مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم إن الجن لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا ﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله﴾ واختلفوا في أنه هل المراد بداعي الله الرسول أو الواسطة التي تبلغ عنه ؟ والأقرب أنه هو الرسول لأنه هو الذي يطلق عليه هذا الوصف.
واعلم أن قوله ﴿أجيبوا داعي الله﴾ فيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أنه ﷺ كان مبعوثا إلى الجن كما كان مبعوثا إلى الإنس، قال مقاتل : ولم يبعث الله نبيا إلى الإنس والجن قبله.
المسألة الثانية : قوله ﴿أجيبوا داعي الله﴾ أمر بإجابته في كل ما أمر به، فيدخل فيه الأمر بالإيمان إلا أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين، لأجل أنه أهم الأقسام وأشرفها، وقد جرت عادة القرآن بأنه يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه كقوله ﴿وملائكته ورسله وجبريل﴾ وقوله ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان وهي قوله ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال بعضهم كلمة ﴿من﴾ هاهنا زائدة والتقدير : يغفر لكم ذنوبكم، وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة ﴿من﴾ هاهنا لابتداء الغاية، فكان المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم من ترك الأولى والأكمل.
المسألة الثانية : اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا ؟ فقيل لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم، واحتجوا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى :﴿ويجركم من عذاب أليم﴾ وهو قول أبي حنيفة، والصحيح أنهم في حكم بني آدم فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا القول قول ابن أبي ليلى ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة، قال الضحاك يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، والدليل على صحة هذا القول أن كل دليل دل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن، والفرق بين البابين بعيد جدا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى