التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - على سبيل التشريف والتكريم - ما قاله المؤمنون الصادقون عندما شاهدوا جيوش الأحزاب، فقال - تعالى - :﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾.
واسم الإِشارة ﴿هذا﴾ يعود إلى ما رأوه من الجيوش التى جاء بها المشركون، أو إلى ما حدث لهم من ضيق وكرب بسبب ذلك.
أى : وحين رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أقبلت نحو المدينة، لم يهنوا ولم يجزعوا، بل ثبتوا على إيمانهم وقالوا ﴿هذا﴾ الذى نراه من خطر داهم، هو ما وعدنا به الله ورسوله، وأن هذا الخطر سيعقبه النصر، وهذا الضيق سيعقبه الفرج، وهذا العسر سيأتى بعد اليسر.
قال الآلوسى ما ملخصه : وأرادوا بقولهم ذلك، ما تضمنه قوله - تعالى - فى سورة البقرة :﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ وكان نزول هذه الآية قبل غزوة الخندق بحول - كما جاء عن ابن عباس.
وفى رواية عن ابن عباس - أيضا - " أن الرسول ﷺ قال لأصحابه : إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا "، أى : فى آخر تسع ليال أو عشر، أى : من وقت الاخبار، أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد أقبلوا فى الموعد الذى حدده ﷺ قالوا ذلك.
وقوله - تعالى - :﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ داخل فى حيز ما قالوه.
أى : قالوا عندما شاهدوا جيوش الأحزاب : هذا ما وعدنا الله ورسوله، وقالوا - أيضا - على سبيل التأكيد وقوة اليقين والتعظيم لذات الله، ولشخصية رسوله : وصدق الله ورسوله، أى : وثبت صدق الله - تعالى - فى أخباره، وصدق رسوله ﷺ فى أقواله.
والضمير فى قوله :﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ يعود إلى ما رأوه من جيوش الأحزاب ومن شدائد نزلت بهم بسبب ذلك.
أى - وما زادهم ما شهدوه من جيوش الأحزاب، ومن بلاء أحاط بهم بسبب ذلك، إلا إيمانا بقدرة الله - تعالى - وتسليما لقضائه وقدره، وأملا فى نصره وتأييده

تفسير هذه الآية من كتب أخرى