فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿يا أيها النبي قُل لأزواجك﴾ قيل : هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدّمها من المنع من إيذاء النبيّ ﷺ، وكان قد تأذّى ببعض الزوجات. قال الواحدي : قال المفسرون : إن أزواج النبي ﷺ سألنه شيئاً من عرض الدنيا، وطلبن منه الزيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهنّ على بعض، فآلى رسول الله ﷺ منهنّ شهراً، وأنزل الله آية التخيير هذه، وكنّ يومئذ تسعاً : عائشة وحفصة وأمّ سلمة وأمّ حبيبة وسودة هؤلاء من نساء قريش، وصفية الخيبرية وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. ومعنى ﴿الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا﴾ سعتها ونضارتها ورفاهيتها والتنعم فيها ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ أي أقبلن إليّ ﴿أُمَتّعْكُنَّ﴾ بالجزم جواباً للأمر، أي أعطكنّ المتعة، ﴿و﴾ كذا ﴿أسرّحكنّ﴾ بالجزم، أي أطلقكنّ وبالجزم في الفعلين قرأ الجمهور، وقرأ حميد الخراز بالرفع في الفعلين على الاستئناف، والمراد بالسراح الجميل هو الواقع من غير ضرار على مقتضى السنة. وقيل : إن جزم الفعلين، على أنهما جواب الشرط، وعلى هذا يكون قوله :﴿فتعالين﴾ اعتراضاً بين الشرط والجزاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال : أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، والناس ببابه جلوس، والنبيّ ﷺ جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبيّ ﷺ جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر : لأكلمنّ النبيّ ﷺ لعله يضحك، فقال عمر : يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر، سألت النفقة آنفاً فوجأت في عنقها، فضحك النبيّ ﷺ حتى بدت نواجذه وقال :«هنّ حولي يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان : تسألان رسول الله ﷺ ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله ﷺ، فقلن نساؤه : والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وأنزل الله الخيار، فنادى بعائشة فقال :«إني ذاكر لك أمراً ما أحبّ أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك»، قالت : ما هو ؟ فتلا عليها :﴿يا أيها النبي قُل لأزواجك﴾ الآية، قالت عائشة : أفيك أستأمر أبويّ، بل أختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لنسائك ما اخترت فقال :«إن الله لم يبعثني متعنتاً ولكن بعثني معلماً مبشراً، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها». وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ؛ أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت : فبدأ بي فقال :«إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك»، وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال : إن الله قال :﴿يا أيها النبى قُل لأزواجك إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا﴾ إلى تمام الآية، فقلت له : ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفعل أزواج النبيّ ﷺ مثل ما فعلت.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالحا﴾ قال يقول : من يطع الله منكنّ وتعمل منكنّ لله ورسوله بطاعته. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله :﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول﴾ قال : يقول لا ترخصن بالقول ولا تخضعن بالكلام. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله :﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول﴾ قال : مقارنة الرجال في القول حتى يطمع الذي في قلبه مرض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال : نبئت أنه قيل لسودة زوج النبيّ ﷺ : مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك ؟ فقالت : قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقرّ في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت ؛ قال : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن مسروق قال : كانت عائشة إذا قرأت ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ بكت حتى تبلّ خمارها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب قال : كانت الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ؛ أن عمر بن الخطاب سأله، فقال : أرأيت قول الله لأزواج النبيّ ﷺ :﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى﴾ هل كانت جاهلية غير واحدة، فقال ابن عباس : ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة، فقال له عمر : فأتني من كتاب الله ما يصدّق ذلك، فقال : إن الله يقول :﴿وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده هُوَ اجتباكم﴾ [الحج: ٧٨] أوّل مرّة فقال عمر : من أمرنا أن نجاهد ؟ قال : مخزوم وعبد شمس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضاً في الآية قال : تكون جاهلية أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة أنها تلت هذه الآية فقالت : الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : الجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد.
وقد قدّمنا ذكر الآثار الواردة في سبب نزول قوله :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت﴾. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة﴾ قال : القرآن والسنة، يمتنّ بذلك عليهنّ. وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة عن سهل في قوله :﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية قال : كان رسول الله ﷺ يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى