فاسمعه مني ! قال ﷺ : قل يا سواد، فقلت :
ثلاث ليال، قوله كل ليلة : *** أتاك رسول من لؤيّ بن غالب
قال : فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال لي : أفلحت يا سواد ! فقال له عمر رضي الله عنه : هل يأتيك رئيّك الآن ؟ فقال : منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله عز وجل من الجن ). ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين. انتهى(٧) كلام ابن كثير.
وقد ساقه الإمام الماورديّ في ( أعلام النبوة ) مع نظائر له، في الباب السادس عشر، في هتوف الجن، ثم قال : ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد، عمن لا يرى شخصه، ولا يحج قوله فخروجه عن العادة نذير، وتأثيره في النفوس بشير، وقد قبلها السامعون. وقبول الأخبار يؤكد صحتها، ويؤيد حجتها. فإن قيل : إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة، / جاز أن تكون دليلا على صحة الكهانة، فعنه جوابان :
أحدهما : أن دلائل النبوة غيرها، وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين الدلالة والبشارة إخبارا.
والثاني : أن الكهانة عن مغيّب، والبشارة عن معين، فالعيان معلوم، والغائب موهوم. انتهى.
التنبيه الثاني :
قال الماورديّ : في صرف الجن المذكور في قوله تعالى(٨) ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن﴾ وجهان :
أحدهما – أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب، ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ فقالوا : ما هذا الحادث في السماء، إلا لحادث في الأرض، وتخيلوا به تجديد النبوة، فجابوا الأرض، حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن مكة عامدا إلى عكاظ، وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن، ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه، فعلموا أنه لهذا الحادث، صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب. وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
أقول : وعليه فتكون ( إلى ) في ( إليك ) بمعنى لام التعليل. وذكر في ( المغني ) أنها تأتي مرادفة اللام، نحو(٩) ﴿والأمر إليك﴾. وفيه تكلف وبُعْدٌ، لنبوّه عما يقتضيه سياق ب
الأول روى الإمام مسلم(١) عن علقمة قال :( سألت ابن مسعود رضي الله عنه : هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن ؟ قال : لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل : استطير، اغتيل ! قال : فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال : فقلنا : يا رسول الله ! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فقال : أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن. قال، فانطلق بنا، فأرانا آثارهم ).
وروى الإمام أحمد (٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :( كان الجن يستمعون الوحي، / فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا. فيكون ما سمعوا حقا، وما زادوا باطلا. وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك. فلما بُعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده ألا رُمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال : ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبثّ جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال :( هذا الحدث الذي حدث في الأرض ). ورواه الترمذي (٣) والنسائي في كتابي التفسير من ( سننيهما ). وهكذا قال الحسن البصريّ :( إنه ﷺ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم ).
وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظيّ قصة خروج النبيّ ﷺ إلى الطائف، ودعائه إياهم إلى الله ﷺ عز وجل، وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها، ثم قال :( فلما انصرف عنهم، بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعته الجن من أهل نصيبين ). قال ابن كثير : وهذا صحيح، ولكن قوله ( إن الجن كان استماعهم تلك الليلة ) فيه نظر. فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دلّ عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور. وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال :( هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا، فأنزل الله عز وجل عليه(٤) ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن...﴾ الآية ). قال ابن كثير : فهذا مع الأول من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا : قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج.
فأما ما رواه البخاري ومسلم (٥) جميعا عن معن بن عبد الرحمن قال :( سمعت أبي يقول : سألت مسروقا : من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن فقال : حدّثني أبوك – يعني ابن مسعود رضي الله عنه – أنه آذنته بهم شجرة )، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس رضي الله عنهما، ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي أعلمته باجتماعهم، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات والله أعلم.
قال الحافظ البيهقيّ : وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم، ولم يرهم. ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن، فقرأ، عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله عز وجل – كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه -.
ثم قال ابن كثير : وأما ابن مسعود رضي الله عنه، فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن، ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا، لم يشهد حال المخاطبة. هذه طريقة البهيقي. وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم، لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى – والله أعلم- كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قل أوحيّ إليّ﴾ من حديث ابن جريج قال : قال عبد العزيز بن عمر :( أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة، فجن نصيبين ). وتأوّل البيهقي قوله ( فبتنا بشرّ ليلة ) على غير ابن مسعود، ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل، على بُعْدٍ /وبالجملة، فقد روي ما يدل على تكرار ذلك. وقد روي عن ابن عباس غير ما روي عنه أولا من وجه جيد عند ابن جرير(٦) في هذه الآية، قال :( كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم )، فهذا يدل على أنه قد روى القصتين. وذكر أبو حمزة الثماليّ أن هذا الحي من الجن كانوا أكثر الجن عددا، وأشرفهم نسبا. وعن ابن مسعود أنهم كانوا تسعة. ويروى أنهم كانوا خمسة عشر، وروي ستين، وروي ثلاثمائة. وعن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا. قال ابن كثير : فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه ﷺ. ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في ( صحيحه ) أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :( ما سمعت عمر رضي الله عنه لشيء قط يقول : إني لأظنه هكذا، إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب جالس، إذ مرّ به رجل جميل فقال : لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم. عليّ الرجل. فدعي له، فقال له ذلك، فقال : ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال : فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني ! قال كنت كاهنهم في الجاهلية. قال : فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟ قال : بينما أنا يوما في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت : ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ؟ قال عمر : صدق ! بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه، يقول : يا جليح ! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول : لا إله إلا الله. قال، فوثب القوم. فقلت : لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى : يا جليح ! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول : لا إله إلا الله. فقمت، فما نشبنا أن قيل : هذا نبيّ ) – هذا سياق البخاري – وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه. ثم قال : وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل / الذي ذبح. وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر رضي الله عنه. وسائر الروايات تدلّ على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه –والله أعلم -
وهذا الرجل هو سواد بن قارب. قال البيهقي : وسواد بن قارب يشبه أن يكون هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح. ثم روى بسنده عن البراء قال :( بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال : أيها الناس ! أفيكم سواد بن قارب ؟ قال، فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال : أيها الناس ! أفيكم سواد بن قارب ؟ قال، فقلت : يا أمير المؤمنين ! وما سواد بن قارب ؟ قال، فقال له عمر : إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا ! قال : فبينما نحن كذلك، إذ طلع سواد بن قارب. قال، فقال له عمر : يا سواد، حدثنا ببدء إسلامك كيف كان. قال سواد : فإني كنت نازلا بالهند، وكان لي رئيّ من الجن. قال، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذا جاءني في منامي ذلك، قال : قم فافهم، واعقل إن كنت تعقل ! قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب، ثم أنشأ يقول :
قال : ثم أنبهني فأفزعني وقال : يا سواد بن قارب ! إن الله عز وجل بعث نبيا، فانهض إليه تهتد وترشد. فلما كان من الليلة الثانية، أتاني فأنبهني، ثم أنشأ يقول :
فلما كان في الليلة الثالثة، أتاني فأنبهني، ثم قال :
قال : فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله. قال : فانطلقت إلى رحلي، فشددته على راحلتي، فما حللت نسعة، ولا عقدت أخرى، حتى أتيت رسول الله ﷺ، فإذا هو بالمدينة –يعني مكة – والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ ! قال : مرحبا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك. قال : قلت : يا رسول الله ! قد قلت شعرا، فاسمعه مني ! قال ﷺ : قل يا سواد، فقلت :
ثلاث ليال، قوله كل ليلة : *** أتاك رسول من لؤيّ بن غالب
قال : فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال لي : أفلحت يا سواد ! فقال له عمر رضي الله عنه : هل يأتيك رئيّك الآن ؟ فقال : منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله عز وجل من الجن ). ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين. انتهى(٧) كلام ابن كثير.
وقد ساقه الإمام الماورديّ في ( أعلام النبوة ) مع نظائر له، في الباب السادس عشر، في هتوف الجن، ثم قال : ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد، عمن لا يرى شخصه، ولا يحج قوله فخروجه عن العادة نذير، وتأثيره في النفوس بشير، وقد قبلها السامعون. وقبول الأخبار يؤكد صحتها، ويؤيد حجتها. فإن قيل : إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة، / جاز أن تكون دليلا على صحة الكهانة، فعنه جوابان :
أحدهما : أن دلائل النبوة غيرها، وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين الدلالة والبشارة إخبارا.
والثاني : أن الكهانة عن مغيّب، والبشارة عن معين، فالعيان معلوم، والغائب موهوم. انتهى.
التنبيه الثاني :
قال الماورديّ : في صرف الجن المذكور في قوله تعالى(٨) ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن﴾ وجهان :
أحدهما – أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب، ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ فقالوا : ما هذا الحادث في السماء، إلا لحادث في الأرض، وتخيلوا به تجديد النبوة، فجابوا الأرض، حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن مكة عامدا إلى عكاظ، وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن، ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه، فعلموا أنه لهذا الحادث، صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب. وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
أقول : وعليه فتكون ( إلى ) في ( إليك ) بمعنى لام التعليل. وذكر في ( المغني ) أنها تأتي مرادفة اللام، نحو(٩) ﴿والأمر إليك﴾. وفيه تكلف وبُعْدٌ، لنبوّه عما يقتضيه سياق ب
وروى الإمام أحمد (٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :( كان الجن يستمعون الوحي، / فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا. فيكون ما سمعوا حقا، وما زادوا باطلا. وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك. فلما بُعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده ألا رُمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال : ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبثّ جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال :( هذا الحدث الذي حدث في الأرض ). ورواه الترمذي (٣) والنسائي في كتابي التفسير من ( سننيهما ). وهكذا قال الحسن البصريّ :( إنه ﷺ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم ).
وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظيّ قصة خروج النبيّ ﷺ إلى الطائف، ودعائه إياهم إلى الله ﷺ عز وجل، وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها، ثم قال :( فلما انصرف عنهم، بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعته الجن من أهل نصيبين ). قال ابن كثير : وهذا صحيح، ولكن قوله ( إن الجن كان استماعهم تلك الليلة ) فيه نظر. فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دلّ عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور. وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال :( هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا، فأنزل الله عز وجل عليه(٤) ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن...﴾ الآية ). قال ابن كثير : فهذا مع الأول من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا : قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج.
فأما ما رواه البخاري ومسلم (٥) جميعا عن معن بن عبد الرحمن قال :( سمعت أبي يقول : سألت مسروقا : من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن فقال : حدّثني أبوك – يعني ابن مسعود رضي الله عنه – أنه آذنته بهم شجرة )، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس رضي الله عنهما، ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي أعلمته باجتماعهم، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات والله أعلم.
قال الحافظ البيهقيّ : وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم، ولم يرهم. ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن، فقرأ، عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله عز وجل – كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه -.
ثم قال ابن كثير : وأما ابن مسعود رضي الله عنه، فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن، ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا، لم يشهد حال المخاطبة. هذه طريقة البهيقي. وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم، لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى – والله أعلم- كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قل أوحيّ إليّ﴾ من حديث ابن جريج قال : قال عبد العزيز بن عمر :( أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة، فجن نصيبين ). وتأوّل البيهقي قوله ( فبتنا بشرّ ليلة ) على غير ابن مسعود، ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل، على بُعْدٍ /وبالجملة، فقد روي ما يدل على تكرار ذلك. وقد روي عن ابن عباس غير ما روي عنه أولا من وجه جيد عند ابن جرير(٦) في هذه الآية، قال :( كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم )، فهذا يدل على أنه قد روى القصتين. وذكر أبو حمزة الثماليّ أن هذا الحي من الجن كانوا أكثر الجن عددا، وأشرفهم نسبا. وعن ابن مسعود أنهم كانوا تسعة. ويروى أنهم كانوا خمسة عشر، وروي ستين، وروي ثلاثمائة. وعن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا. قال ابن كثير : فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه ﷺ. ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في ( صحيحه ) أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :( ما سمعت عمر رضي الله عنه لشيء قط يقول : إني لأظنه هكذا، إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب جالس، إذ مرّ به رجل جميل فقال : لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم. عليّ الرجل. فدعي له، فقال له ذلك، فقال : ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال : فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني ! قال كنت كاهنهم في الجاهلية. قال : فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟ قال : بينما أنا يوما في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت : ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ؟ قال عمر : صدق ! بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه، يقول : يا جليح ! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول : لا إله إلا الله. قال، فوثب القوم. فقلت : لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى : يا جليح ! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول : لا إله إلا الله. فقمت، فما نشبنا أن قيل : هذا نبيّ ) – هذا سياق البخاري – وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه. ثم قال : وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل / الذي ذبح. وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر رضي الله عنه. وسائر الروايات تدلّ على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه –والله أعلم -
وهذا الرجل هو سواد بن قارب. قال البيهقي : وسواد بن قارب يشبه أن يكون هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح. ثم روى بسنده عن البراء قال :( بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال : أيها الناس ! أفيكم سواد بن قارب ؟ قال، فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال : أيها الناس ! أفيكم سواد بن قارب ؟ قال، فقلت : يا أمير المؤمنين ! وما سواد بن قارب ؟ قال، فقال له عمر : إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا ! قال : فبينما نحن كذلك، إذ طلع سواد بن قارب. قال، فقال له عمر : يا سواد، حدثنا ببدء إسلامك كيف كان. قال سواد : فإني كنت نازلا بالهند، وكان لي رئيّ من الجن. قال، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذا جاءني في منامي ذلك، قال : قم فافهم، واعقل إن كنت تعقل ! قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب، ثم أنشأ يقول :
| عجبت للجن وتحساسهـا | وشدها العيس بأحلاسها |
| تهوي إلى مكة تبغي الهدى | ما خير الجن كأنجاسهـا |
| فانهض إلى الصفوة من هاشم | واسمُ بعينيك إلى راسها |
| عجبت للجن وتطلابها | وشدها العيس بأقتابها |
| تهوي إلى مكة تبغي الهدى | وليس قدماها كأذنابها |
| فانهض إلى الصفوة من هاشم | واسم بعينيك إلى قابها |
| عجبت للجن وتخبارها | وشدها العيس بأكوارها |
| تهوي إلى مكة تبغي الهدى | ليس ذوو الشر كأخيارها |
| فانهض إلى الصفوة من هاشم | ما مؤمنوا الجن ككفارها |
| أتاني رئيّ بعد ليل وهجعة | ولم يك فيما قد بلوت بكاذب |
| فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت بي الد | علب الوجناء بين السباسب |
| فأشهد أن الله لا رب غيره | وأنك مأمون على كل غائب |
| وأنك أدنى المرسلين وسيلة | إلى الله، يا ابن الأكرمين الأطايب |
| فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل | وإن كان فيما جاء شيب الذوائب |
| وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك | بمغن عن سواد بن قارب |
وقد ساقه الإمام الماورديّ في ( أعلام النبوة ) مع نظائر له، في الباب السادس عشر، في هتوف الجن، ثم قال : ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد، عمن لا يرى شخصه، ولا يحج قوله فخروجه عن العادة نذير، وتأثيره في النفوس بشير، وقد قبلها السامعون. وقبول الأخبار يؤكد صحتها، ويؤيد حجتها. فإن قيل : إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة، / جاز أن تكون دليلا على صحة الكهانة، فعنه جوابان :
أحدهما : أن دلائل النبوة غيرها، وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين الدلالة والبشارة إخبارا.
والثاني : أن الكهانة عن مغيّب، والبشارة عن معين، فالعيان معلوم، والغائب موهوم. انتهى.
التنبيه الثاني :
قال الماورديّ : في صرف الجن المذكور في قوله تعالى(٨) ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن﴾ وجهان :
أحدهما – أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب، ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ فقالوا : ما هذا الحادث في السماء، إلا لحادث في الأرض، وتخيلوا به تجديد النبوة، فجابوا الأرض، حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن مكة عامدا إلى عكاظ، وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن، ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه، فعلموا أنه لهذا الحادث، صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب. وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
أقول : وعليه فتكون ( إلى ) في ( إليك ) بمعنى لام التعليل. وذكر في ( المغني ) أنها تأتي مرادفة اللام، نحو(٩) ﴿والأمر إليك﴾. وفيه تكلف وبُعْدٌ، لنبوّه عما يقتضيه سياق ب
الأول روى الإمام مسلم(١) عن علقمة قال :( سألت ابن مسعود رضي الله عنه : هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن ؟ قال : لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل : استطير، اغتيل ! قال : فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال : فقلنا : يا رسول الله ! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فقال : أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن. قال، فانطلق بنا، فأرانا آثارهم ).
وروى الإمام أحمد (٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :( كان الجن يستمعون الوحي، / فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا. فيكون ما سمعوا حقا، وما زادوا باطلا. وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك. فلما بُعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده ألا رُمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال : ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبثّ جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال :( هذا الحدث الذي حدث في الأرض ). ورواه الترمذي (٣) والنسائي في كتابي التفسير من ( سننيهما ). وهكذا قال الحسن البصريّ :( إنه ﷺ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم ).
وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظيّ قصة خروج النبيّ ﷺ إلى الطائف، ودعائه إياهم إلى الله ﷺ عز وجل، وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها، ثم قال :( فلما انصرف عنهم، بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعته الجن من أهل نصيبين ). قال ابن كثير : وهذا صحيح، ولكن قوله ( إن الجن كان استماعهم تلك الليلة ) فيه نظر. فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دلّ عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور. وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال :( هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا، فأنزل الله عز وجل عليه(٤) ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن...﴾ الآية ). قال ابن كثير : فهذا مع الأول من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا : قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج.
فأما ما رواه البخاري ومسلم (٥) جميعا عن معن بن عبد الرحمن قال :( سمعت أبي يقول : سألت مسروقا : من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن فقال : حدّثني أبوك – يعني ابن مسعود رضي الله عنه – أنه آذنته بهم شجرة )، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس رضي الله عنهما، ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي أعلمته باجتماعهم، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات والله أعلم.
قال الحافظ البيهقيّ : وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم، ولم يرهم. ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن، فقرأ، عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله عز وجل – كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه -.
ثم قال ابن كثير : وأما ابن مسعود رضي الله عنه، فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن، ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا، لم يشهد حال المخاطبة. هذه طريقة البهيقي. وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم، لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى – والله أعلم- كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قل أوحيّ إليّ﴾ من حديث ابن جريج قال : قال عبد العزيز بن عمر :( أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة، فجن نصيبين ). وتأوّل البيهقي قوله ( فبتنا بشرّ ليلة ) على غير ابن مسعود، ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل، على بُعْدٍ /وبالجملة، فقد روي ما يدل على تكرار ذلك. وقد روي عن ابن عباس غير ما روي عنه أولا من وجه جيد عند ابن جرير(٦) في هذه الآية، قال :( كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم )، فهذا يدل على أنه قد روى القصتين. وذكر أبو حمزة الثماليّ أن هذا الحي من الجن كانوا أكثر الجن عددا، وأشرفهم نسبا. وعن ابن مسعود أنهم كانوا تسعة. ويروى أنهم كانوا خمسة عشر، وروي ستين، وروي ثلاثمائة. وعن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا. قال ابن كثير : فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه ﷺ. ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في ( صحيحه ) أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :( ما سمعت عمر رضي الله عنه لشيء قط يقول : إني لأظنه هكذا، إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب جالس، إذ مرّ به رجل جميل فقال : لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم. عليّ الرجل. فدعي له، فقال له ذلك، فقال : ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال : فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني ! قال كنت كاهنهم في الجاهلية. قال : فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟ قال : بينما أنا يوما في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت : ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ؟ قال عمر : صدق ! بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه، يقول : يا جليح ! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول : لا إله إلا الله. قال، فوثب القوم. فقلت : لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى : يا جليح ! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول : لا إله إلا الله. فقمت، فما نشبنا أن قيل : هذا نبيّ ) – هذا سياق البخاري – وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه. ثم قال : وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل / الذي ذبح. وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر رضي الله عنه. وسائر الروايات تدلّ على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه –والله أعلم -
وهذا الرجل هو سواد بن قارب. قال البيهقي : وسواد بن قارب يشبه أن يكون هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح. ثم روى بسنده عن البراء قال :( بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال : أيها الناس ! أفيكم سواد بن قارب ؟ قال، فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال : أيها الناس ! أفيكم سواد بن قارب ؟ قال، فقلت : يا أمير المؤمنين ! وما سواد بن قارب ؟ قال، فقال له عمر : إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا ! قال : فبينما نحن كذلك، إذ طلع سواد بن قارب. قال، فقال له عمر : يا سواد، حدثنا ببدء إسلامك كيف كان. قال سواد : فإني كنت نازلا بالهند، وكان لي رئيّ من الجن. قال، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذا جاءني في منامي ذلك، قال : قم فافهم، واعقل إن كنت تعقل ! قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب، ثم أنشأ يقول :
| عجبت للجن وتحساسهـا | وشدها العيس بأحلاسها |
| تهوي إلى مكة تبغي الهدى | ما خير الجن كأنجاسهـا |
| فانهض إلى الصفوة من هاشم | واسمُ بعينيك إلى راسها |
| عجبت للجن وتطلابها | وشدها العيس بأقتابها |
| تهوي إلى مكة تبغي الهدى | وليس قدماها كأذنابها |
| فانهض إلى الصفوة من هاشم | واسم بعينيك إلى قابها |
| عجبت للجن وتخبارها | وشدها العيس بأكوارها |
| تهوي إلى مكة تبغي الهدى | ليس ذوو الشر كأخيارها |
| فانهض إلى الصفوة من هاشم | ما مؤمنوا الجن ككفارها |
| أتاني رئيّ بعد ليل وهجعة | ولم يك فيما قد بلوت بكاذب |
| فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت بي الد | علب الوجناء بين السباسب |
| فأشهد أن الله لا رب غيره | وأنك مأمون على كل غائب |
| وأنك أدنى المرسلين وسيلة | إلى الله، يا ابن الأكرمين الأطايب |
| فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل | وإن كان فيما جاء شيب الذوائب |
| وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك | بمغن عن سواد بن قارب |
وقد ساقه الإمام الماورديّ في ( أعلام النبوة ) مع نظائر له، في الباب السادس عشر، في هتوف الجن، ثم قال : ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد، عمن لا يرى شخصه، ولا يحج قوله فخروجه عن العادة نذير، وتأثيره في النفوس بشير، وقد قبلها السامعون. وقبول الأخبار يؤكد صحتها، ويؤيد حجتها. فإن قيل : إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة، / جاز أن تكون دليلا على صحة الكهانة، فعنه جوابان :
أحدهما : أن دلائل النبوة غيرها، وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين الدلالة والبشارة إخبارا.
والثاني : أن الكهانة عن مغيّب، والبشارة عن معين، فالعيان معلوم، والغائب موهوم. انتهى.
التنبيه الثاني :
قال الماورديّ : في صرف الجن المذكور في قوله تعالى(٨) ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن﴾ وجهان :
أحدهما – أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب، ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ فقالوا : ما هذا الحادث في السماء، إلا لحادث في الأرض، وتخيلوا به تجديد النبوة، فجابوا الأرض، حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن مكة عامدا إلى عكاظ، وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن، ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه، فعلموا أنه لهذا الحادث، صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب. وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
أقول : وعليه فتكون ( إلى ) في ( إليك ) بمعنى لام التعليل. وذكر في ( المغني ) أنها تأتي مرادفة اللام، نحو(٩) ﴿والأمر إليك﴾. وفيه تكلف وبُعْدٌ، لنبوّه عما يقتضيه سياق ب