البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ذكر ضدهم من أهل القوة، فقال :
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ * ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ * ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ * ﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾.
يقول الحق جل جلاله :﴿لقد كان لكم في رسول الله﴾ ؛ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿أسوَةٌ حَسَنَة﴾ ؛ خَصْلَةٌ حسنة، من حقها أن يُؤتسى بها ؛ كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد، ومباشرة القتال. أو : في نفسه قدوة يحسن التأسي به. كما تقول : في البيضة عشرون رطلاً من حديد، أي : هي في نفسها عشرون. وفيه لغتان : الضم والكسر، كالعِدوة والعُدوة، والرِشوة والرُشوة. وهي ﴿لمَن كان يرجو اللهَ واليوم الآخر﴾ أي : يخاف الله ويخاف اليوم الآخر، أو : لأجل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر. و " لمن " : قيل : بدل من ضمير " لكم "، وفيه ضعف ؛ إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما يدل على الإحاطة. وقيل : يتعلق بحسنة، أي : أسوة حسنة كائنة لمَن آمن، ﴿وذكر الله كثيراً﴾ أي : في الخوف والرجاء، والشدة والرخاء، فإن المؤتسِي بالرسول يكون كذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد تقدّم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - والاهتداء بهديه، وأنه منهاج الأكابر. وقوله تعالى :﴿ولَمَّا رأى المؤمنون الأحزاب...﴾ الآية. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيماناً وتسليماً، ويقيناً وطمأنينة، وتحققوا بصحة الطريق ؛ إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين، وسنة الأنبياء والمرسَلين. قال تعالى :﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] الآية. وتقدم في إشارتها ما يتعلق بهذا المعنى.
قال بعضهم : نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قَوِيَ نُورُنَا. وقال القشيري : كما أن المنافقين اضطربت عقائدهمُ عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثِقَةٌ، وعلى الأعداء جرأةً، ولحكم الله استسلاماً. وفي الله قوة. ثم قال : قوله تعالى :﴿من المؤمنين رجال صدقوا...﴾ الآية، شَكَرَ صنيعَهم في المِرَاسَ، ومدح يقينهم عند شهود الناس، وسمّاهم رجالاً ؛ إثباتاً لهم بالخصوصية في الرتبة، وتمييزاً لهم من بين أشكالهم بعلوِّ الحال، فمنهم مَنْ خرج من دنياه على صِدْقه، ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات، وحقيقة الصدق : حفْظُ العهد وترك مجاوزة الحدَّ. ويقال : استواءُ السِّرِّ والجهر. ويقال : هو الثبات عندما يكون الأمر جدًّا.
قوله تعالى :﴿... ليجزي الله الصادقين بصدقهم..﴾ في الدنيا بالتمكين، والنصرة على العدو، وإعلاء الرتبة، وفي الآخرة بجزيل الثواب، وجميل المآب، والخلودِ في النعيم المقيم، والتقدم على الأشكال بالتكريم والتعظيم. وقوله :﴿ويُعذب المنافقين إن شاء﴾ يقال : إذا لم يجَزم بعقوبة المنافق، وتعلَّق القول فيه على الرجاء، فبالحريّ ألا يُخيِّبَ المؤمنَ في رجائه. انتهى كلام القشيري.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى