البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿وسبِّحوه﴾ أي : نزِّهوه، أو : قولوا : سبحان الله وبحمده، ﴿بكرةً﴾ أول النهار ﴿وأصيلاً﴾ آخر النهار. وخُصَّا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما. وعن قتادة :( قولوا : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ). أو : الفعلان أي :﴿اذكروا﴾ و﴿سبّحوه﴾ موجهان إلى البُكرة والأصيل، كقولك : صم وصلِّ يوم الجمعة. والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختص من بين أنواعه إبانةً لفضله ؛ لأن معناه : تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات. ويجوز أن يراد بالذكر وإكثاره : تكثير الطاعات والعبادات، فإنها من جملة الذكر، ثم خصّ من الذكر التسبيح بكرة، وهي صلاة الفجر، وأصيلاً، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أو : صلاة الفجر والعشاءين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال القشيري : قوله تعالى :﴿اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ الإشارة فيه : أَحِبُّوا الله لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ " مَنْ أحبَّ شيئاً أكثَرَ من ذكره(٢) " فيُحب أن يقول : الله، ولا ينسَ اللهَ بعد ذكر الله. هـ. قلت : لأن ذكر الله عنوان محبته، ومنار وصلته، وهو الباب الأعظم في الدخول إلى حضرته، ولله در القائل :
الذكر عمدة لكل سـالكتنورت بنوره المسالك
هو المطيـة التي لا تنتكبما بعدها في سرعة الخُطا نُجُب
به القلوب تطمئن في اليقينما بعده على الوصالِ من معين
به بلوغ السـالكيـن للمُنـىبه بقاء المرء مِن بعد الفنا
به إليك كل صعب يسـهلبه البعيد عن قريب يحصل
فهـو أقـوى سـبب لديـكَوكلُّهُ إليك، لا عليك
فكل طاعة أتى الفتى بهـاهو أساسها، كذاك سَقفها
ووحدَه يفـوق كل طـاعـهكما أتى عن صاحب الشفاعهْ
كَفى بفضله لدا البيـانذهابه بالسهو والنسيان
إذا ذكرتَ مَن له الغنى العظيملديك يصغرُ الفقير يا نديم
عليه دُمْ حتى إذا تجوهـرابسره الفؤاد كلّ ما ترى
ترى به المذكور دون سـتروقد علا الإدراك درك الفكر
به الحبيب في الورى تجلّىبه السِّوى عن الحِجا تولى
به تمكن المريد في الفناحتى يصيرَ قائلاً أنا أنا
به رجوعـه إلـى العبـادهبه التصرُّف الذي في العادهْ
تالله لو جئتُ بكـل قـولما جئتكم بما لَهُ من فضـل
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سَبَق المُفَرِّدُونَ "، قيل : مَن المفرِّدون يا رسول الله ؟ قال : المُسْتَهْتَرُون بذِكْرِ الله، يَضَعُ الذِّكرُ عنهم أثقالَهُمْ، فيَردُون يَوْمَ القيامةِ خِفَافاً(٣) ". وسئل صلى الله عليه وسلم : أيّ المجاهدين أعظمُ أجراً ؟ قال :" أكثرهم لله تبارك وتعالى ذِكْراً. قيل : فأي الصالحين أعظم أجراً ؟ قال : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذِكْراً. ثم ذَكَرَ الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً ". فقال أبو بكر لعمرَ : يا أبا حفصٍ ؛ ذهب الذاكرون بكل خيرٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أجل(٤) " رواه أحمد والطبراني.
وقوله تعالى :﴿هو الذي يُصلي عليكم...﴾ الآية. قال الورتجبي : صلوات الله : اختياره العبدَ في الأزل لمعرفته ومحبته، فإذا خصَّه بذلك جعل زلاته مغفورة، وجعل خواص ملائكته مستغفرين له، لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه عن اشتغاله بالله ومحبته، وبتلك الصلاة يُخرجهم من ظلمات الطبع إلى نور المشاهدة، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته الكافية القدسية. ألا ترى إلى قوله :﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾ أي : قبل وجودهم، حيث أوجدهم، وهداهم إلى نفسه، بلا سبب ولا علة. ثم قال عن ابن عطاء : أعظم عطية للمؤمن في الجنة : سلام الله عليهم من غير واسطة. هـ.
وقوله تعالى :﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ قال القشيري : التحيةُ إذا قُرِنَتْ بالرؤية، واللقاءُ إذا قُرن بالتحية، لا يكون إلا بمعنى رؤية البصر، والتحية : خطاب يُفاتح بها الملوك، أخبر عن عُلُوِّ شأنهم، فهذا السلام يدلّ على علو رتبتهم. هـ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى