زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أَيُّهَا النبي قُل لأزواجك. . .﴾ الآية، ذكر أهل التفسير أن أزواج النبي ﷺ سألنه شيئا من عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله ﷺ منهن شهرا، وصعد إلى غرفة له فمكث فيها، فنزلت هذه الآية، وكن أزواجه يومئذ تسعا : عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وصفية الخيبرية، وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، فنزل رسول الله ﷺ فعرض الآية عليهن، فبدأ بعائشة، فاختارت الله ورسوله، ثم قالت : يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك ؛ فقال :" إن الله بعثني مبلغا ولم يبعثني متعنتا " وقد ذكرت حديث التخيير في كتاب " الحدائق " وفي " المغني " بطوله.
وفي ما خيرهن فيه قولان :
أحدهما : أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، هذا قول عائشة عليها السلام.
والثاني : أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، أو اختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، قاله الحسن، وقتادة.
وفي سبب تخييره إياهن ثلاثة أقوال :
أحدها : أنهن سألنه زيادة النفقة.
والثاني : أنهن آذينه بالغيرة. والقولان مشهوران في التفسير.
والثالث : أنه لما خير بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة، أمر بتخيير نسائه ليكن على مثل حاله، حكاه أبو القاسم الصيمري.
والمراد بقوله :﴿أُمَتّعْكُنَّ﴾ : متعة الطلاق. والمراد بالسراح : الطلاق، وقد ذكرنا ذلك في البقرة :[ ٢٣١ ]. والمراد بالدار الآخرة : الجنة. والمحسنات : المؤثرات للآخرة.
قال المفسرون : فلما اخترنه، أثابهن الله عز وجل ثلاثة أشياء :
أحدها : التفضيل على سائر النساء بقوله :﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَاء﴾.
والثاني : أن جعلهن أمهات المؤمنين.
والثالث : أن حظر عليه طلاقهن والاستبدال بهن بقوله :﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النّسَاء مِن بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. وهل أبيح له بعد ذلك التزويج عليهن ؟ فيه قولان سيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى